Wednesday, 4 March 2026

 وثيقة ألمانية عمرها قرابة نصف قرن تؤكد:

ـ «ديفيد كيمحي»، مسؤول الموساد في أوربا، تمكن من تجنيد «نواف سلام» في باريس منذ العام 1979 على الأقل

ـ إسرائيل طلبت من أمين الجميل أن يكون أنطوان فتال و نواف سلام هما من يمثل لبنان لإبرام «اتفاقية سلام»

ـ والاتحاد السوفييتي كان يحرض أمين الجميل وحلفاءه من «الحركة الوطنية» على إبرام اتفاق سلام مع إسرائيل و طرد الفلسطينيين من  لبنان!

ـ «جورج حاوي » كان يرسل مسؤوله الأمني والعسكري «الياس عطا الله» سراً إلى «أمين الجميل» ليبلغه أن «الحزب الشيوعي لا يعارض انتخابه ولا يعارض إبرام اتفاقية سلام مع إسرائيل»! 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) ـ إلى الزائر الكريم: من أجل تصفح بالحجم الكامل للصور والروابط، يرجى الضغط عليها.

ــــــــــــــــــــــــــــ

   أحد أكثر الأمور مدعاة للأسف والإحباط في حياتي هو أني لم أستطع، لأسباب صحية وأخرى تتعلق بظروفنا «الغجرية/ القرباطية» وحالة «التعتير» التي نعيشها، أن أنجز ترجمة وتحرير «مذكرات ماركوس فولف عن العالم العربي»، رغم وجود ملف الوثائق الذي وضعه بتصرفي منذ حوالي ربع قرن، فضلاً عن عشرات الرسائل الإيضاحية التي كتبها لي جواباً على أسئلتي المتعلقة بشأن محتوياتها وقضايا أخرى ذات صلة. وكان من نتائج ذلك أني نسيت ثلاثة أرباع موضوعات تلك الوثائق والرسائل ومحتوياتها، ناهيكم عن مئات التفاصيل المفتاحية التي تتضمنها. وفي كل مرة أعود إليها، حين يمكنني ذلك، أكتشف شيئاً جديداً أشعر وكأني أراه للمرة الأولى، رغم أني نشرت - انتقائياً- العديد من وثائق هذا الإرشيف ومحتوياته في مناسبات مختلفة خلال السنوات العشرين الأخيرة، بالعربية والإنكليزية.

  مؤخراً، وحين عدت إلى المنزل من أجل استراحة منزلية لبعض الوقت من العلاج الوحشي في المشافي، وبينما كنت أبحث عن وثيقة تتعلق بظروف اختطاف وتقطيع القائد الشيوعي اللبناني فرج الله الحلو بالمنشار وتذويبه بالأسيد بأوامر جمال عبد الناصر صيف العام 1959، بتواطؤ من الجاسوس المجرم محمد حسنين هيكل، عثرت في تلك الوثائق على تقرير رفعه سفير ألمانيا الديمقراطية في بيروت، برونو سيدلاتشيك ، بتاريخ 1 أكتوبر 1982،  إلى رئيسه في «برلين الشرقية» ، وزير الخارجية أوسكار فيشر، حول اتصالات أميركية -إسرائيلية - لبنانية سرية كانت جارية آنذاك لإبرام «معاهدة سلام» بين لبنان وإسرائيل على غرار «معاهدة كامب ديفيد» المصرية - الإسرائيلية؛ وهي التي ستُبرم فعلاً في العام التالي لتصبح ما سيُعرف باسم «اتفاق 17 أيار».  ونحن نقول الآن عن تلك الاتصالات بأنها كان «سرية» لأنها حصلت في أيلول / سبتمبر 1982، أي في الوقت الذي كانت قوات الاحتلال الإسرائيلية لا تزال في بيروت ( انسحبت منها في 29 من الشهر المذكور).

   القصة الرسمية المعروفة للعموم، من خلال أعمال المؤرخين ومذكرات الديبلوماسيين، وما جرى تسريبه من وثائق أميركية وإسرائيلية، هو أن الاتصالات بشأن «المعاهدة» بدأت في ديسمبر 1982و يناير 1983، بغض النظر عن أن العلاقة بين ميليشيات «اليمين المسيحي» وإسرائيل بدأت منذ العام 1976. لكن ما يتضمنه تقرير السفير الألماني / الشرقي ينسف هذه الرواية من أساسها. فاستناداً إلى ما عرفته السفارة ومحطة مخابرات ألمانيا الشرقية (HV-A) في بيروت، نفهم أن تلك الاتصالات بدأت بين الأطراف المعنية منذ الساعات الأولى لانتخاب أمين الجميل رئيساً للبنان في 23 سبتمبر 1982، خلفاً لشقيقه بشير الذي اغتيل قبل ذلك بنحو أسبوعين. وفي هذا السياق يكشف التقرير أن من اغتاله هو «الحزب القومي السوري» بدعم «لوجستي» من إحدى الجهات في المخابرات السورية، ولكن «دون دون معرفة/ موافقة الرئيس حافظ الأسد»، كما يقول التقرير. ويسجل للسفارة ومحطتها الأمنية، التي كانت أقوى محطة استخبارات أجنبية في بيروت، أنها علمت بذلك قبل إعلان «حزب الكتائب» رسمياً في 2 أكتوبر 1982عن « وقوف الحزب القومي وراء العملية، واعتقال المنفذ حبيب الشرتوني».

  ولعل أخطر ما ورد في التقرير هو إشارته إلى أن رئيس الوزراء اللبناني الحالي ، نواف سلام، الذي أقدم مؤخراً - بطلب من «مشغليه» الأميركيين والإسرائيليين - على اتخاذ قرار بحل الجهاز العسكري التابع لـ«حزب الله»، واعتباره «خارجاً على القانون» رغم أنه في خضم حرب مع دولة الاحتلال، جرى تجنيده من قبل ديفيد كيمحي منذ العام 1979 على الأقل. وكان كيمحي في ذلك التاريخ  رئيساً لقسم الاستخبارات الديبلوماسية الإسرائيلية/ TEVEL  في أوربا، قبل أن يصبح نائباً لرئيس الموساد لفترة قصيرة، ثم نائباً لوزير الخارجية ، إسحاق شامير، ومنسقَ الأنشطة الإسرائيلية في لبنان، بينما كان نواف سلام يومها (في العام 1979) محاضراً في جامعة السوربون الفرنسية. ويشير التقرير في هذا السياق إلى أن إسرائيل هي من طلب في سبتمبر 1982 أن يكون سفير لبنان لدى الفاتيكان آنذاك ، أنطوان فتال ، ذو الأصول السورية، و نواف سلام، الذي كان أصبح يومها (1982) زميلاً باحثاً في «معهد الشؤون الدولية» بجامعة هارفارد في الولايات المتحدة، على رأس الوفد اللبناني في أية مفاوضات من أجل إبرام «معاهدة سلام».  كما ويشير التقرير إلى أن جد نواف سلام ( سليم سلام) وعمه ( صائب سلام، رئيس الوزراء فيما بعد) كانا كذلك عميلين للحركة الصهيونية وذراعها التنفيذية «الوكالة اليهودية» قبل إقامة دولة إسرائيل ( جوسسة بالوراثة، لكأنما يوجد صبغيات عائلية يتناقلونها!) . ومن من المعلوم الآن، كما كشفت أراشيف «الوكالة اليهودية» لاحقاً، أن المذكورين كليهما (سليم سلام وابنه صائب) انخرطا، إلى جانب قادة وكوادر «الكتلة الوطنية» السورية ورموزها من السياسيين ورجال الأعمال(شكري القوتلي، جميل مردم بيك، نسيب البكري، الشاعر فخري البارودي، الأمير عبد الرزاق الجزائري، بدر الدين الشلاح ....إلخ)، في أكبر عملية بيع للأراضي التي كانوا يملكونها في شمال فلسطين والجنوب السوري لصالح «الوكالة اليهودية» و«الصندوق القومي اليهودي» ، فضلاً عن سمسرتهم لبيع أراض ٍ أخرى في الشمال الفلسطيني لم تكن من ممتلكاتهم. وكانت الأموال تُحوَّل لهم جميعاً إلى حسابات في «البنك البريطاني -الفلسطيني/ فرع بيروت»، الذي أصبح يحمل اسم «بنك ليؤومي الإسرائيلي» بعد إقامة دولة إسرائيل في العام 1948. كما أن المسؤولين السوريين المذكورين، وكما كشفت أراشيف «الوكالة اليهودية» و«الصندوق القومي اليهودي»، كانوا يستقبلون مسؤولي الحركة الصهيونية و «الوكالة» في منزل الشاعر فخري البارودي في «غوطة دمشق» الشرقية (بلدة دوما). وهو ما فعله أيضاً  في العام 1938 قائد «الثورة السورية الكبرى»، سلطان باشا الأطرش، و رئيس أركانه  خلال «الثورة»، يوسف العيسمي (والد القيادي البعثي شبلي العيسمي، المشهور لاحقاً، و وثيق الصلة بالسفير البريطاني في بيروت أواخر الستينيات سيسيل إدوارد كينغ Cecil Edward King)، من أجل بحث «توطين  دروز فلسطين في جنوب سوريا و في وادي التيم جنوب لبنان، مقابل قيام الحركة الصهيونية و الوكالة اليهودية بتقديم مساعدات تقنية له ولأتباعه في المجال الزراعي، وإنشاء الطرق والبنى التحتية الأخرى...إلخ»، كما جاء في وثائق «الوكالة» و «الصندوق»!

في أي حال، يتضمن  تقرير سفير ألمانيا الديمقراطية (الذي توجد ترجمة كاملة له في نهاية هذا المقال، وصورة عنه جانباً) العديد من المعلومات الصادمة، والتي تنسف ما نعرفه عن حقيقة مواقف الكثير من القوى اللبنانية والشخصيات السياسية آنذاك ( صيف وخريف العام 1982). وفيما يلي أبرز هذه النقاط:

ـ استجاب أمين الجميل لطلب ديفيد كيمحي وأحضر أنطوان فتال من روما ليكون رئيساً للوفد اللبناني المفاوض، ونواف سلام من نيويورك ليكون مستشاراً قانونياً له؛ 

ـ رئيس الوزراء شفيق الوزان، ورئيس مجلس النواب كامل الأسعد، كانا داعمين للعلاقة مع إسرائيل؛ ولا يعارضان الأهداف الإسرائيلية؛

ـ كان هناك انقسام في «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» بشأن السلام مع إسرائيل. وقد انعكس هذا الانقسام على حركة «أمل» التي كان يترأسها نبيه بري، فقد امتنع أعضاء الحركة في «الجنوب» عن مواجهة الغزو الإسرائيلي، بينما انخرط مقاتلو الحركة في بيروت، الذين كانوا مؤيدين بقوة للثورة الإسلامية في إيران، في قتال الإسرائيليين ودعم الحركة الوطنية والفلسطينية؛

ـ كانت إسرائيل تريد دمج الميليشيات التي أنشأتها في الجنوب («جيش أنطوان لحد») في الجيش اللبناني الرسمي بعد إبرام معاهدة سلام، وإنشاء منطقة منزوعة السلاح بعمق 50 كم داخل الأراضي اللبنانية؛

ـ تضمنت الاتصالات السرية إمكانية تفكيك المخيمات الفلسطينية في جنوب لبنان ونقل اللاجئين إلى العراق وبعض الدول الأوربية وكندا. وقد أبلغ ديفيد كيمحي الرئيس المنتخب أمين الجميل، بأن إسرائيل يمكنها مساعدة لبنان على ذلك بما لها من علاقات ونفوذ؛

ـ حافظ الأسد لم يكن يعارض آنذاك إبرام معاهدة سلام لبنانية- إسرائيلية؛

ـ كان الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني، جورج حاوي، يرسل المسؤول العسكري والأمني في الحزب، الياس عطا الله، إلى أمين الجميل سراً ليخبره بأن الحزب لا يعارض انتخابه، ويدعم المفاوضات مع إسرائيل. كما أن عطا الله كان يتجول سراً بسيارة الديبلوماسي الأميركي رايان كروكر ، و وزير السياحة مروان حمادة، ويعبر حواجز الاحتلال الإسرائيلي بإذن إسرائيلي خاص. وحين سأل السفير الألماني/ الشرقي  جورج حاوي عن الأمر، برر هذا الأخير سلوك عطا الله بأنه مضطر إلى القيام بذلك من أجل زيارة عائلته المقيمة في منطقة واقعة تحت الاحتلال الاسرائيلي (بلدة الرميلة، جنوب بيروت)! 

ـ كان الاتحاد السوفييتي يدعم الاتصالات السرية الجارية من أجل معاهدة سلام إسرائيلية - لبنانية، وكان السفير السوفييتي ألكسندر سولداتوف يحرض ويشجع «الحزب» و وليد جنبلاط على ذلك، بناء على توجيهات وزير الخارجية السوفييتية أندريه غروميكو؛

ـ ...إلخ.

«نبوآت» السفارة الألمانية، التي ثبتت صحتها:

رأت السفارة في تقريرها أن إبرام «معاهدة سلام» أمر متوقع بقوة خلال الفترة القريبة القادمة،لكنها تنبأت بأن هكذا معاهدة لن تستطيع الصمود، لأن قسماً كبيراً من الشيعة أصبحوا من مؤيدي النظام الجديد في إيران. ويشير التقرير في هذا السياق إلى أن إيران، ورغم انشغالها بالتصدي للحرب التي أعلنها ضدها تحالف «أميركي - خليجي - مصري» من خلال نظام صدّام حسين، أرسلت قوات من «الحرس الثوري» لمساعدة الحركة الوطنية اللبنانية والفلسطينية للتصدي للغزو الإسرائيلي، وأنشأت معسكرت تدريبية لهذه الغاية شمال شرق لبنان. ورغم معارضة حافظ الأسد لهذه الأنشطة، ولأي نفوذ إيراني، لم يكن لديه أي خيار آخر سوى تقديم التسهيلات اللوجستية لقوات «الحرس الثوري» الإيراني بعد أن ضعف موقفه الاستراتيجي  والتفاوضي نتيجة «معاهدة كامب ديفيد» المصرية- الإسرائيلية والغزو الإسرائيلي للبنان واقتراب قوات الاحتلال من  دمشق (حوالي 25 كم في بعض النقاط) و إخراج قوات الجيش السوري من بيروت.  

ــــــــــــــــــــــــ

(*) ـ أغتنم الفرصة لشكر السيدة أندريا شتنغلAndrea Stingl ، أرملة فولف، وابنتها السيدة كلوديا، على المساعدة التي قدمتاها في ترجمة التقرير من الألمانية، التي لا أعرفها، إلى الإنكليزية كي يتسنى لي فهم ما جاء فيه. وهو ما قامتا به، مع أصدقاء ألمان آخرين، فيما يتعلق بجميغ مواد «أرشيف فولف» الأخرى المكتوبة بالألمانية.

ـ الموظف الأميركي الكبير كينيث هاس، الذي يشير إليه التقرير على أنه وصل إلى بيروت مؤخراً (صيف العام 1982)، والذي تعتقد السفارة أنه رئيس محطة وكالة المخابرات المركزية الجديد في بيروت، قتل في العام التالي حين أقدم عماد مغنية على نسف اجتماع لضباط الوكالة في الشرق الأوسط في السفارة الأميركية في بيروت. وقد ثبت لاحقاً أنه فعلاً كما خمنت السفارة. ( هنا سيرته الذاتية).   

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الترجمة الكاملة لتقرير السفارة الألمانية / الشرقية:

مجلس وزراء جمهورية ألمانيا الديمقراطية

وزارة الشؤون الخارجية 

سفارة جمهورية ألمانيا الديمقراطية في الجمهورية اللبنانية

بيروت في : 1 أكتوبر 1982

الرقم : 159 / 1982

عدد الصفحات : 4

إلى الرفيق أوسكار فيشر [ وزير الخارجية]. 

تقريــر معلومات 

بعد نجاح الولايات المتحدة وإسرائيل في إخراج قوات الجيش السوري ومنظمة التحرير الفلسطينية من بيروت في أغسطس الماضي، تفيد معلومات مؤكدة من مصادرنا بأن اتصالات مكثفة تجري الآن تحت رعاية وزير الخارجية الأميركية جورج شولتز والسفيرين فيليب حبيب وموريس دريبر، المبعوثين الخاصين للرئيس رونالد ريغان إلى الشرق الأوسط  ولبنان،من أجل إبرام «معاهدة سلام» بين لبنان وإسرائيل على غرار «معاهدة كامب ديفيد» المصرية – الإسرائيلية (*). ومن الواضح أن الرئيس اللبناني الجديد، أمين الجميّل، الذي انتخب في 23 سبتمبر الماضي خلفاً لشقيقه «بشير الجميل»، الذي اغتيل - بحسب معلوماتنا - من قبل «الحزب القومي الاجتماعي السوري»  الذي تلقى دعماً لوجستياً من إحدى الجهات الأمنية السورية دون موافقة الرئيس الأسد، يضغط بشدة من أجل إبرام هكذا معاهدة.

توجهات الرئيس اللبناني الجديد تحظى بدعم الأحزاب والقوى السياسية والدينية المسيحية والسنية والشيعية التقليدية، بالإضافة للدول العربية الأساسية، لاسيما مصر والسعودية وسوريا والعراق. وبحسب معلومات مؤكدة حصلت عليها السفارة، فإن الرفيق «أندريه غروميكو» طلب من السفير السوفييتي في لبنان، «ألكسندر سولداتوف»، إبلاغ الرئيس «أمين الجميل» و زعيم «الحزب التقدمي الاشتراكي» ، وليد جنبلاط، والرفيق جورج حاوي ، الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني، بأن الاتحاد السوفييتي «يدعم ويشجع أي مفاوضات لبنانية – إسرائيلية تهدف إلى تطبيق قرارات مجلس الأمن  الخاصة بلبنان (425 ، 427 ، 490) و إلى إبرام معاهدة سلام بين البلدين». مع ذلك، وحين سألت السفير سولداتوف عن الأمر، رفض إعطائي جواباً واضحاً. وبحسب معلومات السفارة، فإن السفير سولداتوف طلب من السيد جنبلاط والرفيق حاوي «أن يدعما أية مفاوضات لبنانية- إسرائيلية ، ودعاهما إلى التركيز على تجريد الفلسطينيين من السلاح من أجل عدم تقديم ذريعة للإسرائيليين للبقاء في لبنان». وقد لوحظ أن الرفيق جورج حاوي أرسل المسؤول الأمني والعسكري في الحزب (الياس عطا الله) سراً إلى الرئيس المنتخب أمين الجميل وأبلغه بأن «الحزب لا يعارض انتخابه ، و يدعم أي مفاوضات تهدف إلى إقامة سلام عادل بين لبنان وإسرائيل»(**).

الموقف الإسرائيلي :

ـ وفق ما رشح من معلومات مؤكدة، فإن الإسرائيليين يريدون، إضافة لمعاهدة سلام وتطبيع علاقات تام مع لبنان، إقامة منطقة منزوعة السلاح في الجنوب اللبناني حتى مدينة صيدا ( حوالي 50 كم في العمق اللبناني)، و دمج ميليشيا"جيش لبنان الجنوبي" الذي أنشأته إسرائيل في العام 1978 في الجيش اللبناني المستقبلي. إضافة لذلك، يطرح الإسرائيليون أيضاً في كواليس الاتصالات إمكانية تفكيك المخيمات الفلسطينية في المنطقة المذكورة و ترحيل سكانها إلى خارج لبنان، لاسيما العراق وكندا وبعض الدول الأوربية. وبحسب ما نقل عن الرئيس المنتخب أمين الجميل، فإن منسق الأنشطة الإسرائيلية في لبنان ديفيد كيمحي ( نائب رئيس الموساد سابقاً) أبلغه بأن إسرائيل " تستطيع مساعدة لبنان على التخلص من معظم اللاجئين الفلسطينيين من خلال فتح باب الهجرة لهم إلى كندا وألمانيا والدول الاسكندنافية". وبحسب معلومات مؤكدة فإن ديفيد كيمحي طلب من الرئيس الجميل أن يكون الوفد اللبناني إلى المفاوضات المنتظرة مكوناً بشكل خاص من اثنين من اللبنانيين وثيقي الصلة بإسرائيل ، وهما "أنطوان فتال"، السوري الأصل وسفير لبنان الحالي لدى حاضرة الفاتيكان، و الدكتور نواف سلام، الأستاذ في "مركز الشؤون الدولية/ جامعة هارفارد" في نيويورك. وبحسب مصادر السفارة، فإن ديفيد كيمحي تمكن من تجنيد "نواف سلام" رسمياً لصالح جهاز "الموساد" منذ العام 1979 حين كان هذا الأخير محاضراً في جامعة السوربون الفرنسية ، بينما كان كيمحي رئيساً لقسم الاستخبارات الديبلوماسية الإسرائيلية/ TEVEL  في أوربا. وطبقاً لرواية أحد ضباط "الشعبة الثانية"( المخابرات العسكرية اللبنانية) فإن كيمحي استخدم السيرة الذاتية لجد نواف سلام ، سليم سلام، وعمه رئيس الحكومة السابق "صائب سلام"، كـ "جسر" لتجنيده ( كل من الجد والعم كانا يعملان لصالح الحركة الصهيونية وذراعها التنفيذية "الوكالة اليهودية" قبل قيام دولة إسرائيل).

الموقف اللبناني :

ـ الحكومة اللبنانية، ممثلة برئيس الجمهورية المنتخب و رئيس حكومته شفيق الوزان (وهو ممثل للمسلمين السنة وفق النظام الطائفي اللبناني) ، ورئيس مجلس النواب كامل الأسعد ( ممثل المسلمين الشيعة وفق النظام نفسه) ، لا يعارضون الأهداف الإسرائيلية بشكل عام، نظراً لوجود "تيار قوي مؤيد لإسرائيل ومعاد للفلسطينيين" في أوساط القوى السياسية والدينية التقليدية. لكن، وفي الآن نفسه، هناك انقسام حول هذه القضية في "المجلس الشيعي الأعلى" ، الذي يعتبر بمثابة مرجعية دينية للشيعة. وقد انعكس هذا الإنقسام على موقف ميليشيا حركة "أمل" الشيعية التي يترأسها المحامي " نبيه بري" المقرب من سوريا. هذا الانقسام عبر عن نفسه من خلال تجنب مقاتلي "أمل" الجنوبيين الانخراط في مواجهة القوات الإسرائيلية الغازية في جنوب لبنان، بينما انخرط أعضاء "أمل" في بيروت، وهم مؤيدون بقوة لإيران،في القتال إلى جانب القوى الوطنية اللبنانية والفلسطينية، لاسيما حين حاولت القوات الغازية اقتحام بيروت من جهتها الجنوبية والسيطرة على مطارها.

رأي السفارة:

من المتوقع بقوة أن يجري إبرام "معاهدة سلام" لبنانية - إسرائيلية خلال الفترة القريبة القادمة، إلا أنه من غير الممكن أن تستطيع هكذا معاهدة الصمود لفترة طويلة، نظراً للمعارضة القوية التي تبديها الجمهورية الإسلامية الإيرانية لأي سلام مع إسرائيل، ولأن قسماً كبيراً من الشيعة اللبنانيين أصبح من مؤيدي النظام الجديد في إيران. وطبقاً لمعلومات مؤكدة حصلت عليها السفارة، فإن قوات "الحرس الثوري" الإيرانية التي جاءت إلى لبنان  الصيف الماضي للمشاركة في التصدي للغزو الإسرائيلي وتدريب الشيعة الراغبين في القتال، رغم انشغال إيران بالتصدي للغزو العراقي الذي وقفت وراءه الولايات المتحدة ودول الخليج الفارسي ومصر، أنشأت معسكرات ومراكز تدريب لهذه الغاية شمال شرق لبنان.  وتؤكد هذه المعلومات أن "قوات الحرس الثوري" تسعى الآن إلى استقطاب أكبر عدد ممكن من مقاتلي وأنصار "أمل"، لاسيما منهم مناصري تيار الإمام "موسى الصدر" ( المناهض بقوة لإسرائيل والغرب، والمختطف في ليبيا منذ صيف العام 1978) ، من أجل تشكيل قوة عسكرية وسياسية شيعية لبنانية ضاربة على غرار "الحرس الثوري" تكون قادرة على شن حرب عصابات فعالة ضد الإسرائيليين  و"القوات متعددة الجنسية" (الأميركية والفرنسية) . ورغم معارضة الرئيس السوري حافظ الأسد لأي نفوذ إيراني في سوريا و لبنان، لم يكن لديه أي خيار آخر سوى تقديم التسهيلات اللوجستية لقوات "الحرس الثوري" الإيراني بعد أن ضعف موقفه الاستراتيجي  والتفاوضي نتيجة "معاهدة كامب ديفيد" المصرية- الإسرائيلية والغزو الإسرائيلي للبنان واقتراب قوات الاحتلال من  دمشق (حوالي 25 كم في بعض النقاط) و إخراج قوات الجيش السوري من بيروت.   

(*) ـ في أغسطس الماضي وصل إلى لبنان موظف أميركي كبير يدعى Kenneth Haas. ومن المعتقد أنه الرئيس الجديد لمحطة وكالة المخابرات المركزية في بيروت. فقد لوحظ أنه يلعب دوراً كبيراً في الاتصالات الجارية الآن بين الأطراف اللبنانية وقوات الاحتلال الإسرائيلية، كما أنه يجتاز نقاط التفتيش الإسرائيلية مع المستشار السياسي في السفارة ، رايان كروكر، و وزير السياحة اللبناني مروان حمادة ، المساعد الأساسي للسيد جنبلاط ( يرجى مراجعة تقرير السفارة رقم 133/ 1982، تاريخ 10 مايو 1982) [ ملاحظة من الكاتب: تقرير السفارة المشار إليه سبق أن نشرته مترجماً العام الماضي على هذا الرابط].

(**) ـ وفق بعض المعلومات، فإن (الياس عطا الله) رافق مرة واحدة على الأقل الوزير مراون حمادة و رايان كروكر و كينيث هاس في جولاتهما، وعبر نقاط التفتيش الإسرائيلية دون أية مضايقات. كما أنه كان على علاقة وثيقة بالرئيس المغتال بشير الجميل، رغم علمه بارتباطه بالإسرائيليين. وحين سألنا الرفيق جورج حاوي عن الأمر ، برر ذلك بأنه «مضطر للتواصل مع الإسرائيليين لأن أسرته موجودة في بلدة /الرميلة/ الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي).  

السفير / برونو سيدلاتشيك

نسخة إلى (فولف ) [ مدير المخابرات الخارجية، الفريق ماركوس فولف].