عملية «معسكر شيناو» التي انتهت في هذا اليوم :
بطلها المجهول «علي دوبا»؛ أما نصّاب العرب الأكبر،الدجال «محمد حسنين هيكل»، فنسبها في كتابه، الذي مولته وكالة المخابرات المركزية،إلى ...«الجنرال...حُسْن الحظ»!
(تقرير «علي دوبا» إلى «الأسد» عن سير العملية على الأراضي التشيكسلوفاكية والنمساوية والنجاح في تضليل الإسرائيليين بشأن تاريخ وتوقيت «حرب أكتوبر» 1973)
(*) ـ من أجل تصفح الصور بحجمها الأصلي والروابط الزرقاء في مصدرها، يرجى النقر عليها.
ـــــــــــــــــــــ
يومها تحولت مجادلتي معه إلى فضيحة بعد أن نشرها «اتحاد علماء الفيزياء الأميركي» من ضمن ملف ضخم من حوالي ألفين وثلاثمئة صفحة عن قضية «موقع دير الزور». فقد جمع «الاتحاد» كل ما نشر حول الموقع من نقاشات ومجادلات علمية وتقارير صحفية، واستمر بتغذيته بالمعلومات والصور والمواقف حتى العام 2018. وفي هذا الملف تساءل معدوه - بعد حذف التعابير الفاحشة والمهينة طبعاً -: «كيف لصحفي غير مؤهل في قضايا المفاعلات النووية، ولا علاقة له بالفيزياء النووية من حيث تأهيله العلمي، أن يحوّل متخصصاً شهيراً وكبيراً مثل دافيد أولبرايت إلى أضحوكة ويجعله يغيّر رأيه كل يوم»!؟ و بررتُ يومها وجود ذرات اليورانيوم البشرية في الموقع (أي الذرات غير الطبيعية، والمولَّدة بتدخل تصنيعي بشري) بأنها من مخلفات القنابل خارقة للأعماق التي استخدمتها إسرائيل لتدميره، والتي تحتوي على اليورانيوم المنضب بطبيعة الحال، من أجل تمكينها من اختراق الأرض بعمق عشرات الأمتار.
بعد تلك القصة أصبحنا أنا والمعلم على علاقة وثيقة من تحت الطاولة، لا يمكن وصفها «صداقة» بطبيعة الحال؛ ولكن نوعاً من «التواطؤ الوطني»، إذا جاز القول، أو نوعاً من العلاقات التي يجمعها هدف مشترك هو الدفاع عن المصالح الوطنية السورية، أي «مصالح الدولة» لا «مصالح السلطة»، بغض النظر عن الخندق السياسي لكل منا. وبقيت اتصالاتنا السرية حتى رحل عن هذا العالم، والتي تخللها - بعد رسالته الأولى تلك بحوالي شهر- لقاء وحيد بعيداً عن الأعين في أحد دهاليز فندق «إنتركونتننتال لو غراند» في باريس حيث كان ينزل خلال زيارة رسمية له إلى فرنسا في 4 تموز / يوليو 2008. وقد اضطررت يومها - كما يفعل رجال المافيا في الأفلام!-إلى التنكر بلحية وبيروكة ونظارات سوداء وقبّعة كابوي،وحملت بيدي نسخة من صحيفة«لومانيتيه»لكي يعرفني! وأذكر أنه ضحك من أعماق قلبه حين رآني بهذا النظر، وعلّق : «شو عامل بحالك؟ كيف راكبة معك هي الخلطة؟ كابوي وصحيفة الحزب الشيوعي مع بعضهم»؟ وكان على درجة من اللطف والتواضع بحيث أنه استأذنني في استخدام محاججاتي ومراسلاتي مع أولبرايت في ردوده على مفتشي وكالة الطاقة الذرية الدولية ، الأمر الذي تسبب له بمشكلة محرجة، كما أخبرني لاحقاً. فقد سأله كبير مفتشي الوكالة المسؤولين عن الملف السوري، الفنلندي أولي هاينونن Olli Heinonen، «سيادة الوزير، ألا تشعرون - كحكومة سورية - بالخجل حين تلجؤون في دفاعكم عن موقفكم إلى صحفي معارض سبق لكم أن وضعتوه في السجن وجعلتوه مُقعداً بسبب التعذيب»!؟ وغني عن البيان والتذكير أن هاينونن، وبعد أن غادر وكالة الطاقة الذرية، أصبح يعمل مستشاراً لدى جهات أميركية - صهيونية نافذة تقوم بمطاردة حتى منجنيق من العصور الوسطى أو مقلاع يمكن أن تتسلح به إحدى الدول الخارجة على شريعة الرب الأميركي وكلبه الرب الإسرائيلي!
ولكن لماذا هذه المقدمة التي تبدو خارج الموضوع ومن نوافل الأمور؟ لأمر بسيط يتعلق بما أحب الإشارة إليه والتذكير به دوماً، وهو أنني كنت ولا أزال أميز دائماً بين مصالح الدولة / الوطن ومصالح السلطة الحاكمة، ومستعداً لأن أمنح حتى جلاداً مثل علي دوبا «شهادة حسن سلوك وطني» ( وهو ما سأفعله اليوم) إذا فعل شيئاً لخدمة بلادنا، رغم أنه الشخص الذي تسبب لي بعاهات جسدية أبدية، وفعل نظامه ما فعل بأسرتي، وطرد ثلاثة من أخوتي (أمجد، صلاح، ممدوح) في يوم واحد من وظائفهم كمدرسين، وتسبب جهازه بـ «إخفاء/ اختفاء» ابنتي الوحيدة منذ أن كانت في الثامنة من عمرها في العام 1998، وجرى شطبها من سجلات النفوس السورية، وحتى من سجلات الولادات في «مشفى الزهراوي» بدمشق حيث وُلدتْ في العام 1990، فبدا الأمر كما لو أنه «حكم بالإعدام» بحق طفلة، أو كأنها لم تولد أصلاً!
دافع آخر لا بد من الإشارة إليه في هذا السياق، وهو أن الحقد، أياً كان نوعه (شخصياً أو سياسياً أو دينياً/ طائفياً)، فضلاً عن أنه من بقايا غرائز الحيوانات التي احتفظ بها البشر خلال مسيرة تطورهم البيولوجي الطويلة من مرحلة القردة،لا يمكن أن يقود الناس والمجتمعات إلا إلى البقاء والمراوحة في عالم الحيونة والانتهاء الحتمي إلى التهلكة. أو كما قال الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «الغضب مستشار سيئ، لكن الحقد مرشد أسوأ منه في السياسة».
֎֎֎
في 28 أيلول / سبتمبر 1973،استفاق العالم على ما وصفته وسائل الإعلام يومها بـ «عملية إرهابية» في النمسا، وقف وراءها «إرهابيون فلسطينيون». فقد جرى احتجاز قطار قادم من تشيكسلوفاكيا وعلى متنه مهاجرون يهود من الاتحاد السوفييتي ودول أوربا الشرقية الأخرى إلى «معسكر شيناوSchoenau» النمساوي القريب من الحدود مع تشيكسلوفاكيا، قبل ترحيلهم إلى إسرائيل. وكان المعسكر أنشىء لهذه الغاية ( تجميع يهود دول أوربا الشرقية قبل نقلهم إلى إسرائيل) منذ أن قطعت تلك الدول (باستثناء رومانيا) علاقاتها مع إسرائيل على أثر عدوانها في حزيران/ يونيو 1967. وقد تبين أن المسؤول عن العملية فريق كوماندوز فلسطيني من منظمة «الصاعقة» التابعة لسوريا. أما هدف العملية المعلن أو الظاهر فكان المطالبة بإغلاق «معسكر شيناو» و ترحيل عناصر الكوماندوز إلى بلد عربي مقابل إطلاق الرهائن. أما الهدف الحقيقي من العملية فبقي مجهولاً طوال خمسين عاماً، وإلى أن نشرتُ أول وثيقة سورية عن العملية في ملحق وثائق الجزء الأول من كتاب «داخل الكريملن خلال حرب أكتوبر وما بعدها» في العام 2020.
على مدار العقود الماضية، وهذا ما يمكن تلمسه في التقارير الصحفية المنشورة عن العملية، كان ثمة انطباع وإجماع في الغرب، وحتى في أوربا الشرقية نفسها، أن يوري أندروبوف، رئيس لجنة أمن الدولةKGB في الاتحاد السوفييتي يومها،هو من وقف وراء العملية بهدف إغلاق المعسكر و وقف الضغوط الأميركية والإسرائيلية على موسكو بشأن وضع مواطنيه اليهود الذين كان أندروبوف يرفض السماح لهم بالهجرة، بل واعتقل العديد منهم مثل عالم الفيزياء، أبي القنبلة الهيدروجينية السوفييتية أندريه ساخاروف، والمعارض ناتان شارانسكي (الذي أصبح لاحقاً مستشاراً لـبنيامين نتنياهو، و وزيراً في إحدى حكوماته)، لأنهم سيذهبون إلى إسرائيل، رغم أن أندروبوف نفسه كان ينحدر من الطائفة اليهودية. لكن تبين أن السوفييت لم يعلموا بالعملية إلا من وسائل الإعلام، كما غيرهم!
أما نصّاب العرب الأكبر،وكبير دجاليهم ومشعوذيهم، محمد حسنين هيكل نفسه، وفي أحد كتبه («الطريق إلى رمضان» )، وهو واحد من ثلاثة كتب نشرها باسمه بالإنكليزية رغم أن رئيس محطة وكالة المخابرات المركزية في القاهرة هو المؤلف الحقيقي لها، أو على الأقل شريك في تأليفها(1)، ذهب في هذا الكتاب (ص 7) إلى حد الزعم الأهبل بأن «عملية شيناو» كانت مجرد «مصادفة» من فعل «الجنرال حُسْن الحظ»، كونها جاءت قبل حرب أكتوبر ببضعة أيام وساعدت مصر على تضليل الإسرائيليين أمنياً بشأن الاستعدادات المصرية للحرب، وأجبرتهم على الانشغال بالعملية وتركيز اهتامامتهم الأمنية على أوربا من أجل تحرير الرهائن اليهود!وكان لدى هيكل كل صنوف الوقاحة والصفاقة لكي يتجاهل أو يتناسى أو يتغاضى عن حقيقة أن صديقه وشريكه أشرف مروان كان يخبر الإسرائيليين ساعة بساعة حتى بتحرك قافلة طنابر في شوارع القاهرة، وبعدد المرات التي كان يخرج فيها جمال عبد الناصر، ثم السادات، إلى التواليت يومياً! ( وهذا ليس مزاحاً أو سخرية، بل حقائق أصبحت موثقة ومعروفة منذ ربع قرن).
في الواقع كانت محاولة أولى للقيام بهذه العملية قد جرت قبل ذلك بثلاثة أيام من خلال دخول الفدائيين إلى النمسا عبر مطار فيينا مباشرة، لكنها فشلت بسبب شكوك أمنية أبداها رجال أمن المطار الذين منعوهم من دخول النمسا. وعندها توجه هؤلاء ( أو مجموعة احتياطية أخرى) إلى تشيكسلوفاكيا المجاورة و ركبوا القطار من داخل إحدى مدنها (براتيسلافا)،قبل أن يسيطروا عليه بعد دخوله الأراضي النمساوية. ولهذا السبب اتهمت تقارير صحفية ومخابراتية غربية جهاز مخابرات تشيكسلوفاكيا بأنه «قدم دعماً لوجستياً وأمنياً للكوماندوز الفلسطيني لتنفيذ عمليته». وزعمت هذه التقارير أن المخابرات التشيكية كانت علم بهذه العملية «قبل ستة أشهر»! وهذا هراء بطبيعة الحال، لأن العملية لم يتم التفكير بها والتخطيط لها إلا بعد اتفاق مصر وسوريا على التاريخ النهائي لبدء الحرب (6 أكتوبر) خلال زيارة سرية قام بها أنور السادات إلى دمشق في الفترة من 25 إلى 27 آب / أغسطس 1973! (توقيت الحرب من حيث الساعة جرى الاتفاق عليه لاحقاً خلال زيارة سرية قام به إلى دمشق يوم الأربعاء ، 3 أكتوبر، وزير الحربية المصري، الفريق أحمد اسماعيل علي ، و رئيس هيئة العمليات المشتركة بين البلدين، اللواء بهي الدين نوفل).
كانت العملية مخططة بشكل ممتاز، لوجستياً وسياسياً، لولا بعض المفاجآت التي لم يكن ممكناً توقعها. فقد جرى تنفيذها قبل يوم واحد من قيام رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير بزيارة إلى مقر«المجلس الأوربي» في ستراسبورغ (30 سبتمبر/ 2 أكتوبر). وقد اضطرت إلى قطع زيارتها والتوجه إلى فيينا مباشرة لمقابلة المستشار النمساوي برونو كرايسكي حين علمت بأنه وافق فوراً على شروط «الإرهابيين» ، بما في ذلك إغلاق «معسكر شيناو» و السماح لهم بالتوجه إلى أي بلد يختارونه دون اعتقالهم. وكان كرايسكي، المنحدر من الطائفة اليهودية، معادٍ بشدة للصهيونية، وأول زعيم غربي يعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية، ويعتبر - في مقولة شهيرة له - أن «الصهيونية هي الحل الأسوأ للمسألة اليهودية». وبعد ذلك بعامين أصدر بياناً شهيراً (بيان 21 أكتوبر 1975) قال فيه «لا يوجد دليل علمي يثبت وجود شعب اسمه الشعب اليهودي»، في إشارة إلى أن اليهود، كما هو ثابت علمياً، ليسوا شعباً، بل طائفة دينية ينحدر المؤمنون بها، كونها ديانة تبشيرية (بخلاف ما يعتقده بعض الحمير والجهلة) مما لا يقل عن أربعين عرقاً وقومية من مختلف أنحاء العالم، كما المسلمين والمسيحيين. ورغم محاولاتها وضغوطها على كرايسكي، بما في ذلك اللعب على «مشاعره اليهودية»، فشلت في إقناعه بعدم الاستجابة لمطالب «المخربين»، وبأن يقوم باعتقالهم. وفور أن عادت إلى إسرائيل، عقدت مؤتمراً صحفياً شنت فيه هجوماً عنيفاً على كرايسكي، اتهمته فيه بأنه «متنكر ليهوديته وكاره نفسَه كيهودي..». ولم تكتفِ بذلك، بل وصلت بها وقاحتها الفاجرة إلى حد اتهامه بالعلاقة والتعاطف مع النازية خلال الحرب العالمية الثانية! وكشفت خلال المؤتمر أن كرايسكي أبلغها بأن «النمسا لن تقبل باستمرار هذا الوضع» (تحويل أراضيها إلى معبر للمهاجرين اليهود السوفييت ومن باقي دول أوربا الشرقية الأخرى)،وإنه هو شخصياً«كان ولا يزال يعتقد جازماً بأن الصهيونية لا يمكن أن تكون حلاً للمشكلة اليهودية». وادعت بأن كرايسكي «رفضَ حتى تقديم كأس ماء لها خلال استقباله لها في مكتبه». ولعل الصورة التي تجمعها معه تؤكد ما قالته، فقد خلت الطاولة أمامها من وجود حتى كأس ماء،وحتى من منفضة سجائر،رغم أنها كانت مدخنة شرهة جداً للسجائر غيرالمفلترة من نوع « تشيسترفيلد»، وهو دخانها المفضل!
بعد سنوات طويلة على هذه الأحداث، وفي العام 2002، اتفقت مع الدكتور فيكتور إسرائيليان، نائب آخر وزير خارجية سوفييتي،الذي كان أصبح يومها أستاذأ في قسم التاريخ بجامعة بنسلفانيا الأميركية،على إعادة تحرير كتابه «داخل الكريملن خلال حرب أكتوبر» وترجمته إلى العربية في ضوء الوثائق التي لم تكن متوفرة له حين نشر كتابه للمرة الأولى في العام 1997. وقد اضطررت يومها إلى مراجعة أكثر من ثلاثين ألف صفحة من الوثائق والمذكرات والتقارير بالإنكليزية والفرنسية والعبرية والعربية والروسية؛ ولكن - بشكل خاص - وثائق مخابرات ألمانيا الشرقية التي كان وضعها مؤسسها ورئيسها ماركوس فولف بتصرفي لكتابة مذكراته عن العالم العربي، ومن بينها الدراما الاستخبارية والديبلوماسية التي سبقت ورافقت وتلت الحرب خلف الكواليس. وكان من بين تلك الوثائق تقرير سري رفعه العقيد علي دوبا، الذي كان يومها نائباً لرئيس شعبة المخابرات العسكرية (حكمت الشهابي)، إلى حافظ الأسد بتاريخ 29 أيلول/سبتمبر 1973، أي قبل اندلاع الحرب بأسبوع واحد. ومن الواضح أن سفارة ألمانيا الديمقراطية في دمشق حصلت على التقرير من جهات رسمية سورية في 18 أكتوبر 1973، كما يشير خاتم السفارة (2).
يتضح من التقرير أن الأسد كان كلف علي دوبا بالإشراف على تنفيذ العملية بالاعتماد على فدائيين من «قوات الصاعقة»، وأن الغاية منها كانت تشتيت انتباه الإسرائيليين عن التحضيرات العسكرية التي كانت جارية لشن الحرب. ومن أجل ضمان سرية مطلقة، وعدم تسرب محتواه، جرى تسليم التقرير باليد من قبل ضابط مكلف، وليس عبر البريد الرسمي الروتيني، كما تشير العبارة في أعلى ويسار التقرير. وهذا إجراء معروف تلجأ إليه الدول خلال التحضير لحرب أو لعمل خطير كي تمنع أي احتمال بتسرب المعلومات إلى العدو. لكن أكثر ما يلفت الانتباه في التقرير إشارته إلى أن العملية جاءت «بناء على توجيهات وأوامر حافظ الأسد لشعبة المخابرات في الأمر رقم 7، تاريخ 12 أيلول / سبتمبر، بالقيام ما تراه مناسباً لتشتيت انتباه العدو وأجهزته الأمنية والسياسية والإعلامية عن تحركات قواتنا المسلحة على الجبهة السورية»، وفق منطوق الأمر العسكري المعطى للشعبة والغاية منه.
ما يلفت الانتباه أيضاً هو أن التعليمات المعطاة للفدائيين كانت تتضمن عدم اللجوء إلى استخدام السلاح إلا عند الضرورة القصوى، وعدم التسبب للركاب بأي أذى؛ والمماطلة في المطالب والمفاوضات قدر الإمكان ، بحيث تستغرق العملية أطول وقت ممكن، وعدم التوجه إلى سوريا أو مصر بأي حال من الأحوال، بل إلى ليبيا كخيار أول ، والجزائر كخيار ثانٍ واليمن الجنوبي كخيار ثالث. لكن سرعة استجابة كرايسكي لمطالبهم لم تمكنهم من المماطلة في الوقت أكثر من يومين أو ثلاثة. ومع ذلك أدت الغرض السري منها ( إرغام الأجهزة الأمنية والسياسية الإسرائيلية على تحويل أنظار اهتمامها نحو أوربا خلال تلك الأيام، وإشغالها بقضية الرهائن)، فضلاً عن الهدف الظاهري المعلن (إغلاق معسكر «شيناو» و وقف تحويل الأراضي النمساوية إلى معبر ليهود أوربا الشرقيين إلى إسرائيل). كما وافق كرايسكي على وضع طائرة بتصرفهم نقلتهم إلى ليبيا. وهنا، في ليبيا، وبناء على طلب سلطات النظام السوري، كما يتضح من تقرير علي دوبا، جرى عزلهم عن العالم فور وصولهم، ومنع الصحافة من التواصل معهم، على الأقل حتى اندلاع الحرب، رغم أنهم لم يكونوا يعرفون الهدف الحقيقي من العملية التي نفذوها!
هنا النص الحرفي لتقرير علي دوبا (بما في ذلك الأخطاء النحوية والإملائية)، الذي تجدون صورة عنه منشورة جانباً. علماً بأني كنت نشرته قبل سنوات في ملحق الوثائق الخاص بالجزء الأول من كتاب «داخل الكريملن ..»:
إلى : سيادة القائد العام
سري للغاية / يسلم باليد من قبل الضابط المكلف
لاحقاً لكتاب شعبة المخابرات رقم /٢٦ م ق ع تاريخ 11 / 9 / 1973، و عطفاً على موافقة السيد القائد العام في الأمر رقم 7 تاريخ 12 / 9 / 1973، المتضمن تكليف الشعبة بما تراه مناسباً لإشغال العدو وتشتيت انتباه أجهزته الأمنية والسياسية والإعلامية عن تحركات قواتنا المسلحة على الجبهة السورية، نحيط سيادتكم علما بما تم حتى ساعة إعداد هذا التقرير 1100 ، 29 / 9 / 1973:
1) - نجح عدد من الفدائيين الفلسطينيين التابعين لمنظمة طلائع حرب التحرير الشعبية (قوات الصاعقة) يوم أمس 28 أيلول/ سبتمبر بالسيطرة على قطار ينقل مهاجرين من اليهود السوفييت من مدينة ( براتيسلافا) التشيكية إلى (معكسر قلعة شيناو) النمساوية الملاصقة للحدود مع تشيكسلوفاكيا ، الذي يستخدم لتجميع يهود أوربا الشرقية ونقلهم إلى إسرائيل والدول الغربية، ولا تزال العملية مستمرة حتى ساعة إعداد هذا التقرير.
2)ـ لم تجري العملية كما كان مخطط لها بدقة من قبل الجهة المعنية في الشعبة والرفاق في منظمة (الصاعقة) بسبب حصول مفاجآت أمنية وفي حركة رحلات القطارات بين الدولتين، وبسبب وجود ركاب عاديين على رحلة القطار بالإضافة إلى اليهود المهاجرين. ولهذا لم يستطيع الفدائيون احتجاز سوى خمسة يهود، بالإضافة إلى ضابط نمساوي من شرطة الحدود اضطر منفذي العملية لاحتجازه دون تخطيط مسبق.
3) - التزم الفدائيون بالتوجيهات المعطاة لهم، ولاسيما عدم التعرض لليهود وبقية الركاب بأي أذى إلا في حالة الضرورة القصوى عند الدفاع عن النفس . وجميع المعلومات الواردة حتى ساعة إعداد التقرير أفادت بأن الفدائيين لم يكونوا بحاجة لاستخدام العنف.
4) ـ وفق ما أبلغنا به الأمين العام لمنظمة الصاعقة، الرفيق (زهير محسن )(3) ، عند التاسعة من صباح اليوم، فإن المفاوضات بين الفدائيين والحكومة النمساوية قد تنتهي عصر اليوم ، لكن التوجيهات المعطاة لهم تقضي أن يطيلوا المفاوضات بالممطالة والتسويف وتغيير مطالبهم أطول وقت ممكن حسب الخطة . لكن يبدو أن المستشار النمساوي (برونو كرايسكي) أبلغ المفاوضين بأن الحكومة وافقت على مطلب الفدائيين بإغلاق معسكر استقبال اليهود في (شيناو) و وضع طائرة خاصة بتصرفهم لنقلهم إلى أي بلد عربي يريدونه ويقبل استقبالهم ( لدى الفدائيين توجيهات مشددة بأن لا يتوجهوا إلى سورية أو مصر مهما كلف الأمر، وأن يطلبوا التوجه إلى ليبيا كخيار أول والجزائر كخيار ثاني واليمن الجنوبي كخيار ثالث ).
5 ) ـ بعد الاتصالات التي أجراها الأستاذ ( عبد الحليم خدام) وزير الخارجية مع نظيره الليبي السيد (منصور كيخيا )، اتصل الرائد (عبد السلام جلود) رئيس الحكومة الليبية صباح اليوم وأبلغنا بأن ليبيا مستعدة لاستقبال الفدائيين في أي لحظة، ووضعهم في مكان منعزل وعدم السماح لأحد بالحديث معهم حتى إشعار آخر من الحكومة السورية. وقد جرى إبلاغ الفدائيين بذلك بالطرق الخاصة كما أفادنا الرفيق (زهير محسن).
6) ـ على الرغم من فشل المحاولة الأولى للفدائيين بدخول النمسا في 25 أيلول، حيث منعوا من دخول مطار فيينا بسبب شبهات أمنية، وعلى الرغم من بعض المفاجآت الغير محسوبة والأخطاء التي ارتكبها منفذي المحاولة الثانية، إلا أن العملية نجحت حتى الآن في تحقيق الغرض منها وهو ( إشغال حكومة العدو وأجهزتها الأمنية والإعلامية بشكل كامل وتحويل أنظارها إلى منطقة أخرى بعيدة عن منطقتنا ). ومن المتوقع أن تستمر حالة الانشغال خلال الأيام القادمة كما يستفاد من ردود فعل حكومة العدو الإسرائيلي ورئيستها (غولدا مائير).
7) ـ سيجري إبلاغ سيادتكم بأية تطورات حالما تبلغنا بها.
ولكم الأمر سيدي القائد العام.
دمشق : في 29 أيلول 1973
عن / رئيس شعبة المخابرات
نائب رئيس الشعبة
العقيد الركن علي عيسى دوبا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش :
(1) ـ أصدر العميل البريطاني – الأميركي، محمد حسنين هيكل ثلاثة كتب على الأقل بالإنكليزية كانت من تحرير وكالة المخابرات المركزية، ولاسيما رئيسي محطتها في القاهرة، يوجين ترون وخليفته آرثر مارش ناينر. وهذه الكتب هي ، إضافة لكتاب «الطريق إلى رمضان»، «قطع ذيل الأسد: السويس بعيون مصرية» (الذي ترجمه إلى العربية بعنوان «أبو الهول والقوميسار ...»، و «وثائق القاهرة». وكانت الغاية منها دس معلومات وأكاذيب وفبركات مختلفة من صناعة وإنتاج وكالة المخابرات المركزية والمخابرات البريطانية،من أجل تشويه سمعة الاتحاد السوفييتي والشيوعية في مصر والعالم العربي. علماً بأن «إدارة بحوث المعلومات» في المخابرات البريطانية كانت تزوده ( مع مئات الصحفيين الآخريين من عملائها حول العالم) بنشرة دورية من الأكاذيب والإشاعات المفبركة من أجل تضمينها في تقاريرهم. (راجع هنا حول هذه القضية، خصوصاً بعد انفجار فضيحتها في الكونغرس الأميركي بفعل تحقيقات «لجنة السيناتور تشرش»: الهامش 1، الصفحة 77 ).
(2) ـ خلال تحرير وترجمة كتاب «داخل الكريملن..»، أبلغني سفير ألمانيا الديمقراطية في سوريا خلال حرب أكتوبر، الدكتور فولفغانغ كونشل، أنه حصل على هذا التقرير من رئيس فرع المخابرات الجوية، العقيد محمد الخولي، الذي كان على علاقة وثيقة مع الألمان الشرقيين.
(3) ـ اغتيل زهير محسن لاحقاً( تموز/ يوليو 1979) بينما كان متوجهاً إلى شقته في مدينة «كان» الفرنسية. ورغم أن ملف التحقيق الفرنسي في قضيته بقي مغلقاً حتى اليوم، إلا أن تسريبات «الموساد» تؤكد أنها هي من وقفت وراءه «بسبب مسؤوليته عن عملية معسكر شيناو»، رغم أنه لم يتعرض أي يهودي من المهاجرين إلى الأذى. أما صحيفة «السفير» اللبنانية فكشفت بتاريخ 26 تموز / يوليو 1979 ان المخابرات المصرية متورطة في العملية، فقد قدمت معلومات لـ «الموساد» عن وجود زهير محسن في فرنسا في ذلك التاريخ، وحددت عنوان شقته. وذهبت الصحيفة إلى حد اتهام المفكر والكاتب المصري الشهير لطفي الخولي بأنه هو من كان أداة المخابرات المصرية/ الساداتية في ذلك، لأن زهير محسن كان في ضيافته قبل اغتياله بدقائق. ومن المعلوم أن الخولي بدأ حياته شيوعياً، قبل أن يتحول إلى الناصرية ثم «الساداتية». فقد أصبح في طليعة المثقفين المصريين المدافعين عن التطبيع، بل وصديقاً شخصياً لضابط الموساد الشهير ديفيد كيمحي!








