Tuesday, 24 February 2026

 «منى واصف»، «هند بنت عتبة ... الجولانية» آكلة أكباد السوريين:

هكذا منحها القذر «بشار الأسد» وسام الاستحقاق من الدرجة الممتازة رغم تحذير شعبة المخابرات العسكرية له بأنها على علم بعلاقة ابنها مع إسرائيل وأجهزتها الأمنية ويزور إسرائيل سراً.

ـ «د. نجاح العطار»: «منى واصف» تعتبر العلاقة مع إسرائيل «حرية رأي»!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشر «نزار» هذا المقال العام الماضي على صفحته التي كانت تحمل اسم «جورج فاضل متى»، والتي أزيلت عن الشبكة في يوم واحد مع صفحته التي كانت تحمل اسمه الصريح. وكانت المناسبة استقبال الإرهابي والجاسوس الدولي «أبو محمد الجولاني» لـ «منى واصف» وفنانين سوريين آخرين.

هنا استعادة للمقال، ولكن مع وثيقة من «المخابرات العسكرية» السورية رفعها اللواء المغدور «آصف شوكت» إلى «بشار الأسد» في حزيران / يونيو 2009 عن «منى واصف» و «الغطاء الذي تشكله لابنها عمار عبد الحميد في علاته التجسسية مع إسرائيل».

غني عن البيان أن «بشار الأسد»، وبعد تردد لبضعة أشهر، مسح مؤخرته بهذه المذكرة، ومنح «منى واصف» وسام الاستحقاق من الدرجة الممتازة رغم معارضة شعبة المخابرات العسكرية لذلك . وبعد يومين فقط على هذه المذكرة ( دون أن يكون هناك رابط بين الأمرين بالضرورة) أقيل «آصف شوكت» من منصبه، قبل أن يتجري تصفيته مع آخرين من قبل «علي مملوك» و «ماهر الأسد» صيف العام 2012، كما أصبح معروفاً.

(فيكتوريا) 

من أجل تصفح بالحجم الكلي، يرجى النقر على الصور والروابط. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   لعل المشهد أوالمشهدين الفنيين الأكثر إثارة في تاريخ الفناة السورية«منى واصف»،الكبيرة فنياً والرخيصة سياسياً، هما أداؤها دور «منيرة» البكماء ومشهد نطقها بعد خرس طويل في مسلسل « أسعد الوراق » المأخوذ عن رواية «الله والفقر» للراحل الكبير «صدقي إسماعيل»، ومشهد أدائها دورَ القحبة الفاجرة «هند بنت عتبة»، زوجة «أبي سفيان»، وهي تلوك كبد «حمزة بن عبد المطلب» عم النبي في فيلم «الرسالة» بعد أن أمرت رجُلَها «وحشي بن حرب» بتمزيق صدره وانتزاع قلبه(1).

  حين أعاد «ممدوح عدوان» إنتاج الحكاية التاريخية في مسرحيته «ليل العبيد»(1978) ، التي صمم غلافها الفنان «يوسف عبدلكي» (القيادي في رابطة /حزب العمل الشيوعي) ولكن في سياق آخر يؤكد ضمناً على أن الصراع بين «محمد» و «أبو سفيان» كان صراعاً على السلطة والمال وتجارة طريق الشام، وأن «محمد» خدع الفقراء والعبيد الذين عوّلوا على ثورته من أجل حريتهم بأن خانهم وتحالف في نهاية الأمر مع قاتلهم ومستعبِدهم «أبو سفيان»، أمر «حافظ الأسد» بمصادرة المسرحية من المكتبات وإتلافها . وبقيت شبه مجهولة ( إلا في أوساط نخبة معينة) إلى حين طباعتها مرة أخرى بعد أكثر من ثلاثين عاماً!

 من أسوأ الظواهر التي شهدتها الساحة الثقافية في سوريا، والعالم العربي عموماً، هي ظاهرة الانعدام التقريبي لوجود «المثقف العضوي» الذي تحدث عنه «غرامشي» أو «المثقف النقدي» الذي تحدث عنه «جان بول ساتر»، إلا فيما ندر جداً وعلى نطاق محدود وفيما يخص حفنة من الأسماء تعد على أصابع يد واحدة. فالسمة العامة للمثقفين السوريين ( ومنهم الفنانون بطبيعة الحال) هي أنهم قوادون وشراميط ومرتزقة ونخاسون، مستعدون لأن يطبلوا ويزمروا لأي حاكم مهما كانت هويته السياسية، وأن يدبكوا ويرقصوا حتى إذا جاءت العادة الشهرية لزوجته أو أحيا حفلة طهور/ ختان لوليده (2)! وهذا ما درج عليه «الملأ التجاري» الدمشقي منذ فجر التاريخ ( وجميع الحواضر التجارية في واقع الحال). ومثلهم في ذلك مثل «هند بنت عتبة» التي كانت أشد عداء لنبي الإسلام من أي شخص آخر، وقتلةَ أصحابه و آكلةَ قلب عمه «حمزة». لكن حين أبرم صفقة دعارة سياسية مع زوجها «أبو سفيان»، هي الأكبر والأولى من نوعها في تاريخ الإسلام، والثانية بعد «صلح الحديبية»، لم تتردد في أن تنطق الشهادتين. وكان هذا كافياً للنبي المنافق والنصّاب الدجال الباحث عن السلطة والجاه والثروة فلم يجدهما إلا عند زوجها «أبو سفيان» حين اختاره شريكاً، فبال وخرأ وداس على كل من تبعه من الفقراء والعبيد طوال 23 عاماً، و سلّم الراية والسلطة للطلقاء وأبناء الطلقاء لكي يكملوا إجرامهم - ولكن بطريقة «حلال» بعد أن أسلموا - ضد أصحابه المسلمين البهاليل الذين خُدعوا به!

  هكذا، وفور أن سقط النظام بصفقة إقليمية - دولية ، سارع هؤلاء المثقفون السوريون الكلاب «أبناء الطلقاء» إلى حضن السلطة الجديدة، سلطة «جبهة النصرة»، كما كانوا جِراءً على بوابات السلطة السابقة وفي زرائبها. ومن اللافت أن من كان منهم أكثر ولاءً للسلطة البائدة (على غرار ذلك «السيناريست» الشهير، الصديق سابقاً،الذي كانت فروع المخابرات تجيز له تصوير مسلسلاته في مبانيها!)(3)، أصبح الأسرع إلى الارتماء في حضن السلطة الإرهابية الجديدة، والأرخص في شكل الارتماء. وكانت «منى واصف» أو «هند بنت عتبة ...الجولانية» هي الأسرع إلى أكل قلوب وأكباد السوريين بعد أن استخرجها لها «الجولاني» من صدورهم!

   كانت «منى واصف» محظية النظام السابق،ومن الأشخاص الذين يمكن أن يجاهروا بالدفاع عن إسرائيل ويعتبروا العلاقة معها والجاسوسية لها «مجرد حرية رأي»، دون أن يساقوا إلى الأقبية. ومن أجل الدقة، كان للنظام قانون شفهي راسخ  ينص على أنه بإمكان أي سوري التجسس لصالح أي جهة في العالم، ويخرّب ويدمر ويسرق أي شيء في بلده، بشرط أن لا يعارض النظام! كان هذا هو القانون الوحيد الي ينفذ، رغم أنه القانون الوحيد غير المكتوب!

   لهذا، وحين بادر وزير الثقافة ، الأخونجي- الوهابي «رياض نعسان آغا»، إلى اقتراح منحها «وسام الاستحقاق من الدرجة الممتازة»، عارضت شعبة المخابرات العسكرية ذلك، كما نفهم من كتاب رئيس الشعبة «آصف شوكت» إلى «بشار الأسد» بتاريخ 28 حزيران / يونيو 2009 (منشور جانباً). ومن المعتقد أنه آخر كتاب وقعه «شوكت» ، بصفته رئيساً للشعبة، لأنه أقيل من منصبه هذا بعد يومين فقط ليصبح نائباً لرئيس الأركان ( وهو منصب شكلي تقريباً)!؟

 يستعرض «شوكت» في مذكرته مبررات موقف الشعبة بالقول : إن منحها هكذا وسام، وبغض النظر عن قيمتها الفنية، يمكن أن يستخدم كغطاء من قبل والدها «عمار عبد الحميد» ، العميل الإسرائيلي والمرتبط بمسؤولين ورجال مخابرات إسرائيليين منذ خروجه من سوريا قبل أربع سنوات على ذلك. ويشير في المذكرة إلى أن أحد هؤلاء المسؤولين الإسرائيليين هو ضابط «الوحدة 8200» في المخابرات العسكرية «نير بومس»، وضابط أمن السفارة الإسرائيلية في واشنطن آنذاك ( يعمل الآن، بعد أن أصبح ضابط احتياط، باحثاً في «مركز دايان» بجامعة تل أبيب). كما يشير إلى أن «عمار عبد الحميد» يزور إسرائيل سراً بمعرفة والدته (منى واصف)! وبحسب المذكرة، فإن هذه الأخير، وحين استفسرت منها الدكتور «نجاح العطار» عن الأمر، لم تنكر القصة واعتبرت العلاقة مع إسرائيل وزيارتها « يدخل في باب حرية الرأي»! ( لا أعرف متى حصل ذلك، ولكن من المفترض أنه حصل حين أصبحت «العطار» نائب الرئيس للشؤون الثقافية بعد العام 2006).

   ولعل أهم ما في المذكرة أيضاً أنها تكشف أن زوجة «عمار عبد الحميد» ( خولة يوسف برغوث)، التي تشاركه أنشطته، هي ابنة الداعية الإسلامي الأخونجي «عبد الودود محمد يوسف برغوث» الذي اعتقل في العام 1980 وأعدم لاحقاً، بسبب «علاقته مع جماعة الأخوان المسلمين ...و تنسيقه مع /إذاعة لبنان الحر/ التابعة للقوات اللبنانية وحزب الكتائب من أجل تمرير أخبار كاذبة و التحريض الطائفي في سوريا آنذاك؛ وبسبب اتصالاته مع ضابط المخابرات العراقية /عبد الرزاق لفتة/ الذي كان سفيراً للنظام العراقي في لبنان آنذاك؛ وبسبب تورطه ف نقل أسلحة وذخائر من لبنان إلى الأخوان المسلمين في حمص ...» (4).

   لا أعرف هذا الرجل «عبد الودود يوسف برغوث»، الذي تشير إليه مذكرة «آصف شوكت»، ولم أسمع به قبل تاريخ حصولي على هذه الوثيقة في العام 2012. ولكني عثرت في أرشيفي الشخصي على شريط يجمع «عمار عبد الحميد» مع ضابط الاستخبارات الإسرائيلي «نير بومس» في باريس ربيع العام 2009 (منشور أدناه). أما المناسبة فهي أنهما كليهما، إلى جانب جواسيس عرب وإيرانيين وأتراك آخرين، كانا في ندوة في باريس آنذاك تتعلق بنشطاء الإنترنت «المنشقين» في العالم العربي والشرق الأوسط، والتي كانت تنظمها منظمة «منشقو الإنترنت في الشرق الأوسط CyberDissidents.org» التي أسسها «بومس» و «عبد الحميد»  من أجل تجنيد عملاء لإسرائيل و ... تصنيع رجال لـ «هند بنت عتبة ... الجولانية» من نماذج «وحشي بن حرب» كي يأكلوا أكباد السوريين في «عهد الإسلام الجولاني» كما أكلوا أكبادهم في عهد «جاهلية الأسد»!


  إضافة إلى ذلك، ومصداقاً لما جاء في مذكرة «شوكت»، فقد عثرت على اسم «عمار عبد الحميد» مشاركاً، إلى جانب ضباط جيش الاحتلال ومخابراته، في دورة العام 2010 لـ«مؤتمر هرتزليا الأمني» ( جامعة هرتزليا سابقاً/ ريتشمان لاحقاً) في فلسطين المحتلة، وقد بدا اسمع أول اسم في قائمة المشاركين!

ـ مشفى كرويدن الجامعي ـ لندن ( شباط / فبراير 2025)

ــــــــــــــــــــــ

(1) ـ نحن لا نصفها هنا بـ «القحبة» من باب الشتيمة، ولكن من زاوية الإشارة إلى مهنتها. فقد كانت بائعة هوى من «ذوات الرايات» (تضع على بابها «راية» تشير إلى أنها بائعة هوى ، كما بيوت الدعارة المعاصرة)، قبل أن تتحول إلى «بترونة / قوادة» بعد أن كبرت ولم يعد بإمكانها أن تكون بائعة هوى. وكان الأشهى إليها الرجال السود بسبب تميز أعضائهم التناسلية بالكبر. لكنها كانت كلما ولدت طفلاً أسود قتلته أو أجهضته إذا عرفت من أبوه قبل ولادته، كما يخبرنا الفقهاء والإخباريون المسلمون القدماء.

(2) ـ غني عن البيان أن وصفهم هنا بالشراميط والقوادين لا يعني الدلالة «الجنسية» للمصطلح، فأنا لست حارساً لـ «الفضيلة» ولأطياز وفروج هؤلاء. فالمقصود هو ممارسة السياسة والثقافة على طريقة الشراميط والقوادين في أسواق الدعارة والنخاسة.

(3) ـ ملاحظة مني أنا فيكتوريا: كان هذا السيناريست كان يصف «نزار» - خطياً في رسائله إليه - بأنه «أفضل ناقد فني لأعماله» ويقول فيه ما لا يقوله المسيحيون بالمسيح و لا الشيعة بالحسين ( وكله موجود في رسائله)! لكنه اصطدم مرة مع «نزار» (صيف العام 2020) وهما يتحدثان عبر «سكاي بي». لا أعرف السبب بالضبط ( فقد كنت أسمع صوتهما من الصالون)، لكن - كما فهمت- بسبب موقف «نزار» من إسرائيل ومن يتعامل معها، ودعوته إلى إعدام كل من يتعامل معها حتى لو كانت أمه ( أم نزار). وكانت قطيعة بينهما حتى اليوم. مطلع العام 2025(بالضبط في  24 / 1 / 2025)، ولأني أردنية ولم أكن أعرف أحداً يتواصل مع «نزار» بشكل مباشر إلا هو، ولأن الغريق يتعلق بقشة، كتبت له من البريد الشخصي لـ «نزار» وطلبت منه مساعدة عاجلة، فقد كان «نزار» في أسوأ أوضاعه الصحية منذ إصابته باللوكيميا وقد شارف على الموت، ونحتاج لأي مساعدة. ولكنه لم يرد على رسالتي حتى اليوم، رغم أني كررتها له ثلاث مرات! لكنه سرعان ما أصبح صديقاً لمجموعة المجرمين والقتلة والجواسيس من عصابة «الجولاني» بعد سقوط النظام، و جليساً لهم في مكاتبهم! أغتنم هذه الفرصة لأعبر عن أسفي لأني ظننت به خيراً، ولأني طلبت منه مساعدة دون موافقة أو معرفة «نزار»، ولأني كنت أظن - من خلال المسلسلات التي يكتبها، فأنا لا أعرفه شخصياً - أنه شخص نبيل جداً، لكني فوجئت بأنه شخص منافق ومجرد غلام من غلمان وصبيان العميل الإسرائيلي «عزمي بشارة» وشركته «ميتافور»، مثلما كان سابقاً أحد صبيان النظام قبل «انشقاقه» عليه!

(4) ـ ليس ثمة خطأ أو مبالغة في مذكرة «شوكت» فيما يتعلق بعلاقة «الأخوان» السوريين و «القوات اللبنانية» خلال حربهم الدموية أواخر السبعينيات و مطلع الثمانينيات. فقد كشفت عنها وثيقة صادرة عن «المخابرات العسكرية الأميركية» ( مخابرات وزارة الدفاع) تعود إلى ربيع العام 1982، وقد أفرج عنها «الأرشيف الوطني الأميركي» في العام 2013 فترجمتها على الرابط هنــــا

Thursday, 19 February 2026

 صورتان وتاريخان :

 واحدة  دفع الإيرانيون ثمنها 10 تريليونات دولار و 47 عاماً من الحصار، وأخرى أهداها «عبد الناصر» لمستشاره رئيس محطة وكالة المخابرات المركزية في القاهرة!

وصورة ثالثة تعبر عن البلاهة السياسية الإيرانية بشأن «الإسلام السياسي السني»؛

ـ «عبد الناصر» بدأ «ثورته» بالتآمر على القضية الفلسطينية والعمل على توطين أهالي «قطاع غزة» في سيناء بالتواطؤ مع وكالة المخابرات المركزية؛

ـ و«الخميني» بدأ «ثورته» في العام 1962 بسبب علاقة الشاه بإسرائيل، وكان أول ما قام به بعد الانتصار تسليم السفارة الإسرائيلية لـ «عرفات»؛

ـ أما «عرفات» وبقية «العرب السنة» فكافأوا إيران بأن سارعوا إلى الاستجابة لأوامر وكالة المخابرات المركزية بشن حرب عليها في سبتمبر 1980 !

(خواطر ووثائق و وقائع مجهولة ومنسية عن الشيعي الأحمق والسني العربي الحقير في ذكرى سقوط النظام البهلوي) 

ــــــــــــــــــــــــــــ 

هذا المقال على الرابط أدناه نشره «نزار» في مثل هذه الأيام من العام الماضي على صفحته الثانية في «فيسبوك»، التي كانت تحمل اسم «جورج فاضل متى»، والتي أزيلت من الشبكة مع صفحته الرسمية الأصلية في يوم واحد. أعيد نشره اليوم مع بعض الإضافات التوثيقية الجديدة.

ومن أجل تصفح بالحجم الحقيقي ، يرجى النقر على الصور والروابط المرفقة.

(فيكتوريا)

ــــــــــــــــــــ

   صحيح أن العوامل الوطنية (الداخلية) هي التي وقفت - كما في البلدان الأخرى- وراء جميع الانتفاضات الشعبية الإيرانية في القرن العشرين، منذ «ثورة المشروطة/ الدستورية» خلال الأعوام 1905-1911 وحتى الانتفاضة التي أسقطت الشاه، مروراً بـ «انتفاضة 15 خرداد1963»؛ لكن الأصح هو أن ما يسمى بـ «ثورة الخميني» التي أطاحت الشاه في مثل هذه الأيام من العام 1979، كانت الوحيدة في العالم التي انفجرت بـ «صاعق فلسطيني»!

     حتى انقلاب «عبد الناصر» ورفاقه  في 23 تموز / يوليو في العام 1952،والذي جرى ربطه دائماً من قبل ديماغوجيي القومية العربية بـ«حرب فلسطين1948»، واعتبروه رداً على الهزيمة، لم يتضمن بيانه الأول (بيان الثورة) حرفاً واحداً عن القضية الفلسطينية أو عن إسرائيل! وكذلك هي الحال بالنسبة لـ «برنامج الثورة» ( برنامج النقاط الست) الذي صدر بعده! ( بالمناسبة: كم عربياً ، حتى من «الناصريين» أنفسهم، انتبه إلى ذلك أو يعرفه أو قرأ «البيان» و«البرنامج»!؟).

   ما حصل كان نقيض ذلك تماماً: أول ما قامت به «الثورة الناصرية» المزعومة (أو «ثورة الـ CIA» كما أسماها القائد الشهيد «فرج الله الحلو» بحدس نبوئي منذ خريف العام 1952) هو التواطؤ مع وكالة المخابرات المركزية و «الأونروا» لتهجير أهالي «قطاع غزة» وتوطينهم في قطعة من الأرض منحها «ناصر» للأمم المتحدة من أملاك الدولة في جزيرة سيناء (شرقي «بورسعيد»)! وهذا ما فجّر انتفاضة أهالي غزة ( آذار/ مارس العام 1955) بقيادة الشاعر الشيوعي «معين بسيسو»  ورفاقه، الذين داسوا صور «عبد الناصر» بالأحذية في الشوارع، فكان رده عليهم أن اعتقلهم وزجّ  بهم في سجون «أبو زعبل» و «ليمان طرة» لسنوات، بمن فيهم «بسيسو» نفسه! ولم يتخلّ «ناصر» عن مشروع التوطين إلا بعد أن احتلت إسرائيل جزيرة سيناء في العام 1967، وبعد أن انتهى شهر عسله من وكالة المخابرات المركزية، فكان «الفضل» في وقف المشروع لإسرائيل وليس له!

  أما سبب تلك الوقائع كلها (خلو «بيان الثورة» و «برنامجها» من أي إشارة للقضية الفلسطينية...إلخ )، فلم يكن إلا لأن من كتبهما بخط يده بالإنكليزية ( قبل أن يترجمهما «هيكل» إلى العربية) هو رئيس محطة وكالة المخابرات المركزية في القاهرة، الدكتور«جيمس إيكلبرغر James Eichelberger»، الذي أهداه «عبد الناصر» صورته الخاصة مزيلة بتوقيعه، كتكريم له! وهذا ما لم تتضمن كتب الجاسوس والنصاب المجرم «محمد حسنين هيكل»، الشريك المتواطىء في اختطاف وتصفية القائد الشيوعي اللبناني «فرج الله الحلو» صيف العام 1959، ولو  حرفاً واحداً منه(1)!

  على خلاف هذا التاريخ «الناصري»، بدأ تاريخ «الثورة الخمينية»  مع القضية الفلسطينية منذ العام 1948، وليس منذ عودة «الخميني» إلى إيران في العام 1979  كما يعتقد حمقى العرب وبلهاؤهم و أوغادهم. فهؤلاء - كما هو معلوم-  يعتقدون أن علاقة «إيران الخمينية» بالقضية الفلسطينية بدأت بعد سقوط الشاه، لأن «نظام الخميني أراد استثمار واستغلال القضية الفلسطينية...» إلى آخر المعزوفة الغبية التي يجترها هؤلاء البغال والحمير من الإسلام السياسي السني  المتصهين وقطعانه، دون أن يفكر أحد منهم ويسأل نفسه: كيف يمكن حتى لأبله أن يقع تحت حصار طوال نصف قرن، ويخسر عشرة تريليونات دولار رغم أنه كان بإمكانه تفادي ذلك كله بمجرد قطع أي رابط له بالقضية الفلسطينية!؟. ولأنه لا يتسع المقام لكل المقال الخاص بذلك، سأكتفي بالإشارة إلى بضع محطات كنت خصصت لها فصلاً كاملاً في « عشرة أيام هزّت بلاد الشام ...»، نظراً للعلاقة العضوية التي تربط الأمر بما جرى في سوريا (2):

1ـ كان «الخميني» أول إيراني يقف ضد إقامة «دولة اليهود» في فلسطين حين إعلانها في العام 1948، وأول إيراني يستخدم تعبير «الصهيونية» في بيانه يومها للتميز بينها وبين «اليهود».

2 ـ كان أول صِدام بينه وبين الشاه بسبب قضية «خارجية» (فلسطين وإسرائيل)، وليس بسبب قضية وطنية / محلية. ففي العريضة التي رفعها للشاه في العام 1962 دعاه إلى «تحطيم سلاسل العبودية التي تربطه بأميركا وعدم التضحية بمصالح الشعب لصالح الصهيونية والولايات المتحدة». و حين أرسل له الشاه ضابطاً من «السافاك» للتفاوض معه، رفض أن يجيبه، وقال له «غداً سيسمع مليكك ردي من فوق منبر «مسجد فاطة المعصومة» (في «قم»). وهذا ما حصل. ففي خطبته كشف أن الشاه أرسل له ضابطاً من «السافاك»، وأنه أبدى استعداده لأن يتقبل تقريع «الخميني» له شريطة أن لا يهاجم الأميركيين والإسرائيليين. وتساءل: «لماذا لا يسمح لي الشاه بمهاجمة إسرائيل؟ هل أبُ الشاه إسرائيلي وأمه إسرائيلية وليس لنا علم بالأمر؟ ولماذا لا يسمح لي بمهاجمة الولايات المتحدة وإسرائيل؟». وختم تساؤلاته بالقول :«يا ابن الأميركيين والإسرائيليين، تذكّر أني لم أعدّ قلبي لكي يتقبل إنذاراتك، وإنما لتلقي رماحك»! وكان هذا أشبه بأن يقول للشاه «يا ابن الحرام / يا ابن العاهرة/ يا ابن الزنا»، وفق «التعبير الشرعي»!

  وفي تلك الخطبة وصف الشاه بأنه «ابن الشيطان الأميركي الكبير والشيطان الصهيوني الصغير»، وخاطبه قائلاً :«اسمع أيها التعيس! لقد عشتَ حتى الآن 45 عاماً، فتوقف وتأمل بما قمتَ به من أجل بلادك،وليكن مصير أبيك درساً وعبرة لك». وختم خطابه - كالعادة - بالحديث عن «الشيطان الأكبر» و «الجرثومة الصهيونية» و«الغدة السرطانية الإسرائيلية»، وهي تعابير اشتهرت لاحقاً بعد انتصار «الثورة».

    كانت الخطبة نقطة انعطاف تأسيسية أخرى في المواجهة بين الطرفين، لاسيما وأن حديث «الخميني» عن الشاه كان مهيناً - بالمعنى الشخصي، فضلاً عن السياسي ، على نحو غير مسبوق في تاريخ الدولة البهلوية كلها منذ أن أسسها أبوه في العام 1925 على أنقاض السلالة القاجارية! وبالتوازي مع هذا الرد، بدأ «الخميني» حملة تحريض ضد الشاه ومن وصفهم بـ«حماته الصهاينة»، وخاطب رجال الدين قائلاً : «اعتباراً من اليوم لم يعد هناك من خيار سوى أن تكونوا إما معنا ضد الشاه وحماته الصهاينة، وإما مع الشيطان الأميركي الأكبر وابنه الإيراني [الشاه]». وكانت تلك هي المرة الأولى التي يستخدم فيها تعبير «الشيطان الأكبر»،الذي أصبح لازمة في خطاباته كلها حتى موته، و«شعاراً شعبياً ورسمياً وطنياً» من منذ وفاته حتى اليوم.

  ما إن انتهى «الخميني» من إلقاء خطبته، التي بدأها بشن هجوم على قرار الشاه تحويل التقويم الرسمي من «الهجري» إلى «الفارسي»، والعمل على استبدال الأحرف العربية بالحرف اللاتيني (على غرار ما فعل كمال أتاتورك في تركيا)، وختمها بوصف الشاه بـ «الجاسوس والعميل الإسرائيلي»، حتى جرى اعتقاله وتقييده بالسلاسل وإلقائه فجر اليوم التالي في منطقة برية على الحدود الإيرانية-التركية، الأمر الذي فجّر المظاهرات في طهران والمدن الكبرى الأخرى على نحو غير مسبوق في عنفها منذ انقلاب الجنرال «زاهدي» ضد حكومة «مصدق» قبل ذلك بعشر سنوات، وهو ما سيعرف لاحقاً باسم «انتفاضة 15 خرداد/ يونيو 1963» التي أصبحت بمثابة «بروفة تدريبية» على «ثورة العام1978- 1979».

3 ـ خلال وجوده في «النجف» بدأ اتصالاته مع المنظمات الفلسطينية وإرسال المقاتلين إلى لبنان. وقد عثرتُ في «ملف وديع حداد/ زانفتر شميت» في أرشيف «ماركوس فولف»، الذي وضعه بتصرفي لتحرير مذكراته عن العالم العربي، على وثيقة نادرة ومجهولة تماماً (برقية من السفير الألماني الشرقي «غونتر شورات Günter Schurath»، الذي كان يلتقيه «حداد» سراً هو وسلفه «هانز يورغن فايتز Hans-Jürgen Weitz»)، تؤكد أن القائد الفلسطيني الشهيد «وديع حداد» التقى «الخميني» في «النجف»، متنكراً بزي رجل دين شيعي لبناني، مرتين على الأقل. وسأقوم بنشر الوثيقة ذات الصلة في 28 من الشهر القادم ، مع وثائق أخرى، بمناسبة اغتيال «حداد» بالسم البيولوجي من قبل العميل الأميركي «صدام حسين» ورئيس مخابراته «سعدون شاكر المفرجي» لصالح «الموساد» الإسرائيلي بالتعاون مع مستشار الأمن القومي الأميركي «زبغنيو بريجنسكي». علماً بأني نشرت سابقاً بعض الوثائق من «ملف حداد» الألماني الشرقي.

4ـ خلال وجوده في «النجف» أنتج «الخميني» أهم نصوصه السياسية والفقهية المتعلقة بإسرائيل والصهيونية، وعلى رأسها فقه «التحريم الشرعي للتعامل معها» و« تحريم قبول بقائها» و«وجوب العمل على إزالتها كفرض عين على كل مسلم» . وفي تلك الفترة أيضاً أصدر فتواه الشهيرة بدفع «الحقوق الشرعية»، بما في ذلك ما يسمى «سهم الإمام» من الزكاة لـ«المجاهدين» الفلسطينيين.

   لهذه الأسباب، وغيرها، كان من طبيعة الأمور، تتويجاً لثلاثين عاماً من كفاحه المتراكم من أجل فلسطين، أن يكون أول قرار يتخذه بشأن القضية الفلسطينية بعد عودته في 1 شباط / فبراير 1979 وإطاحته نظام الشاه رسمياً بعد عشرة أيام على ذلك، هو تسليم السفارة الإسرائيلية في طهران للفلسطينيين لتكون «سفارة فلسطين»، ودعوة لـ«ياسر عرفات» لاستلامها  رسمياً ( في مثل هذا اليوم، 19 فبراير) ، باعتباره ممثل الشعب الفلسطيني، على الأقل بروتوكولياً؛ وليته أصدر أمراً بتحويل السفارة إلى اسطبل لتسمين العجول أو مدجنة لتربية الدجاج أو مستودع للأعلاف الحيوانية، لكان أفضل وأكثر ثواباً عند الله الذي يؤمن به!

شريط نادر لوكالة أسوشييتد برس يصور عملية 

تسليم السفارة الإسرائيلية في طهران إلى «عرفات» يوم 19 شباط / فبراير 1979 

   صحيح أن ما فعله في هذا السياق ينسجم مع تاريخه السياسي والفقهي، لكنه كان أيضاً، وفي الآن نفسه، تعبيراً عن بلاهة و «دروشة» سياسية ميزت «الخميني» و قادة إيران جميعاً بعد ذلك كلما كان الأمر يتعلق بالعرب القذرين و«الإسلام السياسي السني» الأكثر قذارة،الذين لا يختلفون عن الكلب الأجرب المسعور الذي من غرائزه البهيمية هي التبول في أي ماء يشرب منه!

   بلاهة «الخميني» السياسية دفعته باكراً جداً إلى اعتبار «الإسلام السياسي السني» ، وعلى رأسه «الأخوان المسلمون»،  جزءاً من «قوى التحرر  المعادية للاستكبار العالمي» إلى حد توجيهه بإطلاق أسماء قادتهم على الشوارع الإيرانية وترجمة كتبهم إلى الفارسية ( كما فعل «علي خامنائي» باكراً)، و إصدار طوابع تكريمية لبعضهم ، كما فعل في العام 1984 بشأن الإرهابي والعميل البريطاني القذر «سيد قطب»، الذي كان حزبه يحرّض المصريين على مساعدة الغزاة البريطانيين والفرنسيين والإسرائيليين خلال «العدوان الثلاثي» في العام 1956. ولم ينتبه «الخميني»، ولا أي من أخوانه وخلفائه إلى أن أتباع «الإسلام السياسي السني» ، وبعض «الإسلام السياسي الشيعي» العربي، لا يمكن أن يكونوا سوى الاحتياطي الاستراتيجي الأكثر خطورة من السلاح النووي في ترسانة الإمبريالية والصهيونية العالمية، كما وصفهم «سمير أمين» منذ السبعينيات، كونهم صنيعة المخابرات البريطانية منذ العام 1928، وكانوا «الدولة الرابعة» غير المرئية في «العدوان الثلاثي» على مصر ، حين أنشأت لهم المخابرات البريطانية محطة إذاعة في قاعدة «أكروتيري» في قبرص للقيام بهذه المهمة!(3).

֎֎֎

  لم يمض سوى عام ونيّف على إطاحة الشاه، حتى بدأ «الإسلام السني السياسي» العربي وغير العربي، الحكومي الرسمي منه والشعبي على السواء، بالتآمر مع الولايات المتحدة من أجل محاربة النظام الإيراني الجديد. وكان من الطبيعي أن يتصدى العميل العتيق لوكالة المخابرات المركزية ، «صدام حسين» ( الذي جندته الوكالة منذ العام 1959)، لهذه المهمة في أيلول / سبتمر 1980، بما في ذلك تزويده بالأسلحة الكيميائية وإعطائه الضوء الأخضر لاستخدامها ضد إيران ثم الأكراد، كما كشفت وثائق «الوكالة» التي أفرج عنها لاحقاً، فضلاً عن كتابين وثائقيين في منتهى الأهمية للقيادي في «الحزب الجمهوري» الأميركي، «كينيث تيمرمان». وكان من الطبيعي أن يجري التمهيد لذلك، كما في أي «عملية أميركية» مشابهة سابقاً ولاحقاً، باستخراج العدة الأيديولوجية الطائفية اللازمة للحرب من أكوام قاذورات «الفقه السني» الطائفي والعنصري عن «الفرس» و«الروافض» و «صدام حسين الذي يدافع عن البوابة الشرقية للوطن العربي في وجه الخطر الفارسي»..إلخ. وهكذا بدأت مئات الإذاعات والصحف ، وما توفر من قنوات تلفزيونية آنذاك، حملة تحريض طائفية لا سابق لها ضد الإيرانيين في طول العالمين العربي والإسلامي، تحت إشراف وكالة المخابرات المركزية، فضلاً عن تشكيل تحالف عالمي لتقديم العون المادي والمالي لحرب «صدام»، ضم الولايات المتحدة و«الحلف الأطلسي» و الدول العربية كلها (باستثناء سوريا والجزائر وليبيا). وكان الأغرب في حفلة التعريص السياسي الدولي هذه هو مشاركة الاتحاد السوفييتي نفسه وحلفائه في «حلف وارسو» (عدا ألمانيا الديمقراطية) في عملية الدعم الدولي هذه للحرب الصّدّامية. وكان نأي ألمانيا الديمقراطية بنفسها عن هذا العهر هو ما ميز منهج تفكيرها دائماً ، رغم وجود «البسطار» السوفييتي على رقبتها، في كل ما يتعلق بحركات التحرر العالمي و الموقف من الغرب والولايات المتحدة وإسرائيل ومشاريعهما.

   إلا أن أبرز ما ميز تلك الحملة الأميركية - الإسلامية - السنية ، مع استثناءات بسيطة ومحدودة، هو انخراط «ياسر عرفات» فيها والتحريض على قتال إيران، رغم أنه لم يكن مضى سوى عام وبضعة أشهر على قيام إيران بتسليمه السفارة الإسرائيلية وتحويلها إلى «سفارة فلسطين» الدائمة في طهران، وإقرار الدعم المالي لمنظمة التحرير من الموازنة الرسمية للدولة ومن «سهم الإمام» في الزكاة الشرعية! وإذا كان البعض أرجع الموقف الحقير الذي اتخذه «عرفات» إلى التزامه بقرار جامعة الدول العربية («القمة العربية 13»، عمّان، نوفمبر1980) في دعم الحرب الأميركية - العراقية على إيران، و أمله بأن يكافئه الأميركيون على ذلك باعترافهم بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، أو على الأقل بمنظمة التحرير، فإن الأمر - من وجهة نظري - أعمق من ذلك بكثير. فـ «عرفات» هو أولاً وأخيراً ابن مدرسة «الأخوان المسلمين»، صنيعة المخابرات البريطانية، فضلاً عن كونه هو شخصياً نُصّب على «رأس منظمة التحرير» باقتراح من المخابرات البريطانية حمله عميلها العتيق «محمد حسنين هيكل» إلى «عبد الناصر» بعد زيارة سرية إلى لندن أواخر العام 1967(4). وفي العموم لا يمكن لـ «الأخونجي» أن يخرج من جلده البريطاني والأميركي ، وإذا خرج، فَلِبعض الوقت فقط ولأداء بعض الحركات البهلوانية السياسية لا أكثر. وهذه سيرتهم التي لم تتغير أو تتبدل منذ العام 1928!  ومع ذلك، ورغم الحرب، لم تتردد إيران في إرسال لواء من «الحرس الثوري» إلى لبنان منذ بداية الاجتياح الإسرائيلي في يونيو 1982 من أجل دعم الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية في التصدي للغزو، أي في الوقت الذي كان «عرفات» قد انضم ( وإن سياسياً فقط، لأن هذه حدود إمكانياته) إلى التحالف الدولي -العربي لقتال إيران منذ عشرة أشهر!

  كانت المشكلة الوحيدة بين «نظام الخميني» من جهة، والغرب و«عرب أميركا» من جهة أخرى،هي القضية الفلسطينية التي احتلت مكاناً خاصاً عند الشيعة (الإيرانيين خصوصاً) لأسباب فقهية وسياسية- تاريخية كما سبق وأشرت (راجع الرابط في الهامش 2 أدناه). وبسبب موقفه من هذه القضية وعدائه الجذري لإسرائيل حاصرته العقوبات الأميركية ، المباشرة وغير المباشرة (معاقبة كل من يتعامل معه) منذ أيامه الأولى ( نوفمبر 1979) . ومنذئذ لا يكاد يمر أسبوع أو شهر دون صدور قائمة عقوبات أميركية جديدة، والتي طالت حتى الآن أكثر من عشرة آلاف من الشخصيات والمؤسسات التي تشمل جميع جوانب الحياة الاقتصادية، بما في ذلك حتى صادرات «الفستق الحلبي» والسجاد!  وباستثناء الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة على كوبا منذ العام 1959 حتى اليوم، يبقى الحصار الأميركي-الأوربي لإيران هو الأطول والأقسى في التاريخ. وطبقاً لدراسات أكاديمية غربية قامت على نماذج رياضية معقدة ، فإن إيران تكبدت منذ العام 1979 حتى العام 2020 ما قد يصل إلى عشرة تريليونات ( =عشرة آلاف مليار) دولار من الخسائر التراكمية المباشرة وغير المباشرة، فضلاً عن المليارات الأخرى المجمدة في مختلف البنوك عبر العالم منذ سقوط الشاه (5). ومن نافل القول الإشارة إلى إن هذه المبالغ الخرافية اقتطعت من لقمة عيش المواطن الإيراني. وهذا ما يفسّر (دون أن يبرر) حقيقة أن الكثير من الإيرانيين (حتى وإن كان بعضهم مأجورين ومن زبانية منظمة «مجاهدين خلق» وحركات الإسلام السياسي السني، العربية والكردية) رفعوا في مظاهراتهم شعارات من قبيل «لا غزة ولا لبنان، روحي فداء لإيران»، وعمدوا إلى خلع يافطات أسماء الشوارع التي تحمل اسم «فلسطين» وداسوها بأحذيتهم! أما بقية القصص الأخرى ( كالملف النووي وغيرها) فمجرد شماعات لا أساس لها كسبب للحصار والعقوبات، بدليل أن العقوبات الخانقة بدأت قبل حوالي عشرين عاماً من بدء إحياء البرنامج النووي، وأن البرنامج النووي نفسه كان بدأ بتقنيات أميركية  وألمانية منذ العام 1957، ولكن في ظل النظام الشاهنشاهي العميل للولايات المتحدة وإسرائيل ، أو «شرطي الخليج» كما وصفته «مجلة التايم»  في أكتوبر 1973، نقلاً عن  «كيسنجر» الذي كان أول من صاغ هذه التسمية! ولعل الدليل الأقوى على ذلك هو أن الأميركيين عقدوا آمالهم على «نظام الخميني» في أيامه الأولى، بعد أن فشلوا في حماية عميلهم الشاه، كما حموه سابقاً وأعادوه إلى عرشه في العام 1953 بعد إطاحة «حكومة الدكتور مصدق». فملايين الإيرانيين الذين كانوا يرتدون الأكفان وهم يتظاهرون في الشوارع على مدى عام كامل، كانوا أقوى من أي تدخل أميركي على غرار ما حصل في العام 1953.   وقد فوجئوا منذ ساعاته الأولى بأنهم أمام نسخة مختلفة جذرياً عن الإسلام السياسي السني العميل الذي صنعوه ورعوه منذ العام 1928 في جميع أرجاء العالم، وبعض الإسلام الشيعي العراقي الذي رعوه لإطاحة عميلهم التاريخي «صدام حسين» بعد أن فقد أهميته و وظيفته وأصبح عبئاً على مشغليه وأربابه. ولعل هذا الأمل الأميركي باستقطاب «نظام الخميني» ناجم عن «النمذجة الاستشراقية» التي اختزنوها، والتي تشبه مقولة «كله عند العرب...صابون»! فهذا النوع من الاستشراق فشل دوماً في كنه طبيعة «الإسلام الشيعي الكربلائي» أو «لاهوت التحرير الشيعي» كما أحب أن أسميه، رغم أنهم كانوا عملياً في مواجهة مباشرة مع «الخميني» ويعرفون عناده ومبدئيته وأصوليته، على الأقل منذ «انتفاضة 15 خرداد/ يونيو1963». فقد كانت الولايات المتحدة وبريطانيا تحتلان إيران عسكرياً وأمنياً (بالمعنى الحقيقي لا المجازي) منذ الحرب العالمية الثانية، وتديران (مع إسرائيل لاحقاً) جميع مؤسساتها، لاسيما الأمنية والعسكرية. وقد صنع المحتلون الأميركيون والبريطانيون، فضلاً عن الإسرائيليين، أرشيفاً عن إيران هو الأضخم في العالم إذا استثنينا أراشيفهم المتعلقة بالاتحاد السوفييتي خلال الحرب الباردة! 

֎֎֎

   واليوم، بعد 47 عاماً ، وامتداداً للسياق نفسه، تقوم الولايات المتحدة بأكبر حشد عسكري في المنطقة منذ العام 2003 حين غزت العراق، تمهيداً لغزو إيران و/أو إسقاط نظامها وتنصيب نظام عميل لها ولإسرائيل مكانه. وكما يحصل دائماً، تحولت قواعد زبائنها وعملائها «العرب السنة» الكلاب في الخليج والأردن وغيرهما إلى مقرات لهذه الحشود. وهذا من طبيعة الأشياء، ذلك لأن «المسلم السني» (المؤمن والملتزم بدينه وشريعته) ليس له عدو على وجه الأرض سوى «الروافض» بفرقهم وأجنحتهم المختلفة. وهو مستعد لأن يتحالف مع الشيطان، لا مع إسرائيل أو الولايات المتحدة فقط، إذا كان الهدف «قتل الروافض»، لاسيما «الفرس» منهم. وهذا ما تنص عليه كتبهم الفقهية وأدبياتهم السياسية الطائفية والعنصرية منذ مئات السنين، وخصوصاً خلال القرن الأخير. وبسبب بلاهته السياسية لم يستطع «الخميني» ، ومعه في ذلك خلفاؤه وأتباعه داخل إيران وخارجها، أن يدرك هذه الحقيقة . فقد أقنعه هبله السياسي البائس بأن «الإسلام السني»، لاسيما السياسي منه، يمكن أن يكون حليفاً لهم في مواجهة «الجرثومة الصهيونية» و «الاستكبار العالمي»، كما كان يسميهما. ومن سوء حظ إيران وشعبها العبقري أن جميع خلفاء «الخميني» ساروا على النهج ذاته، ولم يغيروا من موقفهم قيد شعرة رغم اصطفاف العرب طوال خمسة عقود مع الغرب وإسرائيل ضد بلادهم، ورغم قيام جيوشهم الصيف الماضي بحماية إسرائيل والتصدي للصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية المتجهة إلى مواقعها الاستراتيجية ومستعمراتها في فلسطين المحتلة، ورغم أطنان «البقلاوة» والحلويات الأخرى التي كان يوزعها «المسلمون السنة» في أرجاء العالمين العربي والإسلامي ابتهاجاً بالصواريخ الأميركية والإسرائيلية التي كانت تنهال على «المجوس والصفويين الإيرانيين» طوال 12 يوماً، وبالصواريخ الإيرانية التي كان صهاينة دول الخليج والأردن ينجحون في إسقاطها على رؤوس مواطني بلادهم ... فقط من أجل حماية إسرائيل منها!

   اليوم، وقد انتهت القضية الفلسطينية ، ولم يعد بالإمكان أن تقوم لها قائمة بعد أن تحولت إلى جثة لا يمكن إحياؤها، بفضل «التحالف السني العربي ـ الصهيوني » منذ بدايات الحركة الصهيونية أواخر القرن التاسع عشر، ثم بشكل خاص بعد العام 1948، على  الإيرانيين  إبرام «صفقة تاريخية» مع الولايات المتحدة والغرب، ليس على أساس «استسلامي»، ولكن على أساس وطني يحمي مصالحهم الوطنية. ولا عيب في أن يكون البند الأول في هكذا صفقة هو قطع العلاقة مع القضية الفلسطينية وإغلاق السفارة الفلسطينية في طهران، دون أن تضطر إيران إلى الاعتراف بإسرائيل وإقامة علاقات معها. فلا معنى لأن تبقى «سفارة فلسطين» مفتوحة في طهران، وبالتالي لأن تبقى أحد أسباب الحصار على الشعب الإيراني، بعد أن ماتت القضية الفلسطينية نفسها وتحولت إلى «جيفة متفسخة»، وبعد أن وزع فلسطينيون «البقلاوة» فرحاً بالعدوان الأميركي - الإسرائيلي على إيران الصيف الماضي! ولا يقل أهمية عن ذلك هو وقف إرسال المساعدات المالية الإيرانية للمنظمات الفلسطينية ( حيث نصيب «حماس» وحدها 350 مليون دولار سنوياً، فضلاً عن الأسلحة)! فليس من المنطق ولا العدل، حتى في شريعة الأبالسة أو الآلهة، أن تحصل «حماس» على هذه المبلغ المهول، رغم  الحصار الذي تعانيه إيران، في وقت لا يتردد قادتها في شتم «الروافض الإيرانيين» في وثائق وتسجيلات تحت الطاولة وفي الغرف المغلقة، كما كشفت الوثائق التي صادرتها إسرائيل من غزة مؤخراً، وكما كشفت تسجيلات الجاسوس التركي - القطري القذر «موسى أبو مرزوق» قبل ذلك بسنوات!

   الأمر يصح أيضاً على «حزب الله»، وإن لأسباب مختلفة، لاسيما بعد أن جرى تدميره بسبب الفخ القاتل الذي ساقته إليه «حماس». ويمكن لإيران، بدلاً من ذلك،إذا شاءت، أن تستمر في الدعم المدني للفلسطيينيين واللبنانيين، ولكن عبر صناديق دولية شفافة لكي لا تستخدم الأموال ذريعة لمعاودة حصارها مرة أخرى. 

  في الواقع لا تريد الولايات المتحدة والغرب عموماً من إيران سوى ذلك ( قطع علاقتها بالقضية الفلسطينية وأن لا تشكل تهديداً لإسرائيل، حتى وإن لم تعترف بهذه الأخيرة)، وبعدها لن تنفرج أمورها كلياً فقط، بل وتعود «شرطي الخليج» مرة أخرى؛ أي الشرطي الذي يمكنه أن يدوس حكام الخليج وشعوبه بحذائه، ويحطم رؤوسهم العفنة بهراوته، كما كان يفعل الشاه (الذي ينسون أنه كان «شيعياً رافضياً» أيضاً!) . ولن يستطيع سوى فاجر أو عاهر أن يلومها لو فعلت ذلك. فقد أدت قسطها للعلا على أكمل وجه؛ وباستثناء من سقط من الجيش السوري والمصري خلال الحروب الماضية، وخسائر البلدين بسبب تلك الحروب، ما من أحد في العالم قدم للقضية الفلسطينية كما قدمت إيران خلال العقود الخمسة الماضية، وقد آن لشعبها أن يتنفس بعد نصف قرن من الاختناق بسبب قضية لا ناقة له فيها ولا جمل، وحمَل وزرها بعد أن باعها أصحابها الأصليون «العرب - السنة» بأقل من ثلاثين من فضة.


   فهل يفيق القادة الإيرانيون من هبلهم التاريخي ليكتشفوا عبث ما فعلوه من أجل عرب - مسلمين أوغاد، غريزتهم الحيوانية الوحيدة هي التبول في كل ماء يشربون منه، كما يفعل كلب أجرب مسعور !؟  

(*) ـ مشفى كرويدون الجامعي/ لندن، أواسط فبراير 2025 ( أعيد تحرير بعض معلوماته في فبراير 2026)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أمير الرياض سلمان بن عبد العزيز ( الملك الحالي)

يرقص العرضة لشاه إيران خلال زيارة هذا الأخير إلى السعودية في العام 1975


ـــــــــــــــــــــــــــ

 

(1) ـ  صورة «ناصر» التي أهداها صاحبها إلى صديقه ومستشاره «إيكلبرغر» في نوفمبر 1955، والتي حصلتُ عليها مجاناً في العام 2019 من ابنته السيدة «آن تازويل - إيغلبرغر»، مشكورة. رغم القيمة التاريخية الهائلة للصورة، التي لا تقدر بثمن مادي. ومن أجل المزيد من التفاصيل التوثيقية حول الصورة وظروف حصولي عليها، و تفاصيل وقوف وكالة المخابرات المركزية وراء «انقلاب ناصر»، والدور الذي لعبه الجاسوس البريطاني - الأميركي «هيكل» في ذلك، راجع كتاب «داخل الكريملن خلال حرب أكتوبر وما بعدها»، على هذا الرابط أو هذا الرابط .

(2)ـ الجذور التاريخية لعلاقة الشيعة الإيرانيين بالقضية الفلسطينية وموقفهم من إسرائيل ( مقتطفات من أحد فصول مخطوطة كتابي «عشرة أيام هزت بلاد الشام... نظام الأسد قياماً وركاماً»:

https://nizarnayouf.blogspot.com/2025/06/normal-0-false-false-false-en-us-x-none.html

(3) ـ من أجل الدقة والأمانة التاريخية، كان بعض الإسلام السياسي الشيعي العربي، لاسيما العراقي منه، صنيعة المخابرات البريطانية والأميركية أيضاً. فخلال الخمسينيات تحالف «الإسلام السياسي الشيعي العراقي» ، ممثلاً بـالقذر «آية الله  محسن الحكيم» مع المخابرات الأميركية و مخابرات «عبد الناصر» لإطاحة نظام الزعيم الوطني «عبد الكريم قاسم». ورغم أنه لا يوجد تراث فقهي تكفيري عند الشيعة، أصدر «الحكيم» فتواه الشهيرة بتكفير الشيوعيين العراقيين من أجل تجريد الزعيم «قاسم» من حاضنته الشعبية والسياسية. وسنكتشف لاحقاً أن الفتوى صدرت بطلب من مخابرات «عبد الناصر» و السفير الأميركي في بغداد «جون دورنفورد جيرنيغان John D. Jernegan» . ففي تلك الفترة ، وحتى العام 1967، كان «عبد الناصر» لا يزال يعيش شهر عسله الأشهى مع وكالة المخابرات المركزية لمكافحة الشيوعية في العالم العربي وأفريقيا. وقد نجح التعاون بينهما، الذي شارك فيه «الملك حسين»، في إسقاط نظام «قاسم» في شباط / فبراير 1963 لصالح «البعثيين» الذين كانوا وضعوا بيضهم في سلة وكالة المخابرات المركزية منذ مؤتمرهم القومي الخامس في حمص (أيار/مايو1962) ، الذي مولته «الوكالة» عبر عملائها ( نادر الأتاسي، فرحان الأتاسي، عاطف دانيال/ ابن أخت ميشيل عفلق...إلخ)، كما ستكشفه الوثائق الغربية والشرقية لاحقاً. وهو ما عبّر عنه القيادي «البعثي» العراقي الكردي «علي صالح السعدي»، الذي شارك في المؤتمر المذكور، بمقولته الشهيرة «جئنا إلى السلطة (في شباط / فبراير 1963) بقطار أميركي»!

(4) ـ  ملاحظة مني أنا «فيكتوريا»: كان من المقرر أن ينشر «نزار» ملفاً وثائقياً عن «محمد حسنين هيكل» بمناسبة الذكرى العاشرة لوفاته في 17 من الشهر الجاري. ويتضمن هذا الملف عشرات الوثائق الغربية والشرقية (غير المنشورة حتى الآن) عن تجنيده من قبل المخابرات البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية، ثم المخابرات الأميركية في العام 1952، وتفاصيل حساباته المالية في البنوك البريطانية ( كما كشفتها مخابرات ألمانيا الشرقية)، وعن دوره بالتعاون مع رئيس محطة وكالة المخابرات المركزية في القاهرة «يوجين ترون» في تنفيذ «انقلاب السادات» في مايو 1971 ، حيث عمد ( مع «ترون» والمعتوه « حسن التهامي») إلى فبركة أشرطة تسجيلات و وثائق لإدانة واعتقال «الناصريين». لكن وضعه الصحي لم يسمح له بإتمام تحرير الملف. ويمكن لمن يهمه الأمر مراجعة ذلك في صفحات مختلفة من المجلد الأول من كتاب « داخل الكريملن خلال حرب أكتوبر وما بعدها..»، الذي يتضمن التفاصل التوثيقية لذلك. وهنا جانباً الصفحة الأولى من تقرير ( 3 صفحات) أعدته محطة مخابرات ألمانيا الشرقية في لندن عن زيارة «هيكل» السرية إلى بريطانيا أواخر العام 1967، والتي نقل خلالها اقتراحاً / توجيهاً من المخابرات البريطانية لـ «عبد الناصر» بتعيين «عرفات» على رأس منظمة التحرير الفلسطينية، بدلاً من «جورج حبش»، الذي كان مرشحاً للمنصب، باعتباره زعيماً لـ «حركة القوميين العرب» ثم «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، الداعمتين لـ «ناصر» يومها.

(5)ـ  راجع على الرابط أدناه دراسة إحصائية من حوالي مئة صفحة صادرة عن «جامعة كيمبريدج» في العام 2021 حول الخسائر الإيرانية المتراكمة، المباشرة وغير المباشرة :

https://www.econ.cam.ac.uk/sites/default/files/publication-cwpe-pdfs/cwpe2155.pdf