Thursday, 12 February 2026

وثائق ومعلومات وصور جديدة عن صفقة «الأسد - ساترفيلد»: «عماد مغنية» والجهاديون العراقيون مقابل «الحريري»

القصة الكاملة للصفقة السرية التي أبرمتها دمشق وواشنطن في ربيع عام 2007، ودور رجل الموساد «ناثان جاكوبسون»، مبعوث «نتنياهو» إلى «بشار الأسد»

هكذا أعدم «حزب الله» مستشار «الأسد»، العميد الجاسوس «محمد سليمان»، كـ«كبش فداء» لنظام «الأسد»

ـــــــــــــــــــــــــــ

قبل خمس سنوات نشر «نزار» تحقيقاً بالإنكليزية عن اغتيال «عماد مغنية» كجزء من صفقة بين دمشق و واشنطن. وكان «نزا» علم بأمر الصفقة للمرة الأولى في العام 2007، حين كان يعمل مساعداً للقاضي البلجيكي «سيرج براميريتز»، رئيس لجنة التحقيق الدولية الخاصة باغتيال «الحريري»، الذي استقال بتاريخ 14 يونيو من العام المذكور احتجاجاً على الصفقة التي قضت بنقل طربوش التهام من رأس النظام السوري إلى رأس حزب الله.

خلال السنوات اللاحقة، وبفضل الوزير الراحل «وليد المعلم»، وآخرين، حصل «نزار» على وثائق ومعلومات رسمية عن «الصفقة» فكتب التحقيق بالإنكليزية ونشره، دون يترجم إلى العربية.

اليوم قمت بترجمته إلى العربية، وإضافة صور و وثائق جديدة كانت مفقودة في أرشيفنا، بمناسبة الذكرى 18 لاغتيال «مغنية».

(فيكتوريا)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   بعد انتظار دام 15 عامًا، وتكاليف تجاوزت مليار دولار، نصفها من أموال دافعي الضرائب اللبنانيين، أصدرت الدائرة الابتدائية في المحكمة الخاصة بلبنان التابعة للأمم المتحدة قرارها في 15 أغسطس/آب الماضي ( 2020) بشأن اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في 14 فبراير/شباط 2005، بشاحنة ميتسوبيشي مفخخة مسروقة من اليابان، نُقلت إلى شمال لبنان عبر الإمارات العربية المتحدة. وأدان الحكم، المؤلف من 2682 صفحة، شخصًا واحدًا (سليم عياش)، وهو موظف في الدفاع المدني اللبناني يُزعم انتماؤه لحزب الله، بتهمة تدبير عملية الاغتيال. وبرّأ الحكم المتهمين الثلاثة الآخرين، الذين يُزعم انتماؤهم أيضًا لحزب الله، بالإضافة إلى جنرالات سوريين ولبنانيين، ولا سيما رؤساء الأجهزة الأمنية اللبنانية الأربعة السابقين، الذين اعتُقلوا تعسفيًا في زنزانات انفرادية لمدة أربع سنوات، وشُوهت سمعتهم طوال 15 عامًا من قِبل وسائل الإعلام المحلية والدولية. كما طالب الحكم الأمم المتحدة والحكومة اللبنانية بتعويضهم والاعتذار لهم.

   الأدلة الوحيدة التي اعتمدت عليها المحكمة هي ما يسمى بـ «الأدلة الظرفية»: على سبيل المثال، وجود المدان عياش في مسرح الجريمة وقت ارتكابها، وإجرائه عددًا من المكالمات الهاتفية قبل وأثناء وبعد الانفجار، رغم أن الحكم لم يذكر أي شيء عن طبيعة المكالمات، نظرًا لأن المدعي العام لم يقدم للمحكمة أية تسجيلات صوتية أو نصية لتلك المكالمات لعرضها وتأكيد محتواها. وهكذا - كما نفهم ضمنيًا   من الحكم - كان سليم عياش رجلاً خارقًا ذا قدرات خارقة: فقد سرق الشاحنة من اليابان ونقلها إلى شمال لبنان عبر الإمارات العربية المتحدة بمفرده، وزرع فيها أكثر من طنين من متفجرات RDXبمفرده أيضًا، وهو الوحيد الذي جند منفذ تفجير الشاحنة الانتحاري (الذي لا يزال مجهولًا وكأنه جنيٌّ من مجرة ​​أخرى!)، والأهم من ذلك كله، أنه هو من عطّل نظام الحماية الإلكترونية لموكب الحريري الذي صممته إحدى أشهر الشركات الغربية! وقد قام وحده بكل هذه الترتيبات اللوجستية على الرغم من أن وثائق المحكمة نفسها (الصفحة 1075، البند 3294)، والتي استندت حتى إلى سجلات الأمن العام السعودي، تُقر   بأنه كان يؤدي مناسك الحج في السعودية خلال الأيام التي سبقت الاغتيال! بوقاحة، يريدنا الحكم أن نصدق كل ذلك، وأن نصدق أيضاً أن رجلاً كان يُجري كل هذه الاستعدادات العابرة للحدود لتنفيذ أكبر تفجير في تاريخ الشرق الأوسط، كان لديه متسع من الوقت والهدوء لأداء مناسك الحج في السعودية مع زوجته قبل أيام قليلة من العملية! ومع ذلك، فإن الحكم، الذي يصف المتهمين في جميع صفحاته بأنهم «أنصار حزب الله [غير منتسبين إليه]»، يتضمن ما هو أكثر إثارة للدهشة، ولا سيما تأكيده على أن المدعي العام للمحكمة «لم يقدم أي دليل يشير إلى أن عضواً في حزب الله أو أحد قادته، وخاصة أمينه العام السيد حسن نصر الله، كان لديه أي دافع لقتل السيد الحريري (...) وليس هناك دليل على أن حزب الله قد أصدر تعليمات بتوفير الدعم اللوجستي للسيد عياش من أجل الاغتيال» (الصفحات 233، 240، البنود 765، 787).

   فضلاً عن ذلك، من اللافت للنظر أن قرار الحكم ، الذي كرر الإشارة إلى «فشل المدعي العام نورمان فاريل» أكثر من 173 مرة، ووصف خبير الاتصالات الذي اعتمد عليه مكتب المدعي العام بأنه «خبير بلا خبرة» (الصفحة 99، البندان 340، 341)، لم يحتو فقط على   عشرات المفردات المتشككة مثل «ربما، من المحتمل، على الأرجح، من الممكن، من المفترض ...»، ولكن أيضًا ما لا يقل عن 18 صفحة مليئة بالانتقادات اللاذعة للانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة (UNIIIC)، سلَف المحكمة الخاصة بلبنان، خلال مراحل التحقيق (2005-2009)، وخاصة فيما يتعلق بالاحتجاز التعسفي للجنرالات الأربعة (جميل السيد، علي الحاج، ريمون عازار، مصطفى حمدان) لمدة أربع سنوات في زنزانات انفرادية وتشويه سمعتهم وسمعة عائلاتهم، وتجنيد عشرات الشهود الزور المأجورين، الذين وافقت المحكمة الخاصة بلبنان على الكشف عن تسعة منهم فقط، بينما حجبت الباقي بحجة «عدم تعريض حياتهم للخطر». ومع ذلك، فإن الأمر المثير للسخرية هو أن الحكم لم يتردد (في الصفحة 1877، البند 5714) في الكشف عن أن لجنة التحقيق الدولية اعتمدت على «الخبيرة» الإسرائيلية ريتا كاتز (ضابطة احتياط في المخابرات العسكرية الإسرائيلية)، وهو أمر غير مسموح به قانونًا لأن بلدها في حالة حرب مع لبنان والمدعى عليه (حزب الله).

     على أي حال، بعد ثلاثة أيام من القرار، في 21 أغسطس/آب، أصدر رئيس المحكمة الخاصة بلبنان، القاضي ديفيد راي، قرارًا إجرائيًا جديدًا يطالب فيه الأمين العام للأمم المتحدة والحكومة اللبنانية بالاعتذار للجنرالات الأربعة وتعويضهم، واصفًا ما فعلته اللجنة الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في هذا السياق بأنه «مخزٍ وشائن»،   و«مخالف للقوانين المحلية والدولية». وقد وصف معظم المحامين الذين رافقوا عمل المحكمة الخاصة بلبنان لسنوات عديدة هذه القضية بأنها واحدة من أكبر الفضائح في تاريخ المحاكم والهيئات القضائية الدولية خلال نصف القرن الماضي. بل ذهب أحد المحامين الفرنسيين، أنطوان قرقماز، إلى أبعد من ذلك حين أكد أن عياش نفسه بريء، وأن المحكمة الخاصة بلبنان أدانتْه فقط ليكون «كبش فداء» لفشل المدعي العام ، ومنحه «جائزة ترضية» قد تكون مجرد ستار يستر عورته ، حتى لا تشوه وجه العدالة التاريخية!

    لكن المفارقة الأغرب في هذه القصة هي أن الأمم المتحدة، التي ألزمت لبنان وجميع أعضائها الآخرين بالتعاون مع اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق في الكوارث التابعة للأمم المتحدة بموجب الفصل السابع من ميثاقها، امتنعت هي نفسها عن التعاون عندما رفضت السماح لقضاة الدائرة الابتدائية بالاستماع إلى شهادة تيري رود-لارسن، المبعوث الخاص للأمم المتحدة المعني بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1559! ومع ذلك، لا تنتهي المفارقة هنا، إذ إن الدول الثلاث التي دعمت في عام 2005 تشكيل اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق في الكوارث التابعة للأمم المتحدة من قبل مجلس الأمن (الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا)، بالإضافة إلى إسرائيل، رفضت جميعها التعاون معها أو تزويد رئيسها الكندي دانيال بيلمار بالبيانات التي جمعتها عن لبنان يوم الانفجار. ومن المعروف أن هذه الدول الأربع، بالإضافة إلى دول أخرى، تراقب منطقة شرق المتوسط ​​بشكل روتيني، وتحصل على صور وتسجيلات اتصالات عبر الأقمار الصناعية في الوقت الفعلي، كتلك التي تجمعها باستمرار قاعدة أكروتيري البريطانية المتمركزة في قبرص، والطائرات الحربية والطائرات المسيّرة الإسرائيلية التي تحتل سماء لبنان ليلاً نهاراً. سافر القاضي دانيال بيلمار، الرئيس الثالث للجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة (UNIIIIC) وأول مدعٍ عام في اللجنة الخاصة بلبنان (STL) التي خلفتها، إلى واشنطن في مارس/آذار 2010، والتقى بالعديد من كبار مسؤوليها، بمن فيهم وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، ومستشار الرئيس جورج دبليو بوش للأمن القومي، ستيفن هادلي، وضباط من وكالة المخابرات المركزية (CIA)، بهدف الحصول على تعاونهم ومساعدتهم، لكنه عاد خالي الوفاض، كما علمنا من تحقيق قناة CBS الكندية في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2010

  لقد تعاونتُ شخصيًا مع لجنة التحقيق وخليفتها المحكمة الخاصة بلبنان (STL) خلال الفترة من 2006 إلى 2010 فيما يتعلق بثلاثة ملفات مرتبطة باغتيال الحريري والصحفيين جبران تويني وسمير قصير (اللذين كانا صديقين لي). وقد مكّنني هذا من الوصول إلى العديد من الأسرار والبيانات الخاصة بالهيئتين، فضلًا عن «المؤامرات» و«الصفقات» الإقليمية والدولية التي عُقدت خلف كواليس القضية وعلى هامشها. وقد أدى التحقيق الذي أجريته في تجنيد شهود زور من قبل الرئيس الأول للجنة الدولية المستقلة للتحقيق في جرائم القتل التابعة للأمم المتحدة، القاضي الألماني ديتليف ميليس ومساعده غيرهارد ليمان، بالتواطؤ مع المخابرات الخارجية الفرنسية والمخابرات السعودية وجهات أخرى، إلى إقالة ميليس من منصبه من قبل مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون القانونية. ولأسباب قانونية معروفة، اضطررتُ إلى التزام الصمت طوال 15 عامًا. أما الآن، وبعد صدور الحكم، فلم أعد مُلزمًا بذلك. السطور التالية هي ملخص لتجربتي مع كل من الهيئتين والوثائق التي جمعتها على مدى 15 عامًا، والتي سيتم الكشف عنها لأول مرة
.

***

   بدأت القصة يوم الأربعاء الموافق 13 يونيو 2007، عندما قام القاضي البلجيكي سيرج براميرتز، رئيس اللجنة الدولية المستقلة لمكافحة الإرهاب التابعة للأمم المتحدة،   فجأة ودون أي إنذار مسبق، باستدعاء عدد قليل من مساعديه ومترجميه الموثوق بهم إلى غرفة فندق بالقرب من مقر اللجنة في منطقة «مونت فيردي»، شرق بيروت، والتي كانت تستخدم كـ«غرفة عمليات خاصة» لعقد اجتماعات مع شهود مجهولين و«بائعي معلومات»، وطلب منهم بلطف إغلاق هواتفهم المحمولة ووضعها على طاولة في زاوية الغرفة   قبل أن يفجر قنبلته:

 «يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية قد أصدرت أوامر بتحويل مسار التحقيق في اغتيال السيد الحريري من دمشق إلى بيروت، بحيث يُتهم حزب الله بارتكاب الجريمة بدلاً من النظام السوري. وبحسب معلوماتي الحديثة، فقد أبرمت الولايات المتحدة صفقة مع الحكومة السورية على هامش مؤتمر شرم الشيخ  لمكافحة الإرهاب للعراق، الذي عُقد في مايو الماضي (2007). وبموجب هذه الصفقة، ستساعد الحكومة السورية في الوصول إلى عماد مغنية، القائد العسكري لحزب الله، ووقف تدفق الإرهابيين إلى العراق واعتقالهم... مقابل شطب اسم الحكومة السورية وضباط مخابراتها، سواء بصفتهم القانونية أو الشخصية، من قائمة المشتبه بهم والمتهمين بالتورط في الجريمة. ولأن هذا الأمر يُعتبر تدخلاً سافراً وخبيثاً في العمل النزيه وغير المتحيز للجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة، ومجرد إصدار أحكام إدانة قبل انتهاء التحقيق، فقد قررت الاستقالة. لذلك، فإن أي واحد منكم يريد الاستمرار في خدمة هذه المهزلة حر، ومن يريد الحفاظ على شرفه المهني يمكنه الاستقالة كما سأفعل صباح الغد» (صورة عن الرسالة منشورة جانباً)
.

   على أي حال، في اليوم التالي، 14 يونيو/حزيران 2007، استقال السيد براميرتز فعلاً دون إبداء أي سبب، حتى مع طلب الأمين العام للأمم المتحدة منه إدارة شؤون لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة لحين تعيين قاضٍ بديل. وقد شكلت الاستقالة مفاجأة محبطة ومأساوية للجميع ممن كانوا ينتظرون تحقيقاً دولياً شفافاً ونزيهاً بقيادة قاضٍ عُرف بأخلاقه ونبله قبل أن يُعرف بكفاءته المهنية. لكنه لم يقدم استقالته قبل إصدار قرار (لم يُنفذ إلا بعد عامين) يوصي بالإفراج عن الجنرالات اللبنانيين الأربعة الذين اعتُقلوا قبل عامين بأمر من القاضي الألماني ديتليف ميليس، أول رئيس للجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة، ونائبه وزميله ضابط المخابرات غيرهارد ليمان، استناداً إلى شهادات مدفوعة الأجر أدلى بها أكثر من 13 شاهد زور، أحدهم الفلسطيني عبد الباسط بني عودة، عميل الموساد المقيم في السويد. هؤلاء الشهود الزائفون، كما أصبح معروفاً وموثقاً منذ عام 2006 على الأقل، تم «شراؤهم» من قبل ميليس وليمان بأموال السعودية و سعد الحريري بعد أن تم تجنيدهم من قبل اثنين من قادة «اللوبي الأمريكي السعودي» في لبنان، وهما وليد جنبلاط و مروان حمادة، بالإضافة إلى العقيد وسام الحسن، رئيس الفريق المسؤول عن أمن موكب السيد الحريري.

    المفارقة تكمن في أن الأخير، وسام الحسن، كان غائبًا يوم تفجير بيروت الكبير، الذي نفّذه للمرة الأولى طوال فترة عمله في جهاز الأمن، ومتورطًا في مؤامرة الاغتيال لصالح جهاز استخبارات أجنبي. وتستند هذه المعلومات إلى مقابلة مع المحقق السويدي بو أستروم، كبير المحققين الدوليين في وحدة التحقيقات الدولية التابعة للأمم المتحدة (UNIIIC)، والتي بثتها قناة «الجديد» اللبنانية الخاصة في 10 ديسمبر/كانون الأول 2013. قال أستروم: «لم يكن أحد يعلم مسار الموكب سواه. في ذلك الصباح، أعطى توجيهاته للشخص الذي نوب عنه، وحدد المسار السري الذي يجب أن يسلكه الموكب، ثم اختفى حتى المساء. ادّعى أن غيابه كان بسبب امتحاناته في الجامعة اللبنانية، وأنه سمع دوي الانفجار من وسائل الإعلام. لكنه فشل تمامًا في إثبات أي شيء من مزاعمه الكاذبة». وكان محتوى هذه الشهادة كشف للمرة الأولى قبل ثلاث سنوات (21 نوفمبر/تشرين الثاني 2010) في تحقيقٍ أجرته قناة CBC الكندية، ونشرت وثيقةً تابعةً لـ UNIIIC تتضمن سجلات التحقيق مع العقيد الحسن. والمفارقة أن هذا الأخير اختفى إلى الأبد بعد ذلك بعامين، في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2012، بانفجار سيارة مفخخة فور مغادرته شقةً سريةً في حي الأشرفية بشرق بيروت، حيث كان يجتمع مع الصحفية اللبنانية المعروفة ماريا معلوف التي تعمل مع جهاز المخابرات الخارجية الفرنسية (DGSE) وتتلقى تمويلًا من السعودية وحكومات خليجية أخرى، وفقًا لوثائق رسمية سعودية وقطرية تمكنتُ من الحصول عليها قبل بضع سنوات، بعد أن كانت «صديقة جنسية» للعميد ماهر الأسد ، كما تصفها وثيقة سورية رسمية، و تكتب مقالات افتتاحية تشهيرية ضد معارضين سوريين على الصفحة الأولى من جريدة «الثورة» السورية التابعة للحكومة!


     في 12 يونيو/حزيران 2007، أي قبل يوم واحد من «اجتماع الفندق»، قدم براميرتز تقريره الدوري الثامن إلى الأمين العام للأمم المتحدة، كوفي عنان، حيث أعاد فيه تأكيد محتوى تقريره السابع بشأن الانتحاري الذي نفذ عملية الاغتيال بشاحنة ميتسوبيشي مسروقة من اليابان، موضحًا أن «عمره يتراوح مابين 20 و25 عامًا، وربما ليس لبنانيًا. فقد نشأ في بيئة حضرية [كما أثبت التحليل المختبري] لـ 32 قطعة من بقايا جثته التي عُثر عليها في موقع الانفجار، بما في ذلك جزء من أحد أسنانه [...لدرجة أن] بإمكان اللجنة الدولية المستقلة المعنية بالتلوث التابعة للأمم المتحدة أن تضيف الآن أن هذا الشخص عاش في بيئة شديدة التلوث حتى سن 12 عامًا، وفي بيئة أقل تلوثًا خلال السنوات العشر الأخيرة من حياته». وكشف التقرير، الذي نُشر لأول مرة، أن «منفذ عملية الاغتيال قد أجرى محاولة تجريبية سابقة لتنفيذ الجريمة»، وأشاد بـ«التعاون المُرضي للمسؤولين السوريين مع المحققين»، عن استحسان ممثل واشنطن لدى الأمم المتحدة، جون بولتون، الذي أكد أن «برامرتز يقترب بسرعة من تقديم الأدلة إلى المحكمة التي ستتولى محاكمة المتهم». ومن غرائب ​​أروقة لجنة التحقيق الدولية الخاصة أن 32 قطعة من جثة الانتحاري منفّذ التفجير، بالإضافة إلى تسجيلات كاميرات المراقبة في منطقة الانفجار، «ستختفي» لاحقاً من أدراج مقرها في ظروف غامضة!

   في اليوم نفسه الذي عُقد فيه «اجتماع الفندق»، الموافق 13 يونيو، اغتيل النائب اللبناني وليد عيدو، المنتمي لحزب الحريري، على يد منظمة «فتح الإسلام» (فرع تنظيم «القاعدة» في لبنان)، التي شنت حملة دموية ضد الجيش اللبناني قبل ثلاثة أسابيع على ذلك. وهذا ما أدى أدى إلى اندلاع معركة ضارية استمرت ثلاثة أشهر في «مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين» المتاخم لمدينة طرابلس، وأسفرت عن تدمير المخيم البائس بالبراميل المتفجرة التي زود بها الجيش السوري مروحيات الجيش اللبناني، كما اعترف ضباط هذا الجيش، فضلاً عن تهجير 30 ألف لاجئ ما زالوا عملياً بلا مأوى (يبدو أن هذا كان مجرد اختبار من الأسد لما سيفعله في الأحياء الفقيرة ومناطق السكن العشوائي في سوريا بعد أربع سنوات لصالح مافيات شركات التطوير العقاري التابعة له). وفي وقت لاحق، سيتضح أن بداية الحرب التي شنتها الجماعة الإرهابية الوهابية تميزت بحقيقة أن زعيمها، شاكر العبسي، اكتشف أن فرع «بنك البحر الأبيض المتوسط» ​​في بلدة «أميون» بالقرب من طرابلس، والذي تملكه عائلة الحريري، قد توقف عن دفع الرواتب الشهرية لمقاتلي الجماعة بناءً على طلب الولايات المتحدة (انظر: سيمور هيرش: إعادة التوجيه ، مجلة ذي نيويوركر، 5 مارس 2007).

    المفارقة الساخرة هي أن شاكر العبسي فر سراً إلى سوريا بعد هزيمته في معركة المخيم. ووفقاً لوثيقة رسمية سرية سورية حصلت عليها في عام 2010، كان لا يزال على قيد الحياة في ذلك التاريخ في الفرع 235 (فرع فلسطين) التابع لدائرة المخابرات العسكرية السورية بعد أن جرى اعتقاله من قبل الفرع المذكور على أثر مواجهة شرسة بين الطرفين في منطقة «المليحة» المجاورة خريف العام 2008.

    في ذلك الوقت، كنتُ لا أزال لاجئًا سياسيًا في فرنسا، وقد مرّ ما يقارب العامين على بدء تعاوني مع لجنة التحقيق الدولية الخاصة بلبنان(UNIIIC) فيما يتعلق بثلاثة ملفات تخص اغتيال اثنين من أصدقائي اللبنانيين، الصحفيين سمير قصير و جبران تويني، بالإضافة إلى قضية الحريري. بدأ هذا التعاون في ربيع عام 2005 نتيجة تحقيق سري أجريته بمبادرة شخصية، أنجزته في غضون أسابيع قليلة، وتناول مسألة تجنيد شهود زور، ولا سيما المحتال زهير الصديق، من قبل ليمان وميليس بالتنسيق مع المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسية/ المخابرات الخارجية  (DGSE)، التي بذلت جهودًا استثنائية لتجنيدي كشاهد زور في قضية اغتيال الحريري! عندما استُدعيتُ إلى أحد طوابق مقرها في 141 شارع مورتييه، استقبلني ضابط عرّف نفسه باسم «العقيد هيبرارد»، وهو بالتأكيد اسم مستعار. قال العقيد وهو يمضغ شيئًا في فمه: «لطالما حلمتَ بإسقاط النظام السوري.   الآن يمكنك تحقيق حلمك. كل ما عليك فعله هو تأكيد أن زهير الصديق ضابط مخابرات سوري بالفعل، وأنه أحد الذين عذبوك أثناء اعتقالك». كان هذا العقيد يشبه تمامًا ضباط الأسد الذين مزقوا لحمي في زنازينهم الانفرادية طوال عشر سنوات (1991-2001)، سوى أنه كان يتحدث الفرنسية، وكان صوته يأتي من أعماق «مقبرة بير لاشيز» القريبة، التي شعرتُ أنها على وشك ابتلاعي، لا من أعماق مقبرة جماعية في الصحراء السورية، والتي نبشتُها ذات يوم عام 1989 لتوثيق مجزرة سجن تدمر عام 1981!

      تم تجنيد الصدّيق، الذي لم يكن سوى محتال دولي شبه أمي بالكاد يستطيع كتابة اسمه بشكل صحيح، من قبل وزير الاتصالات اللبناني مروان حمادة، المولود لأم إسرائيلية فرنسية، وقدمه بدوره إلى المديرية العامة للأمن الخارجي التي «أهدته» إلى ميليس وليمان اللذين جعلاه «شاهد الملك» في قضية الحريري لمدة عامين تقريبًا! ونتيجة لذلك، تسبب تحقيقي، الذي وصل إلى السيد لاري جونسون، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون القانونية، في فصل ميليس في أوائل عام 2006، وحوّل الصدّيق من «شاهد ملك» إلى مجرم مطلوب بتهمة تضليل العدالة، لكن المديرية العامة للأمن الخارجي وشركاءها السعوديين أخفوه ومنعوا وصول العدالة إليه! في الواقع، لولا أرشيف وأوراق ماركوس وولف الشخصية، مؤسس ومدير جهاز المخابرات الخارجية لألمانيا الشرقية سابقًا (HVA)، لكان من الصعب دخول دهاليز وتاريخ القاضي ميليس وفهم تاريخه المهني المشين. فولف، الذي وضع أرشيفه الشخصي تحت تصرفي منذ عام 2002 لكتابة مذكراته العربية، كان لديه ملفٌ كامل عن فساد ميليس، وعدم حياده، واحترافه في التزوير والتلاعب بالأدلة الجنائية، وعلاقاته الوثيقة مع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) والمديرية العامة للأمن الخارجي (DGSE) والموساد (...) والتي اكتشفناها منذ منتصف الثمانينيات عبر جواسيسنا في جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني (BND) آنذاك (...) وخاصةً بعد تكليفه بالتحقيق في تفجيرات ملهى  لا بيل la belle الليلي [في برلين الغربية] ومركز اجتماعي ألماني عربي عام 1986...»، كما يرد في إحدى شهادات فولف الخطية. لكن من جهة أخرى، تسبب تحقيقي في «هروبي» من باريس إلى لندن بعد أن أصبحت حياتي مهددة بشكل خطير من قبل الفرنسيين الذين لم يكتفوا باختطافي لمدة 28 ساعة أثناء مشاركتي في المؤتمر السنوي للرابطة العالمية للصحف (WAN) واستلامي جائزة «الريشة الذهبية» في مدينة بروج Bruges البلجيكية، بل استخدموا أيضاً نفوذهم الاستخباراتي والدبلوماسي بالكامل لاتهام النظام السوري باغتيال الحريري لمجرد أن بشار الأسد ومافيات نظامه رفضوا منح مجموعة «توتال إس إي» الفرنسية امتياز التنقيب عن الغاز في سوريا!

   بعد «عزل» ميليس أواخر عام 2005، والذي تم تصويره على أنه «استقالة» عندما غادر بيروت فجأة إلى فرنسا (وليس إلى ألمانيا!؟) كما لو أنه كان يهرب، سمح لي تعاوني مع لجنة التحقيق الدولية بالتواصل مع عدد من المساعدين المباشرين المقربين من خليفته سيرج براميرتز، بمن فيهم أولئك الذين حضروا «اجتماع الفندق» المذكور آنفاً، وبالتالي تمكنت من معرفة بعض ما كان يجري في كواليس «اللجنة» ، والتي تحولت، في عهد ميليس وليمان ومن خلفوا براميرتز، إلى واحدة من أكبر أوكار «الدعارة السياسية» في التاريخ المعاصر للشرق الأوسط!

   بحسب رسالة تلقيتها من بريد إلكتروني مهني لزميل سابق في مركز الأمم المتحدة الدولي للعراق، والذي شارك في «اجتماع الفندق» في اليوم نفسه، لم يذكر السيد براميرتز أي تفاصيل تتعلق بـ«اتفاق شرم الشيخ الأمريكي السوري». لكن عدداً من الوثائق الرسمية التي حصلت عليها لاحقاً، بما في ذلك رسائل بريد إلكتروني أرسلها اللواء أمين شرابة، رئيس الفرع 235 في المخابرات العسكرية آنذاك، والملحق العسكري السابق في السفارة السورية بباريس، إلى أحد أصدقائه الدبلوماسيين الفرنسيين، تشير إلى عقد اجتماع خاص على هامش «مؤتمر شرم الشيخ» في 3 مايو/أيار، ضم وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس ومساعدها للشؤون العراقية، ديفيد ساترفيلد، من الجانب الأمريكي، بينما ضم الجانب السوري وزير الخارجية وليد المعلم وضابطاً سورياً رفيع المستوى يُفترض أنه العميد محمد سليمان، رئيس أحد المكاتب الخاصة التابعة لبشار الأسد. من المعروف أن القصر الرئاسي السوري اعتاد على إقحام ضابط مخابرات في وفوده الدبلوماسية حتى عندما تذهب إلى روما لمناقشة قضية زراعية مع منظمة الأغذية والزراعة، أو إلى باريس لمناقشة قضية تعليمية مع منظمة اليونسكو!

    على أي حال، وطبقاً لرسالة بالبريد الإلكتروني من الوزير وليد المعلم لاحقاً، الأمر الذي أصبح بالإمكان الإشارة إليه بعد وفاته،خُصص الاجتماع الأمريكي السوري في شرم الشيخ، الذي استمر لأكثر من ساعة، لمناقشة قضية تدفق الإرهابيين الإسلاميين إلى العراق من الأراضي السورية وعبرها بمساعدة «الحرس الجمهوري» الذي يشرف عليه شقيق الأسد، العقيد ماهر، وللتحقيق الدولي في قضية الحريري. وعندما عاد الوفد السوري إلى دمشق، حمل معه عرضًا من الولايات المتحدة يتضمن تعهدًا أمريكيًا بأن واشنطن لن تتخذ أي إجراءات من شأنها زعزعة استقرار النظام السوري، وستعمل على تبرئة دمشق من أي تورط في اغتيال الحريري، وإحياء مفاوضات السلام السرية مع إسرائيل التي كانت مستمرة عبر ما يُعرف بـ«المسار السويسري/ التركي» حتى أوائل يوليو/تموز 2006، حين توقفت بسبب الحرب الإسرائيلية التي استمرت 33 يومًا على لبنان. في المقابل، طلب الجانب الأمريكي من دمشق وقف تدفق الإرهابيين إلى العراق واعتقالهم، بالإضافة إلى المساعدة في الوصول إلى عماد مغنية، القائد العسكري لحزب الله، الذي كان مطلوباً للولايات المتحدة منذ أوائل الثمانينيات على خلفية تفجير السفارة الأمريكية في بيروت في أبريل 1983، والذي أسفر عن مقتل حوالي سبعين مواطناً أمريكياً من بينهم عدد كبير من الدبلوماسيين وضباط وكالة المخابرات المركزية، وتفجير مقر مشاة البحرية الأمريكية في مطار بيروت بعد ستة أشهر، والذي أسفر عن مقتل حوالي 250 من مشاة البحرية والضباط الأمريكيين.  ( وكان ضابط المخابرات العامة السورية، العميد الجاسوس رضوان علي ابراهيم، المعروف باسم إياد المحمود، عميل وكالة المخابرات المركزية العتيق، والذي كان على وشك أن يُقتل في الاجتماع المذكور بسبب موعد له في السفارة مع رئيس محطة الـ CIA  في بيروت ، اليهودي - الصهيوني كينيث يوجين هاس Kenneth E. Haas ، أول من كشف لمشغليه الأميركيين أن عماد مغنية هو الذي وقف وراء التفجيرين المذكورين، طبقاً لإحدى وثائق أرشيف ماركوس فولف الصادرة عن سفارة ألمانيا الديمقراطية في بيروت. فقد كان من المهمات الموكلة له أميركياً جمع المعلومات عن أنشطة «الحرس الثوري» في لبنان وسوريا بمعرفة حافظ الأسد على الأرجح، بهدف استخدامها في مجال التعاون الأمني مع واشنطن).

    بالطبع، لم يكن للوفد السوري الذي زار «شرم الشيخ» الحق في مناقشة مثل هذا العرض، ناهيكم عن الموافقة عليه. لذلك، اقترح وليد المعلم إحالة الأمر إلى الرئيس بشار الأسد، على أن تُبلِّغ دمشق الجانب الأمريكي بالرأي النهائي للحكومة السورية في أسرع وقت ممكن، وهو ما يبدو أنه حدث في نهاية مايو/أيار، إذ قام ساترفيلد (أو/و الجنرال ديل لي ديلي Dell Lee Dailey ، منسق مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية) بزيارة سرية إلى دمشق في أوائل حزيران/ يونيو، وفقًا لإحدى رسائل أمين شرابة إلى الدبلوماسي الفرنسي، والمؤرخة في 10 يونيو. ومع ذلك، لم يظهر المؤشر الأبرز على نتائج هذه الزيارة من خلال «اجتماع الفندق» واستقالة القاضي براميرتز في اليوم التالي، 14 يونيو، فحسب، بل أيضًا - وهو المؤشر الأوضح - من خلال وثيقة سورية سرية صدرت يوم الخميس 21 حزيران/ يونيو 2007 عن اجتماع استثنائي لمكتب الأمن القومي، وهو أعلى هيئة سياسية قيادية لأجهزة الاستخبارات في سوريا. الوثيقة عبارة عن تعميم صادر إلى وزارتي الدفاع والداخلية وأجهزتهما الأمنية، يُلزمهما بالعمل على وقف تسلل الإرهابيين الإسلاميين السوريين والأجانب المتجهين إلى العراق، واعتقال العائدين منهم إلى سوريا. وبناءً على هذا القرار، سيُكلف العميد شرابة (وهو ضابط سابق في «القوات الخاصة» كان يُشرف على تسلل الإسلاميين إلى العراق بعد تدريبهم في معسكر «جديدة الشباني» التابع للحرس الجمهوري قرب دمشق) بقيادة عملية وقف تسلل الإرهابيين وإنشاء حاجز ترابي يمتد لمئات الكيلومترات على طول الحدود العراقية السورية، لا سيما في المناطق الصحراوية التي يصعب مراقبتها. كما تضمن التعميم «توجيهات إلى القوات الجوية والدفاع الجوي بالتغاضي عن تحركات القوات الجوية التابعة لقوات الاحتلال الأمريكية في العراق أثناء مطاردتها للإرهابيين حتى عمق 20 كيلومتراً داخل الأراضي السورية»! (انظر الوثيقة رقم 3 المرفقة جانباً).

     في غضون أشهر قليلة من إصدار التعميم المذكور، أُلقي القبض في سوريا على نحو ثلاثة آلاف من السوريين والأجانب المنتمين لتنظيم «القاعدة» وغيرهم من المسلحين السلفيين والوهابيين. هؤلاء هم الذين سيُفرج عنهم النظام السوري في ربيع عام 2011 وفقًا للأمر «السري للغاية» الصادر في 19 مارس 2011 من قبل مكتب الأمن القومي بهدف عسكرة الانتفاضة الشعبية السورية وتحويلها إلى «ثورة وهابية إسلامية مسلحة»!


    تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن السفارة السعودية في باريس ربما كانت أول من تنبه إلى «صفقة شرم الشيخ». فبحسب «برقية مشفرة» أُرسلت بتاريخ 20/5/1428 هـ [الموافق 6 يونيو/حزيران 2007] من السفير السعودي في باريس، الدكتور محمد بن إسماعيل آل الشيخ، إلى وزير الخارجية السعودي آنذاك، سعود الفيصل، تلقت السفارة معلومات تفيد بأن «القاضي براميرتز سيستقيل قريبًا احتجاجًا على الاتفاق الأمريكي السوري الذي أُبرم خلال مؤتمر شرم الشيخ، والذي ينص على تبرئة النظام السوري من تهمة التورط في اغتيال السيد رفيق الحريري، واتهام حزب الله بارتكاب الجريمة». ومن الجدير بالذكر أن معلومات السفارة استندت إلى المحامية «أ.ع.ك.» [ أمل علم الدين-كلوني]، التي نقلتها بدوورها عن والدتها بارعة مكناس علم الدين، مراسلة صحيفة الحياة في باريس (الوثيقة جانباً)! هذه المحامية، على سبيل 

المثال، التي كانت بمثابة «مسؤولة اتصال» بيني وبين القاضي براميرتز، هي من تقف وراء اختفاء جميع التحقيقات والوثائق التي أرسلتها إليه، لا سيما تلك المتعلقة باغتيال الصحفيين تويني وقصير، كما أنها كانت وراء تسريبها إلى الزعيم اللبناني وليد جنبلاط. ولهذا السبب، عقد الأخير مؤتمراً صحفياً في بيروت عام 2007، وخلال إحدى نوبات الهذيان المعروفة لديه، اتهمني بـ «العمل لصالح المخابرات السورية»، الأمر الذي جعله أضحوكة ومثاراً للسخرية في وسائل الإعلام المحلية والعربية، بعد أن علموا أنني قضيت عشر سنوات في زنزانات النظام السوري الانفرادية، وأصبحت مشلولاً جزئياً إلى الأبد بسبب التعذيب، ناهيك عن فقدان ابنتي الرضيعة التي اختطفتها المخابرات السورية كرهينة لإجباري على الاستسلام! ( غني عن البيان أن سمير قصير قتل غيلة من قبل جنبلاط  الذي أعطى مسؤوله الأمني العتيق ، هشام أنيس ناصر الدين،أمراً بتصفية سمير قصير بعبوة ناسفة وضعت تحت مقعد سيارته على خلفية اجتماعية/ عائلية/ أخلاقية ليس من اللائق ذكرها!].

 هل قامت إسرائيل «بالتنصت» على الاتصالات الأمريكية السورية واستخدمتها لمصلحتها الخاصة؟

    في غضون ذلك، أو بالأحرى بعد أسابيع قليلة من الزيارة السرية التي قام بها ساترفيلد (أو/و الجنرال ديل لي ديلي) إلى دمشق، وقع حدثان «مريبان» جديران بالذكر. كان الأول في أواخر يونيو/حزيران عندما قام العميد محمد سليمان فجأة بزيارة سرية إلى باريس مستخدمًا جواز سفر دبلوماسياً، وفقًا لرسالة بالبريد إلكتروني تلقيتها من صديقة تعمل في السفارة الفرنسية بدمشق. وقد مكّنني هذا من التأكد شخصيًا من أنه عقد سلسلة من الاجتماعات في «فندق جورج الخامس» بالقرب من «جادة الشانزليزيه»، وفي فيللا نائب الرئيس السوري سابقاً، عبد الحليم خدام، في «شارع فوش» الباريسي، مع أشخاص يُعتقد بقوة أنهم عملاء للموساد الإسرائيلي، ليس فقط لأن إحدى رسائل البريد الإلكتروني المخترقة لخدام أشارت إلى ذلك، أو لأن سجلات نزلاء الفندق، التي تمكنت من مراجعتها، أشارت إلى وصول مواطنين إسرائيليين إلى الفندق نفسه في الوقت نفسه، بل أيضًا لأن العميد سليمان نفسه كان إحدى الشخصيات الرسمية السورية (وغير الرسمية مثل والد زوجة الأسد، الدكتور فواز الأخرس، وزميله الدكتور غيث أرمانازي) الذين تم توظيفهم كـ«قنوات خلفية» لإجراء اتصالات سرية مع الإسرائيليين في أوقات مختلفة. على سبيل المثال، نقل الدكتور الأخرس، وفقًا لوثائق رسمية سورية اطلعت عليها [ بفضل الوزير وليد المعلم الذي زودني بها ونشرتها قبل سنوات]، «رسالة طمأنة» من الأسد إلى حكومة إيهود أولمرت  خلال حرب 2006 بين إسرائيل وحزب الله. وفيها تعهد الأسد بمنع زعيم حزب الله حسن نصر الله من استهداف منطقة «غوش دان» (تل أبيب وضواحيها) بالصواريخ. وكان أولمرت وعدد من قياداته العسكرية أعلنوا يومها أن إسرائيل «ستدمر البنية التحتية والمنشآت الحكومية المتورطة في دعم الإرهاب» في دمشق إذا نفذ نصر الله تهديده بقصف تل أبيب بالصواريخ.

  إضافة لذلك، كان سليمان نفسه، وزميله العقيد بشير قره فلاح، رافقا شقيق الرئيس العقيد ماهر الأسد خلال اجتماعه السري الرسمي مع المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية، إيتان بن تسور، في عمّان في مارس/آذار 2003، وفقًا لما كشفته صحيفة «معاريف» الإسرائيلية آنذاك، الأمر الذي أدى إلى توترعلني بين رئيس الوزراء أرييل شارون ووزارة خارجيته. ومع ذلك، فإنه ليس معروفاً حتى الآن، على الأقل بالنسبة لي، ما إذا كانت اجتماعات سليمان في باريس قد تم تكليفها من قبل الأسد أم أنه كان يعمل لحسابه الخاص، على الأقل في بعض مهام التجسس، وهو أمر ممكن، بالنظر إلى سلسلة الأحداث المتتابعة التي ستحدث لاحقاً. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن موقع «الكبر» قرب مدينة دير الزور شرقي سوريا، والذي زُعم أنه كان مفاعلاً نووياً قيد الإنشاء، قد دُمّر من قبل سلاح الجو الإسرائيلي في السادس من أيلول/ سبتمبر (بعد شهرين من اجتماعات العميد سليمان في فندق جورج الخامس الباريسي!). ومن المعروف أن إحدى المهام الخاصة التي كان سليمان يضطلع بها، إلى جانب منصبه كرئيس للمكتب العسكري الخاص لدى بشار الأسد، كانت الإشراف على برامج الصناعات العسكرية، لا سيما « مركز البحوث العلمية» التابع لوزارة الدفاع، والذي كان هو «عضو مجلس إدارته وممثلاً للقائد العام للجيش والقوات المسلحة» فيه، حسب التسمية الوظيفية الرسمية. وغني عن البيان أن موقع «الكبر» كان أحد مرافق «المركز» ومنشآته.

   على أي حال، كان الحدث الثاني هو وصول ناثان جاكوبسون،الملياردير الكندي الإسرائيلي الشهير ورجل الموساد المكلف بـ «تجفيف منابع تمويل إرهاب حماس وحزب الله في الشرق الأوسط»، في زيارة مفاجئة وسرية إلى دمشق في أوائل يوليو/تموز 2007، حيث التقى الأسد، كما كشف جاكوبسون نفسه لشبكة CBS الكندية في خريف 2012 ونشر صورة تجمعهما. وهو ما توسع فيه لاحقاً برنامج «عوفدا» الاستقصائي الذي تثبه القناة الإسرائيلية الثانية. ووفقًا لرسالة بالبريد إلكتروني من أحد مصادري الرسمية في دمشق (مؤرخة في 1 سبتمبر/أيلول 2007)، شارك العميد سليمان بنفسه في اجتماع الأسد وجاكوبسون، وهو ما أكده لي جاكوبسون شخصياً عندما اتصلت به في مكتبه في تورنتو قبل 5 سنوات بمساعدة صديق أكاديمي كندي من أصول عربية. ومن المعروف على نطاق واسع في الصحف الأمريكية والإسرائيلية أن جاكوبسون كان أيضًا صديقًا شخصيًا لرئيس الموساد آنذاك، مئير داغان، وأحد أذرعه الضاربة في ملاحقة وتتبع كوادر حزب الله وحماس والأنشطة المالية لهذين الفصيلين حول العالم.

   بعد حوالي سبعة أشهر (12 فبراير 2008، الساعة 10:45 مساءً)، اغتيل عماد مغنية، القائد العسكري الأسطوري لحزب الله، الذي كان مفتونًا بـ «تروتسكي» في فترة مراهقته، كما يقول تقرير محاطة مخابرات ألمانيا الشرقية في بيروت، وقبل انضمامه إلى حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) بقيادة ياسر عرفات، في ضاحية «كفر سوسة» الدمشقية، وهي المربع الأمني الرئيسي لأجهزة المخابرات السورية، مباشرة بعد أن غادر فجأة اجتماعًا كان يُعقد في الشقة رقم 152 من المبنى 146 المعروف باسم «مبنى الحمد»، والذي شارك فيه أيضًا عدد من كوادر حزب الله والأمن الإيرانيين. وطبقاً للتحقيقات السرية السورية التي لم يُكشف عن نتائجا رسمياً، فإنه غادر الاجتماع بسبب تلقيه رسالة نصية من «مصدر مجهول»، وأن وفاته الفورية كانت ناجمة عن انفجار الإطار الاحتياطي لسيارة ميتسوبيشي باجيرو، التي تم إحضارها وركنها بجوار سيارته أثناء مشاركته في الاجتماع. وتبين لاحقًا أن الانفجار جرى تنفيذه عن طريق جهاز تحكم عن بعد، يُشغّله أشخاص في شقة بالطابق السادس من مبنى مُطل على موقع الحادث. وكان الإطار مُعبأً بعدة كيلوغرامات من متفجرات خاصة وكرات فولاذية، مما أدى إلى تدمير جزئي لسيارة مغنية عندما كان على وشك فتح بابها، بالإضافة إلى سيارتين أخريين في موقف السيارات، وتحطيم نوافذ عدد من المباني المجاورة. كما اخترقت الكرات الفولاذية عمود الكهرباء الحديدي المجاور للسيارة، كما هو موضح في صور خاصة حصلت عليها (منشورة جانباً). وبهذه المناسبة يجب القول إن تسعة أعشار تحقيق صحيفة «واشنطن بوست» بتاريخ 30 يناير 2015 حول عملية الاغتيال، وخاصة الجزء العملياتي منها والادعاء بأن «تفجير السيارة تم عبر الأقمار الصناعية وبتحكم عن بعد من غرفة عمليات في تل أبيب»، ليست سوى تلاعب وخرافات وهلوسات من قبل موظفي وكالة المخابرات المركزية الذين اعتمدت عليهم الصحيفة الأمريكية كمصادر.

    أول ما لفت الانتباه هو أن زعيم حزب الله، حسن نصر الله، «أمر رفاق مغنية المشاركين في الاجتماع بسحب جثمانه من المكان ونقله إلى الأراضي اللبنانية فورًا، ومنع وصول أجهزة الأمن السورية إليه مهما كلف الأمر»، كما أفادني مصدر في صحيفة «العهد»، الناطقة الرسمية باسم حزب الله. وأضاف المصدر في إفادته: «منذ اللحظة الأولى، راودت المقاومة [حزب الله] شكوكٌ حول وجود خيانة من شخص أو أكثر داخل أجهزة المخابرات السورية. ولهذا السبب لم يُعلن حزب الله عن اغتيال ومقتل الحاج [عماد مغنية] إلا بعد وصول جثمانه إلى بيروت وخضوعه للفحوصات الطبية الشرعية الأولية، ولهذا السبب رفض السيد [حسن نصر الله] مشاركة أي ممثل رسمي سوري في جنازة الحاج ». (أكد تقرير رئيس مكتب الأمن القومي، هشام الاختيار، المنشور جانباً، ذلك الجانب المتعلق بأن نصر الله أمر بسحب الجثمان إلى لبنان ومنع أجهزة الأمن السورية من الوصول إليه).

     لم يكن الاغتيال مجرد أكبر طعنة تلقاها حزب الله منذ تأسيسه في أوائل الثمانينيات فقط، بل فضيحة أمنية غير مسبوقة للنظام السوري نفسه أيضاً، لا سيما وأن مغنية كان مستهدفًا من قبل أجهزة المخابرات الإسرائيلية و 15 جهاز مخابرات آخر على الأقل ، باءت جهودها كلها بالفشل في الوصول إليه طوال 25 عامًا من المطاردة.

   كان وقع الكارثة على الإيرانيين هو ما دفع ليس فقط عددًا من كبار ضباط المخابرات والحرس الثوري إلى السفر إلى دمشق على الفور، بل أيضًا وزير خارجيتهم منوشهر متكي نفسه، الذي وصل إلى دمشق في 14 فبراير للقاء الأسد ووزير خارجيته وليد المعلم. وفي مؤتمر صحفي مشترك مع ضيفه الإيراني، أعلن المعلم أن «اغتيال مغنية هو اغتيال لأي جهد سلمي. سنثبت، كدولة، قريباً وبأدلة قاطعة، من المتورط في هذه الجريمة ومن يقف وراءها. الأجهزة الأمنية السورية تواصل التحقيق في هذه الجريمة الإرهابية، وتبذل جهوداً جبارة ستُعلن نتائجها قريباً»، وهو أمر لم يحصل حتى اليوم كما هو معلوم! وكان ملاحظاً أن النظام السوري، رغم علاقته الوثيقة بإيران على جميع المستويات، ولا سيما الأمنية والعسكرية، رفض مشاركة المحققين الإيرانيين في التحقيق، حتى أن المدعي/ النائب العام العسكري العام السوري، العميد جورج طحان، طرد بعض موظفي السفارة الإيرانية الذين حضروا إلى موقع الحادث، ومنعهم من معاينة آثار الانفجار أو تصويرها! ولم تتردد أرملة مغنية، سعادة بدر الدين، التي كان قلبها دليلها كما نقول في الأدب الشعبي العربي، في اتهام النظام السوري علناً بالخيانة والغدر. «لقد سهّل السوريون الخونة قتل زوجي (...) إن رفض سوريا مشاركة المحققين الإيرانيين دليل قاطع على تورط نظام دمشق في قتل عماد»، كما صرّحت السيدة مغنية لبعض وسائل الإعلام الإيرانية شبه الرسمية أثناء تلقيها التعازي في بيروت. وكان هذا التصريح كافيًا بحد ذاته لإرسال الأرملة الثكلى على متن طائرة إلى إيران فورًا، قبل أن «تختفي» حتى الآن! ولا يقل أهمية عن ذلك أنه على الرغم من مرور أكثر من 12 عامًا على تصريح المعلم [ 18 عاماً مع نشر الترجمة العربية لهذا التحقيق]، إلا أن النظام السوري وحزب الله لم يُدليا بأي تصريح بشأن نتائج التحقيقات التي أجرتها أجهزتهما الأمنية! لكن التقريرين «السرّيين للغاية» اللذين قدّمهما رئيس مكتب الأمن القومي السوري آنذاك، اللواء هشام الاختيار، في 20 أبريل 2008 و27 يوليو 2008، إلى رئيس النظام، بشار الأسد، واللذين تمكنت من الحصول على نسخ رسمية من ملخصاتهما منذ سنوات، يوضحان كل شيء كما سنرى أدناه!

   بعد ستة أشهر على ذلك (في 1 أغسطس/آب 2007)، اغتيل العميد سليمان نفسه في شاليهه الخاص في منطقة «الرمال الذهبية» شمال مدينة طرطوس الساحلية السورية، بينما كان بشار الأسد في طريقه جواً إلى طهران في زيارة رسمية. و وفقًا لثلاث وثائق حصلت عليها لاحقًا، إحداها شهادة خطية من زوجته ريم ، المنحدرة من مدينة دير الزور، كان من المقرر أن يسافر العميد سليمان «العائد حديثًا من مهمة في أوروبا» مع الرئيس [الأسد] إلى طهران بصفته رئيس مكتبه العسكري الخاص، لكن الرئيس طلب منه فجأة الذهاب في إجازة إلى طرطوس خلال غيابه في إيران. وفي وقت متأخر من مساء اليوم الذي وصلنا فيه إلى طرطوس، اغتيل أمام الشاليه الخاص بنا على يد ملثمين قدموا من البحر الذي لا يبعد سوى بضعة عشرات من الأمتار ترّاس الشاليه...». وأضافت ريم سليمان في رسالتها النصية: «استخدم القتلة مسدسات كاتمة للصوت، وليس بنادق قنص كما أشيع في وسائل الإعلام...». وأكدت أن زوجها قُتل في «ظروف غامضة»، وأن «الحكومة لم تُخبرنا أبداً [نحن عائلته] أن الإسرائيليين هم من اغتاله. أتمنى لو كانوا هم من فعلوا ذلك، ليُمنح شرف الشهادة في مواجهتهم».

     الأمر اللافت للنظر هو أن وسائل الإعلام الرسمية التابعة للنظام لم تذكر لا اغتيال العميد سليمان ولا جنازته المتواضعة، على الرغم من منصبه الرفيع في هرم النظام السوري ودائرة الأسد الضيقة. بل إن أجهزة المخابرات في طرطوس، وبناء على توجيهات مكتب الأمن القومي، رفضت السماح لعائلته بطباعة ونشر منشورات النعي أو الإشارة إليه كـ «شهيد» أو استخدام العلم السوري وشارات القوات المسلحة خلال تشييعه، كما يحصل عادة في مثل هذه الأحوال! أما التعليق الرسمي الوحيد على اغتياله، والذي جاء متأخرًا أربعة أيام، فكان بيانًا مقتضبًا للغاية من بثينة شعبان، المستشارة السياسية والإعلامية في القصر الرئاسي، قالت فيه: «هو [سليمان] ضابط في الجيش العربي السوري، وقُتل في عملية اغتيال، والتحقيق لا يزال جاريًا». لم تكتفِ بتجنب وصفه بـ«الشهيد»، كما جرت العادة في مثل هذه الحالات، بل رفضت أيضًا اتهام إسرائيل بالوقوف وراء اغتياله. لولا هذا البيان المقتضب، لكان الحدث قد طُويَ في طي النسيان، ولم يجر التطرق إليه بعد ذلك رسميًا أبداً، على الرغم من أن العديد من وسائل الإعلام الأجنبية والعربية أفادت بأنه اغتيل على يد فريق كوماندوز إسرائيلي قدموا عن طريق البحر وقتلوه قنصاً.

      هذه الرواية السخيفة والمختلقة تمامًا، والتي تهدف إلى إضفاء صفات خارقة على قدرات الموساد، أعاد الصحفي الإسرائيلي النصّاب رونين بيرغمان ذكرها في عام 2018 في الفصل 34 (وتحديدًا الصفحات 602-606) من كتابه «انهض واقتل أولًا»، مستشهدًا بمصادر في الموساد بلغ جهلها وتزييفها حدًّا جعلها تُسمّي زوجة العميد سليمان «رحاب» بينما هي «ريم»! (غني عن البيان أن معاتيه ومهرّجي إعلام «المقاومة والممانعة» لا يزالون كما  الببغاوات يرددون هذه الهراء في جميع  منصاتهم الإعلامية). وينطبق هذا أيضًا على مزاعم وكالة الأمن القومي الأمريكية ، والواردة في وثيقة سرّبها إدوارد سنودن إلى موقع «ذا إنترسبت» في 2 يونيو/حزيران 2015، والتي نسبت اغتيال سليمان إلى إسرائيل. لا يمكن اعتبار هذا دليلًا، إذ إنه مبني على تكهنات وافتراضات تستند إلى «مراقبة إشارات الاتصالات» الظرفية، لا على معلومات أو أدلة موثوقة. مع ذلك، فإن الأمر اللافت للنظر هو أن برقية ويكيليكس رقم« 09DAMASCUS274_a»، الصادرة عن السفارة الأمريكية في دمشق، والمؤرخة في 9 أبريل/نيسان 2009، أشارت إلى أن «التحقيق اللاحق في اغتيال سليمان كشف عن وجود 80 مليون دولار أمريكي نقدًا في قبو منزل الجنرال في الجبال الواقعة بين دمشق والحدود اللبنانية [«الصبورة» و «قرى الأسد»، حيث يقيم العديد من كبار ضباط الحرس الجمهوري وأعضاء النخبة المدنية والعسكرية للنظام]»! ومن الواضح أن السفارة الأمريكية في دمشق حصلت على معلوماتها من داخل دائرة التحقيق الضيقة، نظرًا لأن هذه المعلومات لم تُذكر إلا في تقرير رئيس مكتب الأمن القومي إلى بشار الأسد، كما سنرى لاحقًا.

رئيس مكتب الأمن القومي في تقريره إلى الأسد: سليمان باع مغنية، وصفقة صواريخ «بانتسير إس-1»، ومفاعل «الكبر» النووي المزعوم، وأسرار دولة أخرى مقابل عشرات الملايين من الدولارات

     عندما أعلن وزير الخارجية السوري وليد المعلم أن «جهوداً جبارة تُبذل» من قبل أجهزة الأمن والقضاء التابعة لنظامه بشأن اغتيال عماد مغنية، وهو ما كررته مستشارة الرئيس بثينة شعبان بعد بضعة أشهر فيما يتعلق باغتيال العميد سليمان، كان صادقاً في إعلانه. إلا أن نتائج هذه التحقيقات، التي أُجريت بالفعل وتوصلت إلى استنتاجاتها منذ أبريل/نيسان 2008، تُعدّ أمراً مختلفاً تماماً.

    بحسب «التقرير الأولي» المكون من ثلاث صفحات، والذي قدمه هشام الاختيار إلى رئيسه بشار الأسد في 20 أبريل/نيسان 2008، فقد كان سليمان مشتبهاً بتورطه في اغتيال مغنية منذ بداية التحقيقات، إذ أثبتت بيانات أبراج الاتصالات التي فحصها النائب العسكري العام، العميد جورج طحان، وأجهزة أمنية أخرى متعاونة مع فريقه الفني، وجود اتصالات طوال ذلك اليوم بين رقم هاتف يملكه سليمان ورقم آخر مجهول كان يتنقل في موقع العملية طوال ذلك اليوم. وقد تم إغلاق هذا الرقم، الذي يملكه سليمان، وتعطيله نهائياً بعد دقائق من الاغتيال. كما اكتشف المحققون أن كلاً من الشقة الواقعة في ضاحية «كفر سوسة» بدمشق، حيث نصب فريق الاغتيال كميناً في ذلك اليوم، والفيللا الواقعة في ضاحية «صبورة» بـ«قرى الأسد»، والتي استخدمها الفريق لتفخيخ العجلة القاتلة، جرى تأمينهما للقتلة من قبل سليمان شخصياً (انظر الوثيقة رقم 4 جانباً). ونظراً لأن سليمان لم يكن موظفاً عادياً، بل كان أحد المقربين من الأسد، وذراعه اليمنى في تنفيذ العديد من المهام الأمنية والعسكرية داخل سوريا وخارجها، فإن أي استجواب «قانوني» له، أو الوصول إلى أجهزته واتصالاته، فضلاً عن مراقبته، كان مستحيلاً دون موافقة «الأسد». لهذه الأسباب، طلب رئيس مكتب الأمن القومي من رئيسه «الأسد» الموافقة على وضع سليمان واتصالاته الداخلية والخارجية وأجهزة الكمبيوتر الخاصة به تحت مراقبة دقيقة لبضعة أشهر، ومنعه من اصطحاب زوجته و/أو أطفاله معه في حال تكليفه بمهام خارج سوريا. ويبدو واضحاً أن الأسد وافق على مطلب مكتب الأمن القومي، كما يتضح لنا جلياً من «التقرير النهائي» الذي قدمه هشام الاختيار إلى الأسد في 27 يوليو/تموز 2008، أي قبل أربعة أيام من اغتيال (أو بالأحرى إعدام) سليمان، والذي كان بمثابة ملخص للتحقيقات الحاسمة التي أجرتها المخابرات العسكرية والمخابرات العامة والنيابة العسكرية. وخلص تقرير 20 أبريل/نيسان إلى أن «العميد المهندس محمد كامل سليمان كان على الأرجح يعمل مقابل المال أو لأسباب سياسية تتعلق بالخيانة العظمى مع عدد من أجهزة المخابرات الأجنبية، ومن المرجح جدًا مع أجهزة المخابرات الإسرائيلية أيضًا، منذ عام 2003 على الأقل، وربما منذ أن كان يدرس في أكاديمية مالينوفسكي للدروع في موسكو خلال تسعينيات القرن الماضي». وأشار التقرير إلى أنه «من المرجح جدًا أن يكون العدو الإسرائيلي قد نجح في تجنيده بمساعدة جهاز المخابرات الأردني، عندما رافق العقيد ماهر الأسد [ و زميله العقيد بشير قره فلاح] إلى عمّان في مارس/آذار 2003 للقاء المدير العام السابق لوزارة الخارجية الإسرائيلية، إيتان بن تسور، أو أثناء قيامه بمهام خارجية، لا سيما في روسيا وفرنسا». وألمح التقرير إلى «سوابق أردنية» في هذا السياق، دون تحديدها. لكنه كان يشير - بالتأكيد - إلى أكبر عملية اختراق نفذها الموساد على قمة هرم النظام السوري بمساعدة الملك حسين وجهازه الاستخباراتي، عندما تمكنوا عام 1973 من تجنيد نائب رئيس الأركان لشؤون العمليات السوري، اللواء عبد الرزاق الدردري،وعدد من كبار الضباط في قيادة الجيش لعل أشهرهم  نائب وزير الدفاع ، اللواء عواد باغ أبزاغ . وبفضل هذين العميلين، وغيرهما، تمكن الملك الأردني - قبل بضعة أشهر من قيام «ملاك إسرائيل المصري» أشرف مروان، رئيس مكتب الرئيس السادات للإعلام، بإبلاغ إسرائيل بالتحضيرات السورية المصرية لما سيُعرف لاحقًا باسم «حرب يوم الغفران»، وفقًا للأرشيف الشخصي وأوراق ماركوس وولف، التي وضعها تحت تصرفي لكتابة «مذكراته العربية». [أجري هذا التحقيق قبل نشر كتاب « فيكتور إسرائيليان: داخل الكريملن خلال حرب أكتوبر، تحرير وترجمة نزار نيوف، لندن 2021». ويمكن مراجعة هذه المسائل في رابط الكتاب هنــا أو هنــا].

     أشار «التقرير النهائي» الذي قدمه رئيس مكتب الأمن القومي إلى رئيسه الأسد في 27 يوليو/تموز 2008، إلى أنه «بناءً على موافقة الرفيق الأمين العام للحزب [البعث]، رئيس الجمهورية، في 21 أبريل/نيسان 2008، خضع العميد سليمان واتصالاته الداخلية والخارجية، بالإضافة إلى أجهزة الكمبيوتر التي يستخدمها، للمراقبة والفحص طوال الأشهر الثلاثة الماضية (...). كما قام كل من الرفيق رئيس مكتب الأمن القومي [هشام الاختيار] والرفيق اللواء آصف شوكت، رئيس شعبة المخابرات العسكرية، باستجواب العميد سليمان ثلاث مرات، أنكر خلالها تعاونه مع الإسرائيليين، لكنه لم ينفِ احتمال أن يكون بعض الأشخاص الذين التقاهم في روسيا وفرنسا والأردن عملاء إسرائيليين دون علمه بذلك». ومع ذلك، كشف التقرير عن العثور على أكثر من 100 مليون دولار نقدًا في قبو منزله (50 مليون دولار، 20 مليون يورو، و5 ملايين جنيه إسترليني)، وخلص إلى استنتاجات حاسمة مفادها أن العميد سليمان لم يكن متورطًا فقط في اغتيال مغنية، بل أيضًا في «بيع أسرار خطيرة أخرى تتعلق بقضايا حساسة للأمن القومي»، ولا سيما أسرار «المفاعل النووي المزعوم» في موقع «الكبر» العسكري قرب مدينة دير الزور   للإسرائيليين، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، في أوائل عام 2007، فضلًا عن أسرار صفقة صواريخ «بانتسير إس-1» الروسية المضادة للطائرات، للفرنسيين خلال زيارته لباريس في النصف الأول من يوليو/تموز 2007. وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى أن «المصدر الأصلي لما نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية في 13 أغسطس/آب 2007 حول الصفقة، والذي استندت فيه إلى مصدر عسكري إسرائيلي، كان في الواقع سليمان نفسه». بالإضافة إلى ذلك، كشف التقرير أن:

 «أجهزة  الكمبيوتر الشخصية المحمولة التي كان يستخدمها العميد سليمان احتوت على عشرات الصور ومقاطع الفيديو الحديثة لعدة مواقع تابعة لمركز البحوث العلمية، بما في ذلك موقع حلبية-زلبية [الكبر] الذي دمره العدو الإسرائيلي في سبتمبر من العام الماضي، بالإضافة إلى صور ومقاطع فيديو حديثة تُظهر الشهيد عماد مغنية وهو يُلقي محاضرة على عدد من مقاتلي حزب الله في منطقة برية. وهذه الصور هي التي استخدمها القتلة للتعرف عليه. علاوة على ذلك، عُثر على العديد من عقود الأسلحة باللغة الروسية، بما في ذلك عقد شراء صواريخ بانتسير المضادة للطائرات. وتُعتبر هذه جميعها أسرار دولة لا يحق له الاحتفاظ بها خارج أماكن عمله الرسمية. وبسبب الصور ومقاطع الفيديو الخاصة بموقع حلبية-زلابية، تم توسيع نطاق التحقيق ليشمل الدكتور إبراهيم عثمان، مدير الهيئة السورية للطاقة الذرية، وجميع من رافقوه إلى اجتماعات الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا خلال السنوات الثلاث الماضية. وقد أثبت فحص أجهزة الكمبيوتر المحمولة الخاصة بهم خلوها من أي معلومات أو وثائق حساسة محظورة التخزين، كما لم يتعرض أي منها للقرصنة أو الإهمال في الإجراءات الأمنية. ومع ذلك، أفاد الدكتور عثمان وأعضاء آخرون من الوفود السورية في فيينا للمحققين بأن العميد سليمان تغيب عنهم مرتين بحجة ذهابه إلى السوق لشراء هدايا لزوجته وأولاده (...). وتؤكد هذه القرائن والأدلة الظرفية تورط العميد محمد كامل سليمان في عدد من عمليات الاختراق الأمني ​​المعادية للأمن الوطني السوري، ولا سيما اغتيال المقاوم عماد مغنية والعدوان الإسرائيلي على أحد مواقعنا العسكرية في دير الزور صباح السادس من سبتمبر الماضي».

    بالمناسبة،لا تقتصر فضح الرواية الإسرائيلية السخيفة، الشبيهة بأفلام هوليوود   ومغامرات غريندايزر، والتي قدمها رونين بيرغمان في كتابه المذكور آنفًا (الفصل 34، الصفحات 588-590)،والتي لا يزال يجترها صبيان «المقاومة والممانعة» و مهرّجوها، على هذه التفاصيل السرية الرسمية فحسب؛ بل إن غباء روايته نفسها وحماقتها يكشفان عن جهله بما كتب. فعلى سبيل المثال، يدّعي أن المفاعل السوري المزعوم «يقع على بعد أميال قليلة من ضفاف نهر الفرات»، بينما هو في الواقع لا يبعد سوى أقل من 700 متر عن النهر! والأكثر غباءً من ذلك هو ادعاؤه أن الموساد سرق حقيبة الدكتور إبراهيم عثمان في فندق بفيينا ونسخ محتوياتها من صور متعلقة بالمفاعل عندما كان يحضر اجتماعًا للوكالة الدولية للطاقة الذرية في يناير 2007». وفي الحقيقة، لم يحضر الدكتور إبراهيم عثمان ولا أي وفد آخر، حتى من جزيرتي هونولولو أو الواق واق، أي اجتماع للوكالة الدولية للطاقة الذرية في ذلك الشهر. لأنه، ببساطة، لم تعقد الوكالة أي اجتماع لها في يناير 2007، ولم تحدد موعداً لعقده أصلاً في ذلك التاريخ! [ حين كتبتُ لهذا النصّاب الأحمق بيرغمان رسالة بالعبرية حول ذلك (منشورة جانباً)، والتي تضمنت صورة مغنية الحديثة التي سلمها سليمان لمشغليه كي يتعرفوا عليه، عمد إلى وضع بلوك عليّ ، وتمكن - بما له من نفوذ موسادي - من إقفال حسابي على تويتر نهائياً في العام 2020، قبل أن تشتري لي زوجتي حساباً آخر بعلامة زرقاء صيف العام الماضي!].

    على أي حال، خلص تقرير رئيس مكتب الأمن القومي إلى اتهام العميد سليمان بـ « استغلال منصبه الحساس لبيع معلومات بالغة الحساسية تتعلق بالأمن القومي إلى جهات أجنبية، ربما بما في ذلك العدو الإسرائيلي، وهو ما يرقى إلى الخيانة العظمى». ولذلك، دعا التقرير «السلطة المختصة [القائد العام للجيش] إلى إحالة العميد محمد كامل سليمان إلى محكمة عسكرية وإنزال أشد العقوبات به وفقًا لقانون العقوبات العسكرية، ولا سيما المواد 155 و156 و158». وتجدر الإشارة إلى أن هذه المواد، المتعلقة بجرائم الخيانة العظمى والتجسس وتسليم المعلومات العسكرية للعدو، تنص على عقوبة الإعدام لأي جندي يرتكب أيًا منها.

«حزب الله» ينفذ حكم الإعدام بالجاسوس سليمان كـ«كبش فداء» لنظام الأسد

   بالطبع، لم يُحَل العميد سليمان إلى محكمة عسكرية، وهو أمرٌ كان شبه مستحيل، نظرًا للفضائح التي كانت ستلحق بالنظام. لكن في سوريا، يوجد نظام قضائي عسكري يُسمى «المحاكم الميدانية»، تُعقد جلساته سرًا ولا تتجاوز مدة أي منها بضع دقائق. وقد حاكمت هذه المحاكم وأعدمت آلاف السجناء السياسيين والجنائيين على مدى العقود الخمسة الماضية، سواء في سجن تدمر العسكري الصحراوي أو في مراكز الاعتقال التابعة لجهاز المخابرات العسكرية السورية وجهاز المخابرات الجوية. ومن الواضح أن سليمان لم يُحَل إلى محكمة مماثلة، وإلا لما قُتل في شاليهه بعد أربعة أيام من توجيه هذه الاتهامات إليه. ووفقًا لرسالة أرسلها اللواء أمين شرابة بعد تقاعده في صيف عام 2008 إلى صديقه الدبلوماسي الفرنسي، فإن قيادة النظام السوري «ناقشت أيضًا إمكانية إحالة العميد سليمان إلى محكمة ميدانية». لكن سرعان ما رُفض الاقتراح أيضاً، نظراً لعدم القدرة على إخفاء الأمر لفترة طويلة، سواء كان الحكم بالسجن المؤبد أو الإعدام. ومن الواضح أن السبب الوحيد الذي دفع النظام، وخاصة رئيسه، إلى استبعاد محاكمة سليمان، سواء أمام محكمة عسكرية نظامية أو ميدانية، لم يكن سوى الخوف من فضيحة مدوية، مع الأخذ في الاعتبار أن سليمان قد يمتلك شجاعة مفاجئة وغير متوقعة تدفعه إلى اللجوء إلى «خيار شمشون» فيهدم السقف عليه وعلى أعدائه، لأنه كان يعلم أكثر من أي شخص آخر أنه لم يتصرف بمفرده، على الأقل فيما يتعلق بالصفقة مع الأمريكيين «مغنية والجهاديين العراقيين مقابل الحريري». لذلك، استقر الرأي على «التخلص منه باغتيال غامض لا يُحدد فيه الجاني، وتكليف اللواء آصف شوكت، صهر الأسد ورئيس شعبة المخابرات العسكرية آنذاك، بتدبير الأمر في غضون أيام قليلة»، كما جاء في رسالة اللواء شرابة.

    شوكت، الذي التقى مساعد زعيم حزب الله لشؤون الاتصالات الأمنية، وفيق صفا، خلال التحقيقات في اغتيال عماد مغنية، واستمع منه إلى شهادات عديدة بشأن دور العميد سليمان، قرر على الفور إسناد مهمة التخلص من سليمان إلى حزب الله نفسه. لكنه اصطدم بإجراء شكلي يتعلق بـ«شرف الجيش العربي السوري وكرامته»، وهو أن تنفيذ حكم الإعدام بحق جندي سوري يجب أن يتم على أيدي جنود سوريين فقط. ولذلك تم التوصل إلى حل وسط يقضي بأن يكون منفذ الإعدام جنديًا سوريًا، لكن كعضو في فرقة كوماندوز يرسلها حزب الله ويديرها بحرًا، لإيهام الناس بأن الإسرائيليين هم من اغتالوا سليمان.

   وبحسب إفادة خطية من مطلق النار هذا (X)، الذي كان برتبة رقيب أول وينتمي إلى قرية اللواء شوكت نفسها، «المدحلة»، في الريف الجنوبي لمدينة طرطوس الساحلية، والذي تمكنت من الوصول إليه بعد سنوات من البحث وبعد مقتل شوكت نفسه في انفجار مقر مكتب الأمن القومي في 18 يوليو 2012، فإن فريق الإعدام كان يتألف من حوالي عشرة رجال، بما في ذلك مجموعة الدعم اللوجستي وقائد القارب الذي نقلهم من نقطة جنوب طرطوس.

 «كانوا جميعًا يتحدثون اللهجة اللبنانية، وكنتُ السوري الوحيد بينهم (...). في مساء ذلك اليوم، الذي لن أنساه ما حييت، استدعاني اللواء آصف شوكت وأخبرني أنني سأنفذ حكم إعدام بحق جاسوس خطير لإسرائيل في شاليهه الخاص في منتجع الرمال الذهبية [على بُعد حوالي 12 كيلومترًا شمال ميناء طرطوس]، لكنه لم يذكر اسمه لي. كل ما قاله لي هو أن دوري الوحيد سيكون إطلاق النار عليه من مسدس ماكاروف مزود بكاتم صوت، وأنه عليّ اتباع تعليمات شخص يُدعى أبو علي، والذي بدا أنه قائد العملية، بينما سيتولى باقي أعضاء الفريق جميع المهام اللوجستية الأخرى. كما شدد على ضرورة أن أحافظ على سر العملية طي الكتمان إلى الأبد، وإلا سألقى المصير نفسه  (...).عندما وصلنا إلى مكان قريب من الشاليه، اتصل أبو علي بشخص ما عبر جهاز لاسلكي وأخبره بكلمة بدت وكأنها إشارة أو كلمة مرور،فانقطعت الكهرباء على الفور وساد الظلام في المنطقة. وفي غضون ثوانٍ، كنا أنا وثلاثة آخرون على ترّاس بعد أن ارتدينا أقنعتنا. لم أعد أتذكر عدد الأشخاص الذين كانوا يجلسون في الترّاس. ربما كانوا أربعة أو خمسة، رجالاً ونساءً. كل ما أتذكره هو أن أبو علي، مستخدمًا مصباحًا ليزريًا أخضر، وجّهه نحو أحد الجالسين حول طاولة، وأطلقت الرصاصة الأولى من مسدسي على رأسه من مسافة قريبة جدًا، فسقط من على كرسيه على الفور. ثم أطلق أبو علي، وربما شخص آخر أيضًا، ثلاث أو أربع رصاصات أخرى عليه، وانسحبنا على الفور نحو القارب. استغرقت العملية أقل من ثلاث أو أربع دقائق منذ لحظة نزولنا من القارب (...). كانت تلك المرة الأولى التي أقتل فيها شخصًا، ولم أكن أعرف من هو حتى اليوم التالي حين سمعت من القنوات الفضائية العربية أن مستشار الأمن للرئيس الأسد، العميد محمد سليمان، قُتل على يد فريق من قوات الكوماندوز البحرية الإسرائيلية في   شاليهه الخاص في طرطوس (...). لم يكن لدي شك في أنني قتلت جاسوسًا، وأن رئيسي [شوكت] كان ينفذ أوامر الرئيس الأسد، ولم يكن ليكلفني بقتل [سليمان] لو لم يكن جاسوسًا إسرائيليًا»، أضاف منفّذ عملية الإعدام.

    بعد أربع سنوات، في 18 يوليو 2012، قام العقيد ماهر الأسد، شقيق رئيس النظام، (بالتعاون مع مدير إدارة المخابرات العامة علي مملوك)، بتفجير غرفة الاجتماعات الرئيسية لمكتب الأمن القومي وقتل أعضاء ما يسمى بـ «خلية الأزمة»: صهر الأسد اللواء آصف شوكت، ووزير الدفاع العماد داود راجحة، والعماد حسن تركماني، مساعد نائب الرئيس فاروق الشرع، واللواء   الاختيار نفسه، رئيس مكتب الأمن القومي، الذي توفي بعد أيام قليلة متأثراً بجراحه، بينما نجا - بأعجوبة- نائب الاختيار لشؤون مكافحة الإرهاب، اللواء أمين شرابة ، الذي كان جرى استدعاؤه للخدمة الاحتياطية عند اندلاع الانتفاضة الشعبية في ربيع عام 2011، نظراً لوجوده في غرفة مجاورة واقتصار إصابته على جروح طفيفة في أحد ساعديه.  فطبقاً للوثائق والمعلومات الخاصة التي وضعها الوزير المعلم بتصرفي، قام ماهر الأسد، بالتنسيق مع مدير إدارة المخابرات العامة، اللواء علي مملوك، الذي سيخلف الاختيار في منصبه بعد أيام قليلة من المجزرة، بزرع متفجرات من نوع معين على طاولة اجتماعهم من خلال عميله حسن حموي، أحد مرافقي الاختيار، والذي أكشف عن اسمه لأول مرة! السبب غير المعلن هو أن بعض الضحايا، بالإضافة إلى نائب الرئيس آنذاك فاروق الشرع، الذي كان رهن الإقامة الجبرية منذ نهاية عام 2011 (ولا يزال كذلك حتى الآن)، وضعوا خطة، بالتنسيق مع الفريق ألكسندر شلياختوروف Александр В. Шляхтуров ، رئيس المخابرات العسكرية الروسية (GRU)، للإطاحة بعائلة الأسد عبر انقلاب أبيض، وتشكيل سلطة انتقالية مؤقتة برئاسة الشرع لتجنيب سوريا حربًا أهلية مدمرة. لكن بوتين «باع» هؤلاء «المتآمرين» للأخوين الأسد ، بشار و ماهر، وفقًا لوثائق رسمية تمكنت من جمعها حتى الآن حول هذه القضية،بما في ذلك رسالة سرية أرسلها الشرع إلى أحد أصدقائه الروس المعارضين لسياسة الكرملين تجاه سوريا. لكن هذه قصة أخرى. ( تحتل قصة شلياختوروف، كما رواها لي في العام 2013 صديقة الأدميرال إيغور كاساتانوف، القائد السابق لأسطول البحر الأسود، مساحة كبيرة مع وثائقها في كتابي «عشرة أيام هزّت بلاد الشام ... نظام الأسد قياماً وركاماً»، الذي يبدو أنه لن ينشر وأنا على قيد الحياة!).

֎֎֎

     بعد أن انتهيت من تصفح الوثائق والشهادات المتعلقة بهذا التحقيق، لم يخطر ببالي سوى نوآم تشومسكي. في أحد أيام العام ٢٠٠٤، اتصلت به لأطلب مساعدته في حملة إعلامية أكاديمية عالمية كنت أنسقها لإطلاق سراح الاقتصادي السوري، أستاذي في أوائل الثمانينيات، د.عارف دليلة، الذي كان لا يزال رهن الاعتقال في زنزانة انفرادية منذ سبتمبر ٢٠٠١ بسبب محاضرة ألقاها عن الفساد. خلال الحديث، قال تشومسكي بأسلوبه الساخر اللاذع: «لا يمكن لأي عالم سياسي أن يفهم كيف تُصنع السياسة في مثل هذه البلدان. ​​وحده ضابط شرطة جنائية يستطيع ذلك، لأننا نواجه نقابات جريمة منظمة، لا دولًا ولا حكومات». و ربما فاته إضافة: «عشيرة سورية خاصة من سلالة آل كابوني»!

لندن ، 15 سبتمبر 2020 .