الخديعة المصرية الكبرى: العبور المصري على ... جثث ستة آلاف جندي سوري
هكذا تآمر الأوغاد الثلاثة مع إسرائيل لتدمير الجيش السوري من أجل... إنقاذ جيشهم من الهلاك المحتوم. ومع ذلك لم يستفيدوا شيئاً، وذهب عشرات الآلاف من جيشهم ... أسرى يأكلون القمامة والحشائش!
مخابرات ألمانيا الشرقية زرعت أجهزة تنصت في منزل رئيس محطة الـCIA والسفارة الإسبانية في القاهرة وضبطت المجرمين الثلاثة قبل سنوات طويلة من اعتراف «كيسنجر» بها!
ــــــــــــــــــــــــــــ
◄ «السادات» و «اسماعيل علي» و«الشاذلي» ... باعوا «حافظ الأسد» خطة وهمية على الورق لكي يستخدموا جيشه «درعاً بشرية» و «إسفنجة لامتصاص رد الفعل الإسرائيلي» ويمكنوا إسرائيل من تدمير الجيش السوري!
◄«هيكل» و «حافظ اسماعيل» أبلغا الإسرائيليين عن طريق واشنطن:«بإمكانكم الآن توجيه قواتكم كلها إلى الجبهة السورية»!
◄والأحمق المعتوه «سعد الدين الشاذلي» أريد ردم قناة السويس... لتنفيذ عملية العبور؛ وهكذا أدار حربه بـ «منامات شيخ الأزهر»!
◄أندربوف صارخاً بغضب : السادات المهووس بالنوم في الفراش الأميركي يريد منا أن نحمل له البشاكير لتنظيف طيزه ... كلما ناكه الأميركيون!
◄هل يعرف صنّاع الأونطة والفهلوة المصريون أن عدد أسراهم خلال حرب أكتوبر بلغ أكثر من ... خمسين ألفاً، وأن الأسرى الإسرائيليين لديهم كانوا... 232 أسيراً فقط!؟
(وثائق وحقائق جديدة عن القصص التي يجهلها المصريون والسوريون معاً، واعترف بها «الشاذلي» في كتاب بالإنكليزية لم يقرأه العرب!)
ـــــــــــــــــــ
(*) ـ من أجل تصفح الصور بحجمها الحقيقي، والروابط الزرقاء في مصادرها، يرجة النقر عليها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قبل نحو أربعين عاماً، وعلى خلفية الحرب الإعلامية بين دمشق والقاهرة بسبب «كامب ديفيد»، قرأت مقالاً لأحد أشهر أوغاد إسرائيل الساداتيين في الإعلام المصري، القذر أنيس منصور، هزّ كياني وقلَبه رأساً على عقب، كما تفعل «جريمة شرف» في «بدوي» يعيش في خيمة! ومنذ ذلك اليوم أصبح لدي موقف من المصريين لم أستطع تجاوزه نفسياً.
منصور قال في مقاله ما حرفيته تقريباً، وبقدر ما تسعفني ذاكرتي،«إن الدافع الوحيد الذي كان يدفع رجال مصر للموافقة على الوحدة مع سوريا هو الفوز والظَّفَر... باللحم الأبيض البضّ الذي تكتنزه أجساد النساء الشاميات»!
بالتأكيد ليس السافل أنيس منصور هو المصريين، ولا يمكن الحديث عن الناس «جمعاً بصيغة مفرد»، لأن هذي ستكون الحماقة بعينها. إلا أنني لم أستطع تجاوز حساسيتي تلك أو نسيان الجرح البليغ الذي تسبب لي به مقال منصور، رغم السنين ورغم كل من مرّ من المصريين في حياتي من أصدقاء وأصحاب ومعارف يفخر المرء لمجرد أن يلتقيهم ولو عَرَضاً في شارع؛ بدءاً من المفكر محمود أمين العالم الذي التقيته في بيروت حين كان لاجئاً في المنفى خلال حكم السادات ويأتي إليها من منفاه الباريسي من حين إلى آخر،وانتهاء بالفنانة التشكيلية راوية سعد(ابنة المؤرخ والمناضل الكبير إيزيدور سلفادور/ أحمد صادق سعد)، التي لم ألتقها للأسف، وبقيت صديقة افتراضية عبر المراسلات فقط، مروراً بالعزيزة النبيلة الباسلة نوال السعداوي،التي تعلمنا على يديها الكثير وقوّمت اعوجاج ذكورية الكثير منا، وزوجها المناضل العتيق الدكتور شريف حتاتة، منذ أن جمعنا أول لقاء في مؤتمر لليونيسكو في برشلونة بإسبانيا قبل ربع قرن حتى رحيلها المفجع قبل خمس سنوات.
تشكل لدي انطباع منذ سنوات طويلة أن الثقافة والإعلام في مصر، عدا حيّز صغير منها احتله الشيوعيون واليساريون بجدارة ( وكثُر من الليبراليين قبل الانقلاب الناصري في العام1952، كما ينبغي القول)، هي المجال الأكبر للفهلوة والأونطة والشعوذة في العالم العربي. بل حتى العديد من آباء الليبرالية المصرية أنفسهم، أمثال عباس محمود العقاد الذي كان يروّج كمعاتيه آخرين لـ «بروتوكولات حكماء صهيون» الخرافية المفبركة،و طه حسين ،الصهيوني الذي لم يتردد في «سرقة» أعمال المستشرقين حول «الشعر الجاهلي»( «الأدب الجاهلي» في طبعته المنقحة)، و الإشراف على أطروحة ضابط مخابرات إسرائيلي و المشاركة - إلى جانب أحمد لطفي السيد- في تدشين الجامعة العبرية في العام 1925، لم يترددوا في ممارسة الأونطة والفهلوة بلا حدود(1)! وقد تحولت «الفهلوة» و «الأونطة» خلال العقود الأخيرة إلى ظاهرة مهيمنة على نحو شبه مطلق في الثقافة والإعلام المصريين، ناهيكم عن المجال السياسي الذي كان أول ما نخرته ودمرته هذه الظاهرة السرطانية،حتى أن أحد المتخصصين في تاريخ المجتمعات الشرقية (صاحب «المجتمعات الهيدروليكية/ المائية» أو «أسلوب الإنتاج الآسيوي»، عالم الاجتماع الألماني كارل فيتفوغل، إنْ لم تخني الذاكرة) وصف «الشخصية المصرية» بأنها «شخصية الفهلويDie Fahlawi-Persönlichkeit»، وشرَحها على أنها «شخصية المخاتل، الأفّاك، المخادع، النصّاب، المحتال،المنافق والانتهازي القادر على التكيف السريع مع الظروف دون أي إحساس بالكرامة الشخصية...»! ورغم ما في هذا القول من تنميط استشراقي بغيض وكريه، وربما عنصرية فجة، إلا أنه - للأسف- لا يفتقر للكثير من الصحة،على الأقل استناداً لما نراه في إعلامهم. وهو - بالمناسبة - يصح على السوريين و«الشرقيين» عموماً بالقدر نفسه، لاسيما المسلمين منهم، الذين كان نبيهم التلمودي النصّاب محمد بن عبد الله هو من علمهم فنون وأصول الفهلوة والأونطة كما لم يعلّمها أحد من قبله، سوى أنبياء وملوك «العهد القديم»، لاسيما النبي القواد إبراهيم/ أبرام!
هذا هو المناخ والانطباع الذي كان يسيطر على تفكيري حين بدأت تحرير وترجمة كتاب «داخل الكريملن خلال حرب أكتوبر وما بعدها»، وهو - كما أستطيع الزعم بثقة- أكمل كتاب في العالم عن حرب أكتوبر، بسبب الوثائق والمعلومات الوثائقية التي يتضمنها ولا توجد في أي عمل آخر عن الحرب. ولذلك لم يكن من شأن آلاف الوثائق والتقارير التي راجعتها (بالعبرية والروسية والفرنسية والإنكليزية والألمانية والعربية)،خلال فترة تحرير وترجمة الكتاب،سوى تعزيز هذا الانطباع وتأكيده، خصوصاً حين راجعت الوثائق المتعلقة بالاتصالات السرية بين نظام السادات و وكالة المخابرات المركزية و هنري كينسجر،قبيل الحرب وخلالها وبعدها، والتي كان العميل البريطاني - الأميركي محمد حسنين هيكل إحدى قنواتها، إلى جانب مستشار الأمن القومي المصري،القذر محمد حافظ اسماعيل، ومعهما السادات وسعد الدين الشاذلي بطبيعة الحال، كمتواطىء خسيس وسافل. وما وضعت يدي عليه من وثائق ومعلومات، بعضها لم يعد سراً بعد أن فضحه كيسنجر نفسه في الجزء الثاني مذكراته (سنوات القلاقل)، أصابني ليس بالذهول فقط، بل بالجنون أيضاً. وإذا كان من شيئ أكدته تلك الوثائق فليس سوى النذالة والدناءة والخسة والإجرام و عُمق دَرْك الانحطاط الأخلاقي الذي انحدر إليه هؤلاء؛ ولم يكونوا وحدهم في ذلك، بل مجرد عينة صغيرة من المصريين، العسكريين والمدنيين، الذين يتقافزون على الشاشات كما السعادين كلما حلت ذكرى «6 أكتوبر» ليمارسوا الفهلوة والأونطة بأحط أشكالها، وليبيعوا الناس قصصاً وحكايا حيزبونية وتخاريف مجنونة عن «نصر أكتوبر الذي حققته العسكرية المصرية»!
لم يعد سراً أن قادة النظام المصري آنذاك، مدنيين وعسكريين، وهذا ما ذكره كل من كتب مذكراته منهم، فضلاً عمن كان منهم خارج السلطة آنذاك (مثل وزير الحربية ومدير المخابرات الأسبق وعميل وكالة المخابرات المركزية خلال الحقبة الناصرية أمين هويدي) (2) ، أرادوا إشراك سوريا في الحرب، ليس بدافع قومي ولتحرير أرضها، ولكن لسبب آخر لا يخطر حتى على بال الأبالسة وعتاة الأنذال. فقد كانوا يدركون أن الجبهة المصرية لا تشكل أي خطر تكتيكي أو استراتيجي على أمن إسرائيل، لأن شبه جزيرة سيناء مانع طبيعي بحد ذاتها، كونها أرضاً مستوية ومكشوفة كما راحة الكف، ويبلغ عمقها ( من القناة حتى الحدود الفلسطينية) مئتي كيلومتر، فضلاً عن أنها محمية إسرائيلياً بـ «خط بارليف» الواقع على الضفة الشرقية للقناة مباشرة، والذي يفصل بينه وبين القناة حاجز رملي بارتفاع عشرين متراً. وهذا يعني أن أي محاولة لعبور القناة والتقدم ولو متراً واحداً في سيناء سيؤدي إلى إبادة القوات المصرية كما يباد البعوض ببخاخ «سبراي»، على حد تعبير الجنرال شموئيل غونين שמואל גונן، قائد «الجبهة الجنوبية الإسرائيلية» يومها، قبل أن يجري استبداله.
على خلاف ذلك، وهذا ما كان يعرفه ويدركه المصريون جيداً، كانت الجبهة السورية مع إسرائيل هي مكمن الخطر القاتل. فمكان تموضع وانتشار القوات السورية لم يكن يبعد سوى 15 كم عن «نهر الأردن» و بحيرة طبريا، ورمية حجر عن التجمعات الاستيطانية الكبرى في شمال فلسطين. وهذا يعني، كما يمكن حتى لعسكري برتبة عريف أن يدركه، أن مجرد تسلّق القوات السورية المرتفعات المطلة على النهر، يعني أن الشمال الفلسطيني أصبح مفتوحاً أمامها، ليس لرمايات مدفعيتها الثقيلة فقط، بل حتى لاكتساح مدرعاتها. وهذا ما حصل في واقع الأمر في اليوم الثاني للحرب (7 أكتوبر) حين انهارت غولدا مائير بعد وصول الفرقة الخامسة السورية، بقيادة علي أصلان، إلى « دار الجمارك العليا» ( بيت هاميخس هائيليون בית המכס העליון)، التي كانت نقطة العبور على الحدود السورية- الفلسطينية زمن الاحتلال الفرنسي-البريطاني وحتى احتلال الجولان في العام 1967، ولا تبعد عن مجرى النهر سوى أقل من 2 كم. وهذا ما جعلها تفكر بالانتحار (كما كشف اثنان من كبار الضباط والسياسيين الإسرائيليين بعد وفاتها)، بينما اقترح عليها وزير الحرب موشي دايان استخدام السلاح النووي لتدمير المدن السورية «لأن الهيكل الثالث [إسرائيل] على وشك الدمار»، كما قال لها حين أحضر معه إلى مكتبها رئيس هيئة الطاقة الذرية الإسرائيلية شالهيفيت فريير، لبحث هذا الأمر(3). وغني عن البيان، كما أشارت الوثائق الإسرائيلية، بدأ الإسرائيليون تفكيك الجسور المعدنية على«نهر الأردن»وتلغيم الجسور الحجرية منها بالمتفجرات، وإغراق مزارع تربية الأسماك غربي النهر بكميات هائلة من المياه، لمنع عبور القوات السورية ومدرعاتها، لاسيما الفرقة الخامسة، إلى الشمال الفلسطيني، كما كانوا يعتقدون بثقة!
لم يكن أمام المصريين لتجاوز هذه المعضلة الكبرى سوى إشراك سوريا في الحرب، لأن مشاركتها تعني أن الجهد العسكري الإسرائيلي سينصبّ كله أو معظمه، فور نهوض إسرائيل من كبوتها وبدء هجومها المعاكس، على «الجبهة السورية» لمنع القوات السورية من التقدم نحو الشمال الفلسطيني، أو على الأقل حتى «الحدود الدولية»، ولن تهتم بأمر الجبهة المصرية، بسبب عدم خطورتها،إلا بعد أن تضع حداً للخطر القادم من الجولان. وهذا من شأنه أن يمنح القوات المصرية يومين أو ثلاثة لتنفيذ العبور بأكبر عدد ممكن من المدرعات والجنود واحتلال رؤوس جسور على الضفة الشرقية للقناة وتثبيت وتعزيز مواقعها بأقل الخسائر. وبعد أن يحتل المصريون شريطاً ضيقاً على الضفة الشرقية لقناة السويس، يوقفون إطلاق النار بالاعتماد على اتصالاتهم مع الأميركيين، التي كانت بدأت سراً في باريس قبل ذلك ببضعة أشهر، حين اجتمع مستشار الأمن القومي الأميركي هنري كيسنجر و نظيره المصري، حافظ اسماعيل سراً في 20 أيار/ مايو 1973 في موقع أثري بضواحي باريس («مولان سان فارغو»Moulin St. Fargeau)، وهو ما تمكن عملاء مخابرات ألمانيا الديمقراطية داخل المخابرات الفرنسية من ضبطه والحصول على صورة له بعد أسبوع واحد على حصوله، وليس مجرد معلومات عنه فقط (التقرير والصورة جانباً). وذلك قبل عشر سنوات من اعتراف كيسنجر به في مذكراته (الجزء الثاني، سنوات القلاقل)(4)!
لهذا، وحين بدأ الحديث بين النظام المصري و حافظ الأسد عن الحرب، في نيسان /أبريل 1973، وضع الأسد شرطاً واحداً لقبول اشتراك سوريا فيها: أن تتضمن الخطة المصرية الوصول إلى «ممرات متلا والجدي» ( التي تبعد عن قناة السويس 30 و50 كم على التوالي). وهي ممرات إجبارية بين سلاسل من التلال الصخرية الغرانيتية الصمّاء، تتمتع بأهمية استراتيجية وتكتيكية بالغة، أدركتها حتى جيوش قبائل «الهيكسوس» منذ أن غزت وادي النيل في القرن السابع عشر قبل الميلاد، كما أدركتها جميع الجيوش التي غزت وادي النيل من الشرق بعد ذلك.
كان حافظ الأسد، سواء كسياسي أو كعسكري، يدرك هذه الحقيقة، ويدرك أن توقف المصريين في شريط ضيق على الشاطىء الشرقي للقناة من شأنه أن يتحول إلى وبال على سوريا، لأنه سيمنح الإسرائيليين فرصة للتفرغ لقواته في الجولان والاستفراد والفتك بها. وبعد مجادلات بين الطرفين اتفق كلاب النظام المصري الثلاثة (السادات، و وزير حربيته أحمد اسماعيل علي و سعد الدين الشاذلي) على خداع الأسد بأن يقدموا له خطة عسكرية قديمة («خطة غرانيت» بنسختها المعدلة،التي تلحظ الوصول إلى الممرات) كانت وُضعت أصلاً في عهد عبد الناصر، بعد هزيمة يونيو 1967،من قبل وزير الحربية النبيل والشهم والشجاع، الفريق محمد فوزي حاخوا ورئيس أركانه الشهيد عبد المنعم رياض ( بالمناسبة: لا أعرف لماذا يسقطون من اسم محمد فوزي كنيته ويكتفون بذكر اسمه الأول المرّكب فقط «محمد فوزي»؟ هل لمجرد عدم الإشارة إلى أصوله القومية وانحداره من قبيلة الشابسوغ الشركسية الشهيرة!؟). أما على الأرض، وفي الواقع، فيقومون بتنفيذ خطة أخرى لا يعرف بأمرها سوى الكلاب الثلاثة المذكورين، الذين أخفوها ليس عن حافظ الأسد وفريقه العسكري فقط، بل حتى عن رئيس هيئة العمليات في جيشهم، اللواء عبد الغني الجمسي، الذي بدا فور اندلاع العمليات الحربية كـ«الأطرش في الزفة»، كما نقرأ في كل مكان من مذكراته. فقد كان يحرك قواته ويديرها استناداً إلى الخطة القديمة التي تقضي بالوصول إلى «ممرات سيناء»، بينما كان الأوغاد الثلاثة يتصرفون،ميدانياً وسياسياً من خلال اتصالاتهم المخابراتية مع واشنطن، وإسرائيل من خلالها، على أساس «محدودية الهدف من الحرب، وهو الاكتفاء بتحرير شريط ضيق بعرض 7 إلى 10 كيلو متر على الضفة الشرقية للقناة»، ثم ترك الجيش السوري وحده في المعركة لمصيره!
تلك كانت الخطة المصرية من ألفها إلى يائها، كما اعترف بها -مباشرةً أو مداورةً- جميع القادة المصريين الذين كتبوا مذكراتهم، ومعهم هيكل بطبيعة الحال في كتبه ذات الصلة، وقد قرأت تلك الأعمال كلها(حوالي عشرة آلاف صفحة!). وفي واقع الأمر، لم يكن ثمة داعٍ لاعترافاتهم، لأن هذا ما جرى على الأرض فعلاً ووثقته التقارير الصحفية والديبلوماسية والاستخبارية الأجنبية. ومع ذلك، وكما يقول المثل، «من تمك أحلا يا كحلا». ولعل أهم اعتراف، انطلاقاً من أهمية موقع صاحبه خلال الحرب، هو ما ذكره السافل سعد الدين الشاذلي في الصفحتين 36 و 37 من كتابه «عبور السويس»، الصادر بالإنكليزية في الولايات المتحدة في العام 1980(والذي كرره بعد ذلك بثلاثين عاماً،بكل فهلوة صفيقة و وقحة وفاجرة،في برنامج «الجزيرة»:«شاهد على العصر»). وفي هذا الاعتراف يقر بأن مصر خدعت الأسد بخطة وهمية مزيفة من أجل إقناعه بدخول الحرب، لكنها أخفت عنه خطتها الحقيقية. غير أنه، وبسبب خسته ونذالته، كواحد من أرباب الأونطة والفهلوة المصرية، فضلاً عن كونه أغبى وأجحش ضابط عرفته جيوش العالم قاطبة، كما سنرى، اتهم السادات و وزير الحربية أحمد اسماعيل علي باقتراف هذه الخديعة/ الجريمة، وتنصّل هو من المسؤولية عن الأمر، مع اعترافه بأنه لم يكن على علم بها فقط، بل أيضاً بأنه هو شخصياً من أعدها، أي صنَع الفخ بيديه، بطلب من أحمد اسماعيل علي،وأبقاها طي الكتمان! وهذا يعني أنه لعب دور الخسيس الدنيء المتواطىء لتدمير الجيش السوري و استشهاد ستة آلاف ضابط وجندي منه! فقد كان شرفه العسكري، إن كان لديه شرف، و انتماؤه القومي الذي فلق أطيازنا بالحديث عنه حتى مماته، تفرض عليه كلها أن ينبه السوريين إلى الفخ الذي نُصب لهم، أو على الأقل أن يرفض التواطؤ في اقتراف جريمة يعرف قبل غيره أنها عملية خداع دنيئة وخسيسة سيترتب عليها تدمير جيش شقيق، أو في الحد الأدنى استشهاد وجرح عشرات الآلاف من ضباطه وجنوده، وربما احتلال أرض عربية جديدة، كما سيحصل بالفعل.
ولكن من أين كان لـ حافظ الأسد ، وهو الذي وثق بهم، أن يعرف بأن الأوغاد والمجرمين الثلاثة كانوا ينصبون له فخاً، فقط لكي يلعب الجيش السوري دور «الإسفنجة» التي تمتص رد الفعل الإسرائيلي و «الدرع البشرية» التي يحتمي بها الجيش المصري حين تنفيذ عبوره المسرحي؟
في الواقع، وبعد 24 ساعة فقط على بدء العمليات الحربية، وفي 7 أكتوبر، أرسل المصريون برقية إلى كيسنجر، لكي يبلغها إلى إسرائيل، فحواها أنه «ليس لدى مصر أي نية أو خطة لتطوير الهجوم، بل الاكتفاء فقط بما حققته حتى الآن، وهو احتلال شريط ضيق على الضفة الشرقية للقناة». وهو ما سارع كيسنجر إلى إبلاغ الإسرائيليين به، كما يعترف في مذكراته (الجزء الثاني، سنوات القلاقل، الفصل11، ص 450-544، لاسيما الصفحات 460-461). وبعد سنوات طويلة على ذلك، اعترف المصريون أنفسهم بجريمتهم في كل ما نشروه من مذكرات (الجمسي، أمين هويدي، هيكل، الشاذلي، حافظ اسماعيل، أحمد اسماعيل علي...).
من سوء حظ المصريين أن استخبارات ألمانيا الشرقية، التي كانت تخترق دول الحلف الأطلسي كلها، طولاً وعرضاً، كانت زرعت منذ أواخر الستينيات أجهزة تنصت في السفارة الإسبانية في القاهرة، التي كانت تضم مكتباً لرعاية المصالح الأميركية يقيم فيه ديبلوماسي أميركي يدعى ريتشارد سميث ، فضلاً عن آرثر مارش ناينر Arthur March Niner ، رئيس محطة وكالة المخابرات المركزية التي كان عبد الناصر أعاد افتتاحها في العام 1968 . كما زرعت أجهزة تنصت في مقر إقامة سميث و ناينر في «فيللا العائلي» (رقم 10، شارع طه حسين، الزمالك). وبقيت هذه الأجهزة تعمل إلى العام 1974 حين علم بها محمد حسنين هيكل من مصادره الخاصة فأبلغ مشغليه الأميركيين بها، فأزالوها! وكان عبد الناصر أعاد افتتاح محطة المخابرات المركزية في القاهرة في العام 1968 باقتراح من عميلي «الوكالة»، مدير المخابرات المصرية آنذاك، أمين هويدي، و محمد حسنين هيكل، كما يعترف هويدي نفسه(«الفرص الضائعة»، ص 56 ـ 57 + 138+ 145). ولم يعد سراً أن «الوكالة» جندت عشرات الضباط المصريين، منذ أن أبرم عبد الناصر تفاهماً أمنياً - عسكرياً مع الولايات المتحدة في العام 1954 لتدريب الضباط المصريين وافتتاح مركز تدريب لـ«الوكالة» في القاهرة («قصر الأميرة فايزة»، شارع «الزهرية» قبل نقله إلى «برج القاهرة» الذي مولت «الوكالة» إنشاءه بثلاثة ملايين دولار) من أجل «مكافحة الشيوعية في الشرق الأوسط وأفريقيا». ( هويدي نفسه جندته «الوكالة» حين كان في كلية الأركان College Leaven Worth في تكساس في العام 1956، و حافظ اسماعيل حين كان ملحقاً عسكرياً في واشنطن العام1951).
بتاريخ 7 أكتوبر، أي اليوم الثاني للحرب، اكتشف الألمان الشرقيون، من خلال
أجهزة التنصت المذكورة، أولى الاتصالات بين المصريين والإسرائيليين عبر واشنطن، التي كان يتولاها
بالتناوب كل من حافظ اسماعيل و هيكل. وفي ذلك اليوم كان اسماعيل
هو من سلم الرسالة إلى ناينر، الذي نقلها بدوره إلى رئيس قسم الشرق الأوسط
في «الوكالة» بواشنطن، يوجين وينفيلد ترون Eugene Winfield Trone ، ومنه إلى كيسنجر.وكان ترون سبق له أن شغل منصب رئيس محطة «الوكالة» في القاهرة خلال الفترة 1968-1972،
وأشرف مع الجاسوس هيكل وقائد الحرس الجمهوري ، الليثي ناصف، واللواء حسن التهامي، على
فبركة أشرطة التسجيلات ، المعروفة قصتها، من أجل تبرير انقلاب السادات في 15 أيار/ مايو 1971
واعتقال بقايا الناصريين والحكم على بعضهم بالإعدام، ومن بينهم الفريق محمد
فوزي حاخوا نفسه، وهو البطل الحقيقي لإعادة بناء الجيش المصري بعد تدميره في العام 1967، وبطل «حرب الاستنزاف» 1967-1970!
كانت الرسالة التي أرسلها السادات، وكما أشرت أعلاه، عبارة عن سطرين أو ثلاثة فحواها شبه الحرفي:«العملية المصرية محدودة، وليس لمصر أية نوايا بالتقدم شرقاً في سيناء، بل الاكتفاء بالشريط الذي حررته على الضفة الشرقية لقناة السويس»، قبل أن تتبعها في اليوم نفسه رسالة مفصلة من صفحتين،بتوقيع حافظ اسماعيل، تتضمن خطة للدخول في محادثات سلام مع إسرائيل فور وقف إطلاق النار. وفور أن علمت مخابرات ألمانيا الشرقية بالأمر من خلال أجهزة التنصت المذكورة، كتب الرئيس إريش هونيكر على هامش تقريرها إليه عبارة تقضي بـتحويل مضمونها فوراً إلى سفير بلاده في دمشق، فولفغانغ كونشل، من أجل إبلاغ الرئيس الأسد بها، بسبب خطورتها المحتملة على الخطط الحربية السورية، كما قال (صورة عن التقرير وتوجيهات هونيكر عليه منشورة جانباً). أما الأميركيون فحولوا رسالة السادات إلى الإسرائيليين، الذين فهموا مغزاها حالاً، بخلاف الأسد، الذي لم يصدق أن المصريين يخونوه بعد أن كانوا تعهدوا له بأن هجومهم سيستمر حتى يبلغ «ممرات متلا والجدي»!
حين اطمأن الإسرائيليون للنوايا المصرية، قاموا بتحويل معظم قواتهم النظامية، فضلاً عن قوات الاحتياط التي كانت تجري تعبئتها، إلى الجبهة السورية، بدلاً من إرسالها إلى الجبهة المصرية! وفوق ذلك، أقدم الملك الأردني ، الجاسوس العتيق حسين، الذي كان يتلقى راتباً سنوياً من وكالة المخابرات المركزية قدره 750 ألف دولار سنوياً منذ العام 1957، وحتى إيقافه من قبل الرئيس كارتر في العام 1977، كما كشفت «واشنطن بوست»، بإبلاغ الإسرائيليين ما حرفيته: «طلب مني الأسد أن أفتح الجبهة الأردنية، لكنني رفضت ذلك. ومن باب رفع العتب أخبرته بأني سأرسل لواءً من الجيش الأردني إلى الجبهة السورية. لكن هذا اللواء لديه تعليمات بأن لا يطلق النار على الإسرائيليين». ولتأكيد حسن نواياه إزاء إسرائيل، أبلغها بجميع الإحداثيات والإشارات المتعلقة باللواء الأردني لكي تتجنب قصفه. وقد أبلغ الأميركيين بذلك من خلال شقيقه الأمير حسن ورئيس الوزراء زيد الرفاعي!وعلى الفور أقدمت إسرائيل على نقل الفرقة التي كانت ترابط على الحدود الأردنية في الضفة الغربية ( لوائين مدرعين ومدفعية ميدان و لواء مظليين) إلى الجبهة السورية. وهكذا أصبحت فِرَق الجيش الإسرائيلي النظامي بأكمله تقريباً، فضلاً عن جميع قوات الاحتياط التي كانت تقوم إسرائيل بتعبئتها التي اكتملت خلال 48 ساعة، تقاتل على الجبهة السورية حيث بدأت هجوماً معاكساً اعتباراً من يوم 9 أكتوبر، وهو اليوم الذي بدأ فيه «الخرق» على الجبهة السورية. وفي الوقت نفسه كان المصريون يقومون بعبور «ساقية السويس» المسماة «قناة»، التي لا يبلغ عرضها سوى مئتي متر كما لو أنهم في رحلة سيران!
ولعل أرقام الطلعات الجوية الإسرائيلية فوق الجبهة السورية والجبهة المصرية،في اليوم الثاني للحرب وحده،يوم 7 أكتوبر، تفسر لنا بنفسها كيف كان الإسرائيليون ينظرون إلى الفرق الكبير بين الخطر الذي يشكله كل من الجبهتين على أمنها في تلك اللحظة. ففي الوثائق الإسرائيلية الرسمية الخاصة بالحرب، التي اطلعت عليها خلال تحرير الكتاب المذكور، تبين أن الإسرائيليين نفذوا خلال اليوم المذكور 3825 طلعة قتالية ( للقصف أو للاشتباك الجوي) فوق الجبهة السورية، بينما لم يقوموا سوى بـ 1025 طلعة فوق الجبهة المصرية، رغم أن عرض هذه الأخيرة يعادل أربعة أضعاف عرض الجبهة السورية تقريباً، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن خليج السويس كان امتداداً للجبهة البرية أيضاً، كونه منطقة عمليات حربية، وأن القوات المصرية المشاركة في الحرب كانت تعادل ثلاثة أو أربعة أضعاف القوات السورية! وهذا ما أكده أيضاً رئيس الأركان السوفييتي، المارشال فيكتور كوليكوف ، خلال الإحاطة المعلوماتية الميدانية التي قدمها للقيادة السوفييتية يوم 9 أكتوبر عن مجريات الحرب، بناء على تقارير الملحقية العسكرية السوفييتية في مصر ونظيرتها في سوريا. فضلاً عن ذلك، استخدم الإسرائيليون على الجبهة السورية قنابل النابالم والقنابل العنقودية بكثافة غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية ومنذ حرب فيتنام حين كانت في ذروتها أواخر الستينيات، بينما تجنبوا استخدامها على الجبهة المصرية (لحسن الحظ طبعاً، أياً كان السبب).
بعد أن ثبّت الإسرائيليون القوات السورية ودحروها إلى الخلف مع نهاية يوم 11 أكتوبر، وأحدثوا خرقاً في منطقة «سعسع» في القطاع الأوسط، و خرقاً آخر في القطاع الشمالي في منطقة «بيت سابر»، والتفوا على القوات السورية في القطاع الجنوبي من خلال الأراضي الأردنية في وادي نهر اليرموك، واستخدموا ( بإذن خاص من الجاسوس حسين) المجال الجوي الأردني لضرب مؤخرة الفرقة الخامسة وطرق إمداداتها في ريف محافظة درعا،وبطاريات الصواريخ التي كانت تغطي تقدمها، نقلوا قواتهم إلى الجبهة المصرية وبدؤوا طحن عظام المصريين وتمريغ أنوفهم وجباههم ورؤوسهم بالوحل والخراء وكل صنوف الإذلال. وخلال يومين فقط (13-14 أكتوبر) تمكنوا من تدمير مئتين وخمسين دبابة، وقتل وأسر الآلاف من الجنود المصريين ودفن الكثير منهم وهم جرحى على قيد الحياة( لأن نقلهم إلى داخل إسرائيل عملية مكلفة ومربكة لوجستياً خلال الحرب، كما قال بعض ضباطهم ممن كشفوا الجريمة لاحقاً!)، قبل أن يقوموا (بقيادة الجنرالين شارون و أدان) بعبور مضاد فجر يوم 16 أكتوبر إلى الضفة الغربية للقناة، والتقدم إلى الكيلو101 على طريق القاهرة الذي كان مفتوحاً أمامهم إلى قلب العاصمة، نظراً لأنه لم يتبقَّ سوى 70 دبابة مصرية فقط في وجههم، باعتراف السافل المجرم سعد الدين الشاذلي نفسه.
وبالتزامن مع ذلك، تمكن الإسرائيليون من أسر الجيش الثالث بأكمله وعن بكرة
أبيه (ثلاث فرق تعد حوالي 45 ألفاً من الضباط والجنود الذين كانوا ينتشرون شرقي القناة وغربها).وفي غضون ذلك، هربت الحكومة المصرية من القاهرة
إلى «الصعيد»، ولم يوقف تقدم القوات الإسرائيلية نحو العاصمة المصرية إلا أزمة «الاستنفار النووي الأميركي» الذي حصل على أثر «التباس وسوء فهم» ناجمين عن برقية بريجينيف إلى الرئيس نيكسون، بطلب وإلحاح من السادات،والتي فهمها الأميركيون على أنها إنذار بتدخل سوفييتي كما إنذار خروتشوف - بولغانين خلال العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956! وعندها أعطى الأميركيون
أوامرهم للإسرائيليين بأنه «كفى المصريين إذلالاً، فقد نضجت ثمرتهم وأصبحت جاهزة
للقطاف»، فقطفوها بأعتى أشكال الإذلال التي لا يمكن أن تخطر على بال حتى الأبالسة: لقد أرغموهم
على سحب جميع قواتهم التي دخلت سيناء وعبرت يوم 6 أكتوبر( حوالي 90 ألفاً) وإعادتها إلى غربي القناة من حيث جاءت، والإبقاء على بضع عشرات من
الدبابات و 36 مدفعاً فقط شرقي القناة. وهذا هو المسموح لهم بإدخاله إلى سيناء «المحررة» منذ
ذلك خمسين عاماً حتى اليوم! وهذا ما جعل الدرويش المغفّل عبد الغني الجمسي يذهب إلى
التواليت ويبكي هناك بمرارة، وحده وبعيداً عن الأعين، حين أجبره السادات على توقيع صك الإستسلام، كما اعترف في مذكراته!
وفي غضون ذلك، كان عشرات الآلاف من أسرى «الجيش الثالث» المحاصرين يأكلون الأعشاب وأوراق شجر المانغو ، ولا يجدون سوى ملابسهم الداخلية المتسخة لتضميد جرحاهم بعد أن مزقوها وحولوها إلى «شاش طبي». وبقوا على هذه الحال ثلاثة أشهر (20 أكتوبر 1973- 18 يناير 1974حين توقيع اتفاقية فصل القوات الأولى). وخلال هذه الأشهر الثلاثة لم تكن تصل إليهم ولو حبة طماطم أو رغيف خبز أو لتر ماء واحد إلا بإذن الجيش الإسرائيلي، وأحياناً بسيارات هذا الجيش كنوع من الإحسان والشفقة، ولكن بعد توسلات مصرية للإسرائيليين عبر الأميركيين! هذا فضلاً عن قرابة ثمانية آلاف أسير آخر، مقابل 232 أسيراً إسرائيلياً فقط، كما كشفت لوائح الصليب الأحمر خلال عملية تبادل الأسرى!! وأما الشعب المصري فلا يزال كما قطعان الغنم والماعز والجواميس يردد منذ خمسين عاماً حكاية «نصر أكتوبر»، دون أن يعلم حتى فضيحة بغله وأحمقه الكبير سعد الدين الشاذلي، الذي افتتح حربه ببيان عسكري (منشور جانباً) عن «منامات شيخ الأزهر» وكيف ذهب مع النبي محمد إلى سيناء ليقودا الجيش المصري! وهو البيان الذي حصلت الملحقية العسكرية السوفييتية في القاهرة على نسخة منه فجعلت رئيس الأركان السوفييتي فيكتور كوليكوف يقلب على ظهره من الضحك وهو يشرح لقادة الكريملن على لوح جداري ما كان يجري على الأرض، وفق الصور التي كانت تأتيه من طائرات التجسس السوفييتية (ميغ25 فوكسبات المخصصة للاستطلاع) التي كانت تقلع من أحد مطارات القاهرة وتقوم بتصوير حقيقة الوضع العسكري على الجبهة!ويومها أضاف كوليكوف ساخراً :«كان ينقص البيان، لكي تكتمل الوحدة الوطنية، ولأن قسماً كبيراً من الجنود المصريين مسيحيون، إضافة عبارة تشير إلى أن بابا الأقباط ، شنودة الثالث، هو أيضاً رأى أيقونة العذراء مريم في دير سانت كاترين في سيناء تنضح زيتاً لمباركة الجنود المصريين»!
أول ما التقطته تلك الطائرات هي الفجوة التي تركها كبير حيوانات وبغال قيادة الجيش المصري ، سعد الدين الشاذلي، بين «الجيش الثاني» في الشمال و«الجيش الثالث» في الجنوب، والتي يبلغ عرضها أربعين كيلومتراً. وهذه الفجوة، التي تركها هذا الحيوان دون وجود جندي واحد فيها، كافية وحدها لعبور ليس الجيش الإسرائيلي فقط ، بل وجيوش الحلف الأطلسي البرية كلها! ومن المؤكد أن المعتوه الشاذلي كان يعوّل على بركات شيخ الأزهر و سيده النبي محمد أن يسدوا الثغرة كي لا يحصل «خرق الدفرسوار» الذي كان اتساعُه وعمقه بحجم اتساع فتحة طيز أنور السادات وهو يتصل بعد منتصف ليلة 20-21 أكتوبر مع بريجينيف ليوقظه من نومه ويرجوه أن يتدخل فوراً، وليبلغه بأن مصر موافقة على شروط وقف إطلاق النار كلها، بما فيها بقاء قوات الاحتلال الإسرائيلية في جميع الأمكنة التي احتلتها غربي القناة حتى تلك اللحظة، وهو ما يسمى «وقف إطلاق النار في المكانCeasefire in Place»! أما يوري أندروبوف، رئيس لجنة أمن الدولة، الذي كان كشَفه منذ العام 1965 كعميل رسمي لوكالة المخابرات المركزية، يأخذ مرتباً سنوياً من «الوكالة» - عبر السعودية- بأمر مدير عملياتها أواخر الستينيات ريتشارد هيلمز Richard M. Helms، وبمعرفة وموافقة عبد الناصر، فكان يردد صارخاً بصوت عالٍ ملأ قاعة الاجتماع : «هذا المهووس بالنوم في الفراش الأميركي يريدنا أن نحمل له البشاكير لتنظيف مؤخرته كلما ناكه الأميركيون» (حرفياً، وبهذه اللغة الشوارعية،كما قال خلال اجتماع «خلية الأزمة» التي شكلها الكريملن لمتابعة مجريات الحرب، رغم أن أندروبوف كان معروفاً بهدوئه البالغ ورصانته كمثقف كبير وكعازف بيانو ، قبل أن يكون رجل مخابرات من طراز نادر، و بدماثته و تهذيبه اللذين كانا موضع إعجاب في الغرب قبل الشرق. وهذا يجعل المرء يتخيل ما فعله السادات في تلك الليلة خلال اتصالاته مع الكريملن لكي يتمكن من إخراج شخص مثل أندروبوف عن طوره ويقول ما قاله، كما ورد في محاضر اجتماع «خلية الأزمة»)!
لم يكتفِ بغل العسكرية المصرية ومفسّر منامات شيخ الأزهر بذلك، وهو الذي لم يعد أحد في العالم العربي معجباً به سوى أسعد أبو خليل، بل أقدم على فعل لم يحصل في تاريخ الحروب الحديثة كلها، بحيث يمكن تسجيل ما فعله كـ «براءة اختراع» أو «براءة حيونة» باسمه وحده! فقد حرّك بطاريات الدفاع الجوي الثابتة ( بيتشورا و فولغا / دفينا، ذات المدى العملياتي المتوسط) إلى شرقي القناة، وأبقى على الصواريخ المتحركة المحمولة على مدرعات ( كفادرات / سام6، ذات المدى القصير)غربي القناة، بدلاً من أن يفعل العكس. ذلك لأن «كفادرات» مصممة أصلاً لكي تتقدم مع القوات البرية و تؤمّن لها غطاء في وجه الطيران المعادي. وكان لدى مصر آنذاك 27 كتيبة من هذه الصواريخ، أي ما يعادل تسعة ألوية بقيت بطارياتها كلها غربي القناة إلى أن وصل إليها المظليون الإسرائيليون ودمروها بالرشاشات والقنابل اليدوية والمتفجرات وهي جاثمة في مرابضها! ومع ذلك بقي هذا النصاب السافل حتى وفاته يزعم على «الجزيرة» ، وفي مذكراته، أنه لم يكن لدى مصر بطاريات دفاع جوي قادرة على السماح للقوات المصرية بالتقدم إلى «الممرات»! وحين أخرج له فيكتور إسرائيليان قوائم المبيعات السوفييتية لمصر من هذه الصواريخ وحدها، منذ العام 1972، أصِبنا بالذهول من قدرة هذا الدجال على الكذب، وهو الذي صنع منه المصريون، والعرب، ومعهم أسعد أبو خليل طبعاً، أيقونة! ولكن أيقونة من الخراء اليابس، كما ينبغي القول وكما نسوا أن يضيفوا!
ولعل الأكثر فظاعة من ذلك هو أنه أراد ردم قناة السويس بالأتربة والرمال خلال اليوم الثاني من الحرب لإكمال عملية العبور بعد تدمير الإسرائيليين للجسور الكبرى الثلاثة التي عبرت عليها الموجات الأولى من مدرعات الجيش المصري. ومن أجل ذلك اتصل مع شركة «المقاولون العرب»، التي أسسها الجاسوس الإسرائيلي عثمان أحمد عثمان من أجل بحث الأمر عملياً. وحين قرأتُ ذلك في مذكراته لم أصدق ما قرأته، ليس لأن عثمان أحمد عثمان وابن اخته (أو قريبه؟) المهندس بهجت يوسف عثمان،كانا يسربان إلى إسرائيل معلومات سرية عن الخصائص الهندسية لعنابر/ هنغارات الطائرات الحربية ودُشم الصواريخ التي كلفتهم السلطة بإنشائها،من خلال مركز أبحاث «آراك» الذي أنشأه الجاسوس هيكل كواجهة تجسسية (كما اعترف أمين هويدي: الفرص الضائعة، الهامش 28،ص152)، ولكن بسبب الفكرة بحد ذاتها. فرئيس الأركان المعتوه هذا لم يكن يعرف أن إنشاء جسر واحد أصمّ (من الحجارة والأتربة) يحتاج إلى جميع الآليات الهندسية الثقيلة التي تملكها مصر، وإلى العمل لمدة شهر على الأقل بشكل متواصل ليلاً نهاراً كما أخبره المهندسون، لأن التوقف عن العمل يعني جرف التيارات المائية لكل الردم الذي تلقيه في الماء الذي يبلغ عمقه 24 متراً! هذا فضلاً عن أن الصخور الكبيرة اللازمة كأساس للجسر الأصم غير متوفرة في المنطقة المحيطة بالقناة، وعليك نقلها بالشاحنات من أماكن بعيدة!
أيقونة الخراء اليابس هذا، لم يكتفِ بالكارثة التي تسبب بها لمصر وجعلها تصبح مستعمرة أميركية - إسرائيلية، واستتباعاً : الكارثة التي شارك في التسبب بها لسوريا أيضاً، بل ترك منفاه في الجزائر أواسط الثمانينيات، بعد أن ارتدى بدلته العسكرية السابقة، وذهب ليقدم «خبراته العسكرية» لأخيه «بغل السنة» صدام حسين في محاربة «الشيعة المجوس والروافض»، جنباً إلى جنب مع خبراء وكالة المخابرات المركزية! ولكي تعرفوا عبقريته العسكرية على أصولها، اقرؤوا فقط مقابلته مع صحيفة «الدستور» الأردنية ( 27 / 3 / 2003) ، أي بعد سبعة أيام على بدء الغزو الأميركي للعراق. فقد أكد فيها أن الجيش العراقي بفرقه المدرعة الثلاثين، الخبيرة والمجربة، قادرعلى مواجهة الغزاة. وبعد عشرة أيام فقط على المقابلة، انهارت القوات العراقية عن بكرة أبيها كبناء من ورق وسقطت بغداد دون أي مقاومة تذكر!
هذا هو أيقونة الخراء اليابس، سعد الدين الشاذلي، الذي قاد قواته في حرب أكتوبر بمنامات شيخ الأزهر! ومن يَقُدْ قواته بمنامات وتخاريف وأحلام شيخ الأزهر، لا بد أن تنتهي حربُه بكوابيس من صنع آرييل شارون!
وهذا هو «نصر أكتوبر الذي حققته العسكرية المصرية»، على جثث ستة آلاف شهيد سوري، وحوالي ثلاثين ألف جريح، كما اعترف الأسد في مقابلة نادرة مع ناشر ورئيس تحرير مجلة «الصياد» اللبنانية، سعيد فريحة، ربيع العام 1974؛ وهو الرقم الرسمي الوحيد المتاح عن عدد شهداء الجيش السوري وجرحاه خلال حرب أكتوبر. ومن يود المزيد من الوثائق عن هزيمة العرب الأكبر من نوعها في تاريخهم الحديث، يمكنه العودة إلى المجلد الأول من كتاب «داخل الكريملن»، الذي عملت عليه طوال عشرين عاماً، وأرغمني على مراجعة أكثر من ثلاثين ألف صفحة من التقارير والكتب، فضلاً عن الوثائق الرسمية التي لم يُرفع الحظر عن الكثير منها حتى اليوم!
ـــــــــــــــــــــــ
هوامش:
(1) ـ شارك طه حسين في تدشين الجامعة العبرية في القدس المحتلة من خلال برقية مباركة وتهنئة وإعجاب مليئة بعبارات الصهينة الحارة، بينما شارك رئيس جامعة القاهرة، أحمد لطفي السيد، شخصياً في حفل الافتتاح. وفيما بعد (في الأربعينيات) أشرف طه حسين على أطروحة دكتوراه لضابط مخابرات في «الهاغاناه»، المستعرب إسرائيل ولفنسون ( الذي يسمي نفسه إسرائيل بن زئيف /أبو ذؤيب)، وكتب مقدمة حمقاء جاهلة و «جاهلية» للأطروحة لا يكتبها سوى أحمق، وتولى رئاسة تحرير مجلة «الكاتب المصري»، المملوكة لليهود الصهاينة المصريين، بطلب من زعيم الحركة الصهيونية خاييم وايزمان..إلخ. أما كتابه الشهير «في الشعر الجاهلي» فكان مجرد ترجيع صدى لبحث « أصول الشعر العربي»، الذي نشره المستشرق ديفيد مارغليوت David Samuel Margoliouth في العدد 3 من «مجلة الجمعية الآسيوية الملكية»(يوليو 1925)، كما كان كتاب لينين «الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية» (1916) ترجيع صدى لكتاب «الإمبريالية» الذي نشره الاقتصادي البريطاني الماركسي جون هوبسون في العام 1902!
(2) ـ ذات مرة، وتعليقاً على قولي إن هويدي كان عميلاً لوكالة المخابرات المركزية بمعرفة عبد الناصر، جادلني أستاذ جامعي لبناني ، «هبّور» وشعبوي أحمق من أيتام عبد الناصر، بأن هذا افتراء على الرجل! ومن الواضح أنه لم يقرأ حرفاً واحداً من أعمال أمين هويدي، وإلا لم تجرأ على الدفاع عنه. هويدي نفسه يعترف في كتابه « الفرص الضائعة » ( ص 56 ـ 57 + 138+ 145) أنه هو من أعاد - بموافقة عبد الناصر - افتتاح محطة وكالة المخابرات المركزية في القاهرة (برئاسة يوجين ترون) في العام 1968، حين كان مديراً للمخابرات المصرية، بعد أن جمدها عبد الناصر لفترة قصيرة بعد هزيمة يونيو. وحين اكتشفت مخابرات ألمانيا الشرقية أن المعلومات التي تقدمها لـ عبد الناصر يبيعها هذا الأخير وأزلامه بالمقايضة لوكالة المخابرات المركزية، اتخذت قيادة ألمانيا الشرقية قراراً بوقف التعاون الأمني مع نظام عبد الناصر وتزويده بالمعلومات، وكذلك فعل أندروبوف في الاتحاد السوفييتي، ومنع حتى محمد حسنين هيكل من دخول الأراضي السوفييتية بعد اكتشاف أنه عميل لوكالة المخابرات المركزية وحاول منذ العام 1964 أن يجند لصالحها الصحفي السوفييتي ألكسي أدجوبي، رئيس تحرير «إزفستيا» وصهر خروتشوف!
(3) ـ حول تفكير مائير بالانتحار، و رؤية موشي دايان أن «الهيكل الإسرائيلي الثالث على وشك الدمار»، والتفكير باستخدام السلاح النووي ضد المدن السورية، راجع مقابلة القيادي في «حزب العمل الإسرائيلي» ياكوف خَزَان مع «وكالة الأنباء اليهودية» بتاريخ 14 ديسمبر 1979؛ وكذلك ما ذكره الجنرال أفنير شاليف، الذي كان يومها مديراً لمكتب رئيس الأركان ديفيد إليعازر، وتقريراً إسرائيلياً بالعبرية «غولدا مائير فكرت بالانتحار»، وكذلك هنا تقريراً لصحيفة «معاريف» في العام 2016. وراجع هنا «داخل الكريملن..»، الهامش 25، ص 289 وما بعد.
(4) ـ ضبط عملاء مخابرات ألمانيا الشرقية في فرنسا اجتماع كيسنجر مع حافظ اسماعيل بعد أسبوع واحد من حصوله في 20 أيار / مايو 1973 في أحد المواقع الأثرية جنوب غرب باريس . وبعد عشر سنوات على ذلك، اعترف كيسنجر بهذا اللقاء الباريسي مع حافظ اسماعيل. راجع الجزء الثاني من مذكراته ( سنوات القلاقل، ص 195 وما بعد) والفصل السادس عموماً ( وعنوانه The Middle East in Ferment الشرق الأوسط في غليان):
H. Kissinger, Years of Upheaval, 1982, Chapter VI, PP.195-228.











