Tuesday, 3 February 2026

 في الذكرى 44 لما يسمى «مجازر حماة 1982»

وثيقة من المخابرات العسكرية الأميركية تكشف زيف ادعاءات وأكاذيب «الأخوان المسلمين» والخرافات المتداولة عمّا حصل وعن عدد الضحايا

مجموع الضحايا من جميع الأطراف لم يتجاوز ألفي ضحية، والإرهابيون الإسلاميون تدفقوا إلى حماة من ثلاثة محاور : تركيا، العراق، «لواء اسكندرون» المحتل ، ونشروا بيانات كاذبة من إذاعة «الكتائب» و ألمانيا وبريطانيا و «هونغ كونغ»!

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

في آذار/ مارس 2013، وبعد مرور أكثر من ثلاثين عاماً على ما تسمى «مجازر حماة 1982»، أفرج الأرشيف الوطني الأميركي عن وثيقة أعدتها المخابرات العسكرية الأميركية ( مخابرات وزارة الدفاع DIA) في أيار / مايو 1982 عن تلك الأحداث. وتقع الوثيقة في 13 صفحة مع خريطة ، إلا أن معديها عمدوا إلى تعمية بعض المعلومات والأسماء لأسباب أمنية. يومها أعد نزار ترجمة مختصرة للوثيقة على موقعهم الإخباري آنذاك SyriaTruth، الذي لم يعد موجوداً على الشبكة منذ مطلع العام 2015.

هنا نعيد نشره مرة أخرى بمناسبة ذكرى تلك الأحداث، مع الإشارة إلى أن ما بين قوسين كبيرين [..] هو من وضع المترجم، إما لتوضيح فكرة أو لتصحيح معلومة وردت خاطئة في الوثيقة. وبالنظر لعدم إمكانية نشر هنا لأسباب تقنية، حيث يبلغ عدد صفحاته 13 صفحة PDF ، يمكنه مراجعتها هنا على رابط مجلة «فورن بوليسي»، التي نشرته في 13 مارس 2013 تحت عنوان «كيف اختطفت جماعة الأخوان المسلمين الثورة السورية؟ الجماعة الإسلامية الغامضة التي كادت أن يقضى عليها في ثمانينيات القرن الماضي تخرّب الانتفاضة ضد بشار الأسد»

ـ لتصفح الصور والروابط بالحجم الطبيعي، يرجى الغط عليها. 

(فيكتوريا)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خلفية موجزة :


تشير الوثيقة إلى أن الأخوان المسلمين ، الذين تأسست حركتهم في العام 1937 [الصحيح في العام 1945] بمبادرة من الشيخ الأزهري مصطفى السباعي، لم يصبحوا حزبا معارضا إلا بعد وصول البعثيين العلمانيين إلى السلطة في العام 1963. وكان أول نشاط عملي معارض لهم ضد السلطة الجديدة في العام 1964 حين حرضوا على القيام بأعمال شغب في حماة سرعان ما تحولت إلى عصيان كامل اضطر "رجل السلطة القوي الفريق أمين الحافظ  إلى إرسال الجيش إلى حماة ومحاصرتها قبل سحق العصيان الذي قاده الأخوان المسلمون". وبعد ذلك جرى التشديد على قمع أنشطتهم، ما اضطر الكثيرين منهم إلى الفرار إلى الأردن ولبنان والسعودية وبقية دول الخليج.  وبعد وصول مجموعة "23 شباط/فبراير"[صلاح جديد ورفاقه] إلى السلطة في العام 1966، والذي أخرج مجموعة منها مجموعة أمين الحافظ ، صعّد الأخوان المسلمون من معارضتهم على اعتبار أن السلطة "الشباطية" الجديدة هي من العلويين الذين يكفرهم الأخوان المسلمون". وفي العام 1973 أقرت حكومة حافظ الأسد الدستور الجديد "الذي أزال أي ذكر للإسلام كدين للدولة ، ما دفع الأخوان المسلمين إلى التشدد في دعايتهم التي تزعم أن البعثيين معادون للإسلام"، معتبرين أن تولي حافظ الأسد السلطة "أمر غير دستوري حسب المادة 3 من الدستور التي تقول إن دين رئيس الدولة الإسلام"، بالنظر إلى أن الأخوان المسلمين يعتبرون الأسد "علويا وبالتالي غير مسلم"، ولا يجوز له بالتالي تسلم السلطة دستوريا!بعد ذلك ، تتابع الوثيقة، بدأ الأخوان المسلمون توسيع أنشطة جناحهم السري[العسكري]من خلال عمليات العنف السياسي، رغم أنهم تجنبوا تبني تلك العمليات [الاغتيالات التي بدأت باغتيال رئيس فرع المخابرات العامة في حماة الرائد محمد غرة، العام 1976] ، علما بأن هذا الجناح كان ظهر إلى الوجود بعد القمع الذي تعرضوا له زمن الجنرال أمين الحافظ ، حيث عرف هذا الجناح تحت أسماء مختلفة مثل"شباب محمد"[ وهو - بالمناسبة- أول تنظيم انتسب إليه هيثم مناع / العودات أواخر الستينيات وبداية السبعينيات] و"جند الله" و "الشباب المؤمن" و"الطليعة الإسلامية" ، فضلا عن أسماء أخرى. وكان القائد الأول لهذا الجناح هو الدكتور عدنان المصري الذي أعدم في العام 1965 [بأمر من الفريق الحافظ]. وقد خلفه في رئاسة التنظيم الشيخ مروان حديد إلى حين وفاته في العام 1976[مضرباً عن الطعام في مشفى المزة العسكري، وليس بسبب التعذيب كما يدعي "الأخوان" الدجالون] ، ليخلفه عدنان عقلة. وطيلة تلك الفترة كانت معارضة الأخوان المسلمين للبعثيين محدودة ، ولم يشعروا بقدرتهم على تحدي حكمهم إلا في العام 1979.وطبقا للوثيقة، كان مخططاً لمجزرة مدرسة المدفعية في حلب [16 حزيران / يونيو1979 ]،التي قتل فيها خمسون من الطلاب الضباط [العلويين الذين جرى انتقاؤهم من بين طلاب المدرسة] ، والتي دبرها الأخوان المسلمون، أن تكون "بداية هجوم إخواني شبيه بالثورة الإيرانية". وفي صيف العام 1980 ، تمكن الأسد من كسر العمود الفقري لهجوم الأخوان المسلمين بعد أشهر من المعارك الدموية بين قوات الحكومة وعناصر  جهازهم السري. لكن الثمن كان باهظاً ، حيث أدى الأمر إلى استثارة الأغلبية السنية ضده . غير أن الطبيعة العملية للسوريين جعلتهم يدركون أن الأسد حقق لسوريا أفضل استقرار منذ العام 1946 حين استقلالهم عن فرنسا.


قيادة جديدة للأخوان المسلمين / تحدٍّ جديد:

  تقول الوثيقة تحت هذا العنوان إن هزيمة العام 1980 أدت إلى عزل عصام العطار من منصب المرشد العام للأخوان المسلمين في سوريا ، الذي كان استلم المنصب من السباعي. ولكن هذا ليس صحيحاً. ذلك أن عصام العطار كان مراقباً عاماً للأخوان خلال الفترة 1964 ـ 1973 ، وهو الثاني في الترتيب بعد المؤسس مصطفى السباعي. أما الفترة التي تتحدث عنها الوثيقة فكان المراقب العام خلالها هو الدكتور عدنان سعد الدين ( 1976 ـ 1980)، وهو الرابع في الترتيب بعد عبد الفتاح أبو غدة.

   تتابع الوثيقة لتقول إن القيادة الجديدة تكونت من عدنان سعد الدين والشيخ سعيد حوا [ وليس سعيد حاوي كما ذكرت الوثيقة] وعلي صدر البيانوني، أما الجهاز السري(العسكري) فأسندت قيادته لـ «عدنان عقلة». وعن عدنان سعد الدين تقول الوثيقة إنه كان عضوا في الجماعة منذ العام 1943 ، وإنه اكتسب خبرة واسعة في العمل السري في إطار الجناح العسكري . لكن الأمر ليس دقيقاً ، لأن سعد الدين ، وكما قالت شقيقته السيدة نجاح سعد الدين (أم عبد الرحمن)  لمحرر هذه الترجمة في إفادة خاصة العام 2003 ، وهي مدرسة لغة عربية سابقة و واسعة الثقافة وعلى خلاف جذري مع شقيقها، إن شقيقها ـ المولود في  حماة العام 1929 ـ لم يكن عضواً في الجماعة قبل تخرجه في "جامعة فؤاد الأول"(القاهرة)في العام 1955، وربما لم يصبح عضواً فيها إلا بعد أن تخرج بإجازة جامعية ثانية في الحقوق في الجامعة نفسها العام 1960(إجازته الجامعية الأولى كانت في اللغة العربية وآدابها).أما الشيخ سعيد حوا ، وبالعودة إلى الوثيقة، فكان في قيادة الجناح السري منذ العام 1965 إلى العام 1976 ، قبل أن يهرب من سوريا إلى الأردن العام 1980، ومنها إلى أوربا . وهو يعتبر عالم دين شهيراً نشر العديد من الكتب في الشريعة والفقه والتفسير. لكن الوثيقة تغفل أمراً هاماً جداً وهو أن سعيد حوا اعتقل في العام 1973 (وليس العام 1976 ) بعد مشاركته في صياغة وتوقيع البيان الصادر العام 1973 الذي طالب بـ"دولة إسلامية ودستور إسلامي" في سوريا ، ردا على الدستور الذي وضعه الأسد في ذلك العام، وأطلق سراحه في معمعة الأحداث حين كان الأخوان المسلمون يقومون بحملة اغتيالات وتفجيرات العام 1978، وليس العام 1977 ، كما تقول الوثيقة.  وبشأن المحامي البيانوني ، الحلبي المولد ، تقول الوثيقة إنه كان الرجل الثالث في القيادة ، وتشير إلى أنه يبلغ من العمر(آنذاك) 45 عاما ، وأنه انضم إلى الجماعة السلفية (الأخوان) العام 1943. وهذا أيضا غير دقيق . فهو من مواليد العام 1938، والأخوان لم تتأسس حركتهم رسميا إلا في العام 1945 ـ 1946. أما هو فلم يصبح عضواً إلا في العام 1952. وهو لم يكن ضابطاً في الجيش كما تزعم الوثيقة، بل مدرساً ومحامياً خدم خدمة العلم برتبة ضابط مجند مثله في ذلك مثل جميع السوريين حملة الإجازات الجامعية.

   تتابع الوثيقة الحديث فتقول إن  الاعتقالات في صفوف الجماعة استمرت بعد أن كسر الأسد شوكتها في العام 1980، لكن هيكلها التنظيمي بقي سليماً، وكان يقدر آنذاك بحوالي عشرة آلاف عضو، فضلا عن ألف من الجناح السري (العسكري). وكان على رأس أولويات القيادة الجديدة إعادة بناء التنظيم وتجميعه و"الاستعداد لجولة جديدة من القتال ضد البعثيين ـ العلويين ". وفي كانون الأول / ديسمبر العام 1980 أعلن سعيد حوا و البيانوني تأسيس "الجبهة الأسلامية" من خلال مقابلة مع صحيفة"دي فيلت"(العالم) الألمانية .لكن هذا غير دقيق أيضاً. فالجبهة كان أعلن عنها في تشرين الثاني / نوفمبر من خلال البيان الشهير"بيان الثورة الإسلامية المسلحة في سوريا ومنهاجها". وتصف الوثيقة هذا الإعلان بأنه كان مجرد بروباجندا، لكنها تعتبره أيضا بداية نشاط جديد في الاتصالات مع جهات إقليمية ، مثل الحكومة العراقية التي كانت على تضاد تام مع نظام الأسد، مشيرة إلى أن النظام العراقي كان دعم الأخوان المسلمين في العام السابق على ذلك، لاسيما في معركة حلب ، ولعب دور الوسيط بينهم وبين الحزب الشيوعي بزعامة رياض الترك "الذي شارك في القتال إلى جانب الأخوان المسلمين في حلب، لاسيما بداية العام 1980". وهذا ليس صحيحاً على الإطلاق. فحزب رياض الترك لم يشارك في القتال أبدا، ولم يحمل السلاح على الإطلاق أنذاك، رغم أنه كان يراهن على «الأخوان»، وكان دعمه سياسياً وحسب ، بالنظر لأنه كان يتمول من المخابرات العراقية، كما ثبت لاحقاً بالوثائق التي نشرتها جريدة الحزب في الخارج (العدد الرابع من نشرة "المسار" / أيار/ مايو 2004). لكن ما تذكره الوثيقة بشأن أن الأخوان المسلمين طلبوا من العراق وصلهم بمعارضين بعثيين لتشكيل تحالف معهم، صحيح. فقد ذكره الراحل الكبير أكرم الحوراني في مذكراته.

تكتيكات (الأخوان) لإسقاط نظام الأسد :

   تقول الوثيقة إن الأخوان حاولوا آنذاك الحصول على دعم معارضي الأسد من العلويين أنصار الرجل القوي صلاح جديد ، الذي ينتمي إلى "عشيرة" علوية أكبر من "عشيرة" الأسد ، والذي كان معتقلا منذ العام 1970. وبحسب الوثيقة، فإن العراق لعب دورا في تنظيم جهود الفريقين للإطاحة بالأسد . لكن ادعاء الوثيقة هذا ينطوي على شعوذة . فجماعة "23 شباط" ( أنصار صلاح جديد ، أو البعث الديمقراطي) كانوا على تضاد مع النظام العراقي منذ العام 1965، وبشكل خاص منذ العام 1966. ولم يدخلوا في تحالفات مع الأخوان المسلمين، بل في إطار "التجمع الوطني الديمقراطي".

   تتابع الوثيقة القول إن "الأخوان" طوروا خطة أكثر تعقيداً من خطة العام 1979ـ1980. ففي السابق ، حاولت الجماعة إطاحة النظام وحدها، وهو ما وفر للأسد فرصة لاستغلال اتجاهها التكفيري والمعادي للعلويين من أجل الحصول على تأييد القوى الوسطية ، حيث أطلق حملة أمنية ضدهم على امتداد المجتمع السوري كله. أما خطتها الجديدة فكانت تقوم على تقسيم العلويين من خلال اللعب على الحساسيات الداخلية التي تسبب بها قمع الأسد لمعارضيه. ويبدو أن الخطة وضعت بالتنسيق مع العراق ، حيث تركزت على نشاطين رئيسين : ثورة مسلحة قوية في حماة تستدرج ثورات مماثلة في مدن أخرى وإضراباً عاماً يشل سوريا، وانقلاب عسكري متزامن من قبل أنصار صلاح جديد في الجيش. وبالتزامن مع الخطة، جرى إعداد حملة دعائية (بروباجندا) عنيفة بهدف دعم العصيان في مدينة حماة وإبراز انتصاراته فيها من أجل تشجيع المدن الأخرى على المشاركة في العصيان،مع التخطيط لأنشطة إعلامية في أوربا وأمريكا ، فضلا عن برامج إخبارية إذاعية عبر إذاعة الكتائب في لبنان("صوت لبنان الحر"، وهي للقوات اللبنانية وليست للكتائب كما تقول الوثيقة) و إذاعة "صوت سوريا العربية" من بغداد . وقد بدأ النظام العراقي الحملة في بداية العام 1981 من خلال نشر قصص عن انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا في مجلة "المنبر"( التي كان يصدرها الأخوان في الخارج)، مع التركيز على أحداث حماة في العام السابق (1980)، والتأكيد على أن نظام الأسد معزول تماماً داخل سوريا وفي العالم العربي. وبحلول تموز / يوليو من العام 1981 ، نجح الأخوان المسلمون في ترتيب عملية تسلل نخبة جهازهم العسكري من الأردن والعراق وتركيا إلى مدينة حماة . وكان حوالي 100 مقاتل جرى نقلهم من الأردن إلى العراق حيث تلقوا تدريبات مكثفة قبل إعادة إرسالهم إلى سوريا . وخلال التحضير لعملية حماة ( أيلول / سبتمبر أو تشرين الأول / أكتوبر) ، قام جهازهم السري  بمهاجمة دار الحكومة في المدينة وسرقة مئات من بطاقات الهوية الفارغة لاستخدامها من قبل الجهاز السري للجماعة، كما نفذوا "عمليات تفجير إرهابية" في مختلف أنحاء سوريا بهدف زعزعة الاستقرار وإثبات أن "النظام البعثي ـ العلوي" لا يستطيع السيطرة على البلاد.

المخابرات السورية تكشف الخطة:

  تقول الوثيقة إن المخابرات السورية تمكنت من اكتشاف مخطط للضباط العلويين للقيام بانقلاب بداية العام 1982، حيث انقضت على  المعارضين في الجيش بالتزامن مع تكثيف جهودها لاجتثاث البنية التحية للجماعة. وقد شملت هذه الخطة مدينة درعا القريبة من الحدود الأردنية التي جرى تمشيطها بيتا بيتا. وبحلول أواخر كانون الثاني / يناير 1982 ، ظهرت مؤشرات على نية الحكومة تمشيط حماة أيضا بالطريقة نفسها ، وهو ما كان سيؤدي إلى اعتقال حوالي 200 مسلح من قوات نخبة الأخوان المسلمين الذين تسللوا إلى المدينة. إلا أن ما تذكره الوثيق هنا ينطوي على مغالطات فاضحة. فما جرى في درعا ، وفق معلومات مؤكدة لمحرر هذه الترجمة، كان عبارة عن وشاية كبيرة قام بها القيادي الأخواني الدكتور غسان أبا زيد ، الذي شكّل أحد أكبر الاختراقات الأمنية السورية في صفوف جماعة الأخوان المسلمين، حيث سلمهم قرابة 380 عضواً من أعضاء الجماعة وأنصارها، لاسيما منهم من كان يتعامل مع المخابرات الأردنية. وبقي ينشط لصالح المخابرات السورية في صفوف الجماعة قرابة عشرين عاماً إلى أن عاد إلى سوريا لاحقا حيث جرى "تعيينه"عضوا في "مجلس الشعب"،قبل أن تجري  تصفيته بصهريج وقود "معس" سيارته على طريق درعا بينما كان في طريقه لقضاء إجازته الأسبوعية مع أفراد عائلته! وهناك معلومات تشير إلى أن المخابرات السورية هي التي صفته، لكن معلومات أخرى (أردنية المصدر) تقول إنه قُتل بقرار من مراقب الجماعة عدنان سعد الدين، المعروف بوحشيته ودمويته، بعد اكتشاف أمره على أثر عودته إلى سوريا!؟أما بشأن انقلاب الضباط العلويين المزعوم، فهو لا أساس له. فمن جرى اعتقالهم كانوا جميعا من المسلمين السنة في القوى البحرية ، فضلا عن زملاء لهم في القوى البرية المرابطة في دمشق وما حولها ، أبرزهم العميد صلاح حلاوة ، قائد الفوج مدفعية ميدان (65) في ريف دمشق، والعميد تيسير لطفي ، والعميد نذير السقا. وقد حكم عليهم بالإعدام من قبل محكمة ميدانية صادق مصطفى طلاس على أحكامها، لكن حافظ الأسد رفض التصديق عليها "بالنظر لكونهم أبلوا بلاء حسنا في حرب تشرين ، ولا يعدم ضابط كان من أبطال حرب تشرين"، كما كتب الأسد الأب على حاشية قرار الحكم ، والتي اطلع عليها محرر هذه الترجمة العام 1999 بفضل مدير مدير سجن المزة العسكري (العقيد بركات العش) ، حيث كانوا معتقلين حتى نقلهمم إلى صيدنايا في آب / أغسطس 2000. وقد أفرج عنهم في العام 2004 . وكان مع هؤلاء عدد من الطيارين أبرزهم رفيق الحمامي، محمود كيكي،بشار العشي. وهؤلاء أيضا لم تنفذ بحقهم أحكام الأعدام. وكان هؤلاء جميعاً من الأخوان المسلمين و"بعث العراق". ولم يعتقل ضابط "علوي" في ذلك الحين سوى العميد علي الشمالي (من علويي الجولان)، الذي اعتقل لسبب آخر هو عضويته في"البعث الديمقراطي"، وضابط آخر يدعى نديم سعيد (أبو ياسر)، الذي كان مديراً لتحرير مجلة «المرصاد» التي تصدر عن القوى الجوية والدفاع الجوي، بسبب علاقتهما بحزب «البعث الديمقراطي»(تيار صلاح جديد). علما بأن الشمالي اعتقل بعد ليلة واحدة من صدور مرسوم بتعيينه مديرا لإدارة المخابرات العامة، حيث اكتُشف أمره حين اعترف عليه أحد المعتقلين من زملائه قبل تسلم منصبه هذا!!

   تتابع الوثيقة فتقول إن الجماعة قررت ـ على أثر اكتشاف تلك المؤشرات ـ إطلاق خطتها قبل اكتمال التحضيرات ، آملة أن تستطيع تحريض المدن الأخرى من خلال استخدام سلاح البروباجندا الكاذبة انطلاقا من لبنان والعراق. ورأت الجماعة أن هناك فرصة متاحة لإسقاط نظام الأسد رغم انكشاف خطة الانقلاب العسكري . واعتقدت الجماعة أنه حتى لو فشلت الحركة، فإن عصيان حماة سيصبح مركز استقطاب للتحركات ضد الحكومة من خلال استفزازها وإرغامها على استخدام أقصى درجات القوة ضدها ، وهو ما سيسبب بدوره انقلاباً في موقف السوريين من حافظ الأسد وحكومته. هكذا، وفي أواخر كانون الثاني / يناير 1982، انتقل عدنان سعد الدين و سعيد حوا وعلي البيانوني [ بمساعدة مدير المخابرات التركية برهان الدين بيغالي Burhanettin Bigalı ومدير العمليات الخاصة في وكالة المخابرات المركزية الأميركية] من بروكسل [مقر قيادة الحلف الأطلسي!!] إلى غرفة عمليات سرية جرى إعدادها داخل سوريا لقيادة العصيان. وفي 2 شباط /فبراير انطلقت مآذن الجوامع في حماة بالدعوة للجهاد ضد الحكومة ، مع توجيه الناس إلى مساجد محددة جرى تحويلها إلى مخازن سلاح . وفي الوقت نفسه قام عناصر من الجهاز السري للجماعة يرتدون ملابس الجيش بالهجوم على المراكز الحكومية في المدينة. وكان من أبرز المراكز التي هوجمت "سجل النفوس المدني" ، حيث جرى إحراقه بزعم أن المخابرات تستخدمه أداة لـ"تحديد النسل"!! [معتادون طوال تاريخهم على الشعوذة وفبركة الخرافات!]. وفي الآن نفسه هاجم مسلحوهم مخافر الشرطة والمراكز الأمنية ومقرات حزب البعث والوحدات العسكرية [كما سيحصل صيف العام 2011، حين قام زعران فاروق طيفور باختطاف عناصر الشرطة من مخفر «حي الحاضر» قبل ذبحهم بالسكاكين وإلقائهم من فوق «جسر كازو / الضاهرية» شمال المدينة!]. وهو ما اضطر الحكومة إلى سحب الجيش والشرطة إلى خارج المدينة بعد عدة أيام من المعارك العنيفة. وعندها قام عناصر الجماعة بتنظيم الدفاع عن المدينة لمنع الحكومة من دخولها مرة أخرى. وقد انضم إلى المقاتلين مئات آخرون ليصبح عددهم حوالي 400 مقاتل يوم 2 شباط / فبراير ، ثم ألف مقاتل بعد ثلاثة أيام ، كانوا جميعهم من عناصر التنظيم وأهالي المدينة. وفي 9 من الشهر ذاته نشرت قيادة "الثورة الإسلامية" بياناً من إذاعة "صوت سوريا " في العراق تحدث عن السيطرة الكاملة على حماة وعن إعدام 50"جاسوسا ومخبراً" أسدياً وعن "انشقاق الجزء الأكبر من اللواء 47" (الذي يرابط تاريخياً في منطقة الرستن المجاورة)، وعن رفض الطيارين قصف المدينة ! وأضاف البيان أن "الثورة انتشرت من حماة إلى باقي الوحدات العسكرية في ميناء اللاذقية ["انقلاب البحرية" الذي تحدث المترجم عنه أعلاه] وفي منطقة تدمر في الصحراء. كما تحدث عن مواجهات في حلب وعن ثلاثة آلاف قتيل وجريح في صفوف قوات الحكومة. وفي اليوم التالي( 10 شباط / فبراير) جرى توسيع  البروباجندا ، حيث صدر بيان من العاصمة الألمانية (بون ، آنذاك) يؤكد تحرير حماة وفشل قوات الحكومة في استعادتها ، وتأكيد مقتل ثلاثة آلاف من قوات الحكومة ، والانشقاقات في اللواء 47 . وفي 11 من الشهر نفسه صرح مصدر إخواني من "هونغ كونغ" [التي كانت قاعدة بريطانية آنذاك!!] أن إذاعة حلب سقطت بأيدي الثوار . وفي باريس صرح مصدر أخواني ، نقلا عن مصدر في بون، أن 3000 إلى 4000 مقاتل من الجيش انضموا إلى الثورة الإسلامية في حماة ، بينما أضاف مصدر أخواني من فيينا في النمسا أن ألفي جندي قتلوا و ثلاثة آلاف جرحوا ، وأن القتال انتشر إلى دمشق واللاذقية وحلب والمناطق الشرقي من سوريا! [غني عن البيان أن هذا كان في معظمه كذبا ودجلا. فالمعارك التي كانوا يتحدثون عنها مجرد مواجهات محدودة بين مجموعات صغيرة من المسلحين والأجهزة الأمنية. فهم ، بوصفهم أكبر مجموعة دجل عرفها التاريخ البشري، إذا استثنينا جهاز «غوبلز» النازي، اعتمدوا دائما على سياسة التوريط!]. وفي 14 من الشهر نفسه ، صرح مصدر أخواني من تركيا بأن قطاعات كبيرة من طريق دمشق ـ حمص ـ حلب أصبحت تحت سيطرة الثورة الإسلامية [في الواقع، كما تقول الوثيقةـ كان الطريق مفتوحاً تماماً أمام حركة المرور منذ 11 من الشهر، ولم يكن صحيحاً ما قالوه]. وفي 15 من الشهر أعلنت إذاعة "لبنان الحر" (القواتية) أن خمسة آلاف جندي هربوا إلى لبنان . لكن في الواقع ، وبخلاف أكاذيبهم كما تقول الوثيقة  نفسها، كانت الحكومة استعادت أغلب مدينة حماة في ذلك التاريخ، وكان المسلحون الإسلاميون تشتتوا في نقاط متفرقة من المدينة القديمة في حماة. وقد استمرت بروباجندا الأخوان رغم ذلك ، حيث دعا سعيد حوا في 16 من الشهر نفسه،عبر "صوت سوريا" من بغداد، إلى الجهاد في كل سوريا ، معلنا أن الجهاد "فرض على كل سوري قادر على حمل السلاح". كما وأعلن عن عصيان مدني مفتوح إلى حين سقوط حكومة الأسد. وفي العشرين من الشهر دعت الإذاعة نفسها الشعب السوري إلى التوحد بوجه الأسد ، وأشارت إلى أن "القيادة الدينية" في سوريا (مشايخ الأخوان)أصدرت فتوى تحرم على أي مسلم دفع الضرائب للحكومة. وفي 25 من الشهرنفسه نقلت صحيفة "كرستيان ساينس مونيتور" الأميركية بيانا عن جماعة الأخوان المسلمين زعمت فيه أن "الجبهة الإسلامية" سيطرت على القاعدة البحرية شمال اللاذقية ( قاعدة "مينة البيضا") ، وأنها أصبحت تملك غواصتين [لم يكن يومها في البحرية السورية أية غواصات!!].وتقول الوثيقة "رغم كل هذه البروباجندا ، لم ينتشر العصيان إلى خارج حماة، باستثناء بعض عمليات التفجير في دمشق  وأماكن أخرى"!

النتائج:

   تقدر الوثيقة عدد القتلى والضحايا في مدينة حماة ، بخلاف جميع الأكاذيب المتداولة منذ ذلك التاريخ حتى اليوم، بحوالي  ألفي قتيل فقط من جميع الأفرقاء ( السلطة، الأخوان، المدنيين)، منهم ما بين 300 إلى 400 من نخبة قوات الأخوان المسلمين، وهو ما يعادل ثلث مسلحيهم في عموم أنحاء سوريا. ومن الناحية العسكرية، تمكنت الحكومة من إلحاق هزيمة بالمتطرفين السلفيين الذين سيحتاجون بضع سنوات قبل أن يستعيدوا قوتهم ويتمكنوا من تحدي الحكومة مرة أخرى. وقد وفر العصيان مبررات قوية للرئيس الأسد لتمشيط حماة وتصفية قواعد الأخوان المسلمين فيها. لكن، ومن ناحية أخرى، أثبت الأخوان المسلمون قدرتهم على شن حملة معقدة من بروباجندا الأكاذيب ومن العمليات العسكرية، فضلا عن توسيع الهوة بين نظام الأسد وأغلبية السوريين، وإن لفترة قصيرة. إضافة لذلك، تتابع الوثيقة، كانت قيادة الأخوان المسلمين تدرك تماما أن النظام لن يتمكن من السيطرة على حماة ، وإذا لم يستطع سحق تمردها ، فيمكن تطويره إلى عصيان شامل. بالمقابل، أدى الاستخدام المنفلت للمدفعية في عملية سحق المقاومة في حماة  إلى تحذير المدن الأخرى من أن لدى الأسد القدرة والإرادة على البقاء في السلطة. ومن ناحية ثانية، وأخذا بالاعتبار المعطيات نفسها، فإن أفعال الحكومة روعت قطاعا واسعا من المجتمع السوري. مع ذلك، تقول الوثيقة، لا تزال استراتيجية الأسد مستمرة في الاعتماد على واقع أن السوريين في أغلبيتهم لا يدعمون وصول الأخوان المسلمين إلى السلطة مهما اختلفوا مع الحكومة ، وحتى لو فضلوا رئيسا مسلما سنيا. كما أثبت الوقائع أن السوريين عمليون ويفضلون الاستقرار الذي يضمنه الأسد ، والذي لم يحظوا به منذ الاستقلال في العام 1946 . لكن هذا لا يعني أن الأسد يتمتع بدعم شعبي.وتعتقد الوثيقة أن الشعبية لم تكن في السابق شرطا للوصول إلى الرئاسة في سوريا ، فالقدرة على السيطرة على الجيش وعلى استخدامه عند الحاجة كانت ولا تزال أكثر أهمية بكثير. وقد أثبت الأسد مقدرته على التحكم بالجيش واستخدام القوة عند الحاجة ، مع توجيه اللوم إلى الأخوان المسلمين على تسببهم بما جرى وتحميلهم مسؤولية تدمير أجزاء من حماة. مع ذلك،لا يزال الأخوان المسلمون مصممين على خوض صراعهم المسلح ضد الحكومة "البعثية ـ العلوية" . كما أن النظام العراقي يبدو مصمما هو الآخر على دعم الأنشطة المناوئة للأسد ، وقد يستمر في دعم الأخوان المسلمين. أما المنشقون السوريون فسيبقى "أسلوب عملهم"  Modus Operandi هو الإرهاب ، لاسيما التفجير والاغتيالات. وسيبقى الأسد هدفا للاغتيال سواء من قبل الأخوان المسلمين أو المنشقين العلويين. بالمقابل، ستستمر أجهزة الأمن في حملتها لاجتثاث البنية التحتية للأخوان المسلمين أو قصم ظهرها ، داخل سوريا وخارجها.ولهذا فإن الحرب بين الطرفين ، المعلن منها والخفي، لن تتوقف حتى لو شهدت فترات من الهدنة بينهما.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) ـ ملاحظة من المترجم : عمدت الجهة المعنية ( الأرشيف الوطني الأميركي) إلى شطب فقرات عديدة من الوثيقة. ويتضح من السياق أن المحذوف يتضمن أسماء وجهات أمنية أمريكية وغير أميركية أعدت الوثيقة ، فضلا عن برقيات أمنية شكلت أساسا لها ، وجرى الإشارة إليها برموز أرشيفية.

Wednesday, 21 January 2026

 على هامش وفاة «رفعت الأسد» :

 يوم تحالف «الأخوان المسلمون» و «سرايا الدفاع» ضدي أمام القضاء الفرنسي!

(صفحة مجهولة من التاريخ السوري القريب)

ــــــــــــــــــ 

من أجل تصفح الروابط والصور بطريقة أوضح، يرجى النقر عليها.

(فيكتوريا) 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ذكرت وكالات الأنباء أن رفعت الأسد توفي اليوم في دولة الإمارات العربية. وخلال بحثي للتأكد من الأمر، لم أجد اسمه إلا مقروناً بأوصاف من مثل (الهالك، النصيري، الفطيسة )... إلى آخر قائمة المفردات المستلّة كلها من قاموس التوحش الإسلامي الذي تعلمه الإسلاميون من نبيهم محمد منذ أن كان يكشف عن شعر عانات الأطفال ليتأكد من «بلوغهم الحلم» قبل أن يذبحهم عن سنته وسنة ربه «يهوه» اليهودي - التلمودي؛ ومنذ أن رفض الترحم على أمه آمنة بنت وهب لمجرد أن أبناء قبيلة قريش أبلغوه بأنه «ابن سفاح» وأن أمه كانت «قحبة» أنجبته مع أخوة آخرين له من «علاقات غير شرعية»، كما يخبرنا العديد من الإخباريين والفقهاء المسلمين السنة (1).


   بخلاف الأوغاد أصحاب ذلك القاموس وتلك الأخلاق «النبوية» الحقيرة، ليس من عادتي أن أذكر الموتى، لاسيما إذا كانوا من خصومي خلال حياتهم، سوى بالحسنى حين يتعلق الأمر بالجوانب الشخصية. فهذه أخلاقنا وتلك أخلاقهم، كما قال تروتسكي ذات يوم في الكراس/ المقال الذي حمل العنوان نفسه. ولأنه ليس عندي ما أذكره عن رفعت الأسد في حضرة الموت الذي يتساوى فيه الناس جميعاً كما المرض، ولأن الشماتة بموت أحد ، أياً كان، هي غريزة من غرائز الضباع، سأكتفي بذكر واقعة يجهلها 99 بالمئة من الشعب السوري، خصوصاً وأن أغلبيته الساحقة اليوم هي ممن ولدوا بعد حصولها (قبل حوالي ربع قرن)، والباقون كانوا أطفالاً أو مراهقين أو شباباً مشغولين بآخر أخبار هيفاء وهبي و نانسي عجرم  ونجوم كرة القدم!

   في 6 أيار / مايو 2001 ، وبعد حملة دولية استغرقت أكثر من عام، أطلق سراحي على خلفية تدهور وضعي الصحي ( شلل جزئي في الطرفيين السفليين؛ كسر سطحي في العظم القذالي في الجمجمة مع خثرة دموية على قشرة الدماغ نتيجة الضرب بماسورة حديدية في سجن تدمر الصحراوي؛ سرطان لمفوما هودجكن؛ خطر حصول عمى وشيك شبه كامل بسبب تلف في مخاريط الشبكية  Retinal Cones والعصب البصري نتيجة العزل في زنزانة انفرادية طوال عشر سنوات تقريباً دون رؤية الشمس والتعرض للضوء الطبيعي ...إلخ). فمن المعلوم أني أنا الوحيد في تاريخ السجون السورية ( باستثناء رياض الترك) الذي قضى فترة اعتقاله كلها تقريباً (عدا بضعة أشهر) في العزل الانفرادي المشدد!


   حين وصلت إلى فرنسا للعلاج، نظّمت لي «صحفيون بلا حدود» ، ومنظمات أخرى، مؤتمراً صحفياً دولياً في باريس. ومن بين الأشياء التي تحدثت عنها قصة «المقابر الجماعية». فقد كنتُ بدأت نبش تلك المقابر، بعد معرفة مكانها ( في سفح «جبل عويمر/ جبل عنتر» شمال مدينة تدمر؛ و منطقة «خان أبو الشامات»(على طريق دمشق - بغداد) ؛ ومنطقة «زوبع» في جبال القلمون الغربية، قرب بلدة الناصرية ...إلخ)، اعتباراً من العام 1988. وكانت المقابر تخص ثلاثة أنواع من القضايا / الجرائم : ضحايا «مجزرة سجن تدمر» في 27 يونيو1980  ، الذين قتلهم عناصر رفعت الأسد انتقامياً على أثر محاولة أخوانهم الإسلاميين اغتيال شقيقه الرئيس في اليوم السابق، وضحايا اختبار الأسلحة الكيميائية على مئات من المعتقلين السياسيين وسجناء الحق العام بالتعاون بين مختبرات وزارة الدفاع الفرنسية و علي مملوك و مصطفى طلاس و مستشاره للشؤون العلمية الدكتور عمرو أرمنازي، ومقابر 19 ألف برميل معياري Standard barrel من النفايات الكيميائية المشعة التي جلبها عبد الخليم خدام بالتعاون مع ابن أخته، اللواء مصطفى وجيه طيارة، قائد القوى البحرية، و شريكهما سمير جعجع - عبر الأراضي اللبنانية و ساحل طرطوس- من مصانع إيطالية و بلجيكية وألمانية لدفنها في البادية السورية و الجرود اللبنانية (لاسيما : «شننعير»، «حالات»، «عيون السيمان»...إلخ) مقابل 25 مليون دولار! ( الجزء الذي دفنه سمير جعجع في عدد من الجرود اللبنانية أعيد نبش معظمه ونقله إلى سوريا لاحقاً بعد افتضاح الأمر بفضل الصحافة اللبنانية ومنظمة «غرين بيس Green peace» ورئيس فرعها في لبنان فؤاد حمدان) (2).


   وكنت نشرت تحقيقاً مستفيضاً عن مقابر النفايات الكيميائية في العدد الرابع من مجلتنا السرية «صوت الديمقراطية» ، الذي لم يوزع. فقد صودف صدور أمر اعتقالنا في 17 نوفمبر 1991 قبل توزيعه، فبقي العدد ( حوالي 400 نسخة) مخزّناً في أكياس وكراتين حتى صادره العميد عبد المحسن هلال (من فرع فلسطين/ 235) خلال مداهمته منزلي في ضاحية «أشرفية صحنايا» بدمشق. ولهذا لم يسمع السوريون بقصة تلك المقابر والنفايات إلا بعد عشر سنوات على ذلك ، حين تحدثت عن الأمر باختصار في المؤتمر الصحفي المذكور بعد إطلاق سراحي ، ثم بشكل مستفيض في حلقة خاصة من برنامج «بلا حدود/ قناة الجزيرة» في 15 آب/ أغسطس 2001 . ويومها تولى صاحب ورئيس تحرير صحيفة «السفير»، السافل القذر طلال سلمان ( بالتنسيق مع اللواء غازي كنعان) إدارة حملة تشهير ضدي، إلى حد الزعم بأن المخابرات السورية نظمت جولة للصحفيين بحثاً عن المقابر ، فلم تجد شيئاً . وهو ما فعله جميع الصحفيين الكلاب المعتمدين في سوريا (لاسيما أبناء العاهرة : ابراهيم حميدي / الحياة؛  شعبان عبود / النهار؛ زياد حيدر/ السفير...إلخ )، باستثناء مراسلة  «بي بي سي» الراحلة سلوى أسطواني التي رفضت الكتابة عن الموضوع «إلا بشرط حصول تحقيق قضائي رسمي يكون نزار أحد أعضاء فريق التحقيق، لأنه هو من تحدث عن الأمر وهو من يعرف مكان المقابر وهو من نبشها وهو صاحب العلاقة الأول والأخير في القضية...إلخ »؛ فما كان من وزير الإعلام عدنان عمران إلا أن استدعاها إلى مكتبه و قال لها إن «السبب الوحيد الذي يمنعها من الكتابة هو أنها صاحبتي»( قال لها كلمة وسخة غير هذه الكلمة، أعفّ عن ذكرها، احتراماً لكرامة روحها الطاهرة)، رغم أن نصف سوريا كانت تعرف يومها أنها بمثابة أمّي الروحية، وأن علاقة قديمة تربطها بأفراد أسرتنا كلهم ، فضلاً عن أنها أكبر من أمي بحوالي عشر سنوات! ويومها كوفىء الصحفيون الكلاب المذكورون، بالإضافة لآخرين من خارج الوسط الصحفي (أشهرهم المخبر ياسر اسكيف) شاركوا في الحملة من خلال الظهور على الشاشات اللبنانية لتكذيب قصة المقابر، بالحصول على مبلغ يعادل خمسة آلاف دولار لكل منهم من رئيس شعبة المخابرات العسكرية، اللواء حسن خليل، وفق وثائق المخابرات العسكرية التي حصلت عليها لاحقاً ونشرتُ بعضها في مناسبات مختلفة. أما السافل طلال سلمان فحصل ( مع مارسيل غانم وإعلاميين لبنانيين آخرين) على تنويه خطي وهدايا تذكارية قام رستم غزالي بتقديمها لهم، وفق وثائق شعبة المخابرات ومكتب الأمن القومي!

֎֎֎

   لم يتأخر رفعت الأسد أكثر من 48 ساعة عن ملاحقتي قضائياً. فبعد يومين على المؤتمر الصحفي حضرت الشرطة القضائية الفرنسية إلى مقر إقامتي في مشفى «بيتييه سالبيتريير»، الذي كنت دخلته في اليوم السابق، لتبلغني بوجوب المثول في تاريخ محدد أمام قاضي التحقيق في «الغرفة 17» في قصر العدل في باريس بتهمة « القذف والتشهير بحق المدعي عليك رفعت الأسد...إلخ» ، مع مطالبته لي بدفع «مئة ألف فرنك فرنسي» (17 ألف دولار) كتعويض شرف! أما فريق المحامين الذين جندهم للدفاع عنه فكان مؤلفاً من حوالي سبعة عشر محامياً فرنسياً وإسبانياً، كانوا جميعاً (باستثناء واحد منهم، وفق المسح الذي أجراه د. هيثم مناع بحكم معرفته بالدوائر الحقوقية في البلدين) نقباء مركزيين أو فرعيين/ إقليميين في فرنسا وإسبانيا!  

   بعد حوالي ثلاث سنوات من التقاضي والطعون في مختلف مراحلهما، أصدرت محكمة الاسئناف في باريس قرارها النهائي الذي لم يكتفِ بتبرئتي من تهمة «القذف والتشهير»، بل و«أعطاني الحق في اتهام رفعت الأسد بما اتهمته به، نظراً للوثائق والشهادات التي تقدمت بها إلى المحكمة». ويومها قال لي صديقي ومحاميّ في القضية وليم بوردون William Bourdon ما حرفيته « هذه هي المرة الأولى التي يصدر فيها قرار قضائي بهذه الصيغة. فالعادة هي أن يكتفي القضاء بتبرئة أو إدانة المتهم، أما أن يعطيه الحق باتهام المدّعي عليه، فأمر غير مسبوق». و قد فسر الأمر بأنه ضوء أخضر لنا من المحكمة لملاحقة رفعت الأسد بتهمة ارتكاب جرائم القتل الجماعي. وهذا في الواقع ما قاله له أحد أعضاء غرفة المحكمة، مشيراً عليه بالتحرك السريع لملاحقته. لكن كانت هناك مشكلة قانونية - إجرائية، وهي أني لا يحق لي القيام بذلك إلا إذا كان لديّ وكالة قانونية من واحد على الأقل من ورثة ضحايا المجزرة (الأقرباء الأصول)، لأني - وفق القانون - «لست صاحب مصلحة مباشرة في القضية » (أي ليس لي أقرباء أصول من الضحايا). وعندها لجأتُ إلى وليد سفور باعتباره قيادياً في «جماعة الأخوان المسلمين » السورية ويترأس «اللجنة السورية لحقوق الإنسان» في بريطانيا، التي كانت - كما يعرف الجميع - مجرد واجهة حقوقية لهم. وكان طلبي منه محصوراً بإمكانية المساعدة في تأمين وكالة واحدة على الأقل من إحدى عائلات الضحايا، باعتبار أن معظمهم من «الجماعة». وللأمانة لم يتأخر الرجل، وكان متعاوناً ونبيلاً جداً؛ فبعد بضعة أسابيع وحسب تمكن من تأمين اثنين من ورثة الضحايا، وليس واحداً فقط. أحدهما كان والده من ضحايا المجزرة، وكان مقيماً في ألمانيا، بينما كان الثاني شقيقاً لأحد الضحايا ، وكان مقيماً في بلجيكا أو هولندا على ما أذكر. لكن، وكما اكتشفتُ لاحقاً، ارتكبتُ يومها خطأ قاتلاً حين تحدثت عن الأمر مع المراقب العام لجماعة الأخوان المسلمين علي صدر الدين البيانوني، الذي كان - مشكوراً - من أوائل من زاروني في باريس بعد إطلاق سراحي، رغم أنه كان لديه مشكلة إدارية في إقامته في بريطانيا. وشُكْرُه هنا حقٌ واجبٌ له لا بد من ذكره بمعزل عن أي شيء آخر، لأنه ليس من عادتي أن أبصق في أي كأس أشرب منه، مهما كان متسخاً ونتناً!

 على أي حال، يومها (ربيع العام 2004) أقدم البيانوني ، رغم الصداقة التي كانت بدأت تربطنا منذ زيارته لي في باريس، على «إخفاء» الشخصين كليهما اللذين أبلغاني أنا و وليد سفور باستعدادهما للمجيء إلى فرنسا من أجل تنظيم وكالتين قانونيتين، وعمّم على جميع العائلات المنتمية للأخوان المسلمين السوريين في أوربا، والتي لها أقرباء مباشرون في مجزرة سجن تدمر، بعدم إعطاء نزار نيوف أي وكالة قانونية لملاحقة رفعت الأسد والنظام السوري . وهذا ما تسبب بحرج كبير لـ وليد الذي راح يعتذر لي عما جرى، رغم أنه لم يكن مسؤولاً عما حصل، ولا يعرف سبب «اختفاء» الموكّلَيْن المتطوعَيْن، كما تأكدت بنفسي. فقد تبين لي - بالوثائق- بعد أكثر من ثلاث سنوات على تلك الواقعة أن البيانوني كان يومها على تواصل مع النظام السوري من خلال وساطة للمصالحة بين الطرفين يقوم بها مفتي الحلف الأطلسي ، المجرم السافل يوسف القرضاوي. وقد بدأت هذه الوساطة أواسط نيسان / أبريل 2004 حين زار القرضاوي دمشق للمشاركة في أعمال «الملتقى الإسلامي الأول في سوريا» واجتمع مع بشار الأسد؛ أي في الوقت نفسه الذي كنت أنا و وليد سفور نعمل على  قضية الوكالتين القانونيتين. ومن المعلوم أن القرضاوي خرج يومها (13 نيسان / أبريل 2004)  لـيخبر الصحفيين حرفياً بـ« أننا ممتنون لسوريا وقائدها (بشار الأسد) أنها ما زالت تحتضن فصائل المقاومة الإسلامية الفلسطينية وخصوصاً حماس والجهاد الإسلامي رغم كل الضغوط الأمريكية»! وغني عن البيان أن ذلك كان قبل سنوات من خروجه الشهير (في العام 2011) على «الجزيرة» ليدعو إلى قتل بشار الأسد نفسه والإفتاء بجواز قتل ثلث الشعب السوري، من العلويين وغيرهم، من أجل أن يعيش الثلثان الآخران، كما قال حرفياً، و ليطلب من «الحلف الأطلسي» غزو سوريا كما فعل في ليبيا قبل بضعة أشهر على ذلك! 


بعد ذلك التاريخ بحوالي سنة ( في العام 2005) أسمعني الصحفي السوري «ن. م.»، ابن «جبل العرب»، المقيم الآن في برلين، شريطاً سجله سراً لـ «البيانوني» في لندن يقول فيه ما حرفيته تقريباً، رداً على سؤال من قبل الصحفي نفسه عن سبب امتناعه عن مساعدتي أمام القضاء الفرنسي في قضية رفعت الأسد: «آخر ما كان ينقصنا أن يقوم علوي [ يقصدني أنا] بالدفاع عنّا لنيل حقوقنا أمام القضاء الفرنسي أو غيره. يريدون [العلويون] الحصول على مجد السلطة ومجد المعارضة معاً»!

  لم يكن جوابه هذا خارج السياق الأخلاقي الحقير الذي امتاز به المسلمون السنة المؤمنون على وجه العموم، والأخوان المسلمون منهم خصوصاً، لاسيما عجزهم عن النظر إلى أي شخص على وجه الأرض إلا من خلال خلفيته الدينية، حتى في مثل حالتي التي يشكل فيها الدين وربُّ الأديان كلها مجرد ... صرماية! فابن القحبة هذا، علي البيانوني، كان و لا يزال يعتقد أني «علوي»، رغم إدراكه بأن ربه وملائكته وكتبه وأنبياءه و رسله وطوائفه ويومه الأول والآخر،لا يعادلون كلهم عن بكرة أبيهم سوى أقل من... شعرة على بوابة طيزي، أو مسمار في نعل حذائي!

  (*) ـ مشفى كرويدون الجامعي ، لندن 21 يناير 2026  

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) ـ  بخلاف المسلمين الحمقى الذين لا يعرفون من وعن دينهم شيئاً سوى الطقوس المبتذلة، شكلت قصة النسب الحقيقي لنبيهم محمد موضوعاً أساسياً من موضوعات الكتب التي وضعها فقهاؤهم وإخباريوهم منذ البدايات الأولى للإسلام. فقد طعن هؤلاء ، وتحديداً السنة منهم ، لأن الشيعة يرفضون ذلك قطعياً، في نسب النبي الذي اعتُبر في كثير من الأحيان «ابن سفاح» ( أي ابن قحبة أنجبته أمه من ممارسة البغاء العمومي)، وليس معروفاً أبوه على وجه الدقة. وهذا ما نجده مثلاً عند ابن الأثير (أسد الغابة: 1 / 528) الذي يؤكد - من خلال مقارنة عمره بعمر عمه حمزة -  أنه ولد بعد وفاة أبيه المزعوم عبد الله بن عبد المطلب بحوالي أربع سنوات!! وهو ما ذهب إليه أيضاً  أبو الفرج الحلبي الشافعي في «السيرة الحلبية» ( 1 : 25) . وفي «سيرة ابن إسحاق» ( 1 : 50) ، وكذلك في «طبقات ابن سعد» ( الطبقات الكبرى، 1 / 98) التي نقرأ فيها عن أن محمداً كان يسمى «ابن أبي كبشة»، وأن آمنة بنت وهب خلّفت غيره من الذكور والإناث، فأين هم!؟ وفي مصادر إسلامية أخرى نقرأ أنه لم يكن هاشمياً، بل حفيد «العبد المملوك عبد المطلب الذي اشتراه  بنو هاشم من سوق النخاسة!». وبسبب الشكوك القوية في نسبه، أصدر المعتوه علي جمعة ، مفتي الديار المصرية، الفتوى رقم 18395 بتاريخ 27 يونيو 2002 ، التي ادعى فيها أن المرأة الطاهرة والورعة مثل آمنة بنت وهب يمكن أن يستمر حملها ...أربع سنوات! وهو ما ذهب إليه أيضاً في كتابه الهستيري المجنون « الدين والحياة» ( دار نهضة مصر، القاهرة، الفتوى رقم 51، ص 90).

(2) ـ جميع العينات التي حصلتُ عليها من المقابر المذكورة لا تزال مدفونة حتى اليوم في مخابىء سرية في إحدى مقابر الشهداء بضواحي دمشق. ولم يكن ذلك ممكناً لولا مساعدة من طبيب شرعي فلسطيني من أصدقائي في «الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين»، الذي علّمني كيفية أخذ العينيات من المقابر لغرض الفحص الجنائي المخبري، وكيفية الاحتفاظ بها في شروط علمية قياسية. أما مقابر النفايات الكيميائية المشعة فلا يزال الناس ( وقطعان الثروة الحيوانية أيضاَ) يموتون بها منذ نهاية الثمانينيات،دون أن يعرفوا سبب ازدياد نسبة سرطانات الرئة والسرطانات الجلدية المختلفة إلى أكثر من خمسة أضعاف معدلها السنوي العام في المحافظات المعنية ( حمص، الرقة، دير الزور، الحسكة)!