Wednesday, 18 February 2026

 أحاديث رمضانية ـ1:

من أين جاء الصيام اليهودي الرمضاني والعاشورائي إلى الإسلام، ولماذا!؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 هذا المقال كتبه «نزار» قبل أكثر من عشر سنوات على صفحته في «فيسبوك»

 ضمن سلسلة كان ينشرها على مدى شهر رمضان.

(فيكتوريا)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

   يرتبط شهر رمضان، قبل الإسلام وبعده، بشعيرة الصوم. ولولا هذا الارتباط، لكان شهراً عادياً على غرار بقية الأشهر في التقويم العربي القمري. ومن المؤكد أن معظم المسلمين المؤمنين، باستثناء من يهتم منهم بتفاصيل تاريخ دينه، لا يعلم، وربما لم يفكّر أن يعلم ولا يحب أن يعلم، أن أسلافه الأوائل كانوا يصومون وفق صوم الشريعة اليهودية، سواء  في صيغته «العاشورائية» أو «الأريوسية» (المسيهودية) المعروفة بـ«الحنيفية»، أو هذا ما أعتقد به اعتقاداً قطعياً. ويشكل تكريس شهر رمضان شهراً للصوم الإسلامي، بعد 13 عاماً على بداية الدعوة المحمدية وليس منذ بدايتها (!!)، وبالتزامن تقريباً مع تحويل قبلتها من القبلة اليهودية إلى القبلة «الجاهلية ـ الوثنية» (الكعبة)، إحدى العلامات والخطوات الأساسية التي اتخذها النبي محمد للانشقاق عن اليهودية بعد أن فشل في الحصول على اعتراف تكريسي من قبل يهود «يثرب» ويئس من ذلك، والتحولِ من مذهب يهودي إلى دين مستقل قائم بذاته، تماماً كما حصل مع النصرانية والمسيحية الرسولية. علماً بأن هذا الدين الجديد، وكما يحصل غالباً مع موت الزعيم والقائد المؤسس لأي حركة سياسية أو دينية، سينشق مرة أخرى، حيث سيعود قسمه الأكبر(بحد السيف) إلى أصله اليهودي السابق، ولكن في صيغة داودية ـ تلمودية سنعرفها لاحقا باسم «الإسلام السني»، بينما يتجه القسم الآخر، المهزوم تحت حد السيف، ليكون «الإسلام العرفاني» على يد مؤسسه الأول سلمان الفارسي، الشخصية الأكثر غموضاً في التاريخ الإسلامي قاطبة، إلى حد أن ثلاثة مستشرقين على الأقل أنكر وجوده تاريخياً واعتبروه خرافة سنية ـ شيعية، قبل يتصدى المستشرق الفرنسي «لوي ماسينيون» بالبراهين التاريخية لهذا التيار، خصوصاً بعد أ تمكن من العثور عل قبره في «المدائن» العام 1908 (1). و سيُعرف  هذا الإسلام السلماني لاحقاً ،بعد تبلور واستقرار المصطلحات والمفاهيم والتيارات الناشئة، باسم «الإسلام الشيعي»(2) بأطيافه الواسعة والمختلفة (الإمامية، الكيسانية، الفطحية، العلوية / النصيرية، الزيدية، الموحدية [الدرزية]...إلخ) بعد أن جرى تأطيره  و وضع أسسه الفقهية ـ الشرعية على يدي الإمام «السلماني»السادس «جعفر الصادق»، بعد حوالي تسعين عاماً عل بداية دعوة جده النبي محمد. وكما في كل حركة سياسية أو دينية عبر التاريخ، ستبقى الفروع الإنشقاقية عن الأصل محتفظة بأسس الأصول أو معظمها، وإن وفق تفسيرات جديدة، بينما تشق لها طرقاً أخرى مختلفة في بقية الأركان الفقهية، تبعاً لاحتياجات الظروف الاقتصادية ـ الاجتماعية وإملاءاتها. وهذا ما حصل في الماركسية على سبيل المثال: فجميع التيارات التي نسبت نفسها للمؤسس، حقاً أو باطلاً، بهدف الحصول على «الشرعية الإسمية» ولو مؤقتاً ريثما تكرس نفسها بذاتها، كالبرينشتاينية (الاشتراكية الديمقراطية) واللينينية والتروتسكية واللوكسمبورغية والماوية والجوتشية والغيفارية / الكاستروية ...إلخ، شقت لنفسها لاحقاً طرقها الخاصة المستقلة وأصبحت تيارات نظرية وسياسية قائمة بذاتها، مع احتفاظها، إلى هذا الحد أو ذاك، بأركان الأصول الأساسية ومقولاتها  كمرجعية، ولكن انتقائية.

صيام عاشوراء

    تكشف واقعة الصوم بذاتها عن الأصول الدينية للإسلام في طبعته الأصلية ، المحمدية، وتحولاتها . فقد بقي المسلمون المؤسسون يتبعون الصيام اليهودي ، صيام «عاشوراء»، طوال 13 عاماً (حتى العام الثاني للهجرة). أما صيام «عاشوراء» نفسه فلم يكن في واقع الحال طقساً ً يهودياً أصيلاً، وإنما مستورداً من البيئة المحيطة بالجماعة اليهودية الأولى التي «انشقت» إيمانياً على قبيل إسرائيل العربية «الوثنية» البائدة. وهذا ما يمكن استنتاجه من الاسم الأصلي للصيام باللغة «العبرية» المزعومة (3)، وهو «يوم ها كيبور» أو «يوم ها كيبوريم »יום הכיפורים ، أي يوم «الغفارات/ الكفّارات» أو «أيام التوبة». أما جذر «كيبور»כיפור فهو أكادي / آرامي ( غ . ف . ر)  يعني « غسل / طهّر».  لكن مع استبدال سبعة أحرف في الآرامية اعتباراً من القرن الثالث الميلادي، ومنها الحرف (ف :V) الذي أصبح يلفظ (ب: P)، أصبح لفظ الكلمة في العبرية المزعومة (الآرامية البابلية ـ الفلسطينية الوسطى)  «كيبور».  وبهذا المعنى يمكن وصف أيام الصوم اليهودي بأيام «غسيل الذنوب» أو «التطهر من الذنوب». ويرمز في التقليد الحاخامي إلى «فريضة أبدية على بني إسرائيل للتكفير عن خطايهم مرة واحدة سنوياً، كما أمر الرب موسى»، وفق «سفر اللاويين» (الإصحاح 16(. أما تعبير «عاشوراء» فجاء من واقع أن الفريضة تستغرق عشرة أيام اعتباراً من رأس السنة «روش ها شاناه» ، وتنتهي في الليلة التاسعة منها ليكون بعدها« يوم كيبور» اليوم العاشر المتمم.

 تشير الموارد الإسلامية المختلفة إلى أن الجماعة الإسلامية الأولى في مكة ، النبي وأصحابه، كانت تصوم عاشوراء منذ بداية الدعوة، واستمرت في ذلك إلى الثانية للهجرة حين جرى  استبداله بصوم رمضان. أو هذا على الأقل ما يخبرنا به «البخاري» (الحديث 1793 و 1794) نقلا عن« ابن عمر». وهو ما ذكره «النووي» أيضا في سياق شرحه لـ «صحيح مسلم» (الحديث رقم 1125).

صيام رمضان

   يشكل إلغاء صيام عاشوراء واستبداله بصيام رمضان إحدى المحطات التي تشير إلى أن الفرائض الإسلامية، وبخلاف الأزعومة الإيمانية الساذجة، لم تكن وليدة وحي، بل نتاج التحولات السياسية التي كان يواجهها النبي، فيوقف العمل بشيء ويستبدله بشيء آخر قبل أن أن ينسبه لوحي إلهي، لكأن هناك إلهاً قلِقاً جاهلاً أحمقَ ومزاجياً غيرَ مستقر على رأي أو فكرة ، أو «إله سويعاتي» ، كما نقول في سوريا، يمارس تجاربه على أنبيائه وأتباعهم إلى أن يستقر رأيه على حال معينة. وهذا ما نراه على الأقل في المرحلة «اليثربية»، مرحلة التشريعات الإسلامية كلها، ذلك لأن المرحلة «المكية» لم تعرف وضع أي تشريع إلهي للإسلام . وهذا الإله يشبه في ذلك إلى حد التطابق العجيب مع إله إسرائيل «يهوه»، المختلف كلياً عن إله محمد في مكة.

   كان النبي يعلق آمالاً كبيرة على يهود  يثرب لكي يكتسب الشرعية ، بوصفهم الأمناء على سجلات السلالة الإبراهيمية، المؤتمنة بدورها على «الرسالة الإلهية»، يمنحون صك الاعتراف لمن يشاؤون و يمنعونه عمن يشاؤون. وحين فشل في الحصول على صك اعتراف بنبوته، بدأ عمليات بتر وقطع راديكالية معهم كان استهلها باختراع نسب سلالي له يوصله إلى النبي الأسطوري / الخرافي «ابراهيم»، وقال قولته الشهيرة لأتباعه «أنتم نصيبي من الأمم، وأنا نصيبكم من الرسل، ولو كان موسى حياً ، ما وسعه إلا أن يتبعني». وهو في الواقع ما قام به «بولص» قبله بستة قرون حين اخترع  اتصالاً سلالياً موصولا لعيسى ابن مريم بـ «داود»، لأن الشريعة اليهودية تنص على أن «المشيحا» سيكون من سلالة داود، دون أن ينتبه إلى أن هذا الاختراع ينسف أساس المسيحية من جذورها. فلم يخطر بباله  أن يتساءل : كيف يكون المسيح من سلالة داود، أي من خط سلالي بشري ، بينما هو ابن الله!؟ لكن «بولص» كان مضطراً إلى اختراع هذه التوليفة «الإلهية ـ الأرضية» في تخليق المسيح ( من «نطفة إلهية» و«نطفية أرضية» في آن معا!)، كما سيكون النبي محمد مضطراً إلى ذلك، وللسبب نفسه، وهو فشل دعوة «ابن مريم»  وأتباعه في الحصول على صك اعتراف من اليهود ـ مخاتير الله الذين يحملون «خاتم المخترة»!

   في هذا السياق، سياق عملية البتر والقطع المحمدي مع اليهودية كمرجعية، جاء فرض صيام رمضان بعد شهر أو نحو ذلك من عملية القطع الكبرى  المتمثلة بوقف الصلاة نحو القبلة اليهودية واستبدالها بـ «القبلة الجاهلية ـ الوثنية» (الكعبة). وفي واقع الحال لم يكن ذلك يعني جوهرياً سوى شكل من أشكال «تعريب» الدعوة بعد أن كان لها طابع «أممي». فشهر رمضان كان ، كما الحج والصلاة إلى الكعبة، طقساً دينياً عربياً «جاهلياً» و «حنيفياً» في آن معاً.  فنحن نعلم من الموارد العربية والإسلامية أن «عبد المطلب»، جد النبي، وكذلك عمه «أبو طالب»، كانا يعظّمان هذا الشهر ويقضيانه في «غار حراء» ويتصدقان خلاله على المساكين والحيوانات والطيور. كما أن «الصابئة» ، كما يخبرنا «أبو الفداء»(4)، كانوا يصومون ثلاثين يوماً ، فإن نقص الشهر القمري صاموا تسعاً  وعشرين، وكانوا يراعون في صومهم الفطر والهلال، بحيث يكون الفطر حين تدخل الشمس برج الحمل، ويصومون من ربع الليل الأخير إلى غروب قرص الشمس. وهو ما يذكره «ابن النديم» أيضاً  في «الفهرست» (ص319).

  من المعلوم أن غار حراء، وبخلاف الرواية الممسوخة التي ترددها الموارد الإسلامية، لم يكن مجرد غار يخلو به النبي وحده، بل منتدى يتجمع فيه «الأحناف» بالعشرات للنقاش والحوار في قضايا الكون والإيمان والله والدنيا. وفي واقع الحال كان كل من «عبد المطلب» و«أبي طالب» عضوين في هذا المحفل إلى جانب الآخرين المعروفين، كـ «زيد بن عمرو بن نفيل» (عم «عمر بن الخطاب») و «ورقة بن نوفل» و «شيبة بن هاشم»  و«عثمان بن الحوريث» و «عبيد الله بن جحش»  و«أبو عمرو بن صيفي». ويبدو أن «أبو طالب» كان زعيم هذا المحفل ومرشده الروحي الرئيس، وكان يصطحب معه ابن أخيه «محمد» إلى هذا المنتدى طوال ما يقارب 32 عاماً أو يزيد، وهذا ما حاولت الموارد الإسلامية الرسمية إخفاءه والاكتفاء من القصة كلها بحكاية اختلائه بنفسه في الغار للتعبد! ومن الواضح، ليس من المصادر الإسلامية فقط، بل اليونانية أيضاً، أن هذه الجماعة الحنيفية كانت تصوم رمضان. فبالإضافة إلى المصادر الإسلامية والعربية،يخبرنا المؤرخ الفلسطيني «سلمان هرميا سوزومن» Salminius Hermias Sozomenus (5) ، الذي عاش في «بيت لاهيا» في «قطاع غزة» وفي «بيروت»  خلال النصف الأول من القرن الخامس الميلادي، وهو ينتمي إلى عائلة فلسطينية ذات نفوذ ديني أرثوذوكسي واسع في عصره، أن عرب شبه الجزيرة العربية يعتبرون أنفسهم أبناء إسماعيل وهاجر ويمارسون الطقوس اليهودية، بما في ذلك تحريم الخنزير وصوم «كيبور» (عاشوراء). لكن الإشارات المتفرقة  بالغة الأهمية في عمله، الذي يعتبر أحد أهم مصادر تاريخ الكنيسة المشرقية وصراعاتها خلال القرنين الرابع والخامس، تتيح لنا تلمس الطريق في الظلمة التي تحيط بتلك الفترة. ويمكن الاستنتاج من تلك الإشارات المتفرقة في عمل خاص بالتاريخ الكنسي أن الأحناف ـ ومن خلال ما نعرفه من معتقداتهم ـ ليسوا في واقع الحال سوى أتباع بقايا الكنيسة الأورشليمية بعد القضاء عليها نهائياً أواسط القرن الثاني، الذين فروا إلى البوادي العربية والحجاز وسوريا و شرقي الأردن ( تحالف المدن العشر :   ). وهؤلاء  كفّوا ـ على الأقل منذ القرن الثالث  ـ عن أن يكونوا يهوداً، لكنهم لم يصبحوا مسيحيين. فهؤلاء كانوا يرفضون عقيدة التثليث ويصومون شهراً قمرياً كاملاً ( شهر رمضان) على طريقة الصابئة، ويعتبرون المسيح نجرد «نبي» وأمه أنجبته من زواج طبيعي...إلخ!

هكذا، ومع حلول العام الثاني للهجرة، كان النبي محمد قد وضع الأساس الراسخ للقطيعة مع اليهودية بعد أن يئس من الحصول على اعترافها، وشرع بالعودة إلى الحنيفية ـ النصرانية (اللا يهودية واللامسيحية رسولية) من خلال العودة تقاليدها وشعائرها في الحج والصوم. لكن هذا لن يستمر طويلاً. فبعد «فتح مكة» وإبرامه الصفقة التاريخية مع الطلقاء ( الملأ المكي ـ السفياني)، ولكن بعد وفاته بشكل خاص، سيعود الإسلام مرة أخرى إلى البيضة اليهودية التي خرج منها، ولكن ليس في طبعة توراتية، وإنما طبعة تلمودية تتجاوز الأسفار الخمسة الأولى من التوراة لتدخل في دائرة التلمود كمرجعية فقهية  ـ تفسيرية على أيدي ثاثة حاخامات ( عبد الله بن سلام، كعب بن ماتع الحميري /كعب الأحبار، وهب بن منبه) الذين سيقودون الثورة المضادة في الإسلام من خلال ذراعهم و واجهتهم السياسية المتمثلة بالأمويين، وليبدأ  اعتباراً من تلك اللحظة تأسيس الإسلام التلمودي السني الذي سيتصدى له سلمان الفارسي في أول عملية اعتراض على «مؤامرة السقيفة»، وليبدأ  انشقاق الإسلام انشقاقه الثوري الكبير إلى جناحية الأساسيين «الإسلام التلمودي» و«الإسلام العرفاني ـ السلماني». ولكن هذه قضية أخرى ومرحلة أخرى.

ــــــــــــــــــــــــ

(1) ـ الثلاثة هم جوزيف هورفيتز، فرانسواـ نيكولاس نو، كليمان وار:

-Josef Horovitz(1974-1931): The Earliest Biographies of the Prophet and Their Authors (E. Edition).

- Clément Huart(1854-1926): Selmân du Fârs, 1909.

- François-Nicolas Nau (1864 -1931): Le Muséon, Vol 43 (1930), p.237-240.

 

(2) ـ أفضل تسميته بـ «الإسلام الفارسي» وليس الإسلام الشيعي، لأن الأولى أعمق دلالة على حقيقة جوهره كإسلام عرفاني مقابل الإسلام السني المشتق أساساً من الشريعة اليهودية ـ التلمودية والقائم عليها. وقد سبق لي أن نشرت بحثاً مطولاً عن ظروف وجوده ومبررات تسميته بهذا الأسم وفق قناعتي.

(3) ـ لا يوجد شيء اسمه «لغة عبرية». وحيثما ترد في أي نص أكتبه، إلا إذا وردت إشارة إلى غير ذلك، إنما أعني به تحديداً اللهجة الآرامية الوسطى، البابلية ـ الفلسطينية. أما «العبرية» الحديثة، التي  تستخدم اليوم في إسرائيل، فأفضل تسميتها بـ «اللغة الإسرائيلية» تمييزاً لها عن الأولى. واللغة الإسرائيلية لم تولد إلا اعتباراً من القرن الثامن بتأثير الثورة الثقافية الإسلامية على المجتمع الحاخامي (الربانيين)، ولكل بشكل خاص مطلع العقد الثالث من القرن العشرين من جماع اليديشية و السلافية وقليل من بقايا «الفندالية» (الإسبانية القديمة) والأقل من الآرامية الوسطى.

(4) ـ اسماعيل أبو الفداء (القرن 13): تاريخ أبي الفداء (المختصر في أخبار البشر)، ج1، ص 65 .

 (5)- The Ecclesiastical History of Sozomen, Merchantville, New Jersey: Evolution Publishing, 2018, translated by Edward Walford.

No comments:

Post a Comment

Note: only a member of this blog may post a comment.