Thursday, 2 April 2026

 إعادة إنتاج «الأفغنة» الأميركية على الأرض السورية:

معلومات مؤكدة عن تدشين خط تواصل بين وكالة المخابرات المركزية و العصابات السلفية في السورية التي يمثلها عميل عريق للمخابرات البريطانية يدعى «لبيب النحاس»

هل تلجأ الولايات المتحدة إلى استخدام الأسلحة الكيميائية  واتهام النظام بذلك لتجريد سوريا من «برنامج السلاح الكيميائي»!؟

مفارقة تاريخية : المخابرات البريطانية أنشأت «غرفة عمليات» في الفيلا التي كان يسكنها الثائر الأممي «ليون تروتسكي» في جزيرة « بيوكادا » التركية لنقل السلاح من ليبيا إلى سوريا بالتنسيق مع ... «برهان غليون»!

ــــــــــــــــــــــــ

انتشرت خلال الأيام  القليلة الماضية مقابلة مع المدعو«لبيب نحاس» ، وهو أحد مؤسسي حركة «أحرار الشام» السلفية المرتبطة بتنظيم «القاعدة». وقد اعترف المذكور باتصالاته مع وكالة المخابرات المركزية ، وأنه كان يلتقي مسؤوليها ( دون أن يسميهم، ربما لأنه لم يكن يعرف هويتهم الحقيقية؟)  في تركيا والولايات المتحدة بصفته «مسؤول العلاقات الخارجية» في التنظيم الإرهابي المذكور. أما أنا فقد حددت منذ العام 2012 من كان يتواصل معه على أنه «مايكل داندرياMichael D'Andrea » الملقب بـ «آية الله مايك» بسبب عمله على ملف إيران و «حزب الله»، لاسيما الاغتيالات التي طالت علماء إيران وملاحقة قيادات «الحزب» من أجل اغتيالهم ( على الأرجح هو من قاد عملية اغتيال «عماد مغنية» في دمشق بالتعاون مع «الموساد» و العميد الجاسوس «محمد سليمان»).

   أواخر العام 2012، وتحديداً في 25 ديسمبر منه، نشرت على موقعنا الإخباري SyriaTruthتقريراً عما كانت تقوم به المخابرات البريطانية والأميركية لتسليح المنظمات السلفية السورية ، وربما  لارتكاب جرائم بالأسلحة الكيميائية من بقايا ترسانة الجيش الليبي السابق من أجل اتهام النظام السوري بها بهدف تجريد سوريا من برنامج السلاح الكيميائي. وهو ما حصل بالفعل في العام التالي ( في «غوطة دمشق»).

   في ذلك الحين كنت  أتعاون مع صحفي التحقيقات الأميركي الأكثر شهرة في عصرنا، الصديق «سيمور هيرش»، من أجل إعداد تحقيقات حول ما تقوم به أجهزة الاستخبارات الغربية في سوريا من أجل سرقة انتفاضة الشعب السوري وتحويلها إلى «ثورة» لوكالة المخابرات المركزية والمخابرات البريطانية، ثم استخدامها لتغيير الخرائط الجيوسياسية في المنطقة. وفي التقرير المذكور لم أذكر اسمه الكامل، بل الأحرف الأولى منه « س. م. هـ»  (سيمور مايرون هيرش). أما الآن فأصبح هذا ممكناً بعدما اعتزل العمل الصحفي لأسباب صحية ولتقدمه في السن وتقاعده.

  خريف العام 2012 توصلت من ناحيتي إلى معلومات خطيرة عن طريق أحد أعضاء الكتلة النيابية في البرلمان البريطاني من «حزب العمال»، فنشرتها ضمن هذا التقرير، وأعطيت ما لم أنشره منها إلى «هيرش»، الذي ضمّنه لاحقاً في تحقيقه «الخط الأحمر وخط الفئران» في مجلة «لندن ريفيو أوف بوكس» (17 أبريل 2014).

   أحد محاور تقريري آنذاك ما يتعلق بـ «لبيب نحاس»، وكيف أرسلته المخابرات البريطانية إلى سوريا منذ العام 2010 ( قبل اندلاع الانتفاضة الشعبية بحوالي عام كامل). وفي حمص تعاون مع شركات «آل الأخرس»، ومع كلبة المخابرات البريطانية «أسماء الأخرس»، بل ومع محافظ  حمص «إياد غزال» و رئيس فرع المخابرات العسكرية العميد «محمد زمريني» ( الذي كان أصلاً يتعاون مع ضباط المخابرات الإسرائيلية منذ أن كان برتبة نقيب في «الفرع 220» / فرع أمن الجبهة / فرع سعسع).

التقرير نشرته أيضاً على صفحتي القديمة في «فيسبوك»، التي أزيلت من الشبكة بتاريخ 17 آب / أغسطس 2025 . ونظراً  لزوال موقعنا مطلع العام 2015 ، ثم صفحتي، هنا نصه الكامل . وتوجد عنه صورة منشورة جانباً( لقراءة نصه الأصلي واضحاً، لا بد من تحميله كصورة). 

ـــــــــــــــــــــــــــــ

من أجل تصفح الصور والروابط بالحجم الحقيقي، يرجى النقر عليها. 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

الحقيقة، خاص من ( ن.ع.ن): علمتُ اليوم، في إطار التعاون بيني وبين الصحفي الأميركي « س. م . هـ»، أن وكالة المخابرات المركزية  دشنت خط تواصل مع العصابات الإسلامية التي ركبت انتفاضة الشعب السوري منذ صيف العام الماضي، وأنها تبحث - بتكليف من الرئيس «أوباما» و مدير وكالة المخابرات المركزية الجديد « مايكل مورل Michael Morell»- خطوات عملية لتزويدها بالسلاح من خلال ليبيا وأوربا الوسطى ( دول البلقان). وطبقاً لمصدر بريطاني واسع الاطلاع من الكتلة النيابية التابعة لـ «حزب العمال البريطاني»، فإن هذا التواصل بدأ عملياً قبل بضعة أشهر من قبل مدير «الوكالة» السابق « ديفيد بترايوسDavid Petraeus»، الذي استقال أوائل الشهر الماضي لأسباب صحية ( بعد اكتشاف إصابته بالسرطان).

  وبحسب المصدر، فإن إدارة «أوباما» أسندت مهمة تسليح العصابات السلفية السورية لـ «بترايوس» بسبب خبرته معها في العراق حيث كان قائداً لقوات التحالف الدولي هناك، وتمكنه من نسج علاقات وثيقة مع بعض قادتها العراقيين والعرب الآخرين المعتقلين في سجنَيْ «بوكا» و «أبو غريب»، أمثال « أبو محمد الجولاني» ، المجهولة هويته حتى الآن، والذي يتزعم تنظيم «جبهة النصرة لأهل الشام» (فرع «القاعدة» في سوريا) منذ الإعلان عنه رسمياً مطلع العام الحالي . وقد تمكن «بترايوس» بالفعل من تجنيد العديد منهم على قاعدة أن « مصالحهم كممثلين للإسلام السني تتقاطع مع الولايات المتحدة في محاربة الشيعة و محور الهلال الشيعي في المنطقة» (إيران، حزب الله، النظام السوري ، وفق التسمية التي أطلقها الملك الأردني «عبد الله الثاني» قبل بضع سنوات).

   وطبقاً للمصدر، فإن السفير البريطاني في دمشق « سايمون كوليس»  ونظيره الأميركي « روبرت فورد»، اللذين غادرا سوريا  تباعاً (نهاية العام الماضي ومطع هذا العام(، يعملان الآن على برنامج التسليح الذي وضعته المخابرات البريطانية من خلال ضابطها العتيق «جوناثان باول Jonathan Powell» وشركة الواجهة التي أنشأها العام الماضي لهذا الغرض تحت اسم «إنترميدييت Inter-Mediate». أما قناة الاتصال مع الجماعات السلفية السورية فيتولاها من طرف هذه الجماعات مهندس حمصي يدعى «لبيب نحاس»، بينما يتولاها من وكالة المخابرات المركزية «مايكل داندريا Michael D'Andrea »، مسؤول عمليات الشرق الأوسط في الوكالة، والذي يُعِدّ الآن لـ «اجتماع عمل»  بين «الوكالة» و «المخابرات التركية» و «المخابرات البريطانية» في أنقرة قريباً. وبحسب المصدر البريطاني، فقد دعي «لبيب نحاس» للمشاركة فيه، إلى  جانب عدد من المرتبطين بـتنظيم «القاعدة» والمخابرات السورية حتى العام 2007، ممن كان النظام أطلق سراحهم في أربعة «مراسيم عفو» متتالية ربيع العام الماضي (لعل أشهرهم : حسان عبود/ أبو عبد الله الحموي، متزعم «كتائب أحرار الشام» في ريف حماة ورفيقه محمد يزن الشامي؛ و زهران علوش، متزعم «لواء الإسلام» في ريف دمشق؛ وأحمد عيسى الشيخ/ متزعم «لواء صقور الشام» ...إلخ) .

وكانت المخابرات البريطانية جندت «لبيب نحاس» منذ أن كان طالب هندسة في «جامعة برمنغهام» أواسط  تسعينيات القرن الماضي ( مواليد حوالي العام 1975 لأب سوري وأم إسبانية). والأمر المثير هو أن المخابرات البريطانية، كما يقول المصدر، أرسلته إلى سوريا منذ حوالي ثلاث سنوات حيث عمل مع مافيا «آل الأخرس» لا سيما زميلته - كلبة المخابرات البريطانية - «أسماء الأسد» . لكن الأكثر إثارة في الأمر هو أنه نسج - بتدبير من «أسماء» - «علاقات عمل» مع رئيس «الفرع 261» في المخابرات العسكرية (فرع حمص) ، العميد «محمد زمريني» حتى اعتقال هذا الأخير في أيلول/ سبتمبر من العام الماضي مع حوالي ثمانين ضابطاً و عنصراً  من عناصره ومخبريه، بالإضافة إلى المحافظ « إياد غزال » بعد ضبطهم متورطين في تهريب السلاح من لبنان بالتعاون مع العميد المجرم « وسام الحسن» ، رئيس «فرع المعلومات» في قوى الأمن الداخلي اللبناني، الذي اغتيل في بيروت بسيارة مفخخة قبل شهرين، والذي كان تواطأ في عملية اغتيال «رفيق الحريري» على يد تنظيم «القاعدة» ( وفق تحقيقات لجنة التحقيق الدولية الخاصة بلبنان)! وكانت «أسماء الأخرس» سارعت إلى إطلاق سراح «غزال» و «زمريني» فور اعتقالهما، حيث أخرجت الأول من مطار دمشق إلى «دبي» مع حقائب تحتوي خمسين مليون دولار كاش من حساب رئاسة الجمهورية في «مصرف سوريا المركزي» بحراسة ضباط من «الحرس الجمهوري» (رغم أنه كان في الإقامة الجبرية المنزلية وممنوعاً من السفر بأمر رئيس مكتب الأمن القومي هشام الاختيار)، وأرغمت بعلها «بشار الأسد» على تعيين الثاني، «محمد زمريني»، رئيساً لفرع التدريب في المخابرات العسكرية، رغم أنه متهم بالتجسس منذ أن كان برتبة نقيب في «الفرع 220» ( فرع سعسع / فرع أمن الجبهة) ، حيث كان يتاجر بالممنوعات - عبر مهربين - مع ضباط جيش الاحتلال الإسرائيلي على الطرف الآخر من خط وقف إطلاق النار! وبفضل عائدات هذه التجارة اشترى مساحات هائلة من الأراضي الزراعية في ريف دمشق الجنوبي، فضلاً عن بلدته الأصلية ( في ريف طرطوس).

تفاصيل برنامج التسليح:

وفق المعلومات  المؤكدة التي حصلنا عليها، فإن  برنامج تسليح المجموعات السلفية السورية سيجري تمويله من قبل دول الخليج، لاسيما قطر والسعودية والإمارات العربية. وفي هذا السياق كشف المصدر أن الإمارات العربية أرسلت العميل الإسرائيلي «محمد دحلان»، المستشار الأمني لولي عهد «أبو ظبي»، «محمد بن زايد»، إلى دول البلقان ( صربيا، البوسنة والهرتسك، ألبانيا)، بالإضافة إلى بلغاريا، لافتتاح مكاتب هناك تحت عناوين «شركات تجارية» من أجل شراء السلاح الشرقي،الفردي والمتوسط، ونقله إلى سوريا عبر الأردن وتركيا ولبنان. وكانت فرنسا أرسلت «برهان غليون»، عميل مخابراتها الخارجية، إلى ليبيا من أجل الموضوع نفسه فور تعيينه رئيساً لـ «المجلس الوطني السوري»  العام الماضي، حيث اجتمع مع الأخونجي «مصطفى عبد الجليل»، رئيس «المجلس الوطني الليبي»، قبل أن يتسلم منه السفارة السورية في طرابلس! وربما من غير المعلوم لعامة الناس أن المخابرات الفرنسية كانت عينت «برهان غليون» مستشاراً لـ «عباسي مدني»، رئيس «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» في الجزائر، التي كانت تدمّر الجزائر وتقطع الرؤوس خلال فترة «العشرية السوداء» (1991 - 2002)! ويومها تمكن «غليون» من نسج علاقات واسعة مع «العائدين من أفغانستان»  بمساعدة صديقه اليهودي – الصهيوني « برنار هنري ليفي» ، الذي كان أحد المشرفين على برنامج وكالة المخابرات المركزية الأميركية في تسليح العصابات الأفغانية و إنشاء محطات إذاعية لها  إلى جانب زميليه وصديقيه اليهوديين – الصهيونيين الفرنسيين « برنار كوشنير» ( أصبح وزير الصحة الفرنسية لاحقاً) و « ألكسندر أدلر Alexandre Adler» ( مستشار «المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا»).

 و ... جرائم بالسلاح الكيميائي انطلاقاً من منزل... «تروتسكي»!!؟


لكن ما يُخشى منه، وفق المصدر، هو أن يقوم الإرهابيون السلفيون باستخدام السلاح الكيميائي لارتكاب جرائم قتل جماعي على الأراضي السورية واتهام النظام السوري بها من أجل خلق ذريعة لتجريد سوريا من برنامج السلاح الكيميائي. وفي هذا السياق، ذكر المصدر أن أكثر ما يخشى منه هو أن يقوم الأميركيون و/أو البريطانيون بنقل ذخائر كيميائية من ترسانة الجيش الليبي السابق إلى تركيا عبر جزيرة « بيوكادا 
Büyükada
» في «بحر مرمرة»، التي تعتبر مقر «غرفة عمليات خلفية» للمخابرات البريطانية ، بالتعاون مع المخابرات التركية. ومن المفارقات التاريخية المذهلة هو أن الفيلا التي كان يسكنها الثائر الأممي الكبير «ليون تروتسكي» خلال الفترة (1929-1933) بعد نفيه من الاتحاد السوفييتي، وهي تقع على الشاطىء  الشمالي الغربي لهذه الجزيرة، أصبحت مقراً لغرفة العمليات المذكورة حيث يقيم ضابط مخابرات بريطاني يدعى «
جيمس لوميسورييه   James Le Mesurier » مع زوجته «إيما  وينبيرغ Emma Winberg » (1) ، التي تعمل موظفة في محطة المخابرات البريطانية في دمشق، رغم أنها من أصول هولندية! وكان «لوميسورييه» يشرف - بالشراكة مع شركة اتصالات إسرائيلية - على إنشاء شبكة الكاميرات الخفية في الإمارات العربية ( «مشروع بيغ برذر» الإماراتي UAE Big Brother Project) قبل نقله إلى تركيا من أجل العمل إنشاء منظمة «دفاع مدني» تابعة لـ «جبهة النصرة»!!! 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ـ من المعلوم أن «جيمس لوميسورييه» قتل لاحقاً ( نوفمبر 2019) في استانبول في ظروف غامضة. وقد جرى طي ملفه من قبل القضاء التركي بطلب من المخابرات البريطانية، بعد أن اتُّهمت زوجتُه بإلقائه من الطابق الثالث في مكتب «الخوذ البيضاء» في استانبول لصالح المخابرات البريطانية. وتشير جميع المصادر البريطانية التي تواصلت معها خلال جمعي لمواد كتاب «عشرة أيام هزت بلاد الشام ...» إلى أن تصفيته حصلت على خلفية تأسيسه «الخوذ البيضاء» بالاشتراك مع عميل المخابرات البريطانية «رائد صالح» ( وزير الطوارىء في عصابة «الجولاني» حالياً) ونقله قذائف السلاح الكيميائي من ليبيا إلى «جبهة النصرة» في سوريا.

Saturday, 28 March 2026

 في ذكرى الاغتيال الأميركي - الإسرائيلي - الصّدامي لـ «وديع حداد» (28  مارس 1978)

وثيقة ألمانية جديدة تنشر للمرة الأولى: وديع حداد كان يلتقي الخميني في النجف متنكراً بزي رجل دين شيعي لبناني

هل أقدم «صدّام» على اغتيال «حداد» لحساب الإسرائيليين والأميركيين بسبب «رسالة الابتزاز» التي أرسلها له الألمان الشرقيون خلال حرب أكتوبر 1973، أم بسبب اكتشافه لقاءاته السرية مع «الخميني» في «النجف» وتدريب المعارضة الإيرانية!؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) من أجل تصفح أوضح وبالحجم الأصلي، يرجى النقر على الصور والروابط. 

ـــــــــــــــــــــــــ

   منذ أن حصلتُ على ملف القائد الشهيد وديع حداد من ماركوس فولف قبل نحو عشرين عاماً، والذي يحتوي على 46 صفحة متنوعة الموضوعات، بقي سؤال واحد يحيرني ولم أستطع الجزم بأمره : هل كان اغتياله ربيع العام 1978 بسبب «رسالة الابتزاز» التي نقلها من ماركوس فولف إلى صدام حسين خلال حرب أكتوبر، أم بسبب لقاءاته السرية مع الإمام الخميني في «النجف» اعتباراً من مطلع العام 1974، و تدريبه المعارضين الإيرانيين من «فدائيين خلق»، كما نستنتج من الوثيقة التي أنشرها اليوم للمرة الأولى!؟

   من سوء الحظ أن فولف نفسه لم يستطع إعطائي جواباً حاسماً حين سألته عن الأمر، لكنه رجّح ما جاء في التقرير الذي رفعه  في سبتمبر 1978إلى وزير أمن الدولة إريش ميلكه، وهو انتقام صدام حسين منه بسبب قصة «الرسالة مغفلة التوقيع» التي سآتي إلى ذكرها أدناه.

    من المعلوم، وفق أرشيفه الذي اعتمدت عليه خلال تحرير وترجمة الجزء الأول من «داخل الكريملن خلال حرب أكتوبر»، أن صدام حسين، الذي جندته وكالة المخابرات المركزية بالتعاون مع مخابرات جمال عبد الناصر لاغتيال عبد الكريم قاسم في أكتوبر 1959، كان يرفض إرسال قوات عراقية إلى الجبهة السورية للمشاركة في القتال، بخلاف الرئيس أحمد حسن البكر، الذي كان متحمساً جداً لهذا الأمر، ولكنه كان أصبح رئيساً شبه صوري بعد سنوات قليلة فقط من انقلابهم الذي أعادهم إلى السلطة في العام 1968، ولا يملك من قراره شيئاً كما بات معلوماً.


   في ذلك الحين، وبعد أن تدهور الوضع على الجبهة السورية نتيجة الرسالة التي نقلها محمد حسنين هيكل يوم 7 أكتوبر إلى الإسرائيليين عبر كيسنجر و رئيس محطة وكالة المخابرات المركزية في القاهرة، آرثر مارش ناينر ، ونتيجة لفخ الخديعة الذي نصبه السادات و وزير دفاعه أحمد اسماعيل علي ورئيس أركانه القذر سعد الدين الشاذلي  لشريكهم في الحرب حافظ الأسد، لم يبق أحد من الزعماء العرب الداعمين لمصر وسوريا في حربهما، فضلاً عن أصدقائهم في العالم،إلا وطلب من العراق إرسال قوات إلى الجبهة السورية(1). إلا أن صدام - وبناء على توجيهات مشغليه الأميركيين - كان يرفض ذلك بذريعة «أن مصلحة العراق تقتضي هزيمة الجيش السوري في الحرب، لأن ذلك سيساعدنا على إطاحة حافظ الأسد، ولأن انتصاره  سيصب في صالح تكريسه زعيماً في المنطقة والعالم العربي، وبالتالي في  صالح طائفته العلوية». وكانت تلك هي المرة الأولى التي يسمع فيها سفراء أوربا الشرقية في بغداد بهذه النبرة الطائفية المقززة في الصراع بين النظامين البعثيين في سوريا والعراق، كما نقلوا في برقياتهم إلى حكوماتهم!

     بعد أن فشل الجميع في إقناع صدام بالقبول، تدخل رجل المخابرات الأسطوري ماركوس فولف وطلب من وديع حداد وأحد ضباط القوى الجوية العراقية، الذي كان يتعاون مع جهازه منذ دراسته العسكرية في أكاديمية القوى الجوية في «برلين الشرقية» في العام 1969، أن ينقلا - بطريقة سرية - «رسالة مغفلة من إسم المرسل» إلى صدام حسين عبر رئيس مخابراته سعدون شاكر المفرجي. وقد تضمنت الرسالة إنذاراً له بوجوب موافقته على إرسال القوات البرية والجوية المطلوبة خلال 24 ساعة، وإلا فإن ملفه الاستخباري المتعلق بعمله مع وكالة المخابرات المركزية منذ العام 1959 سيجري تسريبه إلى كبرى الصحف العربية والعالمية، فضلاً عن موافقته على افتتاح محطة لوكالة المخابرات المركزية في بغداد منذ العام 1972دون علم الرئيس البكر ورفاقه الآخرين. ويومها حصل صِدام كبير بين صدام و السفير السوفييتي المفوض فوق العادة في بغداد ، فنيامين ليخاتشوف Вениамин Лихачёв ، لأنه ظنّ أن السفارة السوفييتية هي من يقف وراء الرسالة المُغْفلة ، رغم أنها كانت «مثل الأطرش في الزفة» لا تعلم من أمرها شيئاً،كما تبين من التحقيقات التي أجرتها وزارة الخارجية السوفييتية.كما شك يومها بالمصريين أنفسهم، على اعتبار أن المخابرات الحربية المصرية هي التي تعرف تفاصيل ذلك منذ أن هربته في العام 1959 من العراق إلى مصر، عبر سوريا ولبنان، بالتعاون مع «الوكالة». كما أن المخابرات الحربية المصرية كانت تعلم أيضاً منذ تهريبه إلى القاهرة تفاصيل قبضه مرتباته الشهرية من محطة «الوكالة» في القاهرة. وكان هذا أمراً طبيعياً بالنسبة للمصريين آنذاك، لأن ناصر كان لا يزال يعيش شهر عسله الأحلى والأشهى مع «الوكالة» لمحاربة الشيوعية في العالم العربي والشرق الأوسط وأفريقيا. ولأن صدام كان يعرف صحة ودقة المعلومات الواردة في الرسالة المغفلة أكثر من أي شخص آخر، لم يكن أمامه سوى الإذعان والموافقة على إرسال القوات العراقية المطلوبة إلى الجبهة السورية. لكنه، وبسبب نذالته وخسته المعروفتين، أقدم على إبلاغ محطة «الوكالة» في بغداد بحجم القوات التي سيجري إرسالها وتوقيت ومسار تحركها. فقام الأميركيون بإبلاغ الإسرائيليين بهذه المعلومات، مما مكن هؤلاء من استهدافها بالقصف الجوي وهي تعبر الحدود العراقية - السورية في منطقة «التنف». إلا أن ذلك لم يمنعها من الوصول إلى الجبهة السورية ومشاركتها الفعالة في الحرب (2).

    في وثيقة أخرى من «ملف حداد» تقع في ست صفحات وتحمل تاريخ 28 سبتمبر 1978، وهي خلاصة التحقيق الذي أجرته مخابرات ألمانيا الشرقية حول ظروف وأسرار اغتيال حداد بالسم البيولوجي من قبل صدام حسين لصالح مستشار الأمن القومي الأميركي زبغنيو بريجنسكي، والموساد من خلاله، نقرأ أن القائم بالأعمال الأميركي في بغداد ديفيد لايل ماك David Lyle Mack ، وبعد تقديم أوراق اعتماده في أيار / مايو 1977 ، أبلغ مضيفه صدام حسين بأن «وديع حداد هو الشخص الذي وقف وراء إيصال / رسالة الابتزاز/ من مخابرات ألمانيا الشرقية خلال حرب أكتوبر». وعندها فقد صدام صوابه وقال لضيفه الديبلوماسي الأميركي غاضباً «يقيم في بيتنا ضيفاً ويخوننا مع الشيوعيين؟ ألا يعرف أن جزاء الخائن في التقاليد العربية هو القتل؟».  وحين شاهد ديفيد ماك ردة فعل صدام، عرض عليه تصفية وديع حداد. لكن صدام استمهله «لكي يستشير رفاقه» كما قال. وبتاريخ 7 تموز / يوليو  استدعى ديفيد ماك وأبلغه باستعداده لتصفيته، ولكن ضمن ظروف معينه جرى الاتفاق عليها في حينه، بحيث تكون بالسم البيولوجي الذي جرى إحضاره من «معهد وايزمان للبيولوجيا» في إسرائيل، الذي كان أحد أكثر الأماكن سرية في العالم إلى حين تدميره مع 45 مختبراً من مختبراته من قبل الإيرانيين صيف العام الماضي ( تحديداً في 15 حزيران/ يونيو 2025 ، خلال حرب الـ 12 يوماً ).

    الوثائق الأخرى في «ملف حداد» تتعلق بلقاءات القائد الأسطوري المغدور، اعتباراً من مطلع العام 1974،  مع الإمام الخميني في مدينة «النجف» حيث كان هذا الأخير منفياً منذ  أكتوبر 1965حتى  أكتوبر 1978. ورغم وجود ثلاث وثائق في «الملف» تتعلق بلقاءات القائد المغدور مع الإمام و التعاون بينه وبين «المعارضة الإيرانية» آنذاك، إلا أنني لم أنتبه إليها إلا بعد سنوات من حصولي عليها، نظراً لانشغالي آنذاك بوثائق «أرشيف فولف» الأخرى، المتعلقة حصراً بحرب تشرين / أكتوبر 1973، حين كنت غارقاً في تحرير وترجمة كتاب «داخل الكريملن خلال حرب أكتوبر». وبعد أن انتبهت إليها وخططت للحديث عنها بمناسبة استشهاده، كنت أنشغل بقضايا عرَضية أو بوضعي الصحي، فتمر المناسبة دون أن أفعل. لكني هذه المرة قررت الحديث عن الموضوع مهما يكن من أمر، خصوصاً  وأننا نعيش مواجهة «وجودية» بين النظام الذي أسسه الإمام و بين إسرائيل وحلفائها الأميركيين والعرب الصهاينة، وأن تلك اللقاءات مجهولة تماماً حتى بالنسبة لرفاقه في «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، إذا استثنينا الرعيل الأول المؤسِّس ممن كان الاطلاع على القضايا الأمنية والعسكرية الحساسة محصوراً بهم وحدهم في ذلك الحين ( جورج حبش، أبو أحمد فؤاد، أحمد اليماني / أبو ماهر، وشقيقه ماهر الذي رحل عنا في العام 2019، والذي كان الأقرب إلى حداد والأكثر اطلاعاً على أعماله الأمنية والعسكرية وارتباطاً بها..). وقد رحل هؤلاء جميعاً دون أن يذكروا شيئاً عن ذلك لأسباب مفهومة. وهو ما فعله أيضاً أولئك الذين ألّـفوا كتباً ، جدية (أو سخيفة ذات طابع ارتزاقي غالباً)، عن وديع حداد. ورغم أن «الملف» يتضمن خلاصة التحقيق الطبي/الجنائي والمخابراتي في قضية تسميم واغتيال حداد (6 صفحات)، فضلاً عن تقرير الطبيب الشرعي العبقري والأعظم في عصرنا، أوتو بروكوب Otto Prokop، والذي لم أنشره حتى اليوم، رغم نشري خلاصة موجزة جداً عن محتواه في مناسبات مختلفة، فإن الوثائق المتعلقة بلقاءات حداد مع الإمام الخميني لا تقل أهمية، نظراً لارتباطها بمرحلة تاريخية بالغة الحساسية وتكاد تكون مجهولة تماماً بالنسبة للأجيال الحالية، وحتى للأجيال السابقة، لاسيما ما يتعلق منها بالتعاون الأمني والعسكري بين المعارضة الإيرانية للشاه آنذاك (الدينية منها والعلمانية / اليسارية)، وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية ، لاسيما «الشعبية» و «فتح» (3).

  واحدة من الوثائق الثلاث، وهي تقرير رفعه سفير ألمانيا الديمقراطية في بغداد غونتر شورات Günter Schurath مطلع تموز/ يوليو  1974 إلى رئيسه وزير الخارجية أوتو فيزنر( منشورة جانباً ومترجمة نهاية هذا المقال) ، تكشف أن حداد كان يلتقي الإمام  الخميني في «النجف»، منتحلاً صفة رجل دين شيعي لبناني! وحين يسأله السفير عما إذا كانوا يعرفون هويته الحقيقية، يجيب بأن الخميني وحده كان يعرف ذلك، أما الآخرون المحيطون به من مساعديه فلم يكونوا يعرفونه. 

  كان اسم وديع حداد المشفّر في السجلات الألمانية هو «زانفتر شميت Sanfter Schmied ( = الحداد اللطيف أو الوديع). وهو «جَرْمَنة» حرفيه معكوسة لاسمه بالعربية. أما الاسم المشفر الآخر الذي كان يستخدمه في مراسلاته مع فولف وضباطه فكان «فيرشبريخن  Versprechen » الذي يعني«وعد» بالألمانية (كان حداد يستخدم في مراسلاته معهم مرادفه الإنكليزي ، أي Promise ). ولذلك نرى الاسمين على ملفه، وبين قوسين الحرفين الأولين من اسمه الحقيقي ( W.H.)، إلى جانب وصفه في حقل المهنة كـ «طبيب وسياسي محترف».

   وبحسب التقرير، وكما يبدو، فإن رئيس محطة استخبارات ألمانيا الشرقية في العراق ، حضر اللقاء بين حداد والسفير . لكن ماركوس فولف عمد إلى طمس اسمه بالأسود قبل إعطائي الوثائق. وكان هذا من عوائده المعروفة، حيث كان يعمد إلى مسح أسماء ضباطه و «عملائه» حول العالم ، ممن كان يطلق عليهم تعبير «كشافة السلام»، إذا كانوا لمّا يزالوا مجهولين عند إعادة توحيد الألمانيتين خريف العام 1991. وبسبب ذلك حاولت وكالة المخابرات المركزية اختطافه صيف العام 1990 ونقله - بالتواطؤ مع مخابرات ألمانيا الغربية آنذاك - إلى «معسكر غوانتانامو» لانتزاع اعترافات منه  تحت التعذيب من أجل معرفة «عملائه» الذين خردقوا الولايات المتحدة ودول الحلف الأطلسي طولاً وعرضاً طوال سنوات «الحرب الباردة» ، لاسيما هوية «الكولونيل بريست» التي لا تزال مجهولة حتى اليوم . لكنه نجا من الاختطاف بفضل ذكائه الاستثنائي الذي اشتهر به.

   يُستفاد من تقرير السفير شورات أن لقاء حداد مع الإمام الخميني كان اللقاء الثاني منذ مجيء الأول إلى بغداد (في العام 1972)، لكنه اللقاء الأول الذي تباحث فيه الجانبان بشأن التعاون بين المعارضة الإيرانية للشاه، الدينية منها والوطنية، وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية، لاسيما «الشعبية» و «فتح».

  في هذا الاجتماع يذكر حداد أن معسكراته في لبنان واليمن الديمقراطية ( «معسكر جعار» شمال عدن) بدأت استقبال مقاتلين من منظمة «فدائيين خلق» ، بناء على اقتراح فولف و يينيكه (المقصود اللواء هورست يينكهHorst Jänicke  ، نائب فولف لشؤون العالم الثالث وحركات التحرر الوطني).وأنا في الواقع أعرف افتراضياً (عن بعد) اثنين من قادة «فدائيين خلق» هؤلاء، الذين تدربوا في معسكرات «الجبهة الشعبية»، وهما والد و والدة  صديقتنا الإيرانية الدكتورة لالـِه [توليب] خليلي، الأستاذة الآن في «جامعة إكستر» البريطانية. وقد ولدت لاله وقضت سنوات طفولتها الأولى في كنف جورج حبش وقادة الجبهة الشعبية في بيروت أواسط السبعينيات، ونشرتْ لاحقاً في بريطانيا عدداً من أفضل الكتب عن القضية الفلسطينية والصراع العربي - الإسرائيلي و القضايا الخليجية.

 على أي حال، خلال لقائه مع السفير أثنى حداد على «الدور المتميز الذي تلعبه جمهورية ألمانيا الديمقراطية إزاء الثورة الفلسطينية في مواجهة الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل، بخلاف بقية الدول الإشتركية الأخرى»، لكنه استثنى يوري أندروبوف (رئيس لجنة أمن الدولة في الاتحاد السوفييتي آنذاك) ومستشاره ألكسندر ساخاروفسكي Александр Сахаровский  (مدير المخابرات الخارجية السوفييتية خلال الفترة 1955-1971) من نقده للسوفييت، مشيراً إلى أنهما ««الوحيدان في القيادة السوفييتية اللذان تشبه مقاربتهما للقضية الفلسطينية وللحركة الصهيونية مقاربة جمهورية ألمانيا الديمقراطية، وينظران إلى الثورة الفلسطينية باعتبارها جزءاً عضوياً من حركات التحرر الوطني في العالم، ويشجعان الرفيق بريجينيف وأعضاء المكتب السياسي الآخرين على دعمها».  ولم يكن حداد مجانباً الصواب في ذلك. فمن المعلوم أن الموقف الرسمي للاتحاد السوفييتي من القضية الفلسطينية ظل - منذ لينين - صهيونياً بامتياز، ومطابقاً لرؤية «حزب الليكود» الإسرائيلي حتى سبعينيات القرن الماضي. بل إن الاتحاد السوفييتي كان أول من وضع خطة عملية لإقامة دولة يهودية في فلسطين، وفكر بتنفيذ إنزال  بحري من يهود الاتحاد السوفييتي على الشواطىء الفلسطينية صيف العام 1939 بهدف احتلالها واحتلال «الحامية البريطانية» في القدس المحتلة وإعلان قيام الدولة اليهودية، لكي تعترف بها موسكو مباشرة. إلا أن الغزو الألماني النازي لبولندا في سبتمبر 1939، واندلاع الحرب العالمية الثانية، أوقف المشروع. لكن السوفييت نفذوه لاحقاً بطرق أخرى، بعد أن وضعت الحرب العالمية أوزارها، حيث عمدوا إلى تسليح العصابات اليهودية بالطائرات والدبابات الألمانية والتشيكية من غنائم الحرب العالمية الثانية، فضلاً عن آلاف المتطوعين من «المحاربين البلاشفة القدماء»! وقد بقي الاتحاد السوفييتي - حتى صيف العام 1974- يرفض الاعتراف بوجود شعب فلسطيني، ويعتبر اللاجئين الفلسطينيين مجرد «مواطنين مصريين وأردنيين، يمكن حل قضيتهم بتوطينهم في مصر والأردن». وكانت أوربا الشرقية كلها، باستثناء ألمانيا الديمقراطية، تشاركه هذا الموقف. فألمانيا الديمقراطية ظلت الدولة الوحيدة في أوربا الشرقية التي لم تعترف بإسرائيل ولو لدقيقة واحدة، وترفض دفع تعويضات لإسرائيل عن جرائم النظام النازي ضد اليهود ( بعد توحيد ألمانيا، دفعت ألمانيا الموحدة جميع المبالغ التي كانت ألمانيا الديمقراطية ترفض دفعها لإسرائيل طوال أربعين عاماً، لاسيما منذ العام 1952، حين جرى توقيع «اتفاقية لوكسمبورغ» ، حتى زوالها ككيان سياسي في العام 1991!).

ما هو لافت للانتباه في برقية السفير شورات هو  انطباع حداد الشخصي عن الإمام الخميني. فقد وصف أفكاره السياسية والاجتماعية بأنها «نسخة إسلامية من [أفكار حركة]  لاهوت التحرير [الكاثوليكية]  في أميركا الجنوبية، لاسيما تفكير قائدها ومؤسسها الأب والفيلسوف اللاهوتي البيروفي غوستافو غوتيريز ميرينو دياز، لكنه أكثر جذرية منه فيما يتعلق بالولايات المتحدة والإمبريالية العالمية». ولاحظ حداد أن الأب غوستافو دياز يستخدم تعبير «الشيطان الأكبر» نفسه الذي يستخدمه الخميني في وصف الولايات المتحدة. كما وذكر أن الخميني «يحتقر» الحزب الشيوعي الإيراني / توده/ بسبب موقفه غير الوطني من حكومة الدكتور محمد مصدق التي أسقطها الأميركيون والبريطانيون من خلال انقلاب عميلهم الجنرال فضل الله زاهدي في العام 1953 وبسبب موقف الحزب من مسألة تأميم النفط. فقد كان الحزب الشيوعي الإيراني يرفض تأميمه لأن ستالين كان يريد أن يضع يده عليه ! لكن، وبالمقابل ، فإن الخميني يحترم بشدة منظمة (فدائيين خلق)، رغم انشقاقها عن الإسلام الشيعي وتبنيها الماركسية في مقاربتها للشؤون الوطنية والاستكبار العالمي / الإمبريالية.

ومن المعلوم أن منظمة «فدائيين خلق» ( فدائيو الشعب)، التي تأسست مطلع الخمسينيات، توصلت إلى مقاربات فكرية تدمج بين الماركسية و «الفكر الشيعي الكربلائي». وكانت بذلك الحركة  الفريدة من نوعها في العالم الإسلامي.

وفي تحليله للأوضاع الداخلية الإيرانية آنذاك (1974) ينقل حداد عن الإمام الخميني  تفاؤله بأن «هناك حركة غليان شديدة في المجتمع الإيراني، وإن الثورة الشعبية ضد نظام الشاه وإمكانية إطاحته و كنس  النفوذ الأميركي والبريطاني والإسرائيلي من إيران أصبحت كلها أقرب من أي وقت مضى، وربما لن يحتاج الأمر لأكثر من سنة أو سنتين». ويختم   السفير برقيته بالقول إن الرفيق الدكتور شميت [حداد] «ينصحنا بأن نستغل فرصة وجوده (أي وجود الخميني) في العراق لكي نفتح قناة اتصال معه لأن مستقبل إيران سيكون له ولأنصاره». 

   من الواضح أن قراءة القائد المغدور حداد كانت صائبة. أما تقديرات الخميني فلم تخطىء إلا بفارق عامين فقط في الحساب. فبعد أربع سنوات اندلعت الانتفاضة الشعبية الإيرانية غير المسبوقة في تاريخ «العالم الثالث» ، قبل أن تتمكن من إطاحة  الشاه ونظامه بعد عام على ذلك. ولعل خصوصيتها وفرادتها هي ما دعا مؤرخين ومفكرين كبار أمثال ميشيل فوكو، الذي كان مفتوناً بها، لأن يسميها «ثورة»، رغم أن الثورات انتهت منذ الثلث الأخير من القرن التاسع عشر،بعد توحيد السوق الرأسمالية العالمية، وأصبح مستحيلاً حصولها في أطراف النظام العالمي، وإنما في مركزه/ مراكزه فقط! ولكن هذه قضية أخرى. 

روابط ذات صلة :

ـ  الجذور التاريخية والفقهية لعلاقة الشيعة الإيرانيين بالقضية الفلسطينية وموقفهم من إسرائيل.

-  صورتان دفع الإيرانيون ثمنهما 10 تريليونات دولار و 47 عاماً من الحصار. 

ــــــــــــــــــــــــــ

هوامش :

(1)ـ كانت محطة مخابرات ألمانيا الشرقية، بفضل أجهزة التنصت التي زرعتها في السفارة الإسبانية في القاهرة ( المقر المؤقت للبعثة الديبلوماسية الأميركية) و في منزل آرثر ناينر، أول من علم بقصة برقية 7 أكتوبر ( راجع الوثيقة رقم 7 في كتاب « داخل الكريملن...»، ص 618) .وقد دققت هذه المعلومات مع آرثر مارش ناينر شخصياً في العام 2003، حين زرته في مزرعته التي اشتراها في ريف مدينة «بورغندي Burgundy» ، جنوب شرق فرنسا،  هو وزجته الفنانة التشكيلية الألمانية أورسولا هينش Ursula Hinsch، لكي يقضيا فيها حياتهما التقاعدية ويستقبلا فيها فنانين تشكيليين. وقد أكدا لي صحة  قصة الرسالة/ البرقية التي طلب هيكل نقلها من السادات إلى واشنطن، والتي تسببت في انعطافة «حرب تشرين / أكتوبر» كلياً، نظراً لأنها سمحت للجيش الإسرائيلي بنقل معظم قواته من الجبهة المصرية، فضلاً عن قواته الاحتياطية، إلى الجبهة السورية. فقد كانت الرسالة من سطر واحد فقط « ليس للجيش المصري أي خطة لتطوير هجومه في سيناء خارج الشريط الضيق الذي حرره على الضفة الشرقية للقناة». وعلى أي حال، اعترف كيسنجر نفسه بموضوع رسالة 7 أكتوبر، دون أن يشرح أية تفاصيل (الجزء الثاني من مذكراته:« سنوات القلاقل Years of Upheaval»). وغني عن البيان أن «نيويورك تايمز» كانت أشارت في تحقيق مطول نشرته على مساحة صفحتين (22 آب / أغسطس 1971)، بقلم ضابط المخابرات الأميركية السابق إدوارد شيهان Edward B. F. Sheehan، إلى أن هيكل عميل لوكالة المخابرات المركزية منذ العام 1952، وكان على علاقة مع ديفيد بن غوريون، أول رئيس إسرائيلي. لكنها تجنبت الإشارة إلى أن مبنى صحيفة «الأهرام» نفسه، فضلاً عن «إذاعة صوت العرب»، شيدا بأموال «الوكالة» التي أهدت الإذاعة والصحيفة معداتهما التقنية الأحدث في العالم آنذاك، حين كان ناصر و وكالة المخابرات المركزية لا يزالان يعيشان شهر عسلهما! وكانت هذه المعلومات معروفة وموثقة في سجلات المخابرات الخارجية لألمانيا الشرقية قبل ذلك بعشر سنوات تقريباً. 

(2) ـ راجع تفاصل ذلك  والوثائق ذات الصلة، بما في ذلك عن الرسالة المغفلة المرسلة إلى صدام، في  كتاب «داخل الكريملن خلال حرب أكتوبر : محاضر و وثائق سوفييتية وألمانية شرقية عن هزيمة العرب الكبرى في حرب أكتوبر» وملحقه الوثائقي.

(3) ـ بنصيحة من ماركوس فولف، ومن أجل استكمال ملف اغتيال حداد، التقيت الدكتور أوتو بروكوب صيف العام 2003، وكان أصبح يعيش متقاعداً في دار للمسنين في مدينة «كيلKiel» شمال ألمانيا، على بحر البلطيق. وكان هذا الاقتراح من فولف لأن الدكتور بروكوب، كبير الأطباء الشرعيين في ألمانيا الشرقية السابقة، هو الطبيب الذي كلفه فولف شخصياً بإعداد التقرير الطبي عن سبب وفاة / استشهاد حداد في 28 آذار/ مارس 1978، نظراً لحالة حداد الطبية المعقدة و اشتباه الأطباء بأنها ذات خلفية جنائية/ إجرامية وليست حالة مرضية طبيعية.

    كان بروكوب الطبيب الشرعي / الجنائي الأعظم في القرن العشرين  بلا منازع، إلى حد أن  الجامعات وأجهزة الشرطة في الدول الغربية نفسها كانت تستعيره من حكومة ألمانيا الديمقراطية حين تواجه قضية جنائية ملغزة لا يستطيعون حلها، وكانت ألمانيا الديمقراطية تعتبره ثروة وطنية وتحيطه بحراسة مشددة على مدار الساعة كما لو أنه أحد قادة الدولة الكبار! وما يجدر ذكره في هذا السياق هو  أن الدكتور بروكوب كان من بين من حاول العميل الإسرائيلي عزمي بشارة، ودائما وفق الوثائق التي يتضمنها «ملف حداد»، التواصل معهم أواسط الثمانينيات للحصول على «الملف الطبي» الخاص بالمغدور حداد بتكليف من رئيس محطة الموساد في ألمانيا الغربية آنذاك، أفيف شير أون Aviv Shir-On . ويومها كان بشارة طالب دكتوراه في الجامعة نفسها التي يلقي فيها البروفيسور بروكوب محاضراته على طلاب كلية الطب وكلية القانون (جامعة هومبولت والمشفى التابع لها). فقد كان جهاز الموساد يريد أن يعرف ما إذا كان أطباء ألمانيا الشرقية تمكنوا من تحديد طبيعة السموم البيولوجية التي أرسلوها إلى صدام حسين مع الأميركيين لكي يقتل بها المغدور. وقد تمكن الدكتور بروكوب يومها من معرفة طبيعة هذه السموم فعلاً ومن تشخيصها بدقة، كما تمكن من معرفة السموم التي أعطاها العميل المجرم نفسه ، صدام حسين، للرئيس الجزائري هواري بومدين صيف العام نفسه لكي يقتله، ولكن لصالح الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان! (يوجد ملف اغتيال بومدين في «أرشيف فولف» الذي وضعه بتصرفي أيضاً لتحرير مذكراته عن العالم العربي). 

ــــــــــــــــــــــــــــ

ترجمة برقية السفير :

مجلس وزراء جمهورية ألمانيا الديمقراطية

وزارة الشؤون الخارجية

سفارة ألمانيا الديمقراطية في الجمهورية العراقية

بغداد في 1 / 7 / 1974

عدد الصفحات: 2

عدد النسخ : 3

الرقم : 27 / 1974

إلى الرفيق : أوتو فيزنر ( وزير الخارجية)

تقرير معلومات 

استقبلت اليوم الرفيق الدكتور (زانفتر شميت) ، بحضور الرفيق( XXXX )، واستمر اللقاء حوالي ساعتين. وقد أبلغني خلال اللقاء أنه التقى مساء يوم الجمعة الماضي (28 يونيو)  السيد «آية الله روح الله الموسوي الخميني» في مدينة النجف المقدسة لدى المسلمين الشيعة. كما أبلغني بأن اللقاء هو الثاني منذ مجيئه إلى بغداد، لكنه اللقاء الأول الذي جرى فيه بحث أوجه التعاون بين المعارضة الإيرانية في المنفى و فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وبشكل خاص (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين) و حركة (فتح). وأشار إلى أنه يذهب إلى لقاءاته مع المعارضين الإيرانيين في هيئة ( رجل دين شيعي لبناني) ، لكن الزعيم الديني الإيراني المذكور وحده من يعرف اسمه وشخصيته الحقيقيتين.

وفق ما قاله الرفيق (شميت)، فإن المحادثات تمحورت حول كيفية استفادة المعارضة الإيرانية في المنفى، الدينية والوطنية، من إمكانيات فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وبشكل خاص "الجبهة الشعبية" و "فتح"، للحصول على تدريب عسكري في  معسكراتهما في لبنان من أجل الإعداد للثورة ضد نظام الشاه.  وفي هذا السياق، أكد الدكتور ( شميت) أن معسكراته في جمهورية اليمن الديمقراطية و لبنان بدأت  تستقبل مقاتلين من  منظمة "فدائيين خلق" بناء على اقتراح الرفيقين "فولف" و "يينيكه". وقد أثنى في سياق الحديث  على «الدور المتميز الذي تلعبه جمهورية ألمانيا الديمقراطية إزاء الثورة الفلسطينية في مواجهة الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل، بخلاف بقية الدول الإشتركية الأخرى». لكنه استثنى الرفيق «يوري أندربوف» والرفيق «ألكسندر  ساخاروفسكي» من نقده للرفاق السوفييت، وقال إنهما «الوحيدان في القيادة السوفييتية اللذان تشبه مقاربتهما للقضية الفلسطينية والصهيونية مقاربة جمهورية ألمانيا الديمقراطية لهما، وينظران إلى الثورة الفلسطينية باعتبارها جزءاً عضوياً من حركات التحرر الوطني في العالم، ويشجعان الرفيق بريجينيف وأعضاء المكتب السياسي الآخرين على دعمها. كما أنهما - بخلاف رفاقهما الآخرين- يعتبران الصهيونية أداة كولونيالية من أدوات الإمبريالية العالمية». وقال إن الرفيق أندروبوف «وعده في أبريل الماضي بأن يبذل قصارى جهده لإقناع رفاقه في المكتب السياسي (للحزب الشيوعي السوفييتي) بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني». 

وحول لقائه مع الزعيم الديني الإيراني «الخميني»، كان مثيراً للانتباه هو مقاربته لشخصيته.  فقد وصف أفكاره السياسية والاجتماعية بأنها «نسخة  إسلامية من لاهوت التحرير في أميركا الجنوبية»، وأن تفكيره هو شخصياً يشبه تفكير الأب والفيلسوف البيروفي «غوستافو غوتيريز ميرينو دياز»، لكنه «أكثر جذرية منه فيما يتعلق بالولايات المتحدة والإمبريالية العالمية». ولاحظ أن الأب «غوستافو دياز» يستخدم تعبير «الشيطان الأكبر» نفسه الذي يستخدمه الإمام «الخميني» في وصف الولايات المتحدة. وذكر أن الإمام  «يحتقر الحزب الشيوعي الإيراني / توده/ بسبب موقفه غير الوطني من حكومة الدكتور محمد مصدق و مسألة تأميم النفط، لكنه يحترم بشدة منظمة (فدائيين خلق) رغم انشقاقها عن الإسلام الشيعي وتبنيها الماركسية في مقاربتها للشؤون الوطنية والاستكبار العالمي/ الإمبريالية». 

وفي تحليله للأوضاع الإيرانية الداخلية، نقل الدكتور (شميت) عن الإمام «الخميني» قوله «إن هناك حركة غليان شديدة في المجتمع الإيراني، وإن الثورة الشعبية ضد نظام الشاه وإمكانية إطاحته و كنس  النفوذ الأميركي والبريطاني والإسرائيلي من إيران أصبحت كلها أقرب من أي وقت مضى، وربما لا يحتاج الأمر لأكثر من سنة أو سنتين». وقد نصحنا بأن نستغل فرصة وجوده في العراق لكي نفتح قناة اتصال معه «لأن مستقبل إيران سيكون له ولأنصاره». 

السفير  : غونتر شورات 

نسخة إلى الرفيق : فولف