Tuesday, 23 June 2026

قصتي مع المحامية «الإسرائيلية» الراحلة «فيليسيا لانغر» في الذكرى الثامنة لرحيلها( 21 / 6 / 2018 )

مقاطع من سيرة ذاتية قد لا تهم أحداً، و وثائق من إرشيف المخابرات العسكرية السورية حول القضية، بعضها ينشر للمرة الأولى(*)

على كل سوري أن يقرأها ويحفظها في ذاكرته ليعرف أيَّ خيانة وطنية اقترفها  النظام بحق ضباطه وجنوده الأسرى في سجون الاحتلال؛

هكذا أخفى «حافظ الأسد» ونظامه قضية المئات من الأسرى السوريين الذين قتلوا في السجون الإسرائيلية وأبلغا أهاليهم كذباً بأنهم استشهدوا في ساحة المعركة؛

هذا ما كان عليه اتفاقي مع «علي دوبا»، وهكذا خانني بالتواطؤ مع «مكتب الأمن القومي» و«حافظ الأسد»، ولهذا السبب كان أول قرار اتخذه  «بشار الأسد»  بعد تنصيبه قائداً للجيش ... تسريح مدير سجن المزة العسكري بعد ساعات على صدور قرار بتعيينه قائدا للشرطة العسكرية!

ضابط في «الفرع 251» في إدارة المخابرات العامة أبلغ الإسرائيليين عن طريق شيخ عربي من «فلسطين 1948» بأن «فيليسيا لانغر تتعاون مع صحفي سوري في قضايا أمنية تمس أمن دولة إسرائيل»!

ــــــــــــــــــــــــ

مرت قبل يومين الذكرى الثامنة لرحيل المحامية «الإسرائيلية» سابقاً ، المناضلة الكبيرة «فيليسيا لانغر»، التي كان لها مع «نزار» علاقة عمل سرية أواخر الثمانينيات بعد أن التقيا صدفة في لارناكا بقبرص، وكان يعتبرها بمثابة أمه الروحية. وخلال السنوات الثلاث الأخيرة من حياتها في «إسرائيل» قدمت له مساعدة لا تقدر بثمن في التحقيق الذي كان يجريه حول مئات الأسرى السوريين الذين «اختفوا»، والذين تبين - بفضلها - أنهم أخضِعوا لاختبارات أسلحة بيولوجية في «المعسكر 1391» السري وسط فلسطين المحتلة. أما النظام السوري فقد «باع» مصيرهم.

انفجرت هذه القضية حين عثرت المخابرات العسكرية السورية على المصنف الخاص بوثائق القضية في منزل «نزار» بدمشق في العام 1991على خلفية قضية «لجان الدفاع الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان في سوريا، وتحولت إلى «قنبلة» داخل قيادة النظام». وقد تبين أن أحد ضباط المخابرات العامة ، وعلى خلفية توقيفه في العام 1988 بسبب «زواجه» من الصيدلانية «اليهودية» الدمشقية «سارة شالوح / همداني»، سرّب إلى الإسرائيليين وثائق ضبطت مع «نزار» تكشف علاقته بالمحامية «فيليسيا لانغر». وكان هذا الأمر أحد أسباب «فرارها» من إسرائيل إلى ألمانيا نهائياً صيف العام 1990، لئلا تعتقل وتُحاكم بتهمة «الخيانة والتعامل مع دولة معادية»!

في حزيران 2019، وبمناسبة الذكرى الأولى لرحيلها،  كشف «نزار» بعض تفاصيل قصته معها، أما اليوم فيكشف للمرة الأولى وثائق ومراسلات بينهما، و وثائق حول القضية تتعلق بما دار بينه وبين «علي دوبا» على خلفية القضية. وجميع هذه الوثائق من أرشيف المخابرات العسكرية السورية. 

(ف. ع.) 

ـــــــــــــــــــــــ

   حصل ذلك بمحض المصادفة في مقهى «كايبيلي» على شاطىء لارناكا في قبرص في أحد أيام شهر تموز/ يوليو من العام 1988.

    كنت في مهمة تتعلق بعملي في إعلام «الجبهة الديمقراطية» التي كانت مجلاتها(«الحرية»، «الأردن الجديد» و«الموقف الديمقراطي») تُحَرر في دمشق وتنضد ضوئياً في «دار الأهالي» لصاحبها «حسين العودات» قبل إرسالها للطباعة في نيقوسيا. 

   لأمر يتعلق بـ «حرب المخيمات» التي وضعت أوزراها في ذلك الشهر، حصلت مشكلة في رحلة طيران «الشرق الأوسط» اللبنانية إلى بيروت، وما أكثرها يومها، وتقرر أن تتأخر أكثر من أربع ساعات عن موعدها المحدد، فقررتُ قضاء الوقت في إحدى المقاهي البحرية القريبة من المطار. وكان عليّ أن أعود عن طريق بيروت لألتقي العضو القيادي في فرع «الجبهة» بلبنان، «سهيل الناطور»، الذي كان يتابع لي قضية إدارية خاصة في الجامعة الأميركية في بيروت.

    رغم وجود عشرات المقاهي والمطاعم على امتداد شارع الكورنيش (شارع بيال باساΠιάλe Πάσα) المتجه من مطار لارنكا نحو الشمال الشرقي، وجدت نفسي أمشي حوالي عشر دقائق دون هدف محدد لمجرد تزجية الوقت ، رغم درجة الحرارة العالية والرطوبة القاتلة. وحين أعياني الحر والرطوبة تماماً، كنت أصبحت أمام مقهى شبه شعبي يدعى «مقهى كايبيلي» فقررت الدخول إلى «ترّاسه» المطل على البحر. وما إن صعدت الدرجتين اللتين تفصلانه عن الشارع، حتى كانت أمامي وجهاً لوجه وبيدها كأس كبيرة من البيرة تحجب نصف وجهها القمري بسبب حجمها!

   امرأة تطرق أبواب الستين من عمرها بسرعة، لكنها لم تزل تحتفظ بفتنتها الآسرة التي لم يستطع أن يهزمها صقيع الزمن ولا عواصف جيش التلمود ومحاكمه، فكان لها من اسمها النصيب كله، تماماً كما زهرة «الفيليسيا» المقاومة للريح والصقيع . ولكم كنتُ ـ وربما لا أزال ـ ضعيفاً أمام النساء الفاتنات اللواتي بكبرنني في العمر، حتى لو كان الفارق 32 عاماً!

    كان وجهها مألوفاً لي منذ عقد من الزمن حين تحولتْ ـ رغم الحصار الإعلامي الصهيوني المضروب حولها وحملات التشهير ضدها ـ  إلى أيقونة في المنطقة والعالم بعد أن كسبت معركتها القضائية الأولى أمام محاكم الجيش التلمودي لصالح  رئيس بلدية نابلس،المناضل «بسام الشكعة»، فأصبحتْ نجماً في سماء فلسطين وأيقونة  على جدران بيوتها.

   تقدمتُ نحوها وهي ترشف من كأسها الشبيهة ببرميل، وباغتها بالسؤال الخالي من أي تكلف كأني أعرفها منذ الأزل : «بِليسيا، ناخون  פליסיה, נכון؟ » («فيليسيا، أليس كذلك»؟).

   نهضت من خلف الطاولة ومدت يدها وهي تبتسم. وقبل أن تجيبني وتشتبك يدانا في أول مصافحة ، كانت مباغتتي الثانية لها بالإنكليزية المطعمة بعبرية لم أكن أجيد نطقها بعد:«لا تزالين فاتنة كما كنتِ حين رأيت صورتك لأول قبل نحو عشر سنوات. ولو لم تكوني متزوجة ، لطلبت يدك منك الآن»! ولم أكن أمزح أبداً!

  لا أعرف من أين جاءتني تلك الشجاعة يومها، فلم أكن عرفت الوقاحة بعد، وكان الخجل يغمرني مجرد أن أكون في حضرة امرأة  لا أعرفها  وأريد التحدث معها!

  فرقعتْ ضحكتُها الآسرة في المكان وترددت أصداؤها مع أمواج البحر المتلاطمة قربنا، ونظرتْ إلى الرجل الستيني الذي يجلس بجانبها وقالت له بالعبرية « מייצ'ו, תראי, אפילו גברים צעירים מפלרטטים איתי ומציעים לי נישואין»(«ميتشو،انظر!حتى الشباب يتغزلون بي ويخطبونني»)، قبل أن تلتفت نحوي وتقول بالعبرية وهي تضحك: «إيزا أميتزتا ! أتا لوميفاخيد شي ميتشو ييتالي أوتخا؟»( ما أشجعك! ألا تخاف أن يشنقك ميشو)!؟

   ظن «ميتشو لانغر»الرائع، الذي رحل عن دنيانا قبل أربع سنوات وحسب[ 2015]، أنني وزوجتَه نعرف بعضنا منذ زمن، أو أنني زميل لابنهما أو ابنتهما على أقل تقدير، فنهض من الجهة الأخرى واتجه إلى طاولة شاغرة قريبة وسحب كرسياً  ليضعه بينه وبين كرسي زوجته طالباً مني بنبرة أبوية أن أجلس، بينما كانت هي تشوّح بيدها لنادل المقهى طالبةً منه أن يحضر «برميلاً» ثالثا من البيرة وهي تومىء لي بعينيها إن كنتُ موافقاً على ما طلبتْه من النادل. 

   لا أذكر أننا أكملنا مصافحتنا، ولربما نسينا أن نفعل. فقد تدحرجت انفعالات اللقاء ومفاجآته التي تناسلت الواحدة من الأخرى حتى أنْستنا أن نصافح بعضنا. وحين راحت السكرة وجاءت الفكرة، فطنتْ إلى أنها لم تجبني على سؤالي، فقالت بإنكليزية مطرزة ببقايا نبرة ألمانية:« يس، أنا فيليسيا. ولكن من أنت أيها الشاب الشجاع»!؟

   هكذا تعارفنا، وهكذا كان لقاؤنا الأول الذي امتد أكثر من ساعتين، ولم يقطعه سوى تنبيهها لي بأن طائرتي قد تكون وصلت، وعليّ العودة إلى المطار قبل أن تفوتني الرحلة. فقد كنت أخبرتها خلال حديثي سبب جودي في قبرص، وأين أعمل.

   كانت المرة الأولى التي أقابل فيها «يهودياً ـ إسرائيلياً» من لحم ودم وأتحدث معه، دون أن أشعر بأنه يشبه «اليهودي» الذي تربينا في ثقافتنا العربية ـ الإسلامية على أنه شبيه بالشيطان وربما له قرون يخفيها تحت فروة رأسه وذيل يخفيه في ملابسه الداخلية! أما اليهود العرب فقد كانوا أصبحوا جزءاً من حياتي الشخصية والبحثية، فقد كنت آنذاك أعيش قصة حبي وزواجي «العرفي» («السري / غير الشرعي») مع الصيدلانية الدمشقية «سارة شالوح همداني»،التي ستفتح لي آفاقاً لا عهد لي بها، وتغير الكثير من مجرى حياتي، كما فعل وسيفعل «يهود» آخرون، من قبل ومن بعد، أمثال كارل ماركس، تروتسكي، روزا لوكسمبورغ، مكسيم رودنسون، إسرائيل شاحاك ،  بول باران، بول سويزي ، أندريه غوندر فرانك ، إريك هوبسباوم،إسرائيل فينكلشتاين، شلومو ساند، إيللا شوحط ، آفي شلايم...؛ الذين كتبتُ عنهم كتابا لمّا يزلْ مخطوطاً بعنوان مؤقت «عشرة يهود لايهود صنعوني من صلصال ونفخوا فيه الروح»، والذين أصبح بعضهم صديقاً حميماً ينام في بيتي، ومنهم من مات بين يديّ وهو يشرف على دراستي، كأستاذيّ العظيمين «أندريه غوندر فرانك» الذي رحل في العام 2005 و «هوبسباوم» الذي رحل في العام 2012.


من الصعب إيراد كل ما تحدثنا عنه في ذلك اللقاء هنا، ولكن أخطر ما علمته من «فيليسيا» يومها أنها وضعت يدها ـ بمحض المصادفة خلال توليها قضايا أسرى فلسطينيين أمام المحاكم العسكرية ـ على طرف خيط يتصل بعملية قتل جماعي لمئات الضباط و العسكريين السوريين (والعرب الآخرين) الذين أُسِروا خلال الحروب  السورية ـ الإسرائيلية  الثلاث (1967، 1973، و 1982 في لبنان)، على غرار مئات الجنود المصريين الأسرى الذين أُجبِروا على حفر قبورهم الجماعية بأيديهم في رمال صحراء سيناء خلال حربي 1956 و1967 قبل إطلاق النار عليهم ودفنهم فيها بأوامر الجنرال «بنيامين بن أليعازر»، قائد وحدة «شَكِيْد שקד» يومها، لأن الجيش التلمودي «لم يكن لديه إمكانية لوجستية لنقلهم إلى داخل فلسطين أو إطعامهم»، وفق ما سيكشفه المؤرخ العسكري الإسرائيلي «آرييه يتسحاقي  אריה יצחקי» صيف العام 1995، ثم فيلم وثائقي إسرائيلي جرى إنتاجه وبثه في العام 2007 استناداً إلى اعترافات أحد الضباط الإسرائيليين القتلة حين كان يخدم تحت إمرة «آرييل شارون» في سيناء خلال حرب أكتوبر 1973.

***

   لاحقاً، بعد عودتها إلى  القدس المحتلة، ستزوّدني «فيليسيا» بالقائمة الأولى من أسماء هؤلاء العسكريين ( حوالي 13 اسماً)، ما تسبب لي بصدمة رهيبة وصاعقة؛ فقد كان بينهم اثنان أعرفهم معرفة مباشرة وأتذكرهم كحلم قديم منذ أن كنت في الحادية عشرة من عمري حين جرى أسرهم وقتلهم،وهما ابن قريتنا ضابط المدرعات  وبطل الجمهورية الرائد «حمدان محفوض»، قائد إحدى الكتائب في اللواء 112 التابع للفرقة الخامسة، الذي وصل إلى شاطىء طبريا خلال حرب تشرين/ أكتوبر 1973، وجارنا في مصياف، ضابط المدرعات النقيب «ابراهيم زينب»، قبل أن يخونهما ويخون رفاقهما ـ من خلال مشغّله ملك الأردن ـ اللواء «عبد الرزاق الدردري» ، رئيس هيئة العمليات خلال الحرب، الذي كانت المخابرات الأردنية جندته وغيره من الضباط السوريين لصالحها (ولصالح إسرائيل على الأرجح؟) من خلال أحد أقارب زوجته الأردنية «لامان توغان تحبسم» مطلع الستينيات (1) . وكان من الأسماء أيضاً ضابطان آخران سمعت بهما من جيران ومعارف بسبب «الملابسات» التي أحاطت بظروف «استشهادهما/اختفائهما»، هما ضابط  البحرية ابن طرطوس،النقيب «غياث أحمد»، وضابط مدرعات ثالث من ريف مصياف ( «بدر عبد الحميد ديوب»، من قرية «عين الشمس»). وهناك ضابطان من ريف درعا(النقيب الطيار «دياب الحريري» والرائد «أحمد العاسمي»)، وآخر من ريف محافظة الرقة هو الملازم الأول« سليمان الشبلي»، الذي ستكون إحدى المصادفات العجيبة أن أحد أقربائه ( «خالد عبود باشا الشبلي») سيحاول قتلي بعد حوالي خمس سنوات على ذلك في «سجن تدمر»، بتكليف من العميد «كمال يوسف»، رئيس «الفرع 248» في المخابرات العسكرية، كما سيأتي معنا!

    تحولت هذه قضية الأسرى السوريين هؤلاء إلى شغلي الشاغل، إلى جانب موضوع  التحقيق الذي سأبدأ  العمل عليه سراً في العام التالي حول «هولوكوست» اختبار الأسلحة الكيميائية والبيولوجية على مئات المعتقلين والسجناء السوريين والأردنيين والفلسطينيين واللبنانيين من قبل لجنة عليا تضم في عضويتها مدير مركز البحوث العلمية في وزارة الدفاع السورية، الدكتور «عبد الله واثق شهيد»، ومستشار وزير الدفاع للشؤون العلمية، الدكتور «عمرو أرمنازي»، والعقيد (آنذاك) «علي مملوك»، رئيس فرع التحقيق في المخابرات الجوية، بالشراكة مع مراكز الأبحاث التابعة لوزارة الدفاع الفرنسية! وقد علمت بأمر هذا الهولوكوست المرعب للمرة الأولى في 29 أيار 1989 من العميد المغدور «عصام أبو عجيب» حين دعاني ذلك اليوم إلى مقر قيادة لوائه في الدفاع الجوي في «جبل المانع» جنوب دمشق وقرر أن يقدم لي تلك المعلومات «كهدية في عيد ميلادي» بعد أن كان قائدي خلال خدمتي العسكرية الإلزامية وأصبح بعد ذلك صديق حياة وزميل سجن إلى حين رحيله في آذار/ مارس من العام 2000، وكاد أن يصبح «عمي» من جهة ابنته الكبرى! وعلى مدى حوالي عامين كنت تمكنت، عبر الاستعانة بأصدقاء ومعارف من الضباط وصف الضباط الذين يؤدون خدمة العلم،من توثيق الوضع القانوني للأسماء في السجلات الرسمية ذات الصلة (مكتب شؤون الشهداء في وزارة الدفاع، إدارة شؤون الضباط، إدارة السجلات العسكرية، شعبة التنظيم والإدارة، إدارة الخدمات الطبية العسكرية، الشرطة العسكرية). فهذه الجهات جميعها لها علاقة بطريقة أو بأخرى بالضباط والعسكريين الشهداء والأسرى والمفقودين، كل من زاوية اختصاصها.

قبور ...  بلا عظام!

    كان أول ما لاحظتُه خلال تدقيق أسماء الدفعة الأولى التي زودتني بها «فيليسيا»، وبعد التحقق من القراءة الصحيحة للأسماء (بعضها كان مكتوباً بأحرف لايتينية وبعضها الآخر بالأحرف العبرية لأنها لم تستطع تهجئته فتركتْه كما هو) ومن طبيعة وضعها في تلك السجلات ، هوالتضارب في تحديد الوضع «القانوني» لأصحابها فيما بين الإدارات المذكورة. ففي بعض محاضر التحقيق والبرقيات التي أعدتها المفارز المتقدمة للشرطة العسكرية خلال حرب تشرين/ أكتوبر، ورد - مثلاً- ذِكر البعض على أنهم «مفقودون» وفق شهادات زملائهم في الميدان،بينما أشير إليهم في سجلات مكتب شؤون الشهداء بوزارة الدفاع ولدى  إدارة السجلات العسكرية ..إلخ، على أنهم «شهداء» أو جرى «ترقين قيودهم». وتعبير«ترقين القيد» في الإدارات العسكرية تعبير تقني بيروقراطي يُقصد به أن صاحب العلاقة أصبح خارج الخدمة لسبب من الأسباب (التسريح، الوفاة، الاستشهاد، الفقدان...إلخ). وخلال لقائي بموظفين مدنيين وعسكريين يعملون في «جناح الشهداء العسكريين في مقبرة الدحداح» و في «مقبرة الشهداء في نجها»، وبعضهم كان أصبح متقاعداً وبذلتُ جهداً مضنياً للحصول على عنوانه في محافظات سورية مختلفة، استمعت إلى شهادات منهم تشيب لها الولدان. فقد كشفوا لي أنهم كانوا يتسلمون من الشرطة العسكرية وإدارة الخدمات الطبية العسكرية «نعوشاً» تحمل أسماء شهداء محددي الاسم والرتبة وتاريخ الميلاد و مكان وتاريخ الاستشهاد المزعوم، لكن النعوش كانت مملوءة بأكياس بلاستيكية تحتوي على التراب، لأنه لم يُعثر على أي أثر لهم في ساحة  المعركة! وهكذا علمتُ أن معظم قبور الشهداء في المقبرتين المذكورتين قبور خاوية، بينما قسم كبير من أصحابها أُسِروا خلال إحدى تلك الحروب  الثلاث وجرت تصفيتهم في سجون الاحتلال، بينما تولى «حافظ الأسد» ونظامه، سواء حين كان وزيراً للدفاع أو بعد استيلائه على السلطة، إبلاغ ذويهم ـ كذباً ـ بأنهم «شهداء سقطوا في ساحة المعركة وجرى دفن رفاتهم في إحدى مقابر الشهداء»! ومن المعلوم أن الشهداء يجب تسليم جثامينهم إلى أهاليهم، إلا حين لا يكون لهم أي أثر، فتُقام لهم عندئذ قبور رمزية في إحدى مقابر الشهداء؛ لكن هذه حالة أخرى مختلفة لها شروطها الإدارية والقانونية الخاصة.  

***

    اتفقنا خلال اللقاء، «فيليسيا» وأنا، على التواصل والطريقة التي يمكن من خلالها تبادل الرسائل وكل ما يستجد في معلوماتها بواسطة الفاكس. ولأسباب لوجستية وأمنية مفهومة، كان عليها إرسال رسائلها لي من القدس المحتلة إلى مكتب مجلة «الحرية» في نيقوسيا، ومن هناك يجري تحويلها إلى رفيقنا النبيل رئيس تحرير«الحرية» في دمشق وعضو المكتب السياسي في «الجبهة الديمقراطية»، «وائل زيدان»( =الدكتور المهندس «داود إميل تلحمي»، ابن مدينة «الناصرة» المحتلة)، لكي أتسلمها منه. وكان عليّ أن أفعل العكس حين أريد الكتابة لها أو الرد على رسائلها. وهذه هي المرة الأولى التي أذكر فيها هذه الوقائع علناً، باستثناء ما ذكرته خلال اعتقالي بعد أن ضبطت المخابرات العسكرية إرشيفي الشخصي ، بينما الرفيق  «تلحمي» يكمل ـ على طريقته ـ بقية حياته النضالية والبحثية في عاصمة السلطة اللحدية الفلسطينية،«رام الله»، وقد تجاوز الثمانين من عمره اليوم (مواليد الناصرة 1943)، أتمنى له الصحة والعمر المديد.

  ما إن عادت «فيليسيا» إلى فلسطين المحتلة حتى بدأتْ العمل بشكل مركز على القضية ، بعدما كانت بالنسبة لها مجرد معلومات عابرة حصلت عليها في سياق عملها المهني ودفاعها عن الأسرى الفلسطينيين، فاستنفرتْ عدداً من صديقاتها وأصدقائها المحامين ممن ينتمون إلى التوجه ذاته من أجل الحصول على أكبر معلومات ممكنة حول مذبحة الجنود السوريين، لكنها ـ وأنا أقدّر ذلك ـ ظلت ترفض أن تكشف لي أسماءهم، باستثناء محامية واحدة يرد اسمها بالأحرف الأولى « ل. ت.» في الرسالة التي أرسلتها لي من لارناكا بتاريخ 15 تمو/ يوليو 1990،والتي أبلغتني فيها بأنها قررت مغادرة إسرائيل نهائياً. كما يرد اسم المحامية صريحاً في مذكرتي التي أرسلتها من «سجن المزة» إلى رئيس «مكتب الأمن القومي» آنذاك ، «عبد الرؤوف الكسم»، حول هذه القضية بتاريخ 14 ديسمبر 1999. وغني عن البيان أنه لا يمكن البوح باسم المحامية الموما إليها، رغم أنها شارفت على الثمانين من عمرها الآن ولا تزال تمارس مهنتها. ولهذا عمدتُ إلى طمسه بالحبر الأسود في المذكرة التي أنشر اليوم صورتها للمرة الأولى بعد حصولنا عليها من أرشيف المخابرات العسكرية، لئلا تقضي بقية حياتها في الزنزانة الانفرادية التي قبع فيها الخبير النووي الإسرائيلي النبيل «مردخاي فعنونو» ثمانية عشر عاماً متواصلة بعد كشفه أسرارَ البرنامج النووي الإسرائيلي للصحف البريطانية واختطافه من إيطاليا من قبل «الموساد» في العام 1986 بسبب ذلك، ولا يزال مقيداً بإسوارة إلكترونية لمنعه من الحركة خارج منزله منذ انتهاء حكمه في العام 2004!

    حقق التحري السري الذي قامت به «فيليسيا» ورفاقها من المحامين نجاحاً باهراً في متابعة مصير الأسرى السوريين المغدورين. وقبل مرور أقل من عامين على لقائنا الأول، كانت توصلتْ معهم ليس فقط إلى معرفة مئات الأسماء منهم ، بل واكتشاف جريمة أخرى أيضاً ارتُكبت بحقهم، فقد تبين أن العشرات منهم تعرضوا لاختبارات بيولوجية، كفئران تجارب، في «المعهد البيولوجي الإسرائيليIIBR» الواقع في ضاحية «نيتس زيونا» جنوبي تل أبيب، والذي تحيط به وبأنشطته سرية بالغة كما البرنامج النووي الإسرائيلي [ دمرته إيران في حزيران / يونيو من العام الماضي خلال حرب الـ12 يوماً، ومسحت مختبراته الـ 45 عن وجه الأرض! ملاحظة مني أنا ف. ع.]. لكن الاكتشاف الأهم الذي توصلتْ إليه «فيليسيا» بالاشتراك مع «ل. ت» ربيع العام 1990 هو معرفة المكان الذي دفن فيه هؤلاء ، والمكان الذي كان لا يزال فيه بعضهم على قيد الحياة  أواسط الثمانينيات، والذي يقع في منطقة تدعى «المعسكر 1391»، وهو ثكنة تعود إلى زمن الاحتلال البريطاني وتقع في المنطقة الوسطى ما بين «كيبوتس بركاي» و«كيبوتس معانيت»، تديرها «الوحدة 504» في الاستخبارات العسكرية  الإسرائيلية «أمان». وقد عمدت سلطات الاحتلال  إلى حذف الموقع من كافة الخرائط الرسمية لدولة الاحتلال ( خرائط فلسطين 1948) حتى العام2003 حين كشف عنه أحد زملاء «فيليسيا» (المؤرخ الإسرائيلي «جاد كرويزر Gad Kroizer») استناداً إلى خريطة قديمة تعود إلى فترة الاحتلال البريطاني وقعت بيده بالمصادفة! (من بين أشهر من اعتقلوا في هذا المكان «مصطفى الديراني»، الذي اختطفته إسرائيل من لبنان في عملية خاصة في العام 1994 ).

   هذه التطورات في المعلومات كانت أبلغتني بها في آخر رسالة كتبتها لي بصفتها «مواطنة إسرائيلية»، وكانت يوم مغادرتها «إسرائيل» إلى الأبد وتخليها عن جنسيتها (الرسالة المشار إليها آنفاً، والتي تحمل تاريخ 15 تموز/ يوليو 1990،المنشورة في نهاية هذا المقال]. وقد أرسلت لي  هذه الرسالة من فندق «أمورغوس بوتيك  Amorgos Boutique » في لارنكا، وكتبتها ـ كما تشير ـ في «مقهى كايبيلي»؛ المقهى الذي التقينا فيه للمرة الأولى قبل نحو عامين على ذلك بمحض المصادفة!

   كانت رسالتها تلك موجعة ومفجعة بالنسبة لي، ليس فقط بسبب الأخبار  الجديدة التي حملتها عن مصير الأسرى السوريين المغدورين وما تعرضوا له، بل وبسبب قرارها مغادرة «إسرائيل» نهائياً، وأنا الذي كنت أقول لها دوما «أمثالك من يجب أن يبقوا في فلسطين، أما الصهاينة فوحدهم من يجب أن يرحلوا»، وهو ما ذكرتني به في مقطع من الرسالة لا يزال يثير القشعريرة في جسدي ولا تستطيع دمعتي مغالبته كلما قرأته، كما يحصل لي الآن وأنا أترجم كلماتها، رغم مضي  أكثر من ثلاثين عاما على كتابتها:

« أعرف أن خطوتي هذه ستفاجئك، وأنها على خلاف ما كنتَ تفكر به دوماً ، لكني لم أعد أستطيع المضي في لعب دور شاهد زور على جلب الفلسطينيين إلى المحاكم التي لا تعني شيئاً سوى شرعنة النظام الإسرائيلي الذي لم يجلب  لهم أية عدالة أبداً، ومن المحال أن يفعل ذلك في المستقبل. لم أعد أستطيع أن أكون ورقة تين لهذا النظام. مؤلم لي كثيراً أن أغادر، ولكن لم يتبقّ لي أي خيار آخر. فالسنوات التي قضيتها هنا  منذ العام 1950، وبشكل خاص منذ العام 1966 حين بدأتُ حياتي المهنية كمحامية، استنزفتني وأرهقتني، على الرغم من أنها لم تكن عقيمة تماماً. ولكن حين تكون مكرهاً على الْتِماس الرحمة والشفقة في قضية هدم بيوت الناس، عليك أن تعرف أنك فشلت كمحامٍ.

لا أكتب لك هذه الكلمات لكي أصوغ مرافعتي الأخيرة، على الرغم من أنني سأكون متهمة من قبلك باقتراف الخيانة، وعلى الرغم من أنك تستحق هذه المرافعة طالما كنت تكرر لي القول دائما (إن أمثالك من يجب أن يبقوا  في فلسطين، وأما الصهاينة فوحدهم من يجب أن يرحلوا). مع ذلك، من حقك أن تحصل على مبرراتي، لأن من واجب أي أم أن تبرر لابنها تصرفاتها المصيرية، طالما أنك كنت تعتبرني أمك الثانية (ليحفظ الله أمك)...».

***

المخابرات السورية ... على الخط!

  سَتَمر سنوات طويلة قبل أن أعرف أن السبب الفعلي لمغادرتها المفاجئة وتخليها عن جنسيتها هو أن سلطات الاحتلال شددت مراقبتها لها منذ أواخر العام 1989 على أقل تقدير(رغم أنها كانت تخضع للمراقبة الفعلية منذ أن بدأت تبني قضايا الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين مطلع السبعينيات). وكان تشديد المراقبة البشرية والهاتفية يهدف إلى الحصول على «أدلة مادية تثبت خيانتها للدولة» تمهيداً لاعتقالها ومحاكمتها بتهمة «تسريب أسرار دولة إلى جهات معادية»! ومن أجل ذلك،وصل الأمر - كما ستخبرتني في العام 2002 - إلى حد مداهمة مكتبها في «شارع كوريش רחוב כורש» في القدس المحتلة مراراً، بل وإلى محاولة تجنيد زميلتها ورفيقتها وشريكتها في المكتب،المناضلة الكبيرة في حركة «ماتزبن»الماركسية،«ليا تسيمل לאה צמל»،من أجل الحصول على ما يدينها(...). 

    لن أعرف إلا بعد سنوات طويلة أن القصة بدأت - كما يبدو من وثائق المخابرات العسكرية السورية- من«الفرع251» في إدارة المخابرات العامة عند رئيس قسم التحقيق في الفرع المذكور العقيد «تركي حامد علم الدين»،( وربما بالتواطؤ مع رئيسه آنذاك العميد «محمد ناصيف»؟). فحين اعتقالي من قبل الفرع المذكور صيف العام 1988على خلفية«زواجي العرفي»آنذاك من الصيدلانية «اليهودية» الدمشقية «سارة همداني»، أو ما يسمى «المساكنة» في الثقافة الغربية، ضبطوا بين أوراقي أولى الرسائل التي كانت أرسلتها لي «فيليسيا» من القدس المحتلة، وكان فيها بعض الأوراق المكتوبة بالعبرية. وطبقاً لتحقيق أجرته شعبة المخابرات العسكرية أواخر العام 1989 وأوائل العام 1990- كما يبدو من الوثيقة المنشورة في «الملاحق» نهاية هذا المقال، وهي مذكرة مرسلة من اللواء «علي دوبا» إلى رئيس مكتب الأمن القومي ، «عبد الرؤوف الكسم»، و «حافظ الأسد» بصفته القائد العام للجيش والقوات المسلحة، على خلفية معلومات عن «قيام العدو، في سياق محاولاته الحثيثة لمعرفة مكان رفات الجاسوس(كوهين)، باختراقات أمنية لعدد من فروع إدارة المخابرات العامة ليس معروفاً دوافعها، وما إذا كانت مالية[فساد] أو سياسية»، فقد تبين للمحققين أن «ملفات رسمية تعود للإدارة المذكورة وصلت إلى أيدي العدو (...)، من بينها معلومات من محضر تحقيق مع الموقوف آنذاك،الصحفي في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، نزار نيوف، تشمل اتصالاته مع المحامية الشيوعية الإسرائيلية فيليتسيا لانغر (...)؛ وأن ضباطاً من الإدارة على تواصل مع الشيخ أمين طريف في فلسطين المحتلة هم من يقفون وراء هذه التسريبات...إلخ»! وقد اعتقد المحققون يومها،كما يظهر من الوثيقة،أن ضابطاً في «الفرع 251»،ولأسباب تتصل بالخلفية الدينية المشتركة،هو أحد مسرّبي تلك الوثائق والمعلومات عبر الشيخ «أمين طريف» في فلسطين المحتلة. ونظراً لأنه ممنوع الإشارة إلى الخلفية الدينية/ الطائفية لأي موظف حكومي أو أي مواطن سوري في أي وثيقة رسمية، باستثناء ما يتعلق منها بالأحوال الشخصية، فقد اكتفت المذكرة باستخدام تعبير«خلفية دينية» للإشارة إلى العقيد «تركي علم الدين» من خلال الهوية الدينية المعروفة للشيخ «طريف»، الذي خلفه في العام 1993 على رأس زعامة الطائفة حفيدُه من جهة ابنته الشيخ «موفق طريف» ، المعروف الآن على نطاق واسع، داخل فلسطين / إسرائيل وخارجها!

***

    أواخر العام 1990 كنت أصبحت سكرتيراً لتحرير مجلة «الأردن الجديد» الشهرية التي كانت تصدرها «الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين» في دمشق ، وكان رئيس تحريرها يومها ، قبل عودته إلى الأردن، الصديق العزيز«هاني حوراني» الذي استعاد مؤخراً( في مقال منشور هنا) بعض الذكريات المتعلقة بإصدار المجلة، وكشف فيه اسمي المستعار الذي كنت أستخدمه آنذاك ( نزار سلامة) . ورغم أن زوجتي السابقة كانت لم تزل في «مشفى الزهراوي» بدمشق بعد ولادة ابنتنا «سارة» بعملية قيصرية إنقاذية، قبل أن «تختفي آثارها بعملية مخابراتية مافيوزية مركّبة» فور زيارتها الأخيرة لي في سجن المزة العسكري صيف العام 1998 وقبل أن تبلغ ثماني سنوات من عمرها(!!)، طلبتْ مني «الجبهة الديمقراطية»، وتحديداً عضوا مكتبها السياسي «قيس عبد الكريم السامرائي» (أبو ليلى) و«داود تلحمي/ وائل زيدان» رئيس تحرير«الحرية»، التوجه إلى الأردن فوراً لمساعدة رفاقنا في «حزب الشعب الديمقراطي الأردني / حشد»، وهو عملياً «فرع الجبهة» في الأردن،على إصدار مجلتنا «الأردن الجديد» في عمان بدلاً من دمشق على أثر «الانفراج الديمقراطي» الذي جاء نتيجة لـ«هبة نيسان» الشعبية1989؛ وكذلك المساهمة في صحيفتهم الأسبوعية«الأهالي»، التي كان يرأس تحريرها الروائي الراحل «سالم النحاس»، وإصدار نشرة تعبوية يومية تحت عنوان «المواجهة»، التي كُلف بإصدارها عضو قيادة الحزب آنذاك «جميل النمري»( النائب في البرلمان الأردني حالياً)، وكان يجري توزيعها في الشوارع وعلى ركاب السيارات عند مفارق الطرق والإشارات الضوئية. وكانت هذه الترتيبات «الاستنفارية» كلها بسبب وجود انطباع عام في قيادة «الجبهة»، لاسيما أمينها العام «نايف حواتمة» الذي كان مقيماً آنذاك في تونس، بأن المنطقة مقبلة على تحولات مصيرية قد تطال الأردن نفسه على خلفية الحشود العسكرية والاستعدادات الحربية التي كانت جارية آنذاك على قدم وساق لـ«تحرير الكويت» من قوات العميل الأميركي المزمن «صدام حسين»، رجل وكالة المخابرات المركزية العتيق منذ تجنيده رسمياً في العام 1959 لاغتيال «عبد الكريم قاسم»، والذي كان مشغلوه الأميركيون هم من دفعه إلى فخ الكويت بهدف قص أجنحته بعد أن انتهى دوره وأصبح عبئا عليهم ، وبعدما طالت أجنحته وكبرت إلى حد غير مسموح به وبدأ يلعب خارج الخطوط الحمر المرسومة له ويحاول الطيران خارج قفصهم، وأن يعمل لحسابه الشخصي بعدما ظل يلعب لحسابهم منذ العام 1959، وخصوصا بعد العام 1979، كما كشفت عشرات الوثائق التي أقرجت عنها الولايات المتحدة بعد العام 2003.

   ليس هنا مكان الاستفاضة في الحديث عن تجربتي في الأردن التي لم تمتد إلا لحوالي ثلاثة أشهر. ففي مطلع آذار 1991 ، وكانت الحرب قد انتهت عمليا بطرد جيش «صدام» من الكويت وإبادته في الصحراء خلال انسحابه، وعلى مبعدة أيام قليلة من انتهاء الحرب رسمياً، استدعاني مدير المخابرات العامة الفريق «مصطفى القيسي»، وهو شخصية حقيرة وخسيسة وسافلة بامتياز، مرتين متتاليتين محاولاً تجنيدي للعمل معهم، بعدما ظل (مع اثنين  من ضباطه: العقيد «عمر الرداد» و المقدم «جهاد بك» من مكتب الشؤون السورية، على ما أذكر) أسبوعاً كاملاً يصرون على معرفة ما إذا كنت «علوياً»، وفق تصنيفي لدى «دائرة مكافحة  الخطر الشيعي» في جهاز مخابراتهم،وهي دائرة سرية غير معلن عنها يشرف عليها ضباط وكالة المخابرات المركزية و الـMI6  البريطانية (و«الموساد» بعد اتفاقية «وادي عربة» في العام 1994)!

      كل ما كان يريده الضباط السفلة الثلاثة ـ كما قالوا ـ هو  تزويدهم بصورة عن كل رسالة فاكس يرسلها «نايف حواتمة» من تونس إلى مقر قيادة الحزب في ضاحية «الشميساني» (وهو عملياً مكتب النائب «بسام حدادين»)، والتي كان وضعي يسمح لي بالاطلاع عليها من خلال «سالم النحاس» والأمين العام للحزب «تيسير الزبري» (شقيق القائد الشهيد «أبو علي مصطفى» الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين)، الذي كان مكتبه في المبنى نفسه. أما المعلومات الأخرى «الفراطة» فقد كان يتكفل بها أحد العاملين في المكتب، وهو «رمضان الرواشدة»، الذي كان يعمل آنذاك ـ كما سأعرف لاحقاًـ مخبراً رخيصاً لدى المخابرات الأردنية،وكتب عني أول تقرير إلى هذه المخابرات فور وصولي إلى الأردن واحتكاكه بي بعد «سهرة ثرثرة» قضيناها في بيت أحد أصدقائه في حي «ماركا» الشعبي شرقي عمّان سجّلا  خلالها سراً كل ما قلته وسلماه للمخابرات الأردنية! وقد أصبح «الرواشدة» لاحقاً مديراً لوكالة أنباء «بترا» الأردنية الرسمية ثم مديراً عاما للإذاعة والتلفزيون الأردني! (سأكتشف لاحقاً أن العديد من العاملين في مكتبنا آنذاك في «الشميساني» كانوا مخبرين بطريقة أو بأخرى لدى المخابرات الأردنية، و لدى مدير المخابرات السابق «أحمد عبيدات». وهو ما ستكشفه المناصب التي حصلوا عليها لاحقاً في قلب مؤسسات النظام الأردني وتحت رعاية مخابراته وبتزكية منها!).

   بعد أن فشل «مصطفى القيسي» وضباطه في تجنيدي، أو حتى في معرفة الطائفة التي تنتمي لها عائلتي، وشعر بالاستفزاز حين قلت له «الأقربون أولى بالمعروف؛ لو كنت أريد العمل مع المخابرات، كان الأولى بي أن أعمل مع علي دوبا»، أمر باعتقالي فوراً ونقلي إلى مركز الاحتجاز التابع لدائرة الهجرة في منطقة «تلاع العلي» بهدف ترحيلي إلى سوريا ، دون أن يسمح لي حتى بالاتصال مع زملائي في العمل ولا حتى بوداع زوجتي وطفلتي الرضيعة، اللتين كانتا أصبحتا في الأردن قبل شهرين على ذلك وتقيمان في «ضاحية الحسين» جنوب عمان. لكن شاءت المصادفة أن يكون هناك فلسطيني محتجز هارب من الكويت بعد الاحتلال الصدّامي. وقد أطلق سراحه في اليوم التالي، الأمر الذي مكنني من التواصل في مكتبنا مع السيدة «عبلة أبو علبة»(التي أصبحت لاحقاً نائبا في البرلمان وعضواً في مجلس الأعيان الأردني) و«سالم النحاس» والنائب «بسام حدادين». وقد حضر هذان الأخيران  إلى مقر الاحتجاز وتمكنا من إقناع الضابط المسؤول بأن يمنحني بضعة أيام فقط لترتيب أموري  الشخصية و وداع زوجتي وابنتي و أن يترك لي حرية اختيار البلد الذي أتوجه إليه، وليس سوريا، إذ كنا نخشى من أن هناك تعاوناً أمنياً بين عصابتي المخابرات في البلدين،وأن العصابة الأردنية قررت «تسليمي» إلى العصابة الشقيقة في دمشق. وقد وافق الضابط على ذلك، ولكن بعد أن احتجز جوازَي سفر«سالم النحاس» و النائب «حدادين» ـ باقتراح منهما ـ كرهن لكي يضمن عودتي في يوم محدد من أجل تسفيري إلى قبرص كما جرى الاتفاق.

    خلال الأيام الثلاثة الأخيرة التي قضيتها في عمان تمكنتُ - بعد جهد جهيد - من الاتصال مع «فيليسيا» في «جامعة توبنغن» بألمانيا التي كان مضى على وجودها فيها حوالي ثمانية أشهر، وكانت بدأت تحاضر في كلية القانون في الجامعة نفسها منذ بضعة أشهر. وبسبب توجسي من احتمال وجود أمر اعتقال بحقي في سوريا، تولدت لدي فكرة مرتجلة للتوجه إلى ألمانيا بمساعدة «فيليسيا»،إذا أمكن، وأن لا أعود إلى سوريا نهائياً. وربما كان هناك دافع باطني آخر في اللاوعي هو ما دفعني للاتصال بها، وهو حاجتي لسماع صوتها الذي أستئنس به عند الوحشة ولحظات الضيق واليأس كما أستئنس بصوت أمي. وحين عرفتْ حالة الضيق التي أعيشها وما جرى معي، اقترحتْ عليّ أن تأتي إلى لارناكا في قبرص لنلتقي حيث التقينا للمرة الأولى صيف العام 1988، لأن هناك أشياء مهمة يجب الحديث عنها«ولا يمكن تناولها هاتفياً»، فضلاً عن رغبتها برؤيتي، كما أخبرتني. وفي غضون ذلك تمكن النائب «بسام حدادين»، بحكم علاقاته الواسعة مع السلك الديبلوماسي، من استخراج «فيزا» لي من السفارة القبرصية خلال بضع ساعات،حتى خارج أوقات الدوام الرسمي، بينما توجهتُ إلى «مدينة الحسين الطبية» لوداع رفيقنا المهندس النبيل «جورج حدادين»، نقيب الجيولوجيين الأردنيين آنذاك، الذي كنتُ أسعفته إلى المشفى قبل نحو أسبوعين على أثر دخوله الصاروخي في زجاج صالون المكتب وخروجه من طرفه الآخر بكل ثقله كما لو أنه قذيفة، بسبب مشاكل مزمنة عنده في الرؤية ، فقد ظن أن الزجاج، وهو «باب سحّاب»، كان مفتوحاً، فاندفع من خلاله بكل قوته وهو يحاول الخروج مسرعاً إلى شرفة المبنى!! وهذه معضلة أزلية عند أبناء اليسار التقليدي بسبب مشاكل مزمنة في الرؤية والرؤيا لديهم: يتوهمون أن الأبواب مفتوحة أمامهم لكي يجدوا أنفسهم على الطرف الآخر منها وقد ضُرّجوا بدمائهم وتحطمت أضلاعُهم وامتلأت أجسادهم بالشظايا!

   صباح  يوم الجمعة ، 8 آذار/ مارس 1991 ، وبعد أن استدنت مبلغ 286 ديناراً أردنياً ( حوالي 400 دولار بأسعار تلك الأيام) من المحامي «أديب حواتمة »، شقيق «نايف حواتمة»، لزوم مصاريف السفر، وهي كل ما كان بمتناوله في جيبه آنذاك حين زارنا في المكتب ليستفهم مني عن سبب توقيفي وترحيلي، ولا تزال دَيْناً في رقبتي حتى الآن لم أعرف طريقاً لسدادها، توجهتُ إلى مقر «دائرة الهجرة» الأردنية، حسب الاتفاق، برفقة كل من «سالم النحاس» و «بسام حدادين» اللذين ودعاني واستعادا جوازي سفرهما المحتجزين، قبل أن يضع «ضباط الهجرة» الكلبشات في يدَيْ ويقودوني إلى داخل الطائرة في مطار عمان، حيث فكوا القيد واستعادوا كلبشاتهم! وبعد حوالي ساعة وربع كنت في «لارنكا».

   مساء اليوم التالي وصلت «فيليسا» التي قضت برفقتي حوالي أسبوعين في ربوع الشطر اليوناني من قبرص إلى حين تمكن مكتب «الجبهة الديمقراطية» في نيقوسيا من إجراء الاتصالات اللازمة مع «أبو ليلى» في دمشق للتأكد مما إذا كان هناك مذكرة اعتقال بحقي، فقد كنت أتوقع انكشاف أمر منظمتنا وشن حملة اعتقالات ضدها في أي لحظة، رغم إني كنت على تواصل متواتر من عمان مع زميلنا «محمد حبيب/ أبو خالد» في اللاذقية. وحين تيقنت من «فيليسيا» صعوبة توجهي إلى ألمانيا آنذاك، ومن أن كل شيء على ما يرام في دمشق، توجهت إلى بيروت حيث قضيت بضعة أيام ضيفاً على ممثل «الجبهة» في لبنان «سهيل الناطور» وبيت جد زوجتي آنذاك في «عين سعادة» بجبل لبنان قبل أن أتوجه إلى دمشق، بينما توجهت «فيلسيا» عائدة إلى ألمانيا. وكان هذا لقائي الأخير بها طوال السنوات العشر اللاحقة وإلى حين خروجي من السجن وتوجهي إلى فرنسا وألمانيا للعلاج صيف العام 2001!

   بعد عودتي إلى دمشق، استأنفت منظمتنا نشاطها بقوة وخرجتْ من حالة مُوات سريري تغط فيه نظراً للمصاعب التي واجهها زملائي بعد سفري إلى الأردن ونتيجة بعض الخلافات، خصوصاً لجهة الطباعة والنشر اللذين كنت أتدبرهما بطرقي الخاصة، دون معرفتهم، في مكاتب «الجبهة الديمقراطية» حيث كنت أعمل. وبعد سبعة أشهر، كانت خلالها زوجتي وابنتي عادتا من الأردن، تمكن تاجر السلاح والمخبر الخسيس المزمن «قدري جميل» من اختراقنا عبر أحد زملائنا آنذاك ( المحامي «أكثم نعيسة»( والوشاية بنا إلى «فرع فلسطين» (سيجري نشر تقرير «قدري جميل» إلى «فرع فلسطين» حين أتحدث عن تجربة منظمتنا من التأسيس إلى الحاكمة). وبسبب الوشاية، بدأت حملة الاعتقالات ضدنا في 17 تشرين الثاني 1991، أي بعد يوم واحد على صدور أول «عفو رئاسي» اعترفت السلطة رسمياً للمرة الأولى في وسائل إعلامها بأنه «عفو عن سجناء سياسيين شمل 2864 سجيناً»، وهي التي كانت ترفض دوماً الاعتراف بوجود سجناء سياسيين لديها. و كان معظم من أطلق سراحهم،كما العادة، من الأخوان المسلمين ومن تبقى من «الطليعة الإسلامية المقاتلة» ـ جناحهم العسكري - الذين لم يرسلهم النظام لقتال السوفييت في أفغانستان كما فعل ، بالتفاهم مع الأميركيين، أواسط الثمانينيات، بعد أن أدرك «الأسد»، كتاجر دمشقي أموي أنجبته أمه في «سوق الهال» أو «سوق الحميدية»، أن الاتحاد السوفييتي يسير بسرعة نحو النهاية!

   في  ذلك اليوم، 17 تشرين الثاني 1991، داهمت دورية من «فرع فلسطين» منزلنا في ضاحية «أشرفية صحنايا» جنوبي دمشق، فلم تجدني، فقد كنا أنا وزوجتي وابنتنا نزور زميلنا «محمد  حبيب» (أبو خالد) وزوجته المهندسة «نوال غانم» في اللاذقية لنبارك لهما، فقد كانت «نوال» وضعت مولودها الأول «خالد» للتو( وهو يتابع الآن دراسته العليا في الهندسة في النروج مع أسرته)، ولكي نعقد اجتماعاً لقيادة المنظمة في منزله. وفي مساء اليوم نفسه اعتقل «أكثم نعيسة» بينما كان في الطريق من مكتبه إلى منزل «محمد حبيب» في اللاذقية. وكرت السبحة لتطال الآخرين («أبو خالد» في اللاذقية بينما كان متوجهاً صباح اليوم التالي لإلقاء دروسه في الأدب الإنكليزي على طلابه، و «عفيف مزهر» وآخرين في دمشق، و«جديع نوفل» في شهبا بالسويداء ، و«ثابت مراد» والمحامي «حسن رفاعة» في صحنايا و«بسام الشيخ رضوان» في جرمانا بريف دمشق...)، بينما تمكنت أنا من الفرار والتخفي بمساعدة والدة «أبو خالد»، التي لا شبيه لها سوى « بيلاجيا فلاسوفا»، بطلة رواية «مكسيم غوركي» الشهيرة! وسأكتشف لاحقاً، من وثائق شعبة المخابرات العسكرية أيضاً، أن أحد كلاب السلطة، الشويعر الشبيح الحقير «ياسر سكيف»،  ومعه الشويعر الشبيح الحقير الآخر«حسين عجيب» وزوجته، كانوا ـ على نحو منفصل ـ  يساعدون رجال المخابرات كما الكلاب السلوقية التي تبحث عن طرائدها، ويقبضون المال على رؤوسنا!( قبض «ياسر سكيف» منزلاً في دمشق على رأسي بطلب من المخابرات العسكرية إلى وزير الدفاع «مصطفى طلاس»، قبل أن يبيعه بربع مليون ليرة ويشتري بثمنه منزلاً في اللاذقية ، فقط لمجرد خروجه على قناة «LBC» («القوات اللبنانية») صيف العام 2001 ، بعد إطلاق سراحي وعلى خلفية حلقتي من برنامج «بلا حدود» في قناة «الجزيرة»- ليؤلف قصصاً شخصية حقيرة عني وعن زوجتي آنذاك، بتكليف من اللواء«حسن خليل» وتدبير من «رستم غزالي»، رئيس فرع المخابرات السورية في لبنان آنذاك، ورعاية أوسخ رجل إعلام في الشرق الأوسط - «مارسيل غانم» وزميلته «شذا عمر» !( حصلت لاحقاً على الوثائق الرسمية الخاصة بهؤلاء السفلة جميعاً، وسأنشرها حين أتحدث في حلقة أخرى عن تجربة منظمتنا).

   لم أتمكن من التخفي كثيراً، فبعد حوالي شهر ونصف، وكان جميع زملائي أصبحوا رهن الاعتقال ، وتحديداً عند الثامنة والنصف من مساء الخميس  2 كانون الثاني/ يناير 1992، وبعد أن كان رئيس فرع المخابرات العسكرية في اللاذقية «العميد سليمان عبد الله» اختطف ـ بموافقة «علي دوبا» ـ زوجتي وطفلتي الرضيعة كرهينتين من منزل «محمد حبيب» لإجباري على تسليم نفسي، تمكنت دورية  تابعة لـ«فرع المنطقة» ( فرع دمشق)، برئاسة العقيد «ديب زيتون»( مدير إدارة المخابرات العامة، ثم رئيس مكتب الأمن القومي/ الوطني لاحقاً)، من اعتقالي في ضاحية «نهر عيشة» جنوبي دمشق بمساعدة شقيق زوجتي (في حينه) الشبيح الكبير «الياس جورج شحود» ـ  يهوذا الاسخريوطي، بعد أن قبض على رأسي «ثلاثين من ذهب»، وليس من فضة، وكانت حصته هو الآخر  منزلاً في «مشروع دمر» السكني وعضوية قيادة فرع دمشق لحزب البعث، رغم أن عمره لم يكن تجاوز الـ 21 عاماً، فكان أصغر عضو قيادة فرع في تاريخ «البعث» كله منذ تأسيسه في العام 1947!).

   مساء ذلك اليوم، وفور وصولي إلى «فرع المنطقة»، حصل أقصر تحقيق في التاريخ أجراه معي رئيس الفرع العميد «هشام الاختيار» بحضور «علي دوبا» وأعضاء «اللجنة الأمنية العليا»، والعقيد «مدحت شبانة»، مدير مكتب «عبد الرؤوف الكسم» ( رئيس مكتب الأمن القومي)، ولم يستمر سوى دقيقة أو دقيقتين بسبب حصول موقف دراماتيكي تجنبتُ دائما ـ رغم إلحاح كثيرين ـ الحديث عنه احتراما لخصوصيات «هشام الاختيار» العائلية، رغم أنه معروف على نطاق واسع في أوساط ضباط المخابرات وتحول إلى حديثهم المفضل آنذاك [ تحدث «نزار» عن القصة للمرة الأولى مؤخراً. يمكن النقر هنا للاطلاع عليها، وعلى أمر «علي دوبا» باختطاف طفلته الرضيعة كرهينه . ملاحظة مني أنا زوجته «فيكتوريا»]!

   بعد هذا «التحقيق» الذي لم يستمر سوى دقيقتين وانتهى بجلسة وحشية على «الكرسي الألماني»، جرى نقلي  ـ بعد إسعافي إلى «مشفى تشرين العسكري» لمدة يومين ـ  إلى «فرع فلسطين»( 235)، الذي كان هو من يتولى التحقيق في قضيتنا. ومساء الاثنين 6 كانون الثاني / يناير، داهمت دورية من الفرع، برئاسة العقيد «عبد المحسن هلال» منزلي في «أشرفية صحنايا» وفتشته وصادرت أرشيفي الشخصي  وأحضرته إلى مقر الفرع حيث جرى جرده أمامي  بحضور قائد الدورية و إشراف رئيس الفرع العميد «مصطفى التاجر» وضباط الفرع الآخرين، لاسيما العقيد «صلاح زغيبي» و«المقدم عبد الكريم عباس»، بعد أن«عفّشوا» من المنزل مقتنيات خاصة، كان أكثر ما أحزنني بينها نسخة من لوحة «صلب المسيح» أهداني اياها الفنان الكبير «فاتح المدرس»، ونسخ من مواد جصيّة خاصة عن عدد من مقتنيات المتحف الوطني بدمشق، كان أهداني إياها الفنان الدكتور«مروان مسلماني»، الذي كان يعمل في المديرية العامة للآثار والمتحاف ويوثّق مقتنياتها وينسخها بمواد وقوالب خاصة بهدف إهدائها لضيوف سوريا الرسميين.

   كان من بين المصادرات عدد من المصنفات الوثائقية التي أصابت السلطة بالذهول وجعلها تقف على رجل واحدة طوال أسابيع ، لأنه ما من أحد فيها كان يعلم ما أعلمه عنهم،  وما من أحد منها كان يتخيل حتى في كوابيسه أني استطعت اختراق قدس أقداس أسرارها الذي كانت معرفته محصورة بأربعة أو خمسة من أعلى هرم السلطة ( فضلاً عن شركائهم المجرمين بطبيعة الحال)؛ وما من أحد بينهم كان يتخيل أن ما لدي من وثائق يمكن أن يقودهم جميعاً إلى المشنقة، سواء مشنقة «وطنية» أو «دولية»! وكان هذا الأرشيف، الذي لا يعلم أي واحد من زملائي آنذاك، وحتى هذه اللحظة التي أكتب فيها هذه الكلمات، شيئاً عن محتوياته، ولا حتى زوجتي آنذاك ( زوجتي السابقة)، هو سببَ جميع الكوارث التي ستلحق بي اعتباراً من تلك اللحظة  وما بعدها!

    كان أولَ ما استرعى انتباه رئيس الفرع، العميد «مصطفى التاجر»، وضباطه،مصنفان يحتوي كل منهما على مئات الأوراق والوثائق. المصنف الأول، الذي وجدوه على سقيفة الحمّام، يتعلق بالتحقيق الذي كنت أجريه منذ العام 1988 عن اختبار أسلحة كيميائية على مئات المعتقلين والسجناء السياسيين والجنائيين ( السوريين واللبنانيين والفلسطينيين والأردنيين) في ثلاثة أماكن سرية تابعة للمخابرات الجوية في البادية السورية («خان أبو الشامات»  شرقي قاعدة «الضُّمَير» الجوية، وفي منطقة «زوبع» قرب «قاعدة الناصرية الجوية» في القلمون)، بالاشتراك مع خبراء مجرمين تابعين لمختبرات وزارة الدفاع الفرنسية ومراكز أبحاثها العلمية. وكانت وزارة الدفاع الفرنسية هي التي أنشأت ومولت إنشاء «مركز البحوث العلمية» في سوريا منذ مطلع السبعينيات، و خرّجت بمنح دراسية خاصة معظم علمائه، وأشرفت لاحقاً على برنامج السلاح الكيميائي من بابه إلى محرابه، وزودته بكل الخبرات التقنية والمواد الخام اللازمة، فضلا عن تدريب كوادره، بالاشتراك مع ألمانيا الغربية  وبريطانيا و الصناعات الطبية في الجيش الأمريكي، قبل أن يقوم «بشار الأسد» ببيع البرنامج في العام 2013 مقابل تعهد واشنطن للروس بأنها لن تسعى إلى إسقاط نظامه! ويومها لم تطلب فرنسا أموالاً لقاء ما قدمته للبرنامج،بل «النتائج العلمية لاختبار الأسلحة الكيميائية على المعتقلين ـ الفئران»! وهذه القضية، التي تابعتُ التحقيق فيها بعد خروجي من السجن ومجيئي إلى فرنسا للعلاج، هي ما كانت سبب هروبي وفراري الأبدي من فرنسا بعد أن اكتشف الفرنسيون أني أحفر تحتهم وأني وصلت إلى أساس جرائمهم في سوريا! [هناك مجموعة من المحامين السوريين الأوغاد،كانوا أصدقاء سابقاً، وضعتُ بتصرفهم عدداً من وثائق القضية، لكنهم رفضوا تبني قضيتها أمام القضاء الأوربي بعد العام 2013؛ لا لشيء إلا لأنهم مشغولون بملاحقة عدد من «المعترين» و«الدراويش» من عناصر النظام السابق، بتمويل من «مكتب حماية الدستور»/ المخابرات الألمانية/ عبر صناديق وزارة الخارجية الألمانية! ومن يأكل من خبز السلطان يضرب بسيفه ولن يحاول كسره أبداً! أما الشعب السوري المكون في معظمه من قطعان الغنم والماعز والبقر، فيصفق ويدبك و «يشوبش» كلما صدر حكم ألماني أو هولندي أو فرنسي بحق واحد من هؤلاء «المعترين»، دون أن يدري أن هؤلاء المحامين الكلاب والسفلة باعوا قضية المئات من ضحايا «خان أبو الشامات» و«زوبع/ الناصرية» لمشغليهم الألمان!]. 

أما المصنف الثاني فكان يحتوي على تحقيق مطول كنت بدأت إجراءه منذ العام 1988، وكان شبه منتهٍ. ويتعلق التحقيق بإدخال حوالي تسعة عشر ألف برميل معياريStandard Barrel ( سعة مئتي لتر) من النفايات الكيميائية المشعة من ألمانيا وإيطاليا وبلجيكا، عبر لبنان و ميناء طرطوس، لدفنها في البادية السورية مقابل 25 مليون دولار حصل عليها هو وأولاده ( جمال و جهاد). وقد استفاد يومها من وجود خاله ، اللواء «مصطفى طيارة»، كقائد لقوات حرس الشواطىء والدفاع الساحلي، من أجل إدخال تلك النفايات عبر ميناء طرطوس. كما استفاد من إمساكه بملف لبنان من أجل إدخال جزء منها كان استورده «سمير جعجع» ودفنه في جرود «عيون السيمان» وأماكن أخرى، فافتضح أمره في الإعلام اللبناني من قبل فرع «منظمة السلام الأخضرGreen peace» الدولية في لبنان ورئيسه «فؤاد حمدان». وعندها تطوع  «خدام» وأولاده، لاسيما «جهاد»، ومعهما «غازي كنعان» و«رستم غزالي»، لنقل حتى الجزء الذي أدخل إلى لبنان لكي يُدفن في سوريا أيضاً! وفي حلقتي من برنامج «بلاد حدود/ قناة الجزيرة» ( 15 آب / أغسطس 2001)، الموجود رابطها أعلاه، كشفت عن قصة النفايات، فتحول الأمر إلى قنبلة كيميائية في سوريا، لكن أحداً لم يتجرأ على فتح فمه، باستثناء الدكتور «منير شحود» الذي دافع عني بمقال كتبه في موقع «شفاف الشرق الأوسط» على ما أذكر، رغم تقارير وزارة الصحة ونقابة الأطباء البشريين ونقابة الأطباء البيطريين و وزارة الزراعة التي كانت تتحدث (سراً عبر تقارير إلى القيادة القطرية، وليس علناَ!) عن أمراض جلدية وسرطانية وتنفسية بدأت تجتاح البشر وقطعان الثروة الحيوانية في المحافظات التي دفت فيها النفايات (ريف حمص، ريف دمشق، ريف الرقة ودير الزور، وريف الحسكة!). 

*** 

   المصنف الثالث، وهو موضوع قصتي اليوم مع الراحلة الكبيرة «فيليسيا لانغر»، كان يتعلق بقضية تصفية أكثر من سبعمئة ضابط وجندي سوري  وقعوا في الأسر خلال حروب سوريا الثلاث : 1967 و1973 و 1982 في لبنان. فقد عمدت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية إلى إخفائهم وعدم الاعتراف بهم بعد تلك الحروب، ثم لجأت إلى إخضاعهم إلى اختبارات بيولوجية في «معهد البيولوجيا الإسرائيلي» الواقع في ضاحية «نيتس زيونا» جنوب شرق «تل أبيب» بحوالي 20 كم. وكنت علمت بهذا التفصيل للمرة الأولى من رسالة «فيليسيا» التي أرسلتها لي من قبرص يوم مغادرتها «إسرائيل» نهائيا في 15 تموز/ يوليو 1990، كما أشرت أعلاه.

  لم يستطع «مصطفى التاجر» الصبر حتى انتهاء جرد محتويات «الإرشيف»، فأسرع إلى إرسال برقية عاجلة إلى رئيس الشعبة «علي دوبا» يخطره بما عثر عليه ويقترح إشعار الجهات المعنية فوراً، لاسيما مركز البحوث العلمية و إدارة المخابرات الجوية، لكي يتخذا إجراءات أمنية احترازية ويقوما بتحقيقات داخلية لمعرفة من سربها لي، خشية أن تكون هذه المعلومات قد تسربت إلى جهات أخرى أيضا. (خلال الحديث عن ملف اختبار الأسلحة الكيميائية على المعتقلين، سأنشر التقارير الرسمية ذات الصلة، بما فيها «مراسلاتي» مع «بشار الأسد» عن القضية عبر السفارة السورية في باريس في العام 2002).

  الشيء الآخر الذي صدم الجميع هو أني لم أسرب حرفاً واحداً مما  وجدوه في أرشيفي، رغم أني كنت على علم به منذ حوالي ثلاث سنوات. وحين سمعوا تبريري لهذا الحرص بأني «أميز بين أمن الدولة  والجيش وأمن السلطة»، لم تستطع آذانهم تصديق ما سمعوه، لكنهم أقروا به في برقياتهم الداخلية لتي حصلتُ عليها لاحقاً بفضل العميد «عمر شرق» والمقدم «علي فاضل»! [ كشف «نزار» للمرة الأولى عن هوية هذين الضابطين في أيلول العام الماضي في مقال تحية لذكراهما، يمكن تصفحه هنا . ملاحظة مني أنا «فيكتوريا»].

   أواخر كانون الثاني/ يناير1992، وبعد جدال ولغط طويل في رئاسة الجمهورية و «مكتب الأمن القومي» لجهة ما إذا كنا سنبقى موقوفين عرفياً كبقية المعتقلين الآخرين ، أم سنُحال إلى «محكمة أمن الدولة» المعطلة والمغلقة منذ حوالي عشر سنوات قبل ذلك لصالح المحاكم الميدانية العسكرية التي كانت تقوم بمهماتها،حسم «حافظ الأسد» الأمر وكلّف نائبه «عبد الحليم خدام» بإبلاغ «مكتب الأمن القومي» بقراره أن تجري محاكمتنا، ليس نحن فقط، بل حتى معتقلي «حزب العمل الشيوعي» و«البعث الديمقراطي» («جماعة صلاح جديد») الذين كان مضى على أغلبيتهم قرابة عشر سنوات من الاعتقال العرفي دون محاكمة. وكان تبرير «الأسد» لقراره، كما فهمت لاحقاً من محامينا الراحل الكبير «منير العبد الله» الذي علم بالأمر من شقيقته السفيرة «سعاد العبد الله»، هو الضغط الإعلامي الذي بدأ يجتاح وسائل الإعلام العالمية عن اعتقال (وربما تصفية) عشرات من المعارضين المنتمين إلى منظمتنا (لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان في سوريا). وكانت السلطة تواجه قضية من هذا النوع للمرة الأولى في تاريخها، فقد اعتادت على مطاردة واعتقال أحزاب سياسية فقط، لكنها تواجه الآن منظمة حقوقية للمرة الأولى . وكان رأي «الأسد»، كما تضمنته مذكرة «خدام» ( صوة عنها جانباً) أنه لا بد من إضفاء «شرعية قانونية» على اعتقالنا من خلال محاكمة علنية يحضرها محامون ومندوبون عن منظمات دولية من أجل امتصاص الحملات الإعلامية الدولية. ولم يكن هذا سوى إجراء شكلي، فقد كنا جميعاً، أو أنا على الأقل، تبلغنا سلفاً الأحكام التي قررها «مكتب الأمن القومي» والتي ستصدر بحقنا لاحقاً حتى قبل أن نذهب إلى المحكمة أصلاً ! فقد أبلغني «هشام الاختيار» حرفياً، في اليوم الثاني لاعتقالي، بأنه «سيضعني عشر سنوات في السجن، وبعدها يمكنني حين خروجي أن أعمل مع أي منظمة لحقوق الإنسان أو الحيوان إذا وجدتُ شيئاً منها»! وهو ما سيحصل اعتباراً من 19 شباط ، تاريخ الجلسة الأولى، لتصدر الأحكام بعد أقل من شهر( في 17 آذار/ مارس)، وليصبح هذا اليوم «اليوم العربي للمدافعين عن حقوق الإنسان». لكن السلطة كانت تواجه مشكلة عويصة لا تعرف كيف تتعامل معها. فما ضبَطَتْه في أرشيفي سيتحول، بقوة الأمر الواقع، إلى جزء من أوراق المحكمة والمحاكمة و وثائقهما، وسيطلع عليه ليس المحامون فقط، بل مندوبون أجانب تقرر السماح لهم بالحضور( من «هيومان رايتس ووتش» و «منظمة العفو الدولية» و«اللجنة الدولية للحقوقيين» في جنيف ..إلخ)التي قررت السلطة السماح لهم بالحضور، كما يظهر من مذكرة «خدام» جانباً ، وبالتالي ستجد محتويات هذه الوثائق طريقها إلى الرأي العام والإعلام العالمي وستتسب للسلطة بكارثة أمام  شعبها وأمام العالم (حضرت المحامية الأردنية ـ الفلسطينية «أسمى خضر» من الأردن وزميل سويسري لها كمندوبين عن «اللجنة الدولية للحقوقيين»، والصديقة «جيني شيري» رئيسة قسم الشرق الأوسط آنذاك في منظمة «هيومان رايتس ووتش»، المتزوجة من مناضل فلسطيني في «الجبهة الشعبية»).

    هكذا تفتقت عبقرية السلطة عن «خديعة» يجري من خلالها شراء صمتي برضى كامل مني. ففي 10 شباط/ فبراير، إذا لم تخني الذاكرة في تحديد اليوم، وكنا نُقلنا آنذاك إلى «فرع التحقيق العسكري» (248) الذي يعمل بمثابة «نيابة عامة عسكرية» ويصوغ التهم لكافة معتقلي المخابرات العسكرية قبل المصادقة عليها من قبل «مكتب الأمن القومي»، فوجئتُ ، إذْ كان التحقيق معنا قد انتهى عملياً وأصبحنا ننتظر الذهاب إلى المحكمة و/أو التحويل إلى أحد السجون، برئيس الشعبة اللواء «علي دوبا» يطلبني إلى مكتب رئيس الفرع العميد «كمال يوسف». وكان معه - على ما أذكر- عدد من ضباط الشعبة وما يسمى «اللجنة الأمنية العليا» بينهم ـ إضافة لنائبه اللواء «حسن خليل» ـ رئيس الفرع 248  «كمال يوسف» ورئيس فرع فلسطين «مصطفى التاجر» و العقيد «مدحت شبانة»، الوارد ذكره آنفاً. ومن المعلوم أن  اللواء «حسن خليل»  سيصبح ـ اعتبارا من العام 1995 ـ مستشاراً أمنيا للوفد السوري المفاوض مع إسرائيل في «واي بلانتيشن» في الولايات المتحدة ، الذي كان يترأسه وزير الخارجية «فاروق الشرع»  ويضم في عضويته رئيس الأركان «حكمت الشهابي» ورئيس الأركان السابق اللواء«يوسف شكور»،وعن الجانب الإسرائيلي رئيس الأركان «إيهود باراك». وهي المهمة التي سيحتفظ بها ، أي «حسن خليل»، في جميع جولات المفاوضات التالية حتى الجولة الأخيرة في«شيبردزتاون» مطلع العام 2000 حين سيجري تكليفه بتسيير شعبة المخابرات العسكرية خلفا للعماد «علي دوبا» الذي سيحال على التقاعد مطلع العام المذكور.

   منذ بداية حديث «علي دوبا» معي كان واضحاً أن شيئاً ما حصل في الخارج كما لو أنه انقلاب، أو أنهم يجهزون لشيء ما لا أعرفه. ولم يخطر ببالي طبعاً أنهم يريدون إطلاق سراحنا. فقد كان يتوجب عليّ أن أكون مجنوناً تماماً  لمجرد تخيل ذلك حتى في المنام، ناهيكم عن أحلام اليقظة! وما من شيء كان يبرر هذا التحول المفاجىء خلال أيام وحسب من حفلات التعذيب الوحشية إلى طلاوة اللغة هذه سوى الاحتمالين الأولين، رغم أن أولهما كان أيضاً يحتاج إلى درجة عالية من الجنون حتى يكون بالإمكان تخيل حدوثه في بلد مثل «سوريا الأسد»! وقد كنت أجهل تماماً ما كان تسبب به محتوى إرشيفي من استنفار ونقاشات وتحقيقات وارتباك في أعلى هرم السلطة وأجهزتها الأمنية، رغم معرفتي بخطورة محتوياته. ولذلك لم يخطر هذا الأمر ببالي نهائياً. وكل ما كنت أحلم به آنذاك هو أن أنجو من التصفية الجسدية. فعبارة «مصطفى التاجر» بعد أن رأى ما رآه في الأرشيف كانت لا تزال ترن في أذني : استدعاني تلك الليلة ، ليلة السادس من كانون الثاني/يناير، وكانت حوالي العاشرة مساء، إلى مكتبه وضيفني سيجارة «بول مول» المخصص للضيوف، فهو يدخن المارلبورو، بعد أن كان أمَرَ عناصرَه بنزع «الشماخ الأحمر» عن رأسي و«الطماشيتين» عن عيني ومساعدتي للجلوس على الكرسي وإحضار كأس «زهورات» لي. وبعد قليل من طلاوة الحديث، وعلى حين غرة، فتح درج مكتبه بكامل هدوئه وأخرج منه مسدسه «الماكروف» وأخذ يلعب به ويديره بين يديه في حركة استعراضية كما يفعل رعاة البقر في الأفلام الهوليودية ، بينما كانت إصبعه الوسطى في مكان الزناد، قبل أن يقول بهدوء  كامل أيضاً : «نيوف، ألا تعلم أنه في بلد غير بلدنا يوجد فيه شخص ليس له أي صفة رسمية ويعرف كل ذلك ( يقصد الأرشيف الذي صادروه من بيتي) لا يمكن أن يتركوه على قيد الحياة؟ ألم يخطر ببالك أن رأساً يحتوي كل هذه المعلومات لا يعالجونه إلا بشيء مثل هذا»؟ وكان يشير إلى مسدسه بينما كنت أحملق في لوحة مخملية سوداء على الجدار المقابل طُرزت عليها بخيوط ذهبية الآية السادسة من سورة «الحجرات»: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ»!

   مهّد اللواء «دوبا» لحديثه بالإشادة بـ«وطنيتي لأني احتفظتُ بكل تلك الأسرار الموجودة معي دون أن أسرب منها شيئاً، رغم أنه كان بإمكاني بيعها لأي صحيفة أو دار نشر أجنبية وأحصّل من ورائها ثروة محترمة»، كما قال. و وصل إلى حد القول، وأنا أنظر وأستمع إليه كما الأبله المشدوه بما يسمع ، ما حرفيته تقريباً «أنتم الشيوعيين [وقد كان مُصرّاً على التعامل معنا بهذه الصفة بفعل الخلفية الشيوعية لمعظمنا] وطنيون وتغارون على وطنكم ومصالحه. وهذا ما علينا الاعتراف به رغم الخلاف بيننا ورغم وجودكم في السجن. فأنتم مع رابطة [حزب] العمل الشيوعي الجهة المعارضة الوحيدة التي لم تقبض قرشاً واحداً من جهات خارجية. ونحن نقدر لكم هذا. و من يعمل معروفاً عليه أن يكمله ، كما يقول المثل»!  وعندها أصبحتُ أتلهف لمعرفة هذا «المعروف» الذي سيطلب مني أن أكمله!


   هنا افتتحَ موضوع المصنفين المشار إليهما،مصنف اختبارات الأسلحة الكيميائية على المعتقلين والسجناء السوريين، الذي كان يوجد من أوراقه نسخة بالعربية وأخرى بالإنكليزية هي ترجمة لمحتوياته لم أكملها، و مصنف الأسرى السوريين المغدورين في إسرائيل، الذين تعرضوا أيضاً لما تعرض له أولئك من اختبارات شبيهة في سوريا . لكن معظم حديثه كان مكرساً للموضوع الثاني، بينما لم يحتل الموضوع المتعلق بالنفايات والموضوع المتعلق باختبار أسلحة كيميائية على المعتقلين وسجناء الحق العام سوى جزء يسير من حديثه، كما لو أنه لم يكن يعنيه كثيراً، ربما لأن جهازه بالذات لم يكن متورطاً في الجريمة، بل إدارة المخابرات الجوية حصراً، لاسيما رئيس فرع التحقيق فيها آنذاك «علي مملوك»!؟ ومضى في حديثه ليقول : «قرأنا ملف أسرانا بعناية بعد أن ترجمنا ما هو مكتوب منه بالعبرية، وقد فوجئنا بحقيقة أن العدو كان يحتفظ بالمئات منهم، وأنهم تعرضوا لما تعرضوا له. ونحن نقف باحترام لهذه السيدة اليهودية [ يقصد «فيليسيا»، ولم يكن يستطيع أن يرى فيها سوى «يهودية»!؟] التي انتصرت لإنسانيتها وضميرها . واعتباراً من هذه اللحظة ستكون قضيتهم على رأس جدول اهتمامات القيادة وكافة الأجهزة المعنية من أجل متابعة مصيرهم بكافة السبل، ولكن دون ضوضاء أو شوشرة لكي لا يستطيع العدو اتخاذ أية إجراءات احترازية لإخفاء الجريمة! وحين ننتهي منها سنحولها إلى قضية دولية لدى الأمم المتحدة والقضاء الدولي باعتبارها جريمة حرب موصوفة. وكل ما نريده منك، واعتبر هذا رجاءً أخوياً من أخيك الكبير وليس أمراً، أن تتجنب الحديث عنه في المحكمة لكي لا يتسرب إلى الخارج فتفسد علينا عملنا. أما الملف الآخر (ملف اختبار أسلحة كيميائية على المعتقلين ...)  فأنا واثق من أنك لن تتطرق إليه، لأنك أصلاً تكتمت عليه طوال السنوات الثلاث الماضية لأنك تعتبره يخص أمن الدولة والجيش وليس أمن السلطة كما تقول. فما رأيك؟ وبالتأكيد فإن القيادة ستقدّر لك أي تعاون في هذا المجال، بما في ذلك الأحكام التي ستصدر بحقك. وبالمناسبة، ليس لنا كشعبة مخابرات علاقة بها. فهي قرار من من مكتب الأمن القومي والسيد الرئيس» (2) .

   كان أمراً بدَهياً وطبيعياً أن أوافق دون تردد، ودون الحاجة إلى رجاء منه أو من غيره. فقد كنت أعتبر أي انتصار نحققه في هذا المجال، سيكون انتصاراً لي ولقضيتي بالمعنى الشخصي، ولأسرانا المغدورين وأهاليهم قبل أي أحد آخر، حتى لو جاء  هذا الانتصار على يدي السلطة التي فعلت بي وبعائلتي وإخوتي وابنتي كل ما فعلته؛ فالموضوع لم يكن وارداً بالنسبة لي أن أتعامل معه بوصفه قضية ثأر بدوي أو عشائري شخصي من السلطة في تلك اللحظة. ولهذا لم أتردد في الموافقة، بل والإشادة بذلك، دون أن أدري أني كنت أتعرض لخديعة كبرى لن أعرف فصولها إلا بعد سنوات طويلة، وأن كل ما كانت تريده السلطة هو تمويت القضية وإدخالها طي النسيان. فهي الآن تضمن سكوتي أمام المحكمة ، وأنا لن أخرج إلا بعد سنوات طويلة من السجن، إذا خرجت! وحتى ذلك الحين سيكون قد حصل أمر من ثلاثة: «إما مات السلطان أو متّ أنا، أو مات الحمار»، كما في القصة المعروفة. وليس مهماً من هو الحمار في قصتنا هذه ، رغم أني كنت شبيهاً به في تلك اللحظة!

    بعد حوالي شهر ونصف، وفي 17 آذار/مارس 1992 تحديداً، صدرت الأحكام، ونلت الحكم الأشد من بين زملائي الذين تراوحت أحكامهم ما بين ثلاث إلى تسع سنوات : «باسم الشعب العربي السوري، حكمت محكمة أمن الدولة العليا على المتهم نزار نيوف بالسجن عشر سنوات مع الأشغال الشاقة بتهمة تأسيس وتزعم منظمة غير مشروعة،و زعزعة ثقة الجماهير بالثورة والنظام الاشتراكي، والتحريض على العصيان [محاولة تنظيم تظاهرة نسائية لأمهات المعتقلين إلى القصر الجمهوري في عيد الأم، 21 آذار/ مارس1990، بالتعاون مع الدكتور المُغيّب «عبد العزيز الخير»/ حزب العمل الشيوعي](3)، ونشر معلومات كاذبة عن انتهاكات مزعومة لحقوق الإنسان في سوريا، ونشر مطبوعة [«صوت الديمقراطية»] دون ترخيص»، كما جاء حرفياً، وباختصار، في قرار الحكم الذي صدر استنادا إلى «المرسوم 6 للعام 1965» ، المعروف باسم «قانون حماية الثورة»... «ثورة رامي مخلوف الاشتراكية» و«عبد الحليم خدام الكيماوي»، كما ينبغي أن نضيف!وإن أنسَ لن أنسى أن زميلنا «بسام الشيخ رضوان»، الذي كان يقف إلى جانبي، تنفس الصعداء حين صدر حكمي، وكان الأول، كما لو أن صخرة أزيحت عن صدره. وبعد أن أجبت رئيس المحكمة «فايز النوري»  بأني سأقضيها على جنب واحد طالما أن الديكتاتور صاحب هذه الصورة التي فوقك ( وأشرت إلى صورة «حافظ الأسد») على قيد الحياة»! ولاحقاً، حين سالت «بسام»، على سبيل المزاح، «ليش يا جويّد شعرت أنك مبسوط وقد صدر الحكم بحقي عشر سنين»؟ أجاب «إي نعم، كنت مبسوط ، لأن كنت متوقعلك الإعدام. و وقت طرقوك أنت بس عشر سنين،  ما عاد فكرت ببقية الأحكام ولا سمعت منها شي. لأن ما عادت تهمني»!

*** 

    بعد أقل من عام على ذلك، وفي 13 كانون الثاني/يناير 1993 على وجه التحديد، سيجري وضعي في العزل الانفرادي الدائم ونقلي بعد بضعة أيام (6 شباط/فبراير) إلى سجن تدمر حيث ستجري محاولة قتلي بمادة «الأكونايتمAconitum » البلورية التي تستخدمها أجهزة الاستخبارات في عمليات الاغتيال بالغة السرية، كونها تزول من الجسم بعد 12 ساعة ولا يستطيع أي مختبر في العالم أن يكتشف أثرها بعد ذلك! وهي المحاولة التي نجوت منها بأعجوبة وبفضل السجان الشجاع (الياس . م.) من حي «القصاع» في دمشق، والمنحدر من ريف درعا. فقد كان يؤدي خدمة العلم، وتعاطف معي لأسباب«طائفية» تتعلق بزوجتي وأهلها الذين كان يعرفهم، فضلاً عن أنه كان يعتقد أني أنا أيضاً «مسيحي»، كما ينبغي القول، فاستغل نوبة حراسته على سطح السجن ليخبرني من «روزنة» التهوية في سقف الزنزانة بما كان يجري التحضير له ( حذرني من تناول أي طعام أو شراب إذا لم يأكل ويشرب منه شريكي  في الزنزانة قبلي، وأن لا أتناول أية كبسولات مضاد حيوي، لأنهم أزالوا البودرة منها واستبدلوها بمادة سامة. وكانت المرة الأولى في حياتي التي أعرف أن كبسولات المضادات الحيوية يمكن أن تُفتح!)! أما الأداة التنفيذية للمحاولة، التي سيتبرأ منها «علي دوبا» لاحقاً ويتهم بها رئيس فرع التحقيق العسكري (248)، «كمال يوسف» في تقريره إلى «حافظ الأسد» بتاريخ 5 حزيران / يونيو 1993، بعد تسرب الأمر إلى الإعلام الغربي، فكان السجين الجنائي المحكوم بالإعدام المخفض إلى المؤبد،العسكري المجند «خالد عبود باشا الشبلي» (من الرقة وحلب، وهو شقيق الفنانة الشعبية المعروفة آنذاك «يسرى البدوية»)، الذي وُضِع معي في المنفردة بذريعة «تقديم العون لي» كوني كنت عاجزاً عن الحركة، رغم أن أنظمة السجون وتعليمات أجهزة المخابرات تحظر وضعَ سجين سياسي مع سجين جنائي ( يومها أخرجه «الياس .م» من الزنزانة إلى فناء «الباحة/ الساحة الخامسة» بذريعة جمع الأوساخ من الأرض لكي يتمكن من تحذيري مما كانوا يحضرونه لي). وقد علمت لاحقاً من وثائق التحقيق التي أجرته شعبة المخابرات أن  «الشبلي» أقدم على محاولته بعد أن وُعِد بتخفيض حكمه المؤبد إلى خمسة عشر عاماً على خلفية قتله ضابطاً من «سرايا الدفاع» في العام 1980، إذا لم تخني الذاكرة، كان تحرش بأخته وهي تقدّم وصلة غنائية في أحد ملاهي ريف دمشق، كما أخبرني قبل محاولته. وفي حزيران/يونيو، ونتيجة إضراب عن الطعام لمدة 37 يوماً، ستجري إعادتي إلى مقر شعبة المخابرات في دمشق لحوالي 40 يوماً، ثم سجن المزة العسكري في 7 آب/ أغسطس، حيث بقيت حتى إغلاقه رسمياً في 13 أيلول/ سبتمبر من العام 2000، حين جرت إعادتي إلى «سجن صيدنايا». ويومها أفرغوا لي جناحاً كاملاً (الطابق الثالث ، أ/ يسار) لأنه لم يكن لديهم زنزانة انفرادية،وسمحوا للدكتور«عبد العزيز الخير» وحده فقط، كونه كان أصبح معتقلاً وطبيب السجن، بزيارتي في عزلي الانفرادي، مع منع مدير السجن، المقدم «محيي الدين محمد»، من الاحتكاك بي ( الوثيقة جانباً).

*** 

    في سجن المزة، وبعد حوالي العام من وصولي إليه في 7 آب / أغسطس 1993 قادماً من «سجن تدمر» و «الفرع 248»، توطدت العلاقة بيني وبين مدير السجن العقيد النبيل والشجاع «بركات العش»، وحصل ما حصل بيني وبينه من أحاديث، وفعل من أجلي وأجل سلامتي ما فعله؛ طالما بقيت هذه السلطة على قيد الوجود، أتمنى له العمر المديد حيث يقضي أيامه متقاعداً في ضاحية «دمسرخو» في اللاذقية.

***

   مضت سنة تلو الأخرى دون أسمع أي شيء عن قضية «ملف الأسرى» وما الذي يمكن أن تكون السلطة وأجهزتها قد فعلته بشأنها . وفي 10 كانون الأول/ ديسمبر 1999 ، أي بعد حوالي ثماني سنوات على وعود «علي دوبا»، وبعد أكثر من عام على صدور «وثيقة روما» بشأن إحداث «محكمة الجنايات الدولية» ، قررتُ أن أثير القضية رغم مُواتٍ استمر هذه السنوات كلها، فكتبت مذكرة مختصرة إلى «مكتب الأمن القومي» عن القضية و«الاتفاق» الذي جرى بيني وبين «علي دوبا» بشأنها في شباط/فبراير 1992، أشرت فيها - من بين ما أشرت إليه - إلى أن القرار بإحداث المحكمة، رغم عدم اكتمال نِصاب الدول المصادقة على إنشائها حتى ذلك الحين (أي 60 دولة) ، يشكل فرصة تاريخية لنا لطرح قضية الأسرى أمامها. وكان  العقيد «بركات» على درجة من الجرأة والشجاعة بحيث أنه قرر إرسال المذكرة بالبريد الرسمي الصادر عن السجن، وبالتالي تحويلها إلى وثيقة رسمية. وهنا كان «مقتله» الأول، ذلك لأنه كرر الأمر مرتين أخريين بعد ذلك ببعضة أشهر (آذار/ مارس 2000). كانت المذكرة الأولى مكونة من خمس صفحات فقط، وكان عليها أن تسلك طريقاً بيروقراطياً تسلسلياً على هذا النحو : سجن المزة ـ إدارة السجون في الشرطة العسكرية ـ قائد فرع الشرطة العسكرية- الفرع248 في المخابرات العسكرية، كونه المرجعية في كل ما يتعلق باعتقالنا. ومن هناك إلى رئيس الشعبة (علي دوبا) ثم رئيس «مكتب الأمن القومي» («عبد الرؤوف الكسم»)، إذا ما قرر رئيس الشعبة تحويلها إليها وعدم وضعها في الدرج. (صورة عن المذكرة في ملحق الوثائق). [ منشورة نهاية هذا المقال. ملاحظة مني أنا «فيكتوريا»].

   رغم أن «علي دوبا» كان يقضي أيامه الأخيرة في الخدمة ، إذ جرت إحالته على التقاعد مطلع العام 2000 وتكليف نائبه اللواء «حسن خليل» بتسيير أمور الشعبة، فإنه قرأ مذكرتي بتاريخ 17 كانون الأول 1999، أي قبل إحالته على التقاعد بأسبوعين فقط، كما يُظهر تاريخ الحاشية التي كتبها على المذكرة: «تُحفظ سري للغاية ويحظر الاطلاع عليها أو تداولها إلا بموافقة شخصية مسبقة من رئيس الشعبة»!

   أثارت المذكرة غضباً عارماً في رئاسة شعبة المخابرات، ليس ضدي فقط، بل ضد مدير سجن المزة العقيد «بركات العش» الذي وصلت به «الوقاحة وانعدام المسؤولية»( حسب تعابيرهم) إلى حد إرسال مذكرة خطيرة من هذا النوع بالبريد الرسمي الصادر عن السجن ، وبالتالي تحويلها إلى وثيقة رسمية لا يمكن الفكاك منها في أي يوم من الأيام. والمشكلة التي كانوا يواجهونها أن المذكرة لم تذهب إلى رئاسة الشعبة مباشرة، وبالتالي كان يمكن تدبير أمر حرقها وشطب آثارها بطريقة ما كما اعتادوا أن يفعلوا في حالات كثيرة، بل عبرت أربع أو خمس جهات تسلسلية كان على كل منها ـ كما هو معروف ـ  تسجيلها في بريدها الوارد وبريدها الصادر برقم وتاريخ و خلاصة عن محتواها.

   كان العماد «علي دوبا» يقضي أيامه وساعاته الأخيرة في مكتبه، ولذلك لم يكن مهتماً بأمر متابعتها، واكتفى بكتابة تلك الحاشية كحماية لنفسه ورفع للمسؤولية عن كاهله فيما لو تجرى فتح تحقيق في الأمر مستقبلاً. ولهذا تولى الأمر خليفته اللواء «حسن خليل»، الذي كان يحزم حقائبه للذهاب إلى «شيبردز تاون» في الولايات المتحدة برفقة «فاروق الشرع» كمستشار أمني للوفد السوري المفاوض مع إسرائيل. ومع ذلك وجد لديه من الوقت ما يكفي للاتصال بمدير سجن المزة العقيد «بركات العش» مباشرة والحديث معه بعبارات أربأ بنفسي أن أقولها احتراماً لكرامته، وأكتفي بذكر ما قاله له عني . قال له ما حرفيته «قول لهدا السجين ابن الشرموطة [ يقصدني أنا] ينسى الموضوع. وإذا بيخطر على باله مرة تانية يجيب سيرة القصة مرة تانية، قسماً بالله العظيم وبأولادي لاقطع لسانه بنعل صباطي وطعميه للكلاب»! وتوجه بعدها إلى «شيبردز تاون» للقاء ... «إيهود باراك»... قاتل الأسرى السوريين!

    كانت خيبة أمل «بركات العش» وإحباطه عظيمين، ولهذا قرر ـ كما يقول المثل ـ أن «يشرب حليب السباع» دفعة واحدة، بدلاً من شُربه رشفة ...رشفة، ولسان حاله يقول «أكتر من القرد ما مسخ الله»! وربما تشجع على ذلك أيضاً بفضل شيء آخر، فضلاً عن جوهره الأخلاقي والنبيل أصلاً ، هو أنه كان يعرف ـ عبر صداقته مع ضباط كبار وزمالته للعديد منهم ـ أن سوريا دخلت في مرحلة انعدام الوزن في ضوء تدهور الحالة الصحية لـ«حافظ الأسد»، خصوصاً بعد خيبة أمله من فشل مفاوضات «شيبردز تاون» مطلع العام 2000 و فشل قمته مع «كلينتون» أواخر آذار/مارس من العام نفسه، كما سنقرأ لاحقا في مذكرات «فاروق الشرع»(«الرواية المفقودة»، لاسيما ص 456 وما بعد). فقد كان همّ «الأسد» الوحيد إبرام صفقة سلام مع إسرائيل قبل رحيله، ولكن بشروطه ( وفق القرار 242 و حدود 4 حزيران/ يونيو 1967 ، لا حدود 1923) كما تقضي الأمانة والإنصاف أن نقول، وأن يسلم السلطة إلى وريثه وقد تحرر كاهل هذا الوريث من عبء «القضية الوطنية» وجرحها المفتوح منذ العام 1967. وكان العقيد «بركات» يرى أن ما يجري أمامه وتحت سمع أذنيه قد أدخل سوريا فعلاً في مرحلة انعدام التوازن ، لاسيما تجرؤ جنرالات كبار مخضرمين على رفع أصواتهم علناً في الدوائر السلطوية المغلقة إزاء التحضيرات التي كانت جارية على قدم وساق لتوريث الابن عرشَ الطاووس، وعدم استطاعتهم رؤية هذا الابن أكثر من مجرد «ولد أبله لا يؤتمن على رعي قطيع من الدجاج»، كما سيقول رئيس الشعبة السياسية اللواء «عدنان بدر حسن» ـ حرفياً إذا لم تخني الذاكرة في ذكر العبارة بدقة ـ لعضو مجلس الشعب «رياض سيف» مطلع العام 2001 على خلفية قضية المنتدى الذي افتتحه في منزله مع الدكتور «عارف دليلة» . «فهذا الولد ـ يضيف «عدنان بدر حسن» ـ نحنا جبناه ونحنا مناخده. وديروا بالكم تصدقوا أي شي بيحكيه وتاخدوه مليان عقولكم»! وكان يرد بذلك على «رياض سيف» حين قال له «نحن لا نفعل سوى ما طلبه منا السيد الرئيس في خطاب القسم»! (هذا ما أخبرني به «رياض سيف» حين زارني - مشكوراً- بعد ذلك بثلاثة أشهر في منزل أهلي في قريتنا للتهنئة بإطلاق سراحي في 6 أيار 2001).

   في هذا الجو المتوتر، استدعاني العقيد «بركات» إلى مكتبه أوائل شهر آذار/ مارس من العام 2000 وسألني إذا ما كان بإمكاني أن أكتب مذكرة مسهبة إلى «حافظ الأسد» شخصياً على غرار تلك كتبتها له في سابقاً وأرسلها هو إلى العقيد «بشار الأسد» في الحرس الجمهوري عبر ضابط صديق له يتبع كتيبة «بشار» نفسها ويعرفه عن قرب ويلتقيه بشكل مستمر، لكن «بشار» احتفظ بها لنفسه يومها، ولم يوصلها لأبيه،رغم أنها كانت تحتوي على قنابل انشطارية حقيقية! وحين أبلغته باستعدادي،أعطاني «ماعوناً» كاملاً من الورق و«ماعوناً» آخر من ورق «الكربون» لكي أكتب مذكرة من نسختين يحتفظ بواحدة منها لنفسه ( كما فمهت ضمناً من عرضه)، وطلب مني أن لا أفوّت حرفاً واحداً ولا واقعة واحدة مما حصل معي منذ لحظة اعتقالي وحتى تاريخه، بما في ذلك  التعذيب البربري في سجن تدمر وما جرى معي هناك من محاولة تسميم ، فضلاً عن عرض مفصّل ودقيق لجميع الوثائق التي كانت في أرشيفي وأخفاها ضباط المخابرات،ومن بينها ما يتعلق بجريمة إتلاف الاضبارة الشخصية في أرشيف المخابرات العامة،العائدة  لرئيس مكتب الأمن القومي «عبد الرؤوف الكسم»، بأوامره هو شخصياً ، لأنها كانت تتضمن تفاصيل مذهلة عن زوجته الإسرائيلية وكيف زوّر جنسيتها الأصلية في العام 1962 وشهادة ميلادها واستخرج لها«شهادة تعميد» من إحدى الكنائس البروتستانتية في سويسرا لكي يسجل زواجه في سوريا، وإتلافه ـ أيضا من خلال نسيبه اللواء «محمد بشير النجار» مدير الإدارة المذكورة ـ ما تبقى من ملفات قضية «كوهين» ومحاكمته وقضية الراقصة الإسرائيلية «ريتا النمساوية»، وتواطؤ «علي مملوك» في عملية تهريب من يُفترض أنه الطيار «بسام العدل» إلى إسرائيل في العام 1989، وإطلاقه سراحَ عميلة «الموساد» الروسية التي جندت «بسام العدل» (المزعوم؟) في روسيا خلال اتباعه دورة تحويل من «ميغ21» إلى «ميغ23» وتهريبها إلى بيروت بسيارته الخاصة بعد أن كانت لحقت بـ«العدل» إلى دمشق؛ علماً بأن  طياراً آخر على الأرجح يدعى «علي أحمد صقر» هو الذي فر إلى إسرائيل بينما قُتل «العدل» نفسُه في سوريا من قبل «مملوك» ودفنت جثته في مكان سري بسبب خلافه المالي معه ووجود قضايا عالقة بينهما تتعلق بالقمار والشرمطة والدعارة وما إلى ذلك (بخصوص قضية الطيار، راجع الهامش 15 في الصفحة 285 من الجزء الأول كتاب «داخل الكريملن خلال حرب أكتوبر وما بعدها»، الذي أعددته بالتعاون مع نائب آخر وزير خارجية سوفييتي، «فيكتور إسرائيليان»).هذا فضلاً عن قضايا أخرى لا تقل خطورة ودراماتيكية مثل بيع «الخارطة الجيولوجية» السرية لسورية إلى شركات نفط أميركية وغربية أخرى، وهي خريطة وضعها السوفييت من خلال تقنية الاستشعار الفضائي عن بعد منذ السبعينيات وتعتبر من أسرار الأمن الوطني الاستراتيجية؛ وقيام «محمد ناصيف»، رئيس «الفرع 251» في المخابرات العامة آنذاك، بإحضار شركة إسرائيلية تتقنع بقناع جنسية بلجيكية وهمية للتنقيب عن خامات «الماس» حين كان يجري شق أوتستراد جبلة ـ الغاب أواسط الثمانينيات ، وهو ما تحدث عنه «حافظ الأسد» في خطاب رسمي آنذاك بعد أن كان وقع في فخ «محمد ناصيف» وراح يتحدث عن مناجم «الماس» التي عثر عليها هناك....إلخ ! وقد أبلغني العقيد «بركات» يومها أنه سيرسل المذكرة بالبريد الرسمي للسجن هذه المرة كي تكتسب صفة الوثيقة الرسمية إلى الأبد، على غرار تلك الموجزة التي أرسلتُها في كانون الأول السابق بشأن قضية الأسرى السوريين في إسرائيل. وحين لفتُ انتباهه إلى أنه يلعب بالنار، وأنه إذا كان نجا في المرة الأولى ومرت القصة آنذاك بالقليل من الكلام السوقي من قبل «حسن خليل»، فهذه المرة قد ينتهي مصيره إلى أن ينام إلى جانبي في زنزانتي الانفرادية ( وربما ينتهي به الأمر إلى حقل رمي الشرطة العسكرية في جديدة عرطوز!)، قال : «سأكتب في الإحالة المرفقة بالمذكرة ما معناه  إن هذا ما يقوله ويدعيه سجين عندي، فحققوا معه  وتثبتوا من صدق مزاعمه . فما يقوله خطير جداً ولا يمكنني السكوت عنه وأنا في هذا الموقع من المسؤولية،لأن القانون يمكن أن يلاحقني بتهمة إخفاء معلومات خطيرة تتعلق بالأمن الوطني لا بد أن يطلع عليها الرئيس شخصياً»! وقد استحسنتُ الفكرة و وافقته عليها. فقد كان همي الأول والأخير أن يبقى بعيداً عن خطر انتقامهم. 

   خلال أربعة أو خمسة أيام كتبت مذكرة من حوالي سبعين صفحة لم أنسَ تزويدها حتى برسوم  توضيحية لأشكال و وأدوات التعذيب في فروع المخابرات وسجن تدمر ، لأن من  سيقرؤها، حتى لو كان «حافظ الأسد» شخصياً ، لن يستطيع تخيل ذلك مهما أوتي من سعة الخيال دون رسوم من هذا النوع! وفي 8 آذار/ مارس 2000 أرسلها العقيد «بركات» عبر البريد الرسمي الصادر من السجن، وختم مغلفها بعبارة «سري للغاية». ( بعد خروجي من السجن، وفي الحلقة الخاصة من برنامج بلا حدود / الجزيرة، بتاريخ 15 آب / أغسطس 2001، سيعترف ممثل السلطة الذي داخَل في الحلقة عن «الرأي الآخر» في دمشق، وأظنه ضابطاً من الفرع 248 جرى تقديمه باسم «الدكتور ربيع»، وربما كان العميد «جلال الحايك» نفسه،  بوصول  المذكرتين لهم و وجودهما عندهم! وسأتمكن لاحقاً، بفضل المقدم المغدور «علي فاضل»، من الحصول على صورة عنها أيضاً من جملة وثائق أرشيف المخابرات العسكرية، وقد تجد طريقها إلى النشر حين يكون ذلك ممكناً بعد تخزينها إلكترونيا. ويمكن تصفح صورة الصفحة الأولى والصفحة الأخيرة منها نهاية هذا المقال).

   من حسن الحظ، بالنسبة للعقيد «بركات» على الأقل، ولكن مؤقتاً فقط كما سنرى، أن رموز السلطة كلها بقضها وقضيضها كانوا مشغولين آنذاك بالتحضير لقمة «كلينتون ـ الأسد» في جنيف بتاريخ 26 من الشهر نفسه (آذار/ مارس 2000)، ومن بينهم اللواء«حسن خليل» ذاته، رئيس شعبة المخابرات العسكرية بالتكليف، الذي لم يُثبّت رئيساً أصيلاً للشعبة إلا بعد بضعة أشهر، والذي كان في عداد الوفد السوري أيضاً. وسبب الاهتمام العارم بالقمة  هو أنها كانت السهم الأخير في جعبة «الأسد» للتوصل إلى اتفاقية «سلام» مع «إيهود باراك» قبل وفاته، كما سيخبرنا «فاروق الشرع» في الجزء الأول من مذكراته(«الرواية الم مفقودة»)، وكما أشرت أعلاه. هذا فضلاً عن انشغال هؤلاء بمرض «الأسد» الذي كان يزداد سوءاً وتزداد معه حدة الاستقطابات والتوتر فيما بينهم على خلفيتها وما يمكن يؤدي إليه موته المفاجىء. وجاء اعتقال رئيس الوزراء «محمود الزعبي» وثلاثة من وزرائه  في 10 أيار/مايو  بتهمة «الفساد» ، بعد عقد اجتماع «سري» طارىء للقيادة القطرية واتخاذ قرار بطرده من الحزب، ليزيد حالة التوتر والتشوش داخل السلطة وفي سوريا عموماً، وليتحول هذا التوتر إلى حالة انعدام وزن حقيقية  بعد 11 يوماً حين سيجري الإعلان عن أنه «انتحر» في منزله حيث كان يخضع للإقامة الجبرية! وبعد 19 يوماً، في 10 حزيران، سيُتوفى «حافظ الأسد» ويجري تعيين «الولد» قائداً عاماً للجيش والقوات المسلحة بعد ترفيعه إلى رتبة فريق بموجب مراسيم أصدرها «عبد الحليم خدام الكيماوي» بينما كان مسدس قائد الحرس الجمهوري العميد «علي حسن» مصوّباً إلى رأسه، وإن بالمعنى المجازي!

    من المعلوم أن نشرَتَي الترفيعات والتشكيلات العسكرية اللتين تصدران مرتين في العام ( مطلع السنة الجديدة وفي الأول من تموز/يوليو) ، يكون التحضير لهما وإعدادهما من قبل الجهات المعنية ( لاسيما إدارة شؤون الضباط و«الفرع 293»/ فرع الضباط/ في المخابرات العسكرية) قد جرى في وقت أبكر، وتكون محتوياتهما قد أصبحت معروفة ومتداولة على الألسن من قبل الضباط الذين ستشملهم الترفيعات أو التشكيلات الجديدة، وإن يكن بشكل غير رسمي، منذ أن تذهب النشرتان إلى الطباعة في المطبعة العسكرية. ولهذا كان أمراً طبيعياً أن يعرف العقيد «بركات» وزملاؤه وأصدقاؤه منذ أواسط حزيران/يونيو  بأمر ترفيعه إلى رتبة «عميد»، وأنه جرت تسميته  ـ اعتباراً من الأول من تموز/يوليو ـ قائداً  للشرطة العسكرية خلفاً للعميد «أحمد معلا» الذي جرى تعيينه محافظاً للحسكة. وهذا ما عنى له في حينه،ولي أيضاً، أن «حسن خليل» نسي أمره و لم يعاقبه أو ينتقم منه، وأنه اكتفى بتوبيخه المشار إليه ، كما بدا عليه الأمر للوهلة الأولى. وقد كنت شاهداً ، بحكم قربي منه آنذاك، على عشرات الاتصالات الهاتفية التي كانت تأتيه من أصدقائه وزملائه ومعارفه الضباط والمدنيين لتهنئته بالترفيع والمنصب الجديد، فضلاً عمن كان يزوره  في مكتبه ويتناول ضيافته من السكاكر، بينما كان منهمكاً في  عملية نقل نزلاء السجن إلى السجون الأخرى! لكن ، وحين صدرت نشرة الترقيات والتشكيلات رسمياً في الأول من تموز/يوليو، لم يكن له أي اسم  في لوائح الترفيع أو التشكيل، بل في  قائمة المسرحين رغماً عنهم (ما يسمى «تسريح بقوة القانون»، رغم أن عمره لم يكن تجاوز الـ 50 عاماً، فهو من مواليد 1950 أو نحو ذلك)!!؟ وكان تسريحه سيدخل النفاذ اعتباراً من الأول من تشرين الأول/أكتوبر، أي بعد أن يجري الانتهاء من ترتيبات إغلاق «سجن المزة العسكري» وتسليمه للحرس الجمهوري، الذي كان قائده «علي حسن» يزور «سجن المزة» مع عدد من ضباطه بين حين وآخر تمهيداً لاستلامه بعد إغلاقه. وكانت عملية ترحيل السجناء إلى سجون أخرى  قد بدأت آنذاك وانتهت رسمياً في 13 أيلول/ سبتمبر، حيث كنت أنا آخر سجين يخرج منه بعد أن مكثت وحدي في السجن أسبوعاً كاملاً لم يكن فيه أحد إلا أنا والعقيد «بركات» وعناصر الحراسة، إلى أن جرت تسوية قضية إدارية تسبب بها مدير سجن «صيدنايا» العقيد «محي الدين محمد»( ابن قرية «درمينه» القريبة من قريتنا!!) الذي كان رفض استقبالي في البداية كما لو أن سجن صيدنايا ملكه الشخصي و بيت أبيه (4).

   كيف حصل ذلك؟ وما هو اللغز أو «القطبة المخفية» التي تجعل ضابطاً مثل «بركات العش» يُسرح من الجيش بعد أيام قليلة من تبلغه بالترقية وبتعيينه قائداً للشرطة العسكرية؟ أعتقد أنه هو شخصياً لا يعرف حتى الآن ما الذي جرى، إلا إذا كان علم بالأمر من مصادره الخاصة جداً. ولأني لا أريد التسبب له بأي إحراج أمني، تجنبت دوماً الاتصال به بأي شكل من الأشكال بعد إطلاق سراحي، طوال  الـ18 عاما الماضية، كما تجنبت دوما الحديث عنه إلا بعبارات عابرة . وهذه هي المرة الأولى في حياتي التي أتطرق فيها إلى هذه التفاصيل، وأنشر وثائق بشأنها، من المؤكد أنه هو شخصياً لا يعلم بأمرها، إلا إذا كان أحد زملائه الضباط أخبره بها. وسيصاب بالصدمة حين يعرفها، رغم أنها لن تكون مفاجئة له. فلكَم كان يقول لي ما بين المزاح والجد «لسه قصتك معهم بدها تخرب بيتي يا نيوف»!

   أنا كذلك، وبطبيعة الحال، لم أستطع فهم ما جرى ولا حل «لغزه» إلا بعد بضع سنوات، وتحديداً بعد إطلاق سراحي و حين سأبدأ الحصول على وثائق أرشيف المخابرات العسكرية عبر العقيد «عمر شرق» والمقدم  المغدور«علي فاضل» وآخرين من زملائهما الذين تابعوا مهمتهما بعد تصفية الثاني طبياً في مشفى تشرين العسكري في 28 كانون الثاني/ يناير 2005!

   واحدة من هذه الوثائق ، وهي تقرير من اللواء «حسن خليل» إلى «حافظ الأسد»، بصفته القائد العام للجيش والقوات المسلحة، تحمل رقم (7/ص) وتاريخ 6 نيسان 2000، أي بعد مذكرتي التي رفعها العقيد بركات في 8 آذار بحوالي شهر إلى «حافظ الأسد»، يمكن أن تكون تفسيراً أولياً لما جرى. ففي هذا التقرير ( صورة عنه نهاية المقال) يشرح «حسن خليل» ما يسميها «ارتكابات» العقيد «بركات» و«مخالفاته الانضباطية» ويتمهمه بما يشبه «التواطؤ» مع سجين موقوف لديه [ يقصدني أنا] في إرسال مذكرات خطيرة إلى «مكتب الأمن القومي»، وبالتالي تحويلها إلى وثائق رسمية في سجلات الدولة، ويطالب بالموافقة على تسريحه اعتباراً من تاريخه  وتوقيفه والتحقيق معه. ومن الواضح تماماً أن «حسن خليل» تجنب أن يذكر في تقريره، كنوع من التضليل والكذب، أن مذكرتي الأخيرة الكبيرة كانت مرسلة إلى «حافظ الأسد» شخصياً، وليس إلى مكتب الأمن القومي، لئلا يفتضح أمره بإخفائها عن رئيسه! أما المذكرات المرفوعة من قبل المعتقلين إلى مكتب الأمن القومي عبر أجهزة المخابرات التي تعتقلهم، فيملك كل جهاز حق إيقافها والاحتفاظ بها وعدم إيصالها إلى المكتب المذكور، استنادا إلى تقديرات استنسابية يحددها رئيس كل جهاز وفق الصلاحيات الممنوحة له.

   لكن، كما هو واضح أيضاً، وبسبب حالة الارتباك والتشوش والانشغالات الحساسة في أعلى هرم السلطة آنذاك ( قضية فشل قمة «كلينتون ـ الأسد»، اعتقال «الزعبي» بعد ذلك و«انتحاره»، ثم التدهور المستمر في صحة الرئيس...إلخ) هو ما جعل برقية «حسن خليل» تنام في بريد القائد العام / رئيس الجمهورية إلى 25 حزيران / يونيو. وربما كانت هذه البرقية  أول بريد عسكري يوقعه «بشار الأسد»، بصفته قائداً عاما للجيش والقوات المسلحة، بعد صدور مرسوم «عبد الحليم خدام» في 12 حزيران/ يونيو الذي يقضي بترفيعه إلى رتبة فريق و تسميته بهذه الصفة! فرغم أن برقية «حسن خليل» تحمل تاريخ 6 نيسان/أبريل، فإن حاشية الموافقة عليها تحمل توقيع «بشار الأسد» بتاريخ 25 حزيران/ يونيو. وما يلفت الانتباه هو أنه وافق على تسريحه فقط وليس على توقيفه و التحقيق معه! وكان لافتاً أكثر أنه وضع خطاً تحت كلمة «فقط» من أجل التأكيد على ذلك وعدم حصول خطأ في التفسير والتقدير من قبل شعبة المخابرات. وفي هذا التاريخ، 25 حزيران/يونيو، تكون نشرة الترفيعات والتشكيلات قد صدرت عملياً وجرى توقيعها من الجهات المعنية وتوزيعها على الوحدات العسكرية المعنية، وبالتالي لا مجال لتغييرها إلا بقرار استدراكي لاحق يصدر عن القائد العام. ولا تفسير لما جرى مع العقيد «المغدور» بركات العش إلا ذلك، وهو ما حصل بعد موافقة «بشار الأسد». ولو أن برقية «حسن خليل» جرت مصادقتها منذ إحالتها إلى مكتب القائد العام في 6 نيسان/أبريل، وجرى توقيعها من قبل «حافظ الأسد» في حينه، لكانت ترقية العقيد«بركات» وردت في نشرة الأول من تموز/يوليو ، ولربما كانت الأمور اتخذت مجرى آخر، على اعتبار أن «حافظ الأسد» كان لم يزل على قيد الحياة في ذلك التاريخ! وأرجو أن يرى العقيد «المغدور» بركات العش اليوم في ذلك تفسيراً لما كان يعتبره، وأعتبره أنا معه وكل المحيطين به من أصدقائه وزملائه، لغزاً في قضية ترفيعه وتعيينه قائداً للشرطة العسكرية دون أن يدخلا حيز التطبيق! أما لماذا حرص «بشار الأسد» على وضع كلمة «فقط» في حاشيته، ورفض بالتالي توقيف العقيد «بركات» أو التحقيق معه، فلا تفسير له سوى أمرين : أولهما هو أنه كان على اطلاع على القضية وتفاصيلها منذ أن مرر عبره العقيد «بركات» مذكرتي الأولى الكبيرة  من خلال زميله الضابط في الحرس الجمهوري، ولا يريد بالتالي المزيد من الشوشرة والفضائح في الأيام الأولى من عهده؛ وثانيهما هو أن قضيتي كانت أصبحت حديثاً يومياً وعلى مدار الساعة في الإعلام العربي والأجنبي على خلفية تدهور وضعي الصحي، إلى حد أن «حسن خليل» لم ير مخرجاً من ذلك لامتصاص الهجمة الإعلامية سوى تلفيق خبر إطلاق سراحي عبر  المخبر العتيق،المجرم الحقير «ابراهيم حميدي»، مراسل «الحياة» في دمشق،الذي قبض ما يعادل مبلغ خمسة آلاف دولار على ذلك، وزميلنا السابق «أكثم نعيسة» الذي كان بطل عملية نصب فخ لـ«عبد العزيز الخير» ورفاقه واعتقالهم في 2 شباط/ فبراير 1992،ومكافأته على ذلك باطلاق سراحه  قبل انتهاء حكمه بثلاث سنوات!(قضية «نعيسة» و «حميدي» وتلفيق خبر إطلاق سراحي قبل عام من حصوله، بهدف تصفيتي،مع وثائق المخابرات العسكرية المتعلقة بهما، سيأتي ذكرها حين آتي إلى موضوع «جنود يهوذا» في فصول لاحقة من هذه المذكرات. وعلى أي حال، يتضمن الهامش رقم 3 أدناه بعض تفاصيل القضية).

***

 بتاريخ 6 أيار/ مايو 2001، سيجري إطلاق سراحي و وضعي تحت الإقامة الجبرية في منزل أهلي في قريتنا«بسنديانا» بريف جبلة،قبل أن يُرغم «بشار الأسد» خلال زيارة الدولة الأولى له إلى فرنسا بتاريخ 27 حزيران/يونيو، وعلى الهواء مباشرة من حديقة قصر بلدية باريس أمام كاميرات القنوات الفضائية، أن يعلن أني حر وبإمكاني السفر للعلاج إذا أردت. وهذا ما كان شرط رئيس الوزراء «ليونيل جوسبان» لاستقباله، نتيجة الضغط الذي تعرض له من وفود الصحفيين والمثقفين الشيوعيين والاشتراكيين الفرنسيين الذين طلبوا منه ذلك، وفي مقدمتهم شقيقته الروائية والأستاذة الجامعية «نويي جوسبان ـ شاتليهNoëlle Châtelet» التي أصبحت صديقتي لاحقاً، و الفيلسوف الشيوعي المستعرب «جورج لابيكا Georges Labica» و«إتيين باليبار Étienne Balibar» وغيرهم، بالإضافة إلى منظمات فرنسية ودولية معنية، كانوا رفعوا عريضة إلى «جوسبان» طالبوه فيها بأن لا يستقبل «الأسد»- كما كان مقرراً في بروتوكول الزيارة- ما لم يسمح لي بالسفر.  وفي 15 تموز/يوليو سأغادر سوريا نهائياً إلى فرنسا للعلاج. وخلال ذلك، 15  آب/أغسطس 2001، سيجري بث حلقتي من «برنامج بلا حدود» التي وُصفت بأنها «حدث وطني» جراء الملفات التي تحدثت عنها، والتي كان يسمع بها السوريون للمرة الأولى في حياتهم ، ومنها القضية التي أنا بصددها الآن،قضية الأسرى السوريين. فيومها،وكما علمت، وبسبب «البروموشن» المثير الذي بقيت «الجزيرة» تبثه على مدار أسبوع كامل قبل بث الحلقة، حصل ما يشبه «حظر تجول طوعي» في الشوارع السورية عند بثها بسبب مكوث الناس في بيوتهم لمشاهدتها، وجرى قطع الكهرباء عن العديد من الأماكن، لاسيما المقاهي، كما أخبرني يومها «عبد الرزاق عيد»، قبل سنوات طويلة من نعته لي بـ«الشبيح النصيري» لمجرد أني لم أجاره في عنصريته وطائفيته البغيضة والتبشير بثورته الوهابية، ولمجرد أني نشرت تسجيلاً لإحدى جلساته الخاصة يطالب فيه إسرائيل بإبادة غزة وأهلها «عملاء المجوس الصفويين»! وكان ذلك بعد سنوات من مقابلة له مع «إيلاف» على ثلاث حلقات قال في الثالثة منها «لقد رفعنا القبعات لنزار نيوف حين خرج من السجن وقال ما قاله في حلقته من برنامج / بلا حدود/ التي كانت حدثاً وطنياً كبيراً. فقد رفع سقف الحريات في سوريا إلى مستوى لا سابق له منذ عشرات السنين..»! لكنه ، وبعد فترة، طلب من موقع «إيلاف» - كما أخبرني الشاعر العراقي  المسؤول عن قسمها الثقافي، عبد القادر الجنابي - حذف الجزء الثالث من المقابلة بعد أن اكتشف أني «شبيح نصيري»، وبعد أن وصف النساء العلويات بـ«العاهرات» و الأكراد بـ «ماسحي الأحذية»! أما قناة «الجزيرة» فكان آخر عهدي بها، وإلى الأبد، رغم المحاولات اللاحقة من قبلها، خصوصاً بعد العام 2011، لاستضافتي. فيوم خرجتُ من السجن كنت أراها «أعجوبة عربية»، ولم أكن أعرف بعد أنها مشروع «أخواني ـ إسرائيلي» من ألفها إلى يائها، وأن «شمعون بيريز» صديقها الأول وزائرها الأول و أنه هو شخصياً من وقف وراء فكرة إنشائها لتكون الناطقة باسم «الشرق الأوسط الجديد» الذي كان يدعو إليه، والذي كان عنوان كتابه الشهير في العام 1993!

  في الحلقة المذكورة تعمد «أحمد منصور» أن يسأني عن قصة علاقتي بـ«فيليسيا لانغر رغم أنها إسرائيلية» و «ما إذا كنتُ أقر بذلك أم أنكره»، لأن أجهزة مخابرات السلطة، وفي إطار حملة التشهير التي أطلقتها آنذاك، دفعت إعلامها الغبي والأحمق ،على عادته، ومن لف لفه، إلى الحديث عن «علاقتي بإسرائيل من خلال الصحفية الإسرائيلية فيليسا لانغر» (هكذا وصفوها، ولم يعرفوا حتى أنها محامية!)، بدلاً من أن ينصبوا لها تمثالاً في «بوابة الصالحية» إلى جانب تمثال «يوسف العظمة»، أو على مدخل إحدى مقابر الشهداء لتذكير زوارها بأن من يرقد هنا رمزياً لم يكن ليعرف أحد بقصتهم الحقيقية لولاها ولولا بطولتها كجندي مجهول؛ ودون أن ينتبهوا، بوصفهم قطيعاً أبدياً من الحمير، إلى أن نصوصاً من مذكراتها «الغضب والأمل» و«بأمّ عيني» كانت لا تزال تُدرّس مقتطفاتٌ منها في منهاج المرحلة الإعدادية في سوريا منذ أن صدرت ترجمتها العربية في بيروت قبل أكثر من أربعين عاماً عن «دائرة الإعلام الموحد» في منظمة التحرير الفلسطينية!

****

   في اليوم التالي على بث الحلقة ، سأتلقى من «فيليسيا» ـ عبر منظمة «صحفيون بلا حدود»  في باريس، التي كانت ترعى تحركاتي وتنقلاتي بين المشافي ـ أول رسالة منها منذ رسالتها الأخيرة لي في 15 تموز/ يوليو 1990 يوم غادرت «إسرائيل» إلى الأبد، أي قبل أحد عشر عاماً على ذلك،لأغرق في بكاء مرير لم أعرف سببه حتى الآن، ولأعرف أنها كانت تتابع أخبار إطلاق سراحي منذ 6 أيار/ مايو، وأنها أحضرت صديقة فلسطينية من صديقاتها إلى منزلها في «توبنغن» لتشاهد معها الحلقة وتترجم لها ما سأقوله، ولتغرق هي أيضا في بكائها«فرحاً بعودة ابنها الغائب، يوسف، من غياهب الجب وغياهب سجن فرعون»، كما ستقول لي في رسالتها (صورة عنها في ملحق الوثائق / منشورة جانباً). وبعد شهر على ذلك كنت ألقي بنفسي بين ذراعيها وعلى كتفي «ميشو» في «توبنغن»!

***

   اليوم، 21 حزيران 2019، يكون قد مر عام كامل على رحيلك أيتها الغالية التي لم تزل رائحة قبلاتك تضوع بالزعتر الفلسطيني في شعري وعنقي. ولأني ، لسبب صحي لا تعرفينه، لا أستطيع أن أكون قرب ضريحك أو مع السائرين خلف نعشك في «توبنغن»، أغرق في بكائي المرير مرة أخرى؛ ليس عليك ومن أجلك فقط، ولكن أيضاً من أجل أولئك الجنود الشهداء المغدورين الذين تيتموا من بعدك، والذين باعهم فرعون مقابل بقائه على عرش الطاووس ، وحولهم إلى توابيت فارغة إلا من التراب!

لندن ـ حزيران / يونيو 2019 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش:  

(*) ـ المقاطع المنشورة أعلاه مأخوذ بعضها من مذكرات السجن «بين مقبرتين: مقطع عشوائي من سيرة ذاتية قد لا تكتب أبداً». وهي لا تزال مخطوطة منذ جرى تهريبها تباعاً إلى «جبران التويني» و«سمير قصير» من «سجن المزة» عبر أخي «صلاح» خلال زياراته، وقبل أن يضطر إلى الهرب إلى فرنسا - عبر لبنان - في العام 2000 بعد أن وشى به زميلنا السابق  المحامي «أكثم نعيسة» و مراسلة «مونت كارلو» العربية، «ثناء الإمام»، إلى «هشام الاختيار»، رئيس «فرع المنطقة/ 227» في حينه. أما المقاطع الأساسية من هذه الحلقة فنشرت على صفحتي الأولى في «فيسبوك» في الذكرى الأولى لوفاة «فيليسيا» في 21 حزيران / يونيو2019. لكن الصفحة أزليت من الشبكة كما هو معلوم صيف العام الماضي (2025) بطلب من عصابة «الجولاني» إلى شركة «ميتا» من خلال المجرم والعميل الإسرائيلي «خالد عبد الله الأحمد»، الذي جنّده الموسادي الأميركي - الإسرائيلي « نير روزن Nir Rosen» منذ سنوات طويلة، حين كان لا يزال مستشاراً لـ«بشار الأسد» وشريكاً لكلبة المخابرات البريطانيا«أسماء الأخرس»!

الحلقة الأولى من هذه المذكرات :  رحلتي من عالم الله الأحمق الجاهل إلى عالم إبليس العالِم

(1) ـ حول عملية تجنيد الضباط السوريين من قبل المخابرات الأردنية ( وربما الإسرائيلية أيضاً؟) قبل وخلال حرب تشرين/ أكتوبر 1973، لاسيما منهم رئيس هيئة العمليات، اللواء «عبد الرزاق الدردري» و ونائب وزير الدفاع، اللواء«عواد باغ أبزاغ»، راجع الصفحات ( 46، 271 وما بعد) من الجزء الأول من كتاب «داخل الكريملن خلال حرب أكتوبر وما بعدها».

(2) ـ بعد أيام قليلة وحسب من حديث«علي دوبا» معي عن «تقدير القيادة لي بسبب احتفاظي بتلك الأسرار وعدم تسريبها إلى إحدى الصحف العالمية والتربح منها»، خصتني السلطة بالحكم الأشد ( عشر سنوات مع الأشغال الشاقة) من بين زملائي جميعاً، الذين ترواحت أحكامهم ما بين 9 و 3 سنوات. وأما «التقدير» الأكبر من «القيادة» فكان عزلي الانفرادي المشدد منذ 13 كانون الثاني / يناير 1993، وحتى إطلاق سراحي في أيار / مايو 2001!

(3) ـ خلال إعدادنا لتظاهرة أمهات أمام «القصر الجمهوري» بمناسبة «عيد الأم» في 21 آذار / مارس 1990، توليت من ناحيتي التواصل مع المناضلة الفلسطينية الكبيرة «ليلى خالد» في مكتبها بمخيم اليرموك، بحكم علاقتي القديمة مع «الجبهة الشعبية» منذ اغتيال خالي«نصر» على يد المخابرات السورية في نيسان/أبريل 1980،حين كان أحد كوادرها العسكريين في الجنوب اللبناني بعد انشقاقه عن القوات الخاصة في الجيش السوري ورفضه قصف «مخيم تل الزعتر» صيف العام 1976. وقد وعدتني «ليلى» يومها - دون أي تردد - بتأمين باصين على الأقل من السيدات الفلسطينيات من ذوي المعتقلين. وفي الوقت نفسه تولى «أكثم نعيسة» التواصل مع الدكتور «عبد العزيز الخير» من أجل ذلك، كونه رفيقه  سابقاً(مطلع الثمانينيات) في «حزب العمل الشيوعي»، من أجل تحشيد أمهات وأخوات و زوجات معتقلي «الحزب». وقد لجأ من أجل ذلك إلى السيدة الفلسطينية «أم علي الشهابي» في «مخيم اليرموك»، التي كان ابنها «علي» من معتقلي الحزب حتى إطلاق سراحه في 17 نوفمبر من العام التالي، من أجل تدبير موعد مع «عبد العزيز» المتخفي منذ العام 1981. فقد كانت «أم علي» الشخص شبه الوحيد الذي له تواصل مع «عبد العزيز» خلال فترة ملاحقته وتخفيه. وكان اعتماد «أكثم»عليها بسبب وجود قرابة عائلية بينهما ( شقيق «أكثم»، الطبيب «غياث نعيسة»،المقيم في فرنسا،متزوج من إحدى شقيقات «علي الشهابي»، «لطيفة  الشهابي»). لكن التظاهرة فشلت يومها بسبب «إصرار عبد العزيز على تبني المظاهرة باسم حزبه ورفع يافطات باسم الحزب»، كما أبلغنا «أكثم» في تقريره خلال اجتماع قيادة منظمتنا«لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان في سوريا». وفيما بعد، حين التقيت «عبد العزيز» للمرة الأولى في حياتي بعد اعتقالنا و نقلنا إلى«سجن صيدنايا» ربيع العام 1992، سألته عن الموضوع، لكنه نفى ذلك قطعياً، وقال «شو نحنا مراهقين أو مجانين حتى نرفع يافطات باسم الحزب بهيك عمل مشارك فيه نساء أقرباء لمعتقلين من أحزاب مختلفة، سورية وفلسطينية؟».  

        وكان «أكثم»استغل (في 2 فبراير 1992، أي بعد اعتقاله بحوالي شهرين على خلفية علاقته بمنظمتنا)،معرفته بـ «أم علي» وغافلها بطريقة خسيسة ودنيئة لترتيب موعد مع «عبد العزيز»، كونها لم تكن تعرف لا هي ولا أي أحد في أسرتها أنه أصبح معتقلاً! وهكذا نجح  في نصب كمين لـ «عبد العزيز» بالتعاون مع المقدم«عبد الكريم عباس»من «فرع فلسطين»، وجرى اعتقال«عبد العزيز» مع اثنين رفاقه،الدكتور«محمد غانم» والدكتور «بهجت شعبو»، عند مدخل« سوق الحميدية»، بينما كان هو يركب في سيارات الدورية للدلالة على «عبد العزيز». وذلك لأن السلطة لم تكن تعرف وجهه، فقد كان أصبح مجهول الملامح تماماً بالنسبة لأجهزتها ،نظراً لأن أحدث صورة له بحوزتهم آنذاك كانت تعود إلى أواسط السبعينيات حين كان طبيباً حديث التخرج و لم يزل عضواً في«خلية سرية» تابعة لـ«حزب البعث الديمقراطي» (تيار«صلاح جديد») إلى جانب الشاعر «ممدوح عدوان»، وقبل انضمامه إلى «رابطة / حزب العمل الشيوعي» لاحقاً. وقصة «كمين سوق الحميدية» يعرفها جميع معتقلي «صيدنايا» آنذاك من شباب «حزب العمل». وقد كوفىء «أكثم» على ذلك بإطلاق سراحه قبل انتهاء حكمه بثلاث سنوات وقبل إدخال كومبيوتر ألعاب له في «سجن صيدنايا»، الأمر الذي كان يحصل لأول وآخر مرة في تاريخ السجون السورية! وبعد إطلاق سراحه في العام 1997، وبتوجيه من «هشام الاختيار»الذي كان أصبح مديراً لإدارة المخابرات العامة (في العام2001)، رخّصت له السلطة ولعدد من أصدقائه(«حازم نهار»، «جديع نوفل» ...إلخ) «دكانة حقوقية» بالاسم نفسه الذي حملته المنظمة التي أسستها أنا في 10 ديسمبر 1989!! وسيعترف لاحقاً بشكل حرفي في محضر تحقيق أمني معه بأن منظمته «تعمل بمعرفة وإشراف المخابرات»!وفيما بعد حصلتُ عن طريق العميد «عمر شرق» و المقدم «علي فاضل» وآخرين على جميع وثائق «شعبة المخابرات» المتعلقة بهذه القضايا، بما فيها تورطه في اعتقال الدكتور«عبد العزيز» و توجيهات «هشام الاختيار» لوزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل «غادة الجابي» بترخيص جمعيته، وتواطئه مع اللواء «حسن خليل»، بالتنسيق مع المخبر المجرم «ابراهيم حميدي»، مدير مكتب «الحياة» في دمشق، وشقيقه القذر«غياث نعيسة» في فرنسا، لتصفيتي جسدياً في نيسان/ أبريل 2000، حين أصدروا ـ بطلب من «حسن خليل»- بياناً زعموا فيه «أن القيادة أطلقت سراحي ...» وأنه هو شخصياً «رآني في منزل أهل زوجتي السابقة في حي القصور بدمشق»! وهو ما أثار بلبلبة إعلامية دولية لمدة أربعة أيام، قبل أن يعترف «ابراهيم حميدي» بضغط من المنظمات الدولية، والجهود التي بذلها «جبران التويني» و«تيموثي بالدينغ» ، مدير«الجمعية العالمية لناشري الصحف»، التي «شرشحت» جريدة «الحياة» على فعلتها الإجرامية، بأن «نزار لا يزال في السجن ولم يطلق سراحه، وأنه (أي حميدي) استند إلى بيان من أكثم نعيسة...إلخ»! ( سيجري نشر هذه الوثائق حين أنشر ملف منظمتنا،من التأسيس إلى محكمة أمن الدولة، في وقت لاحق). 

       لكن، ومن أجل الأمانة والإنصاف، لم يكن «أكثم نعيسة» مخبراً عن سبق إصرار وتقصد، بل لأسباب تتصل بوضع صحي خاص يجعله ينهار منذ الدقائق الأولى لاعتقاله دون أن يتعرض لأي ضربة كف. وهذا ما حصل معه حين اعتقل في العام 1981 على ذمة «حزب العمل الشيوعي» لبضعة أشهر، وحين اعتقالنا في العام 1991، ثم حين اعتقاله في العام 2006 بعد إخلاله بشروط الإفراج عنه في العام 1997. ويوم اعتقاله في العام 1981 وصلت خسة ودناءة «علي دوبا» إلى حد أنه جعله يحبو على ركبتيه ويديه حين أدخلوه إلى مكتبه لكي يتسلمه والده «عز الدين نعيسة» الذي جاء يتوسط لإطلاق سراحه، والذي كان يومها معاوناً لوزيرالشؤون الاجتماعية والعمل أو سفيراً في القاهرة،فلم أعد أذكر. وكان تصرفه هذا لمجرد إهانة والده وتحقيره بسبب خلافات بينهما ليس معروفاً سببها. وبحسب ما فهمته من الدكتور«عبد العزيز»،فإن حالته الصحية ذات طابع نفسي - فيزيولوجي مركّب تنعكس على عمل القلب مباشرة،ما يجعله يتشنج ويصاب بشلل مؤقت في أحد أطرافه وينهار فوراً ويخضع لأي ابتزاز يتعرض له، دون أن يتعرض لضربة كف واحدة. وهذا ما حصل معه في المرات الثلاث التي اعتقل فيها، والتي لم يتعرض فيها لضربة كف واحدة.

        علي أي حال، لم أكن لأتحدث عن هذه الأمور بعد وفاته لو لم أكن تحدثت عن ذلك علناً خلال حياته منذ أكثر من عشرين عاماً. فمن الخسة والدناءة  والنذالة أن يقول المرء ما يسيء لأي شخص بعد مماته، حتى وإن كان عدواً له،إن لم يكن قاله في وجهه خلال حياته، و/أو إذا لم يكن لديه وثائق تدعم أقواله. وهذه القاعدة التزمت بها طوال حياتي، حتى مع «حافظ الأسد» نفسه. فلولا أني شتمته في «محكمة أمن الدولة» نفسها في العام 1992، ما جعل عناصر الشرطة العسكرية ينهالون عليّ بالضرب أمام المحامين وأفراد أسرتي، لم أكن لأسيء إليه كشخص بعد مماته.


(4) ـ بتاريخ يوم الأربعاء 6 سبتمبر 2000، وفي سياق عملية تفريغ «سجن المزة»، ارتكب قائد الدورية المقدم «فايز كنعان» خطأ حين وضعني في سيارة واحدة مع ضابطين كانا معتقلين منذ العام 1982 بتهمة الضلوع في عملية انقلابية لصالح العراق (وهم: العميد «تيسير لطفي» والعميد «صلاح حلاوة»)، رغم أن مهمة النقل التي كان يحملها تتضمن إشارة إلى أن أوضع في سيارة وحدي بسبب «العزل المشدد». وكانت المرة الأولى التي أتحدث فيها مع سجين آخر منذ مطلع العام 1993. وقد عوقب «كنعان» بسبب ذلك . وحين وصلنا إلى «صيدنايا» رفض مديره «محيي الدين محمد» استقبالي، على خلفية ما حصل بيننا في العام 1992. وبعد أن بقيت وحدي في سيارة الشرطة العسكرية لحوالي ساعة جرت خلالها اتصالات مع «شعبة المخابرات»، تقررت إعادتي إلى «المزة». وبقيت هناك أنا ومديره العقيد «بركات» وحدنا حتى الأربعاء التالي (13 سبتمبر) حين جرى الاتفاق على تفريغ جناح كامل لي في «صيدنايا» وإصدار أوامر لمدير السجن «محيي الدين محمد» تمنعه من الاحتكاك بي نهائياً، وتسمح للدكتور «عبد العزيز الخير» فقط يزيارتي في عزلي الانفرادي، باعتباره طبيب السجن ...إلخ. ( كتابا «الفرع 248» إلى إدارة سجن صيدنايا و فرع الشرطة العسكرية منشور أعلاه، و كتاب الفرع نفسه إلى الشرطة العسكرية لإعادتي إلى المزة بسبب رفض مدير سجن صيدنايا استقبالي، منشور جانباً).



 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملاحـــــــــــــــــق:

ملحق (1)  

رسالة «فيليسيا» بتاريخ 15 يوليو 1990 من «أوتيل  أمورغوس» في لارناكا (صفحتان)

وهي من مصادرات شعبة المخابرات من منزلي 



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملحق (2)

أول رسالة أتلقاها من «فيليسيا» بعد إطلاق سراحي، وكانت في اليوم التالي لحلقتي من برنامج «بلا حدود / الجزيرة»، الذي تحثت فيها عن علاقتي القديمة بها 

 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

ملحق (3)

رسالة إلكترونية من «فيليسيا» في 10 سبتمبر 2001، وهي أول عنوان بريد إلكتروني أستخدمه  (  isma1962[at]hotmail.com)، والذي أعده لي الصديق «الحوراني» السوري يومها «ناصر الغزالي» في السويد

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

ملحق (4)

مذكرة رئيس شعبة المخابرات العسكرية، اللواء«علي دوبا»، إلى «مكتب الأمن القومي» بتاريخ 18 / 1 / 1990 ، حول اكتشاف اختراقات إسرائيلية لعدد من فروع «إدارة المخابرات العامة» (صفحتان).

في هذه المذكرة يرد اسمي على خلفية اعتقالي من قبل «الفرع251» التابعة للإدارة المذكورة صيف العام 1988، واحتمال أن يكون أحد ضباط الفرع سرّب قضية تواصلي مع المحامية «فيليسيا لانغر» إلى السلطات الإسرائيلية عن طريق الشيخ «أمين طريف»؟

 





ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

ملحق (5) 

مذكرتي الأولى إلى رئيس «مكتب الأمن القومي» في 10 ديسمبر 1999

حول قضية الأسرى السوريين وحول «اتفاقي» مع «علي دوبا» بشأن كيفية التعامل مع قضيتهم

( خمس صفحات)





ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملحق (6)

تقرير اللواء «حسن خليل» إلى «بشار الأسد» حول العقيد «بركات العش»

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ