Sunday, 2 August 2026

 في ذكرى العملية السرية التي لا يزال الروس يغلقون ملفاتها «بالضبة والمفتاح» منذ العام 1939 :

■إنزال «سوفييتي - يهودي» على الشاطىء الفلسطيني بقيادة «فلاديمير جابوتنسكي» وإعلان «دولة يهودية اشتراكية» تعترف بها موسكو في الحال؛

■«ستالين» يأمر بإطلاق سراح «مناحيم بيغن» وتهريبه عبر إيران والعراق والأردن لإقامة «دولة يهودية في فلسطين» ويعلن :« سأزرع شوكة في طيز العرب بحيث يستمرون في حكّها ويعجزون عن الجلوس والاسترخاء بسببها إلى آخر الدهر»!

■بعد سبعين عاماً سيطلق «جوناثان باول» اسم «جابونتسكي سوريا» على «الجولاني» يوم أرسل له إلى «مخيم الحجر الأسود» أول «لابتوب» يعمل عبر الأقمار الصناعية!

( مقتطفات من «مذكرات ماركوس فولف العربية» التي لم أنشرها)

ـــــــــــــــــــــــ

ينشغل العرب هذه الأيام بذكرى الغزو العراقي للكويت ، الذي كان بناء على «فخ» نصبته السفيرة الأميركية في بغداد «ابريل غلاسبي» لعميل وكالة المخابرات المركزية العتيق «صدام حسين»، بهدف التخلص منه بعد أن أدى دوره على أكمل وجه منذ تجنيده في العام 1959، بالتعاون مع «عبد الناصر» ومخابراته لإطاحة نظام الزعيم الوطني العراقي «عبد الكريم قاسم» ، وأصبح عبئاً على واشنطن. ففي ذلك العام جُند لاغتيال «القاسم»، لكنه فشل وأصيب بجروح، فجرى تهريبه إلى مصر عبر سوريا (بمساعدة «عبد الحميد السراج») من قبل مسؤول وكالة المخابرات المركزية في الشرق الأوسط ومستشار «عبد الناصر» لشؤون مكافحة الشيوعية،«جيمس آيكلبرغر»، الذي كان أصبح آنذاك (منذ أواخر العام 1956) يتخذ من بيروت مقراً له.

وفي العام 1962، وخلال «المؤتمر القومي الخامس لحزب البعث»، الذي عقد في حمص أواخر أيار / مايو 1962، فرضه الأميركيون عضواً في المؤتمر للمرة الأولى من خلال عملائهم :«ميشيل عفلق» و «فرحان الأتاسي» و «نادر الأتاسي»، رغم أن عمره لم يكن تجاوز يومها 25 عاماً! وكان رجلا الأعمال «الأتاسيان» المذكوران هما من استضافا أعمال المؤتمر وموّلاه بطلب «الوكالة» ( أعدم «فرحان»، وهو ابن أخ عميل الحركة الصهيونية العتيق،الرئيس «هاشم الأتاسي»، في العام 1965 مع ابن خالته المقدم «عبد المعين الحاكمي» بعد إدانتهما بالتجسس لصالح إسرائيل فيما يخص صفقة سلاح سوفييتية لصالح القوى البحرية في الجيش السوري، بينما أخفى النظام «العفلقي» السوري تماماً علاقتهما بـ «كوهين» الذي أعدم بعدهما بحوالي ثلاثة أشهر!).

وفي العام 1978 اغتال «صدام» القائد الفلسطيني «وديع حداد» بالسم البيولوجي الذي أحضره  مستشار الأمن القومي الأميركي «زبغنيو بريجنسكي» من «معهد وايزمان للبيولوجيا» بالتعاون مع رئيس جهاز الموساد «يتسحاق هوفي» ( وهو المعهد نفسه الذي دمرته إيران صيف العام الماضي ومسحته عن وجه الأرض بمختبراته الخمسة والأربعين كلها). وفي العام نفسه، وبالطريقة نفسها، لكن لصالح الرئيس الفرنسي «جيسكار ديستان»، ومقابل صفقات اقتصادية كبرى من بينها «مفاعل نووي» ستدمره إسرائيل لاحقاً بمساعدة المخابرات الفرنسية نفسها،اغتال «صدام» الرئيس الجزائري «هواري بومدين» من خلال رئيس جهاز مخابراته«سعدون شاكر المفرجي» (1). وفي سبتمبر 1980 شن حربه على إيران بعد اجتماعات حصلت مع مندوبين عنه في عمّان وإسبانيا وأماكن أوربية أخرى، فتسبب بتدمير العراق وإيران كليهما(2). وفي  العام 1990 جاء «الفخ الكويتي» لاصطياده قبل أن يقرر مشغلوه التخلص منه نهائياً في العام 2003 . وكان هذا  من طبيعة الأمور، فالجاسوس الذي يعمل في الجاسوسية لدوافع شخصية ودون وجود قضية نبيلة خلفه، يتحول لاحقاً إلى عبء أو «حمار عجوز يستهلك ولا يُنتج» في نظر مشغليه ويجري التخلص منه،على حد تعبير «ماركوس فولف» خلال إحدى جلساتنا في « بريندن» قي ضواحي برلين في العام 2005. ومن المؤكد أن «بغل السنة» هذا كان أحمق وأرعن  ولا يضارعه في سفالته وحقارته ونذالته وغبائه أيٌّ من الحكام العرب في القرن العشرين. ولهذا كان من المحتم أن يتعامل معه مشغلوه كحمار عجوز لم يعد بإمكانه نقل الأثقال، فجرى اتخاذ القرار بالتخلص منه. 

  هذا كله، أو المعروف منه، تجري استعادته في هذه الأيام بمناسبة ذكرى «غزو الكويت». لكن أحداً لن يستعيد ما كان يجري في مثل هذا الشهر قبل ذلك بخمسين عاماً، لسبب بسيط هو أن القصة لا تزال طي أدراج موسكو وأرشيف «اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي» و «وزارة الخارجية» مقفولاً عليها «بالضبة والمفتاح»، كما يقول المصريون. ولذلك لن يعثر أي أحد على أي أثر لها في أي مكان آخر. وأنا شخصياً لم أسمع بها إلا في العام 2002 حين بدأت العمل مع نائب آخر وزير خارجية سوفييتي ( فيكتور إسرائيليان)  لتحرير وترجمة كتاب «داخل الكريملن خلال حرب أكتوبر وما بعدها...»، ثم من «ماركوس فولف» في الفترة نفسها تقريباً حين وضع أوراقه الشخصية ( الخاصة بالعالم العربي) لتحرير «مذكراته العربية». 

*** 

  يربط  العرب والمؤرخون جميعاً قصة تخليق دولة إسرائيل بـ «وعد بلفور» وبريطانيا. لكن إذا كان «بلفور» خلقها بوعد على الورق فقط، فإن «ستالين» هو من وضع الأساس المادي لإنشائها، حسب تعبير «فولف». فصيف العام 1939 قرر إنشاء دولة يهودية في فلسطين من خلال اليهود السوفييت و«المحاربين القدماء» من متقاعدي «الانقلاب اللينيني» الذي رتبته وأدارته المخابرات الألمانية في العام 1917 لِيُعرف لاحقاً باسم «الثورة البلشفية». وكانت الخطة تقضي بإنزال بحري مكون من أربعين ألفاً من هؤلاء ( أي ما يقارب ضعف القوات البريطانية التي كانت تحتل فلسطين)بقيادة «فلاديمير يفغينيفيتش جابوتنسكي Влади́мир Е. Жаботи́нский » على الساحل الفلسطيني (حيفا ويافا) ، ثم الاستيلاء على الحاميات البريطانية ، بما في ذلك حامية القدس المحتلة، وإعلان قيام «دولة يهودية اشتراكية» تعترف بها موسكو فور إعلانها! وقد تشجع «ستالين» على ذلك بعد أن وقّع مع «هتلر» في الشهر نفسه «معاهدة عدم اعتداء» ( «معاهدة روبنتروب - مولوتوف»)، ما جعله يعتقد بأنه يستطيع الانصراف لمحاربة البريطانيين في فلسطين والمشرق العربي، من خلال إنشاء «دولة يهودية» . لكن الأمور سارت على عكس ما كان يشتهي. فبعد أقل من أسبوعين على توقيع المعاهدة، قام«هتلر» بغزو «بولندا» في أول سبتمبر، والذي كان الشرارة التي افتتحت نيران الحرب العالمية الثانية كما هو معروف. ولهذا توقف مشروع «الإنزال اليهودي - السوفييتي» بعد أن اختلطت الأوراق والظروف. ولكن هذا لم يجعل «ستالين» وحزبه «الشيوعي» ( الشيوعي بمقدار ما هو صباطي ... شيوعي!)  و أجهزة مخابراته يُصابون باليأس، فنفذوا المشروع بطريقة أخرى، وإن بـ «المفرّق» بدلاً من «الجملة».

    لم يكن «جابوتنسكي» المذكور أعلاه سوى الشخص نفسه الذي سيُعرَّف لاحقاً باعتباره الأب الروحي لـ «التيار اليميني المتطرف في القومية الصهيونية» أو كما يُسمى في الأدبيات السياسية الإسرائيلية «الحركة الصهيونية التصحيحية»، وصاحب فكرة إقامة «دولة يهودية على ضفتي نهر الأردن» ( فلسطين والأردن)، فضلاً عن جنوب سوريا ولبنان. فبُعيد اندلاع الحرب العالمية الأولى توجه إلى فلسطين وتطوع في قوات الحلفاء وأسس «الفيلق اليهودي» في الجيش البريطاني الذي قاتل معهم في فلسطين وجنوب سوريا وشرق الأردن إلى جانب «الملك فيصل» والقوات البريطانية(3)، وأصبح الرائد الأول - بخلاف زعيم المنظمة الصهيونية العالمية «خاييم ويزمان» ( صديق الأمير «فيصل» و «الكتلة الوطنية» و «شكري القوتلي» لاحقاً) - لفكرة «إقامة دولة يهودية بالقوة المسلحة، وليس بالتفاهم السلمي مع العرب»، كما كان زميلاه «وايزمان» و «بن غوريون» يفكران،على الأقل علناً. وكان معجباً بالفاشية ومعادياً بقوة للشيوعية وما أسماه «النزعة الاشتراكية» عند زميليه المذكورين، إلى حد أنه صادق الدوتشي الإيطالي «موسوليني» الذي وصفه من باب المجاملة و التفخيم بأنه «الدوتشي الفاشي اليهودي»! ومع ذلك لم يتردد «ستالين» في اقتراحه أن يكون هو «قائد الحملة اليهودية - السوفييتية» على فلسطين التي كان أصبح يقيم فيها منذ أواخر الحرب العالمية الأولى! فقد كان «جابوتنسكي» أسس منظمة «بيتار» الإرهابية الفاشية في العام 1923 لتجنيد اليهود حول العالم ، بما في ذلك الاتحاد السوفييتي، من أجل تحقيق مشروعه، والتي ستصبح خلال حرب فلسطين وما بعد نواةَ حركة «حيروت» ثم حزب «الليكود» بزعامة «مناحيم بيغن». ومن المفارقات المذهلة أن «جوناثان باول Jonathan Powell»، الذي أصبح مستشار الأمن القومي البريطاني في 2 ديسمبر 2011، وأشرف مع زميلته الفلسطينية- البريطانية - الإسرائيلية «كلير حجّاج-شابيرو Claire Hajjaj-Shapero»على تجنيد «الجولاني»  في منطقة «الحجر الأسود» جنوبي دمشق صيف العام 2011، حين أرسل له معها «لابتوب» يتصل بالإنترنت عبر الأقمار الصناعية،وصف «الجولاني» بأنه «جابوتنسكي سوريا المستقبلي»!

   توفي «جابوتنسكي» بأزمة قلبية مفاجئة في نيويورك في 3 أغسطس 1940 بينما كان في مهمة تعبئة وتجنيد في أوساط اليهود الشباب لصالح «بيتار». وفي ذلك الوقت نفسه تقريباً كان نائبه في منظمة «بيتار»، «مناحيم بيغن»،أصبح معتقلاً في سجون المخابرات السوفييتية بعد القبض عليه في «ليتوانيا» بتهمة التعامل مع المخابرات البريطانية، قبل أن يحكم بالسجن لمدة ثماني سنوات. وفي تموز/ يوليو من العام التالي (1941) أبرم معه «ستالين» ومدير مخابراته ، اليهودي - الصهيوني «لافيرينتي بيريا» صفقة تقضي بالتعامل مع المخابرات السوفييتية ضد المخابرات البريطانية و التوجه إلى فلسطين للعمل على إقامة «دولة يهودية» مقابل إطلاق سراحه. وبموجب الصفقة، جرى نقله من قبل المخابرات السوفييتية عبر«الممر الفارسي» إلى إيران والعراق والأردن ثم فلسطين. وكان «الممر» المذكور عبارة عن خط سكك حديدية أنشأه «الحلفاء» ما بين الموانىء الإيرانية والعراقية على «الخليج الفارسي» والاتحاد السوفييتي لنقل السلاح والذخائر إلى «الجيش الأحمر» عبر الأراضي الإيرانية بعد أن كان «هتلر» مسح حذاءه بمعاهدة «مولوتوف - روبنتروب» وغزا الاتحاد السوفييتي صيف العام 1941. أما من أشرف على نقل «مناحيم بيغن» عبر الأراضي الإيرانية فلم يكن سوى العقيد اليهودي - الصهيوني «ناحوم إيتينغونНау́м Эйтинго́н» الذي أشرف في العام السابق ( 20 آب / أغسطس 1940) على اغتيال القائد والمنظر الثوري الشهير «ليون تروتسكي» في المكسيك بأوامر زعيم صهاينة «الكريملن»... «ستالين»، لأنه رفض أن يكون «يهودياً»، وقرر الذهاب إلى آخر الأرض (المكسيك) على أن «يجدد يهوديته» ويذهب إلى فلسطين مع بقية اليهود السوفييت! وكان «إيتينغون» آنذاك مسؤولاً عن العمليات الخارجية الخاصة في المخابرات السوفييتية، بما في ذلك سرقة الذهب الإسباني ( ما يزيد عن خمسمئة طن) ونقله إلى الاتحاد السوفييتي!

  مع انتهاء الحرب العالمية الثانية في أيار/مايو 1945، بدأ «ستالين» المرحلة الثانية من عملية إقامة «دولة يهودية» في فلسطين. ففي يوم الخميس ، 13 مايو 1948، كرس المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي مساحة واسعة من مناقشاته خلال اجتماعه الأسبوعي لاتخاذ قرار بشأن ما إذا كان يتعين على الاتحاد السوفييتي أن يعترف بدولة إسرائيل التي كان من المنتظر أن يعلن  «بن غوريون» عن قيامها في اليوم التالي، 14 مايو (4). وقد تباينت وجهات النظر خلال الاجتماع الذي استغرق ساعات طويلة وتشعبت نقاشاته،إلا أن «ستالين» حسم النقاش وقال لزملائه ما حرفيته: «سنعترف بها فور إعلانها؛وبذلك نغرز شوكة في مؤخرة العرب بحيث يستمرون في حكّها ويعجزون عن الجلوس والاسترخاء بسببها إلى آخر الدهر(...).ولن نعترف بها فقط،بل سندعمها بكل ما يتوفر لدينا من إمكانيات في مواجهة الرجعيين والإقطاعيين العرب عملاء الإمبريالية البريطانية وأيتام هتلر والنازية،كما دعمْنا حتى الآن المناضلين الاشتراكيين اليهود في كفاحهم الوطني التحرري ضد هذه الإمبريالية وعملائها العرب وضد النازية منذ سنوات طويلة»! وبتاريخ يوم الإثنين،17 مايو،بعد ثلاثة أيام على إعلان قيام دولة إسرائيل فعلاً من قبل «بن غوريون»،عقد المكتب السياسي اجتماعاً استثنائياً أقر خلاله«الاعتراف القانوني»الفوري بها.وبذلك كان الاتحاد السوفييتي أول دولة في العالم تعترف بها قانونياً،لتليها الولايات المتحدة،التي لم تكن تعترف بها إلا سياسياً. وقد بُنِي القرارُ السوفييتي في الأساس على الأطروحة التي روّج لها «ستالين» والحزب الشيوعي السوفييتي ومنظّروه منذ أن اكتشفَ وزيرُ خارجية «الثورة»، «ليون تروتسكي»،بعد أيام من سيطرة«البلاشفة»على مباني الوزارة في 7نوفمبر1917، وثائق«اتفاقية سايكس-بيكو» البريطانية-الفرنسية(المُبرَمة بالتفاهم مع المملكة الإيطالية وروسيا القيصرية)،وأمرَ بنشرها كاملةً في صحيفتي «برافدا»و«إزفستيا»في 23 نوفمبر. وكان جوهر تلك الأطروحة الستالينية يقول إن فلسطين التاريخية هي «إيريتس يسرائيل» (أرض إسرائيل)التي«ارتبطت منذ الأزمنة الغابرة بوجود الشعب اليهودي و وجدانه وتطلعاته»، وإن«الحركة الصهيونية، التي تقاتل الآن الإمبريالية البريطانية من أجل استقلال فلسطين وإقامة دولة يهودية اشتراكية فيها،هي حركة تحرر وطني للشعب اليهودي وجزء من الحركة الثورية العالمية». وسرعان ما فرضت الحكومة البلشفية الجديدة وحزبها «الشيوعي» هذه الأطروحة على بقية الأحزاب الشيوعية في العالم،بما في ذلك العربية منها، رغم إصدارها مرسوماً في العام 1928 يقضي بإنشاء«منطقة الحكم الذاتي اليهودية Евре́йская Автоно́мная О́бласть» في أقصى الشرق الروسي.

   أما المفارقة في الأمر فهي أن «ستالين» نفسه،وهو مؤلِف الكتاب الشهير «الماركسية والمسألة القومية» [سلسلة مقالات نشرها مطلع العام  1913 في منفاه بفيينا]، الذي قرّظه «لينين» والذي تحول،منذ العام1935 على الأقل،إلى كتاب نظري-مرجعيّ عن المسألة القومية لجميع الأحزاب«الشيوعية»الموالية لموسكو،تعاملَ مع اليهود(الذين احتلت «قضيتهم القومية» ثلث الكتاب تقريباً) باعتبارهم قومية/عِرقاً،بل وحتى«أمـّة تامّة الأركان والخصائص لا ينقصها سوى الإقليم/الأرض»،وليس بوصفهم طائفة دينية كالمسيحيين والمسلمين وأتباع الديانات الأخرى التي ينتمي المؤمنون بها إلى عشرات القوميات والأعراق المختلفة!وللأمانة التاريخية،لم يكن «ستالين» في ذلك إلا«لينينياً أصولياً»؛ ذلك أن «لينين» المؤسس،وكما أشرت سابقاً،لم يكتفِ بتقريظ الكتاب فقط،بل وكان أول من اعتبر اليهود «قومية/عرقاً»،لا مجرّدَ طائفة دينية،وسعى إلى إقامة «وطن قومي» لهم في«جنوب القوقاز»[أي في المنطقة التي تُطابِق تقريباً جغرافية«مملكة الخزَر» المتهودين في القرن العاشر الميلادي!]،في الوقت الذي كان «اليهودي» المَحْتِد، «تروتسكي»،يسخر من ذلك ويعلن بأصرح ما يكون الإعلان ودون أي حرج أو مجاملة لوفد من وجهاء اليهود الروس، جاء لتهنئته بمنصبه في النظام الجديد وطلب العون للطائفة التي«ينتمي إليها»،إنه«لم يعد يهودياً منذ أن أصبح شيوعياً»!

   على تلك الخلفية الأيديولوجية والسياسية المغرقة في جهلها وابتذالها وانتهازيتها، وقبل عام على قرار «ستالين» وحزبه الاعترافَ بإسرائيل وتقديم كل الدعم الممكن لها، كان مندوبُ الاتحاد السوفييتي لدى الأمم المتحدة،«أندريه غروميكو»،ألقى في 14 مايو 1947خطاباً أمام جلسة لجمعيتها العامة كُرِّست للبحث في مسألة تقسيم فلسطين. وللحيلولة دون حصول أي اجتهاد غير مرغوب فيه من قبل «غروميكو» والبعثة السوفييتية،رغم استحالة وجود اجتهاد من هذا النوع في هكذا أمر،خصوصاً خلال عهد «ستالين»،حرصَ هذا الأخير على كتابة مسودة الخطاب بخط يده شخصياً،وليس بخط وزير خارجيته «فياتشسلاف مولوتوف»، قبل إرسال النص النهائي للخطاب إلى «غروميكو»،كما كشف خليفتُه، «دميتري  شيبيلوف» لـ «فيكتور إسرائيليان» في العام 1982. وقد جاء في الخطاب الذي ألقاه «غروميكو» ما حرفيته:«إن مئات الآلاف من اليهود يجوبون الآفاق الآن في بلدان أوربا بحثاً عن مأوى،وقد آن الأوان لتقديم العون لهؤلاء الناس.أما العرب فيدّعون بأن تقسيم فلسطين هو  ظلم تاريخي لهم،وهو ما لا يمكننا موافقتهم عليه أبداً.وتكفي لدحض ادعائهم هذا حقيقةُ أن الشعب اليهودي كان مرتبطاً بإيرتس يسرائيل[أرض إسرائيل]على امتداد فترة تاريخية طويلة جداً».وخلال جلسة لمجلس الأمن في 18 أوغسطس 1948، جدَّد المندوب السوفييتي «يعقوب مالك»،الذي كان خلَف «غروميكو» في منصبه قبل نحو ثلاثة أشهر من ذلك اليوم،موقفَ موسكو من القضية في الفلسطينية بوصفها «مشكلة لاجئين اختلقها المستعمرون البريطانيون»!وفي أغسطس من العام 1953 كان الاتحاد السوفييتي الدولة الأولى التي يعمد سفيرها «ألكسندر أبراموف» إلى تقديم أوراق اعتماده للرئيس الإسرائيلي «يتسحاق بن تسفي» في القدس،وليس في تل أبيب كما كان يفعل حتى سفراء الدول الغربية؛فكان بذلك أول من اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل.وفي العام نفسه جدد الكريملن تنديده بإقدام جامعة الدولة العربية على إنشاء«مكتب مقاطعة إسرائيل»،وبمحاولات العرب «تجويعَها وخنقَها» من خلال مقاطعتها اقتصادياً،وأبرم معها -رداً على المقاطعة العربية-اتفاقيةً تجارية لتزويدها بالنفط مقابل الحمضيات.وفي 17 أكتوبر 1964،أي بعد مرور ثلاثة أيام فقط على وجوده في موقع الأمين العام للحزب،باع «بريجينيف» معظم ممتلكات الكنيسة الروسية في فلسطين التاريخية،التي كانت انتقلت إلى مِلكية الدولة السوفييتية في وقت سابق،إلى دولة إسرائيل مقابل بضعة أطنان من البرتقال اليافاوي[نسبة إلى مدينة يافا الفلسطينية المحتلة]،لتُعرفَ هذه الصفقة لاحقاً باسم«صفقة البرتقال».أما سلَفه «خروتشوف»  فكان أكثر كرَماً منه،إذْ تنازل قبل عشرة أيام على ذلك،أي قبل أسبوع واحد من إرغامه على الاستقالة من قيادة الحزب،عن جزء آخر من ممتلكات الكنيسة لدولة إسرائيل مجاناً ودون أي مقابل!

قبل ذلك، وخلال الحرب العربية - الإسرائيلية التي اندلعت في العام 1948، قام الاتحاد السوفييتي بأكبر عملية سرية لنقل السلاح والمتطوعين إلى فلسطين لمساندة العصابات الصهيونية. وخلال هذه العملية جرى نقل أكثر من ثلاثة آلاف متطوع من «المحاربين البلاشفة القدامى» إلى فلسطين، فضلاً عن شحن الطائرات والدبابات التي غنمها الاتحاد السوفييتي من ألمانيا النازية وحلفائها خلال الحرب. وكان يجري تجميع الطائرات والدبابات في مطارات «تشيكوسلوفاكيا» و«ميناء سبليتSplit» اليوغسلافي على البحر الإدرياتيكي قبل نقلها تحت جنح الظلام إلى حيفا! كما جرى تدريب عشرات الطيارين الإسرائيليين على قيادة تلك الطائرات في تشيكوسلوفاكيا، فضلاً  عن معسكرات التدريب الخاصة التي أقيمت في تشيكسلوفاكيا أيضاً لتأهيل مقاتلي عصابات «شتيرن» و«أرغون» الصهيونية عسكرياً.  و وفق تقدير «شبيلوف»، فإن دولة إسرائيل الوليدة آنذاك «لم يكن بإمكانها أن تنتصر على العرب في حرب فلسطين لولا مئات الطائرات والدبابات التي أرسلها لها ستالين، ولولا / اللواء الكرواتي/ الذي أرسله زعيم يوغسلافيا ، جوزيب بروز تيتو، للقتال إلى جانب الإسرائيليين ضد من كنا نسميهم الإقطاعيين العرب عملاء الإمبريالية البريطانية سابقاً والنازية الألمانية لاحقاً»!

  أما «غولدا مائير»، التي كانت أول سفير إسرائيلي للدولة الإسرائيلية الوليدة في موسكو بعد أشهر قليلة من إعلانها في العام 1948،فجرى - بأوامر «ستالين» - تحشيد الآلاف من الجنود والعمال المدنيين السوفييت للاحتفال بها في عيد رأس السنة اليهودية أمام أحد المعابد اليهودية في موسكو!

  ومن المفارقات التاريخية أن«ألمانيا الديمقراطية»، وحين قررت عند تأسيسها في أكتوبر العام 1949 إنشاء جهاز مخابرات خاص بها، أرسلت «ماركوس فولف» إلى موسكو من أجل التدرب على ذلك، فكانت المحاضرة الأولى التي تلقاها هناك على يد رئيس جهاز الاستخبارات السوفييتي «لافرينتي بيريا» تتعلق - كما أخبرني في العام 2002 -  بعملية نقل الدبابات والطائرات السوفييتية والتشيكسلوفاكية إلى العصابات الصهيونية في فلسطين!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش:  

(1) ـ  حين قرأت الملف الطبي السري لـلرئيس المغدور«هواري بومدين»، الذي حصلت عليه من «ماركوس فولف» ومن كبير الأطباء الشرعيين في ألمانيا الديمقراطية « أوتو بروكوب»، أصبت بحالة ذعر حقيقية لا أنساها. من يصدق أن طول جسده «تقلص بمقدار 35 سم تقريباً خلال الأسابيع الأخيرة من حياته حتى أصبح شبيهاً بجسد صبي أفريقي في العقد الثاني من عمره يعاني المجاعة،فضلاً عن فقدان هيكله العظمي كثافتَه وصلابتَه وتحوله إلى بنية هشة شبه عجينية Teigartige ،الأمر الذين حيّر عقول الأطباء وأصابهم بالذهول»، كما يقول التقرير!؟ ( أوراق «ماركوس فولف» ، التقرير الطبي الخاص بهواري بومدين، الذي وضعه أحد أطباء ألمانيا الشرقية ، والذي كان عضواً في الفريق الطبي الذي سهر عليه بعد إعادته من موسكو إلى الجزائر، ولم أنشره حتى الآن).

(2) ـ ملفات و وثائق اجتماعات ممثلي «صدام حسين» مع رجال «وكالة المخابرات المركزية» في إسبانيا و عمّان وغيرهما من أجل شن حرب على إيران في العام 1980 متضمنة في الجزء الثاني من «داخل الكريملن خلال حرب أكتوبر»، والذي لم أنشره بعد.

(3) ـ  مذكرات «جابوتنسكي» بالروسية :

https://royallib.com/book/gabotinskiy_vladimir/slovo_o_polku.html

(4) ـ محضر اجتماع «المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي، 13 مايو 1948» في « فيكتور إسرائيليان و نزار نيوف : داخل الكريملن خلال حرب أكتوبر وما بعدها، المجلد الثاني / غير منشور بعد».