في الذكرى 44 لما يسمى «مجازر حماة 1982»
وثيقة من المخابرات العسكرية الأميركية تكشف زيف ادعاءات وأكاذيب «الأخوان المسلمين» والخرافات المتداولة عمّا حصل وعن عدد الضحايا
مجموع الضحايا من جميع الأطراف لم يتجاوز ألفي ضحية، والإرهابيون الإسلاميون تدفقوا إلى حماة من ثلاثة محاور : تركيا، العراق، «لواء اسكندرون» المحتل ، ونشروا بيانات كاذبة من إذاعة «الكتائب» و ألمانيا وبريطانيا و «هونغ كونغ»!
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
في آذار/ مارس 2013، وبعد مرور أكثر من ثلاثين عاماً على ما تسمى «مجازر حماة 1982»، أفرج الأرشيف الوطني الأميركي عن وثيقة أعدتها المخابرات العسكرية الأميركية ( مخابرات وزارة الدفاع DIA) في أيار / مايو 1982 عن تلك الأحداث. وتقع الوثيقة في 13 صفحة مع خريطة ، إلا أن معديها عمدوا إلى تعمية بعض المعلومات والأسماء لأسباب أمنية. يومها أعد نزار ترجمة مختصرة للوثيقة على موقعهم الإخباري آنذاك SyriaTruth، الذي لم يعد موجوداً على الشبكة منذ مطلع العام 2015.
هنا نعيد نشره مرة أخرى بمناسبة ذكرى تلك الأحداث، مع الإشارة إلى أن ما بين قوسين كبيرين [..] هو من وضع المترجم، إما لتوضيح فكرة أو لتصحيح معلومة وردت خاطئة في الوثيقة. وبالنظر لعدم إمكانية نشر هنا لأسباب تقنية، حيث يبلغ عدد صفحاته 13 صفحة PDF ، يمكنه مراجعتها هنا على رابط مجلة «فورن بوليسي»، التي نشرته في 13 مارس 2013 تحت عنوان «كيف اختطفت جماعة الأخوان المسلمين الثورة السورية؟ الجماعة الإسلامية الغامضة التي كادت أن يقضى عليها في ثمانينيات القرن الماضي تخرّب الانتفاضة ضد بشار الأسد».
ـ لتصفح الصور والروابط بالحجم الطبيعي، يرجى الغط عليها.
(فيكتوريا)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خلفية موجزة :
تشير الوثيقة إلى أن الأخوان المسلمين ، الذين تأسست حركتهم في العام 1937 [الصحيح في العام 1945] بمبادرة من الشيخ الأزهري مصطفى السباعي، لم يصبحوا حزبا معارضا إلا بعد وصول البعثيين العلمانيين إلى السلطة في العام 1963. وكان أول نشاط عملي معارض لهم ضد السلطة الجديدة في العام 1964 حين حرضوا على القيام بأعمال شغب في حماة سرعان ما تحولت إلى عصيان كامل اضطر "رجل السلطة القوي الفريق أمين الحافظ إلى إرسال الجيش إلى حماة ومحاصرتها قبل سحق العصيان الذي قاده الأخوان المسلمون". وبعد ذلك جرى التشديد على قمع أنشطتهم، ما اضطر الكثيرين منهم إلى الفرار إلى الأردن ولبنان والسعودية وبقية دول الخليج. وبعد وصول مجموعة "23 شباط/فبراير"[صلاح جديد ورفاقه] إلى السلطة في العام 1966، والذي أخرج مجموعة منها مجموعة أمين الحافظ ، صعّد الأخوان المسلمون من معارضتهم على اعتبار أن السلطة "الشباطية" الجديدة هي من العلويين الذين يكفرهم الأخوان المسلمون". وفي العام 1973 أقرت حكومة حافظ الأسد الدستور الجديد "الذي أزال أي ذكر للإسلام كدين للدولة ، ما دفع الأخوان المسلمين إلى التشدد في دعايتهم التي تزعم أن البعثيين معادون للإسلام"، معتبرين أن تولي حافظ الأسد السلطة "أمر غير دستوري حسب المادة 3 من الدستور التي تقول إن دين رئيس الدولة الإسلام"، بالنظر إلى أن الأخوان المسلمين يعتبرون الأسد "علويا وبالتالي غير مسلم"، ولا يجوز له بالتالي تسلم السلطة دستوريا!بعد ذلك ، تتابع الوثيقة، بدأ الأخوان المسلمون توسيع أنشطة جناحهم السري[العسكري]من خلال عمليات العنف السياسي، رغم أنهم تجنبوا تبني تلك العمليات [الاغتيالات التي بدأت باغتيال رئيس فرع المخابرات العامة في حماة الرائد محمد غرة، العام 1976] ، علما بأن هذا الجناح كان ظهر إلى الوجود بعد القمع الذي تعرضوا له زمن الجنرال أمين الحافظ ، حيث عرف هذا الجناح تحت أسماء مختلفة مثل"شباب محمد"[ وهو - بالمناسبة- أول تنظيم انتسب إليه هيثم مناع / العودات أواخر الستينيات وبداية السبعينيات] و"جند الله" و "الشباب المؤمن" و"الطليعة الإسلامية" ، فضلا عن أسماء أخرى. وكان القائد الأول لهذا الجناح هو الدكتور عدنان المصري الذي أعدم في العام 1965 [بأمر من الفريق الحافظ]. وقد خلفه في رئاسة التنظيم الشيخ مروان حديد إلى حين وفاته في العام 1976[مضرباً عن الطعام في مشفى المزة العسكري، وليس بسبب التعذيب كما يدعي "الأخوان" الدجالون] ، ليخلفه عدنان عقلة. وطيلة تلك الفترة كانت معارضة الأخوان المسلمين للبعثيين محدودة ، ولم يشعروا بقدرتهم على تحدي حكمهم إلا في العام 1979.وطبقا للوثيقة، كان مخططاً لمجزرة مدرسة المدفعية في حلب [16 حزيران / يونيو1979 ]،التي قتل فيها خمسون من الطلاب الضباط [العلويين الذين جرى انتقاؤهم من بين طلاب المدرسة] ، والتي دبرها الأخوان المسلمون، أن تكون "بداية هجوم إخواني شبيه بالثورة الإيرانية". وفي صيف العام 1980 ، تمكن الأسد من كسر العمود الفقري لهجوم الأخوان المسلمين بعد أشهر من المعارك الدموية بين قوات الحكومة وعناصر جهازهم السري. لكن الثمن كان باهظاً ، حيث أدى الأمر إلى استثارة الأغلبية السنية ضده . غير أن الطبيعة العملية للسوريين جعلتهم يدركون أن الأسد حقق لسوريا أفضل استقرار منذ العام 1946 حين استقلالهم عن فرنسا.
قيادة جديدة للأخوان المسلمين / تحدٍّ جديد:
تقول الوثيقة تحت هذا العنوان إن هزيمة العام 1980 أدت إلى عزل عصام العطار من منصب المرشد العام للأخوان المسلمين في سوريا ، الذي كان استلم المنصب من السباعي. ولكن هذا ليس صحيحاً. ذلك أن عصام العطار كان مراقباً عاماً للأخوان خلال الفترة 1964 ـ 1973 ، وهو الثاني في الترتيب بعد المؤسس مصطفى السباعي. أما الفترة التي تتحدث عنها الوثيقة فكان المراقب العام خلالها هو الدكتور عدنان سعد الدين ( 1976 ـ 1980)، وهو الرابع في الترتيب بعد عبد الفتاح أبو غدة.
تتابع الوثيقة لتقول إن القيادة الجديدة تكونت من عدنان سعد الدين والشيخ سعيد حوا [ وليس سعيد حاوي كما ذكرت الوثيقة] وعلي صدر البيانوني، أما الجهاز السري(العسكري) فأسندت قيادته لـ «عدنان عقلة». وعن عدنان سعد الدين تقول الوثيقة إنه كان عضوا في الجماعة منذ العام 1943 ، وإنه اكتسب خبرة واسعة في العمل السري في إطار الجناح العسكري . لكن الأمر ليس دقيقاً ، لأن سعد الدين ، وكما قالت شقيقته السيدة نجاح سعد الدين (أم عبد الرحمن) لمحرر هذه الترجمة في إفادة خاصة العام 2003 ، وهي مدرسة لغة عربية سابقة و واسعة الثقافة وعلى خلاف جذري مع شقيقها، إن شقيقها ـ المولود في حماة العام 1929 ـ لم يكن عضواً في الجماعة قبل تخرجه في "جامعة فؤاد الأول"(القاهرة)في العام 1955، وربما لم يصبح عضواً فيها إلا بعد أن تخرج بإجازة جامعية ثانية في الحقوق في الجامعة نفسها العام 1960(إجازته الجامعية الأولى كانت في اللغة العربية وآدابها).أما الشيخ سعيد حوا ، وبالعودة إلى الوثيقة، فكان في قيادة الجناح السري منذ العام 1965 إلى العام 1976 ، قبل أن يهرب من سوريا إلى الأردن العام 1980، ومنها إلى أوربا . وهو يعتبر عالم دين شهيراً نشر العديد من الكتب في الشريعة والفقه والتفسير. لكن الوثيقة تغفل أمراً هاماً جداً وهو أن سعيد حوا اعتقل في العام 1973 (وليس العام 1976 ) بعد مشاركته في صياغة وتوقيع البيان الصادر العام 1973 الذي طالب بـ"دولة إسلامية ودستور إسلامي" في سوريا ، ردا على الدستور الذي وضعه الأسد في ذلك العام، وأطلق سراحه في معمعة الأحداث حين كان الأخوان المسلمون يقومون بحملة اغتيالات وتفجيرات العام 1978، وليس العام 1977 ، كما تقول الوثيقة. وبشأن المحامي البيانوني ، الحلبي المولد ، تقول الوثيقة إنه كان الرجل الثالث في القيادة ، وتشير إلى أنه يبلغ من العمر(آنذاك) 45 عاما ، وأنه انضم إلى الجماعة السلفية (الأخوان) العام 1943. وهذا أيضا غير دقيق . فهو من مواليد العام 1938، والأخوان لم تتأسس حركتهم رسميا إلا في العام 1945 ـ 1946. أما هو فلم يصبح عضواً إلا في العام 1952. وهو لم يكن ضابطاً في الجيش كما تزعم الوثيقة، بل مدرساً ومحامياً خدم خدمة العلم برتبة ضابط مجند مثله في ذلك مثل جميع السوريين حملة الإجازات الجامعية.
تتابع الوثيقة الحديث فتقول إن الاعتقالات في صفوف الجماعة استمرت بعد أن كسر الأسد شوكتها في العام 1980، لكن هيكلها التنظيمي بقي سليماً، وكان يقدر آنذاك بحوالي عشرة آلاف عضو، فضلا عن ألف من الجناح السري (العسكري). وكان على رأس أولويات القيادة الجديدة إعادة بناء التنظيم وتجميعه و"الاستعداد لجولة جديدة من القتال ضد البعثيين ـ العلويين ". وفي كانون الأول / ديسمبر العام 1980 أعلن سعيد حوا و البيانوني تأسيس "الجبهة الأسلامية" من خلال مقابلة مع صحيفة"دي فيلت"(العالم) الألمانية .لكن هذا غير دقيق أيضاً. فالجبهة كان أعلن عنها في تشرين الثاني / نوفمبر من خلال البيان الشهير"بيان الثورة الإسلامية المسلحة في سوريا ومنهاجها". وتصف الوثيقة هذا الإعلان بأنه كان مجرد بروباجندا، لكنها تعتبره أيضا بداية نشاط جديد في الاتصالات مع جهات إقليمية ، مثل الحكومة العراقية التي كانت على تضاد تام مع نظام الأسد، مشيرة إلى أن النظام العراقي كان دعم الأخوان المسلمين في العام السابق على ذلك، لاسيما في معركة حلب ، ولعب دور الوسيط بينهم وبين الحزب الشيوعي بزعامة رياض الترك "الذي شارك في القتال إلى جانب الأخوان المسلمين في حلب، لاسيما بداية العام 1980". وهذا ليس صحيحاً على الإطلاق. فحزب رياض الترك لم يشارك في القتال أبدا، ولم يحمل السلاح على الإطلاق أنذاك، رغم أنه كان يراهن على «الأخوان»، وكان دعمه سياسياً وحسب ، بالنظر لأنه كان يتمول من المخابرات العراقية، كما ثبت لاحقاً بالوثائق التي نشرتها جريدة الحزب في الخارج (العدد الرابع من نشرة "المسار" / أيار/ مايو 2004). لكن ما تذكره الوثيقة بشأن أن الأخوان المسلمين طلبوا من العراق وصلهم بمعارضين بعثيين لتشكيل تحالف معهم، صحيح. فقد ذكره الراحل الكبير أكرم الحوراني في مذكراته.
تكتيكات (الأخوان) لإسقاط نظام الأسد :
تقول الوثيقة إن الأخوان حاولوا آنذاك الحصول على دعم معارضي الأسد من العلويين أنصار الرجل القوي صلاح جديد ، الذي ينتمي إلى "عشيرة" علوية أكبر من "عشيرة" الأسد ، والذي كان معتقلا منذ العام 1970. وبحسب الوثيقة، فإن العراق لعب دورا في تنظيم جهود الفريقين للإطاحة بالأسد . لكن ادعاء الوثيقة هذا ينطوي على شعوذة . فجماعة "23 شباط" ( أنصار صلاح جديد ، أو البعث الديمقراطي) كانوا على تضاد مع النظام العراقي منذ العام 1965، وبشكل خاص منذ العام 1966. ولم يدخلوا في تحالفات مع الأخوان المسلمين، بل في إطار "التجمع الوطني الديمقراطي".
تتابع الوثيقة القول إن "الأخوان" طوروا خطة أكثر تعقيداً من خطة العام 1979ـ1980. ففي السابق ، حاولت الجماعة إطاحة النظام وحدها، وهو ما وفر للأسد فرصة لاستغلال اتجاهها التكفيري والمعادي للعلويين من أجل الحصول على تأييد القوى الوسطية ، حيث أطلق حملة أمنية ضدهم على امتداد المجتمع السوري كله. أما خطتها الجديدة فكانت تقوم على تقسيم العلويين من خلال اللعب على الحساسيات الداخلية التي تسبب بها قمع الأسد لمعارضيه. ويبدو أن الخطة وضعت بالتنسيق مع العراق ، حيث تركزت على نشاطين رئيسين : ثورة مسلحة قوية في حماة تستدرج ثورات مماثلة في مدن أخرى وإضراباً عاماً يشل سوريا، وانقلاب عسكري متزامن من قبل أنصار صلاح جديد في الجيش. وبالتزامن مع الخطة، جرى إعداد حملة دعائية (بروباجندا) عنيفة بهدف دعم العصيان في مدينة حماة وإبراز انتصاراته فيها من أجل تشجيع المدن الأخرى على المشاركة في العصيان،مع التخطيط لأنشطة إعلامية في أوربا وأمريكا ، فضلا عن برامج إخبارية إذاعية عبر إذاعة الكتائب في لبنان("صوت لبنان الحر"، وهي للقوات اللبنانية وليست للكتائب كما تقول الوثيقة) و إذاعة "صوت سوريا العربية" من بغداد . وقد بدأ النظام العراقي الحملة في بداية العام 1981 من خلال نشر قصص عن انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا في مجلة "المنبر"( التي كان يصدرها الأخوان في الخارج)، مع التركيز على أحداث حماة في العام السابق (1980)، والتأكيد على أن نظام الأسد معزول تماماً داخل سوريا وفي العالم العربي. وبحلول تموز / يوليو من العام 1981 ، نجح الأخوان المسلمون في ترتيب عملية تسلل نخبة جهازهم العسكري من الأردن والعراق وتركيا إلى مدينة حماة . وكان حوالي 100 مقاتل جرى نقلهم من الأردن إلى العراق حيث تلقوا تدريبات مكثفة قبل إعادة إرسالهم إلى سوريا . وخلال التحضير لعملية حماة ( أيلول / سبتمبر أو تشرين الأول / أكتوبر) ، قام جهازهم السري بمهاجمة دار الحكومة في المدينة وسرقة مئات من بطاقات الهوية الفارغة لاستخدامها من قبل الجهاز السري للجماعة، كما نفذوا "عمليات تفجير إرهابية" في مختلف أنحاء سوريا بهدف زعزعة الاستقرار وإثبات أن "النظام البعثي ـ العلوي" لا يستطيع السيطرة على البلاد.
المخابرات السورية تكشف الخطة:
تقول الوثيقة إن المخابرات السورية تمكنت من اكتشاف مخطط للضباط العلويين للقيام بانقلاب بداية العام 1982، حيث انقضت على المعارضين في الجيش بالتزامن مع تكثيف جهودها لاجتثاث البنية التحية للجماعة. وقد شملت هذه الخطة مدينة درعا القريبة من الحدود الأردنية التي جرى تمشيطها بيتا بيتا. وبحلول أواخر كانون الثاني / يناير 1982 ، ظهرت مؤشرات على نية الحكومة تمشيط حماة أيضا بالطريقة نفسها ، وهو ما كان سيؤدي إلى اعتقال حوالي 200 مسلح من قوات نخبة الأخوان المسلمين الذين تسللوا إلى المدينة. إلا أن ما تذكره الوثيق هنا ينطوي على مغالطات فاضحة. فما جرى في درعا ، وفق معلومات مؤكدة لمحرر هذه الترجمة، كان عبارة عن وشاية كبيرة قام بها القيادي الأخواني الدكتور غسان أبا زيد ، الذي شكّل أحد أكبر الاختراقات الأمنية السورية في صفوف جماعة الأخوان المسلمين، حيث سلمهم قرابة 380 عضواً من أعضاء الجماعة وأنصارها، لاسيما منهم من كان يتعامل مع المخابرات الأردنية. وبقي ينشط لصالح المخابرات السورية في صفوف الجماعة قرابة عشرين عاماً إلى أن عاد إلى سوريا لاحقا حيث جرى "تعيينه"عضوا في "مجلس الشعب"،قبل أن تجري تصفيته بصهريج وقود "معس" سيارته على طريق درعا بينما كان في طريقه لقضاء إجازته الأسبوعية مع أفراد عائلته! وهناك معلومات تشير إلى أن المخابرات السورية هي التي صفته، لكن معلومات أخرى (أردنية المصدر) تقول إنه قُتل بقرار من مراقب الجماعة عدنان سعد الدين، المعروف بوحشيته ودمويته، بعد اكتشاف أمره على أثر عودته إلى سوريا!؟أما بشأن انقلاب الضباط العلويين المزعوم، فهو لا أساس له. فمن جرى اعتقالهم كانوا جميعا من المسلمين السنة في القوى البحرية ، فضلا عن زملاء لهم في القوى البرية المرابطة في دمشق وما حولها ، أبرزهم العميد صلاح حلاوة ، قائد الفوج مدفعية ميدان (65) في ريف دمشق، والعميد تيسير لطفي ، والعميد نذير السقا. وقد حكم عليهم بالإعدام من قبل محكمة ميدانية صادق مصطفى طلاس على أحكامها، لكن حافظ الأسد رفض التصديق عليها "بالنظر لكونهم أبلوا بلاء حسنا في حرب تشرين ، ولا يعدم ضابط كان من أبطال حرب تشرين"، كما كتب الأسد الأب على حاشية قرار الحكم ، والتي اطلع عليها محرر هذه الترجمة العام 1999 بفضل مدير مدير سجن المزة العسكري (العقيد بركات العش) ، حيث كانوا معتقلين حتى نقلهمم إلى صيدنايا في آب / أغسطس 2000. وقد أفرج عنهم في العام 2004 . وكان مع هؤلاء عدد من الطيارين أبرزهم رفيق الحمامي، محمود كيكي،بشار العشي. وهؤلاء أيضا لم تنفذ بحقهم أحكام الأعدام. وكان هؤلاء جميعاً من الأخوان المسلمين و"بعث العراق". ولم يعتقل ضابط "علوي" في ذلك الحين سوى العميد علي الشمالي (من علويي الجولان)، الذي اعتقل لسبب آخر هو عضويته في"البعث الديمقراطي"، وضابط آخر يدعى نديم سعيد (أبو ياسر)، الذي كان مديراً لتحرير مجلة «المرصاد» التي تصدر عن القوى الجوية والدفاع الجوي، بسبب علاقتهما بحزب «البعث الديمقراطي»(تيار صلاح جديد). علما بأن الشمالي اعتقل بعد ليلة واحدة من صدور مرسوم بتعيينه مديرا لإدارة المخابرات العامة، حيث اكتُشف أمره حين اعترف عليه أحد المعتقلين من زملائه قبل تسلم منصبه هذا!!
تتابع الوثيقة فتقول إن الجماعة قررت ـ على أثر اكتشاف تلك المؤشرات ـ إطلاق خطتها قبل اكتمال التحضيرات ، آملة أن تستطيع تحريض المدن الأخرى من خلال استخدام سلاح البروباجندا الكاذبة انطلاقا من لبنان والعراق. ورأت الجماعة أن هناك فرصة متاحة لإسقاط نظام الأسد رغم انكشاف خطة الانقلاب العسكري . واعتقدت الجماعة أنه حتى لو فشلت الحركة، فإن عصيان حماة سيصبح مركز استقطاب للتحركات ضد الحكومة من خلال استفزازها وإرغامها على استخدام أقصى درجات القوة ضدها ، وهو ما سيسبب بدوره انقلاباً في موقف السوريين من حافظ الأسد وحكومته. هكذا، وفي أواخر كانون الثاني / يناير 1982، انتقل عدنان سعد الدين و سعيد حوا وعلي البيانوني [ بمساعدة مدير المخابرات التركية برهان الدين بيغالي Burhanettin Bigalı ومدير العمليات الخاصة في وكالة المخابرات المركزية الأميركية] من بروكسل [مقر قيادة الحلف الأطلسي!!] إلى غرفة عمليات سرية جرى إعدادها داخل سوريا لقيادة العصيان. وفي 2 شباط /فبراير انطلقت مآذن الجوامع في حماة بالدعوة للجهاد ضد الحكومة ، مع توجيه الناس إلى مساجد محددة جرى تحويلها إلى مخازن سلاح . وفي الوقت نفسه قام عناصر من الجهاز السري للجماعة يرتدون ملابس الجيش بالهجوم على المراكز الحكومية في المدينة. وكان من أبرز المراكز التي هوجمت "سجل النفوس المدني" ، حيث جرى إحراقه بزعم أن المخابرات تستخدمه أداة لـ"تحديد النسل"!! [معتادون طوال تاريخهم على الشعوذة وفبركة الخرافات!]. وفي الآن نفسه هاجم مسلحوهم مخافر الشرطة والمراكز الأمنية ومقرات حزب البعث والوحدات العسكرية [كما سيحصل صيف العام 2011، حين قام زعران فاروق طيفور باختطاف عناصر الشرطة من مخفر «حي الحاضر» قبل ذبحهم بالسكاكين وإلقائهم من فوق «جسر كازو / الضاهرية» شمال المدينة!]. وهو ما اضطر الحكومة إلى سحب الجيش والشرطة إلى خارج المدينة بعد عدة أيام من المعارك العنيفة. وعندها قام عناصر الجماعة بتنظيم الدفاع عن المدينة لمنع الحكومة من دخولها مرة أخرى. وقد انضم إلى المقاتلين مئات آخرون ليصبح عددهم حوالي 400 مقاتل يوم 2 شباط / فبراير ، ثم ألف مقاتل بعد ثلاثة أيام ، كانوا جميعهم من عناصر التنظيم وأهالي المدينة. وفي 9 من الشهر ذاته نشرت قيادة "الثورة الإسلامية" بياناً من إذاعة "صوت سوريا " في العراق تحدث عن السيطرة الكاملة على حماة وعن إعدام 50"جاسوسا ومخبراً" أسدياً وعن "انشقاق الجزء الأكبر من اللواء 47" (الذي يرابط تاريخياً في منطقة الرستن المجاورة)، وعن رفض الطيارين قصف المدينة ! وأضاف البيان أن "الثورة انتشرت من حماة إلى باقي الوحدات العسكرية في ميناء اللاذقية ["انقلاب البحرية" الذي تحدث المترجم عنه أعلاه] وفي منطقة تدمر في الصحراء. كما تحدث عن مواجهات في حلب وعن ثلاثة آلاف قتيل وجريح في صفوف قوات الحكومة. وفي اليوم التالي( 10 شباط / فبراير) جرى توسيع البروباجندا ، حيث صدر بيان من العاصمة الألمانية (بون ، آنذاك) يؤكد تحرير حماة وفشل قوات الحكومة في استعادتها ، وتأكيد مقتل ثلاثة آلاف من قوات الحكومة ، والانشقاقات في اللواء 47 . وفي 11 من الشهر نفسه صرح مصدر إخواني من "هونغ كونغ" [التي كانت قاعدة بريطانية آنذاك!!] أن إذاعة حلب سقطت بأيدي الثوار . وفي باريس صرح مصدر أخواني ، نقلا عن مصدر في بون، أن 3000 إلى 4000 مقاتل من الجيش انضموا إلى الثورة الإسلامية في حماة ، بينما أضاف مصدر أخواني من فيينا في النمسا أن ألفي جندي قتلوا و ثلاثة آلاف جرحوا ، وأن القتال انتشر إلى دمشق واللاذقية وحلب والمناطق الشرقي من سوريا! [غني عن البيان أن هذا كان في معظمه كذبا ودجلا. فالمعارك التي كانوا يتحدثون عنها مجرد مواجهات محدودة بين مجموعات صغيرة من المسلحين والأجهزة الأمنية. فهم ، بوصفهم أكبر مجموعة دجل عرفها التاريخ البشري، إذا استثنينا جهاز «غوبلز» النازي، اعتمدوا دائما على سياسة التوريط!]. وفي 14 من الشهر نفسه ، صرح مصدر أخواني من تركيا بأن قطاعات كبيرة من طريق دمشق ـ حمص ـ حلب أصبحت تحت سيطرة الثورة الإسلامية [في الواقع، كما تقول الوثيقةـ كان الطريق مفتوحاً تماماً أمام حركة المرور منذ 11 من الشهر، ولم يكن صحيحاً ما قالوه]. وفي 15 من الشهر أعلنت إذاعة "لبنان الحر" (القواتية) أن خمسة آلاف جندي هربوا إلى لبنان . لكن في الواقع ، وبخلاف أكاذيبهم كما تقول الوثيقة نفسها، كانت الحكومة استعادت أغلب مدينة حماة في ذلك التاريخ، وكان المسلحون الإسلاميون تشتتوا في نقاط متفرقة من المدينة القديمة في حماة. وقد استمرت بروباجندا الأخوان رغم ذلك ، حيث دعا سعيد حوا في 16 من الشهر نفسه،عبر "صوت سوريا" من بغداد، إلى الجهاد في كل سوريا ، معلنا أن الجهاد "فرض على كل سوري قادر على حمل السلاح". كما وأعلن عن عصيان مدني مفتوح إلى حين سقوط حكومة الأسد. وفي العشرين من الشهر دعت الإذاعة نفسها الشعب السوري إلى التوحد بوجه الأسد ، وأشارت إلى أن "القيادة الدينية" في سوريا (مشايخ الأخوان)أصدرت فتوى تحرم على أي مسلم دفع الضرائب للحكومة. وفي 25 من الشهرنفسه نقلت صحيفة "كرستيان ساينس مونيتور" الأميركية بيانا عن جماعة الأخوان المسلمين زعمت فيه أن "الجبهة الإسلامية" سيطرت على القاعدة البحرية شمال اللاذقية ( قاعدة "مينة البيضا") ، وأنها أصبحت تملك غواصتين [لم يكن يومها في البحرية السورية أية غواصات!!].وتقول الوثيقة "رغم كل هذه البروباجندا ، لم ينتشر العصيان إلى خارج حماة، باستثناء بعض عمليات التفجير في دمشق وأماكن أخرى"!
النتائج:
تقدر الوثيقة عدد القتلى والضحايا في مدينة حماة ، بخلاف جميع الأكاذيب المتداولة منذ ذلك التاريخ حتى اليوم، بحوالي ألفي قتيل فقط من جميع الأفرقاء ( السلطة، الأخوان، المدنيين)، منهم ما بين 300 إلى 400 من نخبة قوات الأخوان المسلمين، وهو ما يعادل ثلث مسلحيهم في عموم أنحاء سوريا. ومن الناحية العسكرية، تمكنت الحكومة من إلحاق هزيمة بالمتطرفين السلفيين الذين سيحتاجون بضع سنوات قبل أن يستعيدوا قوتهم ويتمكنوا من تحدي الحكومة مرة أخرى. وقد وفر العصيان مبررات قوية للرئيس الأسد لتمشيط حماة وتصفية قواعد الأخوان المسلمين فيها. لكن، ومن ناحية أخرى، أثبت الأخوان المسلمون قدرتهم على شن حملة معقدة من بروباجندا الأكاذيب ومن العمليات العسكرية، فضلا عن توسيع الهوة بين نظام الأسد وأغلبية السوريين، وإن لفترة قصيرة. إضافة لذلك، تتابع الوثيقة، كانت قيادة الأخوان المسلمين تدرك تماما أن النظام لن يتمكن من السيطرة على حماة ، وإذا لم يستطع سحق تمردها ، فيمكن تطويره إلى عصيان شامل. بالمقابل، أدى الاستخدام المنفلت للمدفعية في عملية سحق المقاومة في حماة إلى تحذير المدن الأخرى من أن لدى الأسد القدرة والإرادة على البقاء في السلطة. ومن ناحية ثانية، وأخذا بالاعتبار المعطيات نفسها، فإن أفعال الحكومة روعت قطاعا واسعا من المجتمع السوري. مع ذلك، تقول الوثيقة، لا تزال استراتيجية الأسد مستمرة في الاعتماد على واقع أن السوريين في أغلبيتهم لا يدعمون وصول الأخوان المسلمين إلى السلطة مهما اختلفوا مع الحكومة ، وحتى لو فضلوا رئيسا مسلما سنيا. كما أثبت الوقائع أن السوريين عمليون ويفضلون الاستقرار الذي يضمنه الأسد ، والذي لم يحظوا به منذ الاستقلال في العام 1946 . لكن هذا لا يعني أن الأسد يتمتع بدعم شعبي.وتعتقد الوثيقة أن الشعبية لم تكن في السابق شرطا للوصول إلى الرئاسة في سوريا ، فالقدرة على السيطرة على الجيش وعلى استخدامه عند الحاجة كانت ولا تزال أكثر أهمية بكثير. وقد أثبت الأسد مقدرته على التحكم بالجيش واستخدام القوة عند الحاجة ، مع توجيه اللوم إلى الأخوان المسلمين على تسببهم بما جرى وتحميلهم مسؤولية تدمير أجزاء من حماة. مع ذلك،لا يزال الأخوان المسلمون مصممين على خوض صراعهم المسلح ضد الحكومة "البعثية ـ العلوية" . كما أن النظام العراقي يبدو مصمما هو الآخر على دعم الأنشطة المناوئة للأسد ، وقد يستمر في دعم الأخوان المسلمين. أما المنشقون السوريون فسيبقى "أسلوب عملهم" Modus Operandi هو الإرهاب ، لاسيما التفجير والاغتيالات. وسيبقى الأسد هدفا للاغتيال سواء من قبل الأخوان المسلمين أو المنشقين العلويين. بالمقابل، ستستمر أجهزة الأمن في حملتها لاجتثاث البنية التحتية للأخوان المسلمين أو قصم ظهرها ، داخل سوريا وخارجها.ولهذا فإن الحرب بين الطرفين ، المعلن منها والخفي، لن تتوقف حتى لو شهدت فترات من الهدنة بينهما.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) ـ ملاحظة من المترجم : عمدت الجهة المعنية ( الأرشيف الوطني الأميركي) إلى شطب فقرات عديدة من الوثيقة. ويتضح من السياق أن المحذوف يتضمن أسماء وجهات أمنية أمريكية وغير أميركية أعدت الوثيقة ، فضلا عن برقيات أمنية شكلت أساسا لها ، وجرى الإشارة إليها برموز أرشيفية.





