صورتان وتاريخان :
واحدة دفع الإيرانيون ثمنها 10 تريليونات دولار و 47 عاماً من الحصار، وأخرى أهداها «عبد الناصر» لمستشاره رئيس محطة وكالة المخابرات المركزية في القاهرة!
وصورة ثالثة تعبر عن البلاهة السياسية الإيرانية بشأن «الإسلام السياسي السني»؛
ـ «عبد الناصر» بدأ «ثورته» بالتآمر على القضية الفلسطينية والعمل على توطين أهالي «قطاع غزة» في سيناء بالتواطؤ مع وكالة المخابرات المركزية؛
ـ و«الخميني» بدأ «ثورته» في العام 1962 بسبب علاقة الشاه بإسرائيل، وكان أول ما قام به بعد الانتصار تسليم السفارة الإسرائيلية لـ «عرفات»؛
ـ أما «عرفات» وبقية «العرب السنة» فكافأوا إيران بأن سارعوا إلى الاستجابة لأوامر وكالة المخابرات المركزية بشن حرب عليها في سبتمبر 1981 !
(خواطر ووثائق و وقائع مجهولة ومنسية عن الشيعي الأحمق والسني العربي الحقير في ذكرى سقوط النظام البهلوي)
ــــــــــــــــــــــــــــ
هذا المقال على الرابط أدناه نشره «نزار» في مثل هذه الأيام من العام الماضي على صفحته الثانية في «فيسبوك»، التي كانت تحمل اسم «جورج فاضل متى»، والتي أزيلت من الشبكة مع صفحته الرسمية الأصلية في يوم واحد. أعيد نشره اليوم مع بعض الإضافات التوثيقية الجديدة.
ومن أجل تصفح بالحجم الحقيقي ، يرجى النقر على الصور والروابط المرفقة.
(فيكتوريا)
ــــــــــــــــــــ
صحيح أن العوامل الوطنية (الداخلية) هي التي وقفت - كما في البلدان الأخرى- وراء جميع الانتفاضات الشعبية الإيرانية في القرن العشرين، منذ «ثورة المشروطة/ الدستورية» خلال الأعوام 1905-1911 وحتى الانتفاضة التي أسقطت الشاه، مروراً بـ «انتفاضة 15 خرداد1963»؛ لكن الأصح هو أن ما يسمى بـ «ثورة الخميني» التي أطاحت الشاه في مثل هذه الأيام من العام 1979، كانت الوحيدة في العالم التي انفجرت بـ «صاعق فلسطيني»!
حتى انقلاب «عبد الناصر» ورفاقه في 23 تموز / يوليو في العام 1952،والذي جرى ربطه دائماً من قبل ديماغوجيي القومية العربية بـ«حرب فلسطين1948»، واعتبروه رداً على الهزيمة، لم يتضمن بيانه الأول (بيان الثورة) حرفاً واحداً عن القضية الفلسطينية أو عن إسرائيل! وكذلك هي الحال بالنسبة لـ «برنامج الثورة» ( برنامج النقاط الست) الذي صدر بعده! ( بالمناسبة: كم عربياً ، حتى من «الناصريين» أنفسهم، انتبه إلى ذلك أو يعرفه أو قرأ «البيان» و«البرنامج»!؟).
ما حصل كان نقيض ذلك تماماً: أول ما قامت به «الثورة الناصرية» المزعومة (أو «ثورة الـ CIA» كما أسماها القائد الشهيد «فرج الله الحلو» بحدس نبوئي منذ خريف العام 1952) هو التواطؤ مع وكالة المخابرات المركزية و «الأونروا» لتهجير أهالي «قطاع غزة» وتوطينهم في قطعة من الأرض منحها «ناصر» للأمم المتحدة من أملاك الدولة في جزيرة سيناء (شرقي «بورسعيد»)! وهذا ما فجّر انتفاضة أهالي غزة ( آذار/ مارس العام 1955) بقيادة الشاعر الشيوعي «معين بسيسو» ورفاقه، الذين داسوا صور «عبد الناصر» بالأحذية في الشوارع، فكان رده عليهم أن اعتقلهم وزجّ بهم في سجون «أبو زعبل» و «ليمان طرة» لسنوات، بمن فيهم «بسيسو» نفسه! ولم يتخلّ «ناصر» عن مشروع التوطين إلا بعد أن احتلت إسرائيل جزيرة سيناء في العام 1967، وبعد أن انتهى شهر عسله من وكالة المخابرات المركزية، فكان «الفضل» في وقف المشروع لإسرائيل وليس له!
أما سبب تلك الوقائع كلها (خلو «بيان الثورة» و «برنامجها» من أي إشارة للقضية الفلسطينية...إلخ )، فلم يكن إلا لأن من كتبهما بخط يده بالإنكليزية ( قبل أن يترجمهما «هيكل» إلى العربية) هو رئيس محطة وكالة المخابرات المركزية في القاهرة، الدكتور«جيمس إيكلبرغر James Eichelberger»، الذي أهداه «عبد الناصر» صورته الخاصة مزيلة بتوقيعه، كتكريم له! وهذا ما لم تتضمن كتب الجاسوس والنصاب المجرم «محمد حسنين هيكل»، الشريك في اختطاف وتصفية القائد الشيوعي اللبناني «فرج الله الحلو» صيف العام 1959، ولو حرفاً واحداً منه(1)!
على خلاف هذا التاريخ «الناصري»، بدأ تاريخ «الثورة الخمينية» مع القضية الفلسطينية منذ العام 1948، وليس منذ عودة «الخميني» إلى إيران في العام 1979 كما يعتقد حمقى العرب وبلهاؤهم و أوغادهم. فهؤلاء - كما هو معلوم- يعتقدون أن علاقة «إيران الخمينية» بالقضية الفلسطينية بدأت بعد سقوط الشاه، لأن «نظام الخميني أراد استثمار واستغلال القضية الفلسطينية...» إلى آخر المعزوفة الغبية التي يجترها هؤلاء البغال والحمير من الإسلام السياسي السني المتصهين وقطعانه، دون أن يفكر أحد منهم ويسأل نفسه: كيف يمكن حتى لأبله أن يقع تحت حصار طوال نصف قرن، ويخسر عشرة تريليونات دولار رغم أنه كان بإمكانه تفادي ذلك كله بمجرد قطع أي رابط له بالقضية الفلسطينية!؟. ولأنه لا يتسع المقام لكل المقال الخاص بذلك، سأكتفي بالإشارة إلى بضع محطات كنت خصصت لها فصلاً كاملاً في « عشرة أيام هزّت بلاد الشام ...»، نظراً للعلاقة العضوية التي تربط الأمر بما جرى في سوريا (2):
1ـ كان «الخميني» أول إيراني يقف ضد إقامة «دولة اليهود» في فلسطين حين إعلانها في العام 1948، وأول إيراني يستخدم تعبير «الصهيونية» في بيانه يومها للتميز بينها وبين «اليهود».
2 ـ كان أول صِدام بينه وبين الشاه بسبب قضية «خارجية» (فلسطين وإسرائيل)، وليس بسبب قضية وطنية / محلية. ففي العريضة التي رفعها للشاه في العام 1962 دعاه إلى «تحطيم سلاسل العبودية التي تربطه بأميركا وعدم التضحية بمصالح الشعب لصالح الصهيونية والولايات المتحدة». و حين أرسل له الشاه ضابطاً من «السافاك» للتفاوض معه، رفض أن يجيبه، وقال له «غداً سيسمع مليكك ردي من فوق منبر «مسجد فاطة المعصومة» (في «قم»). وهذا ما حصل. ففي خطبته كشف أن الشاه أرسل له ضابطاً من «السافاك»، وأنه أبدى استعداده لأن يتقبل تقريع «الخميني» له شريطة أن لا يهاجم الأميركيين والإسرائيليين. وتساءل: «لماذا لا يسمح لي الشاه بمهاجمة إسرائيل؟ هل أبُ الشاه إسرائيلي وأمه إسرائيلية وليس لنا علم بالأمر؟ ولماذا لا يسمح لي بمهاجمة الولايات المتحدة وإسرائيل؟». وختم تساؤلاته بالقول :«يا ابن الأميركيين والإسرائيليين، تذكّر أني لم أعدّ قلبي لكي يتقبل إنذاراتك، وإنما لتلقي رماحك»! وكان هذا أشبه بأن يقول للشاه «يا ابن الحرام / يا ابن العاهرة/ يا ابن الزنا»، وفق «التعبير الشرعي»!
وفي تلك الخطبة وصف الشاه بأنه «ابن الشيطان الأميركي الكبير والشيطان الصهيوني الصغير»، وخاطبه قائلاً :«اسمع أيها التعيس! لقد عشتَ حتى الآن 45 عاماً، فتوقف وتأمل بما قمتَ به من أجل بلادك،وليكن مصير أبيك درساً وعبرة لك». وختم خطابه - كالعادة - بالحديث عن «الشيطان الأكبر» و «الجرثومة الصهيونية» و«الغدة السرطانية الإسرائيلية»، وهي تعابير اشتهرت لاحقاً بعد انتصار «الثورة».
كانت الخطبة نقطة انعطاف تأسيسية أخرى في المواجهة بين الطرفين، لاسيما وأن حديث «الخميني» عن الشاه كان مهيناً - بالمعنى الشخصي، فضلاً عن السياسي ، على نحو غير مسبوق في تاريخ الدولة البهلوية كلها منذ أن أسسها أبوه في العام 1925 على أنقاض السلالة القاجارية! وبالتوازي مع هذا الرد، بدأ «الخميني» حملة تحريض ضد الشاه ومن وصفهم بـ«حماته الصهاينة»، وخاطب رجال الدين قائلاً : «اعتباراً من اليوم لم يعد هناك من خيار سوى أن تكونوا إما معنا ضد الشاه وحماته الصهاينة، وإما مع الشيطان الأميركي الأكبر وابنه الإيراني [الشاه]». وكانت تلك هي المرة الأولى التي يستخدم فيها تعبير «الشيطان الأكبر»،الذي أصبح لازمة في خطاباته كلها حتى موته، و«شعاراً شعبياً ورسمياً وطنياً» من منذ وفاته حتى اليوم.
ما إن انتهى «الخميني» من إلقاء خطبته، التي بدأها بشن هجوم على قرار الشاه تحويل التقويم الرسمي من «الهجري» إلى «الفارسي»، والعمل على استبدال الأحرف العربية بالحرف اللاتيني (على غرار ما فعل كمال أتاتورك في تركيا)، وختمها بوصف الشاه بـ «الجاسوس والعميل الإسرائيلي»، حتى جرى اعتقاله وتقييده بالسلاسل وإلقائه فجر اليوم التالي في منطقة برية على الحدود الإيرانية-التركية، الأمر الذي فجّر المظاهرات في طهران والمدن الكبرى الأخرى على نحو غير مسبوق في عنفها منذ انقلاب الجنرال «زاهدي» ضد حكومة «مصدق» قبل ذلك بعشر سنوات، وهو ما سيعرف لاحقاً باسم «انتفاضة 15 خرداد/ يونيو 1963» التي أصبحت بمثابة «بروفة تدريبية» على «ثورة العام1978- 1979».
3 ـ خلال وجوده في «النجف» بدأ اتصالاته مع المنظمات الفلسطينية وإرسال المقاتلين إلى لبنان. وقد عثرتُ في «ملف وديع حداد/ زانفتر شميت» في أرشيف «ماركوس فولف»، الذي وضعه بتصرفي لتحرير مذكراته عن العالم العربي، على وثيقة نادرة ومجهولة تماماً (برقية من السفير «غونتر شورات Günter Schurath»، الذي كان يلتقيه «حداد» سراً هو وسلفه «هانز يورغن فايتز Hans-Jürgen Weitz»)، تؤكد أن القائد الفلسطيني الشهيد «وديع حداد» التقى «الخميني» في «النجف»، متنكراً بزي رجل دين شيعي لبناني، مرتين على الأقل. وسأقوم بنشر الوثيقة ذات الصلة في 28 من الشهر القادم ، مع وثائق أخرى، بمناسبة اغتيال «حداد» بالسم البيولوجي من قبل العميل الأميركي «صدام حسين» ورئيس مخابراته «سعدون شاكر المفرجي» لصالح «الموساد» الإسرائيلي بالتعاون مع مستشار الأمن القومي الأميركي «زبغنيو بريجنسكي». علماً بأني نشرت سابقاً بعض الوثائق من «ملف حداد» الألماني الشرقي.
4ـ خلال وجوده في «النجف» أنتج «الخميني» أهم نصوصه السياسية والفقهية المتعلقة بإسرائيل والصهيونية، وعلى رأسها فقه «التحريم الشرعي للتعامل معها» و« تحريم قبول بقائها» و«وجوب العمل على إزالتها كفرض عين على كل مسلم» . وفي تلك الفترة أيضاً أصدر فتواه الشهيرة بدفع «الحقوق الشرعية»، بما في ذلك ما يسمى «سهم الإمام» من الزكاة لـ«المجاهدين» الفلسطينيين.
لهذه الأسباب، وغيرها، كان من طبيعة الأمور، تتويجاً لثلاثين عاماً من كفاحه المتراكم من أجل فلسطين، أن يكون أول قرار يتخذه بشأن القضية الفلسطينية بعد عودته في 1 شباط / فبراير 1979 وإطاحته نظام الشاه رسمياً بعد عشرة أيام على ذلك، هو تسليم السفارة الإسرائيلية في طهران للفلسطينيين لتكون «سفارة فلسطين»، ودعوة لـ«ياسر عرفات» لاستلامها رسمياً ( في مثل هذا اليوم، 19 فبراير) ، باعتباره ممثل الشعب الفلسطيني، على الأقل بروتوكولياً؛ وليته أصدر أمراً بتحويل السفارة إلى اسطبل لتسمين العجول أو مدجنة لتربية الدجاج أو مستودع للأعلاف الحيوانية، لكان أفضل وأكثر ثواباً عند الله الذي يؤمن به!
شريط نادر لوكالة أسوشييتد برس يصور عملية
تسليم السفارة الإسرائيلية في طهران إلى «عرفات» يوم 19 شباط / فبراير 1979
صحيح أن ما فعله في هذا السياق ينسجم مع تاريخه السياسي والفقهي، لكنه كان أيضاً، وفي الآن نفسه، تعبيراً عن بلاهة و «دروشة» سياسية ميزت «الخميني» و قادة إيران جميعاً بعد ذلك كلما كان الأمر يتعلق بالعرب القذرين و«الإسلام السياسي السني» الأكثر قذارة،الذين لا يختلفون عن الكلب الأجرب المسعور الذي من غرائزه البهيمية هي التبول في أي ماء يشرب منه!
بلاهة «الخميني» السياسية دفعته باكراً جداً إلى اعتبار «الإسلام السياسي السني» ، وعلى رأسه «الأخوان المسلمون»، جزءاً من «قوى التحرر المعادية للاستكبار العالمي» إلى حد توجيهه بإطلاق أسماء قادتهم على الشوارع الإيرانية وترجمة كتبهم إلى الفارسية ( كما فعل «علي خامنائي» باكراً)، و إصدار طوابع تكريمية لبعضهم ، كما فعل في العام 1984 بشأن الإرهابي والعميل البريطاني القذر «سيد قطب»، الذي كان حزبه يحرّض المصريين على مساعدة الغزة البريطانيين والفرنسيين والإسرائيليين خلال «العدوان الثلاثي» في العام 1956. ولم ينتبه «الخميني»، ولا أي من أخوانه وخلفائه إلى أن أتباع «الإسلام السياسي السني» ، وبعض «الإسلام السياسي الشيعي» العربي، لا يمكن أن يكونوا سوى الاحتياطي الاستراتيجي الأكثر خطورة من السلاح النووي في ترسانة الإمبريالية والصهيونية العالمية، كما وصفهم «سمير أمين» منذ السبعينيات، كونهم صنيعة المخابرات البريطانية منذ العام 1928، وكانوا «الدولة الرابعة» غير المرئية في «العدوان الثلاثي» على مصر ، حين أنشأت لهم المخابرات البريطانية محطة إذاعة في قاعدة «أكروتيري» في قبرص للقيام بهذه المهمة!(3).
֎֎֎
إلا أن أبرز ما ميز تلك الحملة الأميركية - الإسلامية - السنية ، مع استثناءات بسيطة ومحدودة، هو انخراط «ياسر عرفات» فيها والتحريض على قتال إيران، رغم أنه لم يكن مضى سوى عام وبضعة أشهر على قيام إيران بتسليمه السفارة الإسرائيلية وتحويلها إلى «سفارة فلسطين» الدائمة في طهران، وإقرار الدعم المالي لمنظمة التحرير من الموازنة الرسمية للدولة ومن «سهم الإمام» في الزكاة الشرعية! وإذا كان البعض أرجع الموقف الحقير الذي اتخذه «عرفات» إلى التزامه بقرار جامعة الدول العربية («القمة العربية 13»، عمّان، نوفمبر1980) في دعم الحرب الأميركية - العراقية على إيران، و أمله بأن يكافئه الأميركيون على ذلك باعترافهم بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، أو على الأقل بمنظمة التحرير، فإن الأمر - من وجهة نظري - أعمق من ذلك بكثير. فـ «عرفات» هو أولاً وأخيراً ابن مدرسة «الأخوان المسلمين»، صنيعة المخابرات البريطانية، فضلاً عن كونه هو شخصياً نُصّب على «رأس منظمة التحرير» باقتراح من المخابرات البريطانية حمله عميلها العتيق «محمد حسنين هيكل» إلى «عبد الناصر» بعد زيارة سرية إلى لندن أواخر العام 1967(4). وفي العموم لا يمكن لـ «الأخونجي» أن يخرج من جلده البريطاني والأميركي ، وإذا خرج، فَلِبعض الوقت فقط ولأداء بعض الحركات البهلوانية السياسية لا أكثر. وهذه سيرتهم التي لم تتغير أو تتبدل منذ العام 1928! ومع ذلك، ورغم الحرب، لم تتردد إيران في إرسال لواء من «الحرس الثوري» إلى لبنان منذ بداية الاجتياح الإسرائيلي في يونيو 1982 من أجل دعم الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية في التصدي للغزو، أي في الوقت الذي كان «عرفات» قد انضم ( وإن سياسياً فقط، لأن هذه حدود إمكانياته) إلى التحالف الدولي -العربي لقتال إيران منذ عشرة أشهر!
كانت المشكلة الوحيدة بين «نظام الخميني» من جهة، والغرب و«عرب أميركا» من جهة أخرى،هي القضية الفلسطينية التي احتلت مكاناً خاصاً عند الشيعة (الإيرانيين خصوصاً) لأسباب فقهية وسياسية- تاريخية كما سبق وأشرت (راجع الرابط في الهامش 2 أدناه). وبسبب موقفه من هذه القضية وعدائه الجذري لإسرائيل حاصرته العقوبات الأميركية ، المباشرة وغير المباشرة (معاقبة كل من يتعامل معه) منذ أيامه الأولى ( نوفمبر 1979) . ومنذئذ لا يكاد يمر أسبوع أو شهر دون صدور قائمة عقوبات أميركية جديدة، والتي طالت حتى الآن أكثر من عشرة آلاف من الشخصيات والمؤسسات التي تشمل جميع جوانب الحياة الاقتصادية، بما في ذلك حتى صادرات «الفستق الحلبي» والسجاد! وباستثناء الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة على كوبا منذ العام 1959 حتى اليوم، يبقى الحصار الأميركي-الأوربي لإيران هو الأطول والأقسى في التاريخ. وطبقاً لدراسات أكاديمية غربية قامت على نماذج رياضية معقدة ، فإن إيران تكبدت منذ العام 1979 حتى العام 2020 ما قد يصل إلى عشرة تريليونات ( =عشرة آلاف مليار) دولار من الخسائر التراكمية المباشرة وغير المباشرة، فضلاً عن المليارات الأخرى المجمدة في مختلف البنوك عبر العالم منذ سقوط الشاه (5). ومن نافل القول إن هذه المبالغ الخرافية اقتطعت من لقمة عيش المواطن الإيراني. وهذا ما يفسّر (دون أن يبرر) حقيقة أن الكثير من الإيرانيين (حتى وإن كان بعضهم مأجورين ومن زبانية منظمة «مجاهدين خلق» وحركات الإسلام السياسي السني، العربية والكردية) رفعوا في مظاهراتهم شعارات من قبيل «لا غزة ولا لبنان، روحي فداء لإيران»، وعمدوا إلى خلع يافطات أسماء الشوارع التي تحمل اسم «فلسطين» وداسوها بأحذيتهم! أما بقية القصص الأخرى ( كالملف النووي وغيرها) فمجرد شماعات لا أساس لها كسبب للحصار والعقوبات، بدليل أن العقوبات الخانقة بدأت قبل حوالي عشرين عاماً من بدء إحياء البرنامج النووي، وأن البرنامج النووي نفسه كان بدأ بتقنيات أميركية وألمانية منذ العام 1957، ولكن في ظل النظام الشاهنشاهي العميل للولايات المتحدة وإسرائيل ، أو «شرطي الخليج» كما وصفته «مجلة التايم» في أكتوبر 1973، نقلاً عن «كيسنجر» الذي كان أول من صاغ هذه التسمية! ولعل الدليل الأقوى على ذلك هو أن الأميركيين عقدوا آمالهم على «نظام الخميني» في أيامه الأولى، بعد أن لم يتمكنوا من حماية عميلهم الشاه في مواجهة الملايين الذين كانوا يرتدون الأكفان وهم يتظاهرون في الشوارع على مدى عام كامل، كما حموه وأعادوه إلى عرشه في العام 1953 بعد إطاحة «حكومة الدكتور مصدق». فقد فوجئوا منذ ساعاته الأولى بأنهم أمام نسخة مختلفة جذرياً عن الإسلام السياسي السني العميل الذي صنعوه ورعوه منذ العام 1928 في جميع أرجاء العالم، وبعض الإسلام الشيعي العراقي الذي رعوه لإطاحة عميلهم التاريخي صدام حسين بعد أن فقد أهميته و وظيفته وأصبح عبئاً على مشغليه وأربابه. ولعل هذا ناجم عن «النمذجة الاستشراقية» التي اختزنوها، والتي تشبه مقولة «كله عند العرب ..صابون»! فهذا النوع من الاستشراق فشل دوماً في كنه طبيعة «الإسلام الشيعي»، رغم أنهم كانوا عملياً في مواجهة مباشرة مع «الخميني»، على الأقل منذ «انتفاضة 15 خرداد/ يونيو1963»، وكانت الولايات المتحدة وبريطانيا تحتلان إيران عسكرياً وأمنياً (بالمعنى الحقيقي لا المجازي) منذ الحرب العالمية الثانية، وتديران ( مع إسرائيل) جميع مؤسساتها، لاسيما الأمنية والعسكرية، وصنعوا أرشيفاً عن إيران هو الأضخم في العالم إذا استثنينا أراشيفهم المتعلقة بالاتحاد السوفييتي خلال الحرب الباردة!
֎֎֎
واليوم، بعد 47 عاماً ، وامتداداً للسياق نفسه، تقوم الولايات المتحدة بأكبر حشد عسكري في المنطقة منذ العام 2003 حين غزت العراق، تمهيداً لغزو إيران و/أو إسقاط نظامها وتنصيب نظام عميل لها ولإسرائيل مكانه. وكما يحصل دائماً، تحولت قواعد زبائنها وعملائها «العرب السنة» الكلاب في الخليج والأردن وغيرهما إلى مقرات لهذه الحشود. وهذا من طبيعة الأشياء، ذلك لأن «المسلم السني»( المؤمن إيماناً حقيقياً بدينه وشريعته) ليس له عدو على وجه الأرض سوى «الشيعة الروافض». وهو مستعد لأن يتحالف مع الشيطان، لا مع إسرائيل أو الولايات المتحدة فقط، إذا كان الهدف «قتل الروافض»، لاسيما «الفرس» منهم. وهذا ما تنص عليه كتبهم الفقهية وأدبياتهم السياسية الطائفية والعنصرية منذ مئات السنين، وخصوصاً خلال القرن الأخير. وبسبب بلاهته السياسية لم يستطع «الخميني» ، ولا أتباعه وخلفاؤه، أن يدرك هذه الحقيقة . فقد أقنعه هبله السياسي البائس أن «الإسلام السني»، لاسيما السياسي منه، يمكن أن يكون حليفاً لهم في مواجهة «الجرثومة الصهيونية» و «الاستكبار العالمي»، كما كان يسميهما. ومن سوء حظ إيران وشعبها العبقري أن جميع خلفاء «الخميني» ساروا على النهج ذاته، ولم يغيروا من موقفهم قيد شعرة رغم اصطفاف العرب طوال خمسة عقود مع الغرب وإسرائيل ضد بلادهم، ورغم قيام جيوشهم الصيف الماضي بحماية إسرائيل والتصدي للصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية المتجهة إلى مواقعها الاستراتيجية ومستعمراتها في فلسطين المحتلة، ورغم أطنان «البقلاوة» والحلويات الأخرى التي كان يوزعها «المسلمون السنة» في أرجاء العالمين العربي والإسلامي ابتهاجاً بالصواريخ الأميركية والإسرائيلية التي كانت تنهال على إيران طوال 12 يوماً، وبالصواريخ الإيرانية التي كان صهاينة دول الخليج والأردن ينجحون في إسقاطها!
اليوم، وقد انتهت القضية الفلسطينية ، ولم يعد بالإمكان أن تقوم لها قائمة بعد أن تحولت إلى جثة لا يمكن إحياؤها، بفضل «التحالف السني العربي ـ الصهيوني » منذ بدايات الحركة الصهيونية أواخر القرن التاسع عشر، ثم بشكل خاص بعد العام 1948، ليس أمام الإيرانيين سوى إبرام «صفقة تاريخية» مع الولايات المتحدة والغرب، ليس على أساس «استسلامي»، ولكن على أساس وطني يحمي مصالحهم الوطنية. ولا عيب في أن يكون البند الأول في هكذا صفقة هو قطع العلاقة مع القضية الفلسطينية وإغلاق السفارة الفلسطينية في طهران، دون أن تضطر إيران إلى الاعتراف بإسرائيل وإقامة علاقات معها. فلا معنى لأن تبقى «سفارة فلسطين» مفتوحة في طهران، وبالتالي لأن تبقى أحد أسباب الحصار على الشعب الإيراني، بعد أن ماتت القضية الفلسطينية نفسها وتحولت إلى «جيفة متفسخة»، وبعد أن وزع فلسطينيون «البقلاوة» فرحاً بالعدوان الأميركي - الإسرائيلي على إيران الصيف الماضي! ولا يقل أهمية عن ذلك هو وقف إرسال المساعدات المالية الإيرانية للمنظمات الفلسطينية ( حيث نصيب «حماس» وحدها 350 مليون دولار سنوياً، فضلاً عن الأسلحة)! فليس من المنطق ولا العدل، حتى في شريعة الأبالسة أو الآلهة، أن تحصل «حماس» على هذه المبلغ المهول، رغم الحصار الذي تعانيه إيران، في وقت لا يتردد قادتها في شتم «الروافض الإيرانيين» في وثائق وتسجيلات تحت الطاولة وفي الغرف المغلقة، كما كشفت الوثائق التي صادرتها إسرائيل من غزة مؤخراً، وكما كشفت تسجيلات الجاسوس التركي - القطري القذر «موسى أبو مرزوق» قبل ذلك بسنوات!
الأمر يصح أيضاً على «حزب الله»، وإن لأسباب مختلفة، لاسيما بعد أن جرى تدميره بسبب الفخ القاتل الذي ساقته إليه «حماس». ويمكن لإيران، بدلاً من ذلك، وإذا شاءت، أن تستمر في الدعم المدني للفلسطيينيين واللبنانيين، ولكن عبر صناديق دولية شفافة لكي لا تستخدم الأموال ذريعة لمعاودة حصارها مرة أخرى.
في الواقع لا تريد الولايات المتحدة والغرب عموماً من إيران سوى ذلك ( قطع علاقتها بالقضية الفلسطينية، حتى وإن لم تعترف بإسرائيل)، وبعدها لن تنفرج أمورها كلياً فقط، بل وتعود «شرطي الخليج» مرة أخرى ، الذي يمكنه أن يدوس حكامه وشعوبه بحذائه، ويحطم رؤوسهم العفنة بهراوته، كما كان يفعل الشاه (الذي ينسون أنه كان «شيعياً» أيضاً!) . ولن يستطيع سوى فاجر أو عاهر أن يلومها لو فعلت ذلك. فقد أدت قسطها للعلا على أكمل وجه، وباستثناء من سقط من الجيش السوري والمصري خلال الحروب الماضية، وخسائر البلدين بسبب تلك الحروب، ما من أحد في العالم قدم للقضية الفلسطينية كما قدمت إيران خلال العقود الخمسة الماضية، وقد آن لشعبها أن يتنفس بعد نصف قرن من الاختناق بسبب قضية لا ناقة له فيها ولا جمل، وحمل وزرها بعد أن باعها أصحابها الأصليون «العرب - السنة» بأقل من ثلاثين من فضة.
فهل يفيق القادة الإيرانيون من هبلهم التاريخي ويكتشفون عبث ما فعلوه مع عرب - مسلمين أوغاد، غريزتهم الحيوانية الوحيدة هي التبول في كل ماء يشربون منه، كما يفعل كلب أجرب مسعور!؟
(*) ـ مشفى كرويدون الجامعي/ لندن، أواسط فبراير 2025 ( أعيد تحرير بعض معلوماته في فبراير 2026)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أمير الرياض سلمان بن عبد العزيز ( الملك الحالي)
يرقص
العرضة لشاه إيران خلال زيارة هذا الأخير إلى السعودية في العام 1975
ـــــــــــــــــــــــــــ
(1) ـ صورة «ناصر» التي أهداها صاحبها إلى صديقه ومستشاره «إيكلبرغر» في نوفمبر 1955، والتي حصلتُ عليها في العام 2019 من ابنته «آن تازويل - إيغلبرغر»، مشكورة، دون أي مقابل مادي رغم القيمة التاريخية الهائلة للصورة، التي لا تقدر بثمن مادي. ومن أجل المزيد من التفاصيل التوثيقية حول الصورة وظروف حصولي عليها، و تفاصيل وقوف وكالة المخابرات المركزية وراء «انقلاب ناصر»، راجع كتاب «داخل الكريملن خلال حرب أكتوبر وما بعدها»، على هذا الرابط أو هذا الرابط .
(2)ـ الجذور التاريخية لعلاقة الشيعة الإيرانيين بالقضية الفلسطينية وموقفهم من إسرائيل ( مقتطفات من أحد فصول مخطوطة كتابي «عشرة أيام هزت بلاد الشام... نظام الأسد قياماً وركاماً»:
https://nizarnayouf.blogspot.com/2025/06/normal-0-false-false-false-en-us-x-none.html
(3) ـ من أجل الدقة والأمانة التاريخية، كان بعض الإسلام السياسي الشيعي العربي، لاسيما العراقي منه، صنيعة المخابرات البريطانية والأميركية. فخلال الخمسينيات تحالف «الإسلام السياسي الشيعي العراقي» ، ممثلاً بـالقذر «آية الله محسن الحكيم» مع المخابرات الأميركية و مخابرات «عبد الناصر» لإطاحة نظام الزعيم الوطني «عبد الكريم قاسم». ورغم أنه لا يوجد تراث فقهي تكفيري عند الشيعة، أصدر «الحكيم» فتواه الشهيرة بتكفير الشيوعيين العراقيين من أجل تجريد الزعيم «قاسم» من حاضنته الشعبية والسياسية. وسنكتشف لاحقاً أن الفتوى صدرت بطلب مخابرات «عبد الناصر» و السفير الأميركي «جون دورنفورد جيرنيغان John D. Jernegan» . ففي تلك الفترة ، وحتى العام 1967، كان «عبد الناصر» لا يزال يعيش شهر عسله الأشهى مع وكالة المخابرات المركزية لمكافحة الشيوعية في العالم العربي وأفريقيا. وقد نجح التعاون بينهما، الذي شارك فيه «الملك حسين»، في إسقاط نظام «قاسم» في شباط / فبراير 1963 لصالح «البعثيين» الذين كانوا وضعوا بيضهم في سلة وكالة المخابرات المركزية منذ مؤتمرهم القومي الخامس في حمص (أيار/مايو1962) ، الذي مولته «الوكالة» عبر عملائها ( نادر الأتاسي، فرحان الأتاسي، عاطف دانيال/ ابن أخت ميشيل عفلق...إلخ)، كما ستكشفه الوثائق لاحقاً. وهو ما عبّر عنه القيادي «البعثي» العراقي الكردي «علي صالح السعدي» بمقولته الشهيرة «جئنا إلى السلطة (في شباط / فبراير 1963» بقطار أميركي»!
(4) ـ ملاحظة مني أنا «فيكتوريا»: كان من المقرر أن ينشر «نزار» ملفاً وثائقياً عن «محمد حسنين هيكل» بمناسبة الذكرى العاشرة لوفاته في 16 من الشهر الجاري. ويتضمن هذا الملف عشرات الوثائق الغربية والشرقية (غير المنشورة حتى الآن) عن تجنيده من قبل المخابرات البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية، ثم المخابرات الأميركية في العام 1952، وتفاصيل حساباته المالية في البنوك البريطانية ( كما كشفتها مخابرات ألمانيا الشرقية)، وعن دوره بالتعاون مع رئيس محطة وكالة المخابرات المركزية في القاهرة «يوجين ترون» في تنفيذ «انقلاب السادات» في مايو 1971 ، حيث عمد ( مع «ترون» والمعتوه « حسن التهامي») إلى فبركة أشرطة تسجيلات و وثائق لإدانة واعتقال «الناصريين». لكن وضعه الصحي لم يسمح له بإتمام تحرير الملف. ويمكن لمن يهمه الأمر مراجعة ذلك في صفحات مختلفة من المجلد الأول من كتاب « داخل الكريملن خلال حرب أكتوبر وما بعدها..»، الذي يتضمن التفاصل التوثيقية لذلك. وهنا جانباً الصفحة الأولى من تقرير ( 3 صفحات) أعدته محطة مخابرات ألمانيا الشرقية في لندن عن زيارة «هيكل» السرية إلى بريطانيا أواخر العام 1967، والتي نقل خلالها اقتراحاً / توجيهاً من المخابرات البريطانية لـ «عبد الناصر» بتعيين «عرفات» على رأس منظمة التحرير الفلسطينية، بدلاً من «جورج حبش»، الذي كان مرشحاً للمنصب، باعتباره زعيماً لـ «حركة القوميين العرب» و«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، المتحالفة مع «ناصر» يومها.
(5)ـ راجع على الرابط المرفق دراسة إحصائية من حوالي مئة صفحة صادرة عن «جامعة كيمبريدج» في العام 2021 حول الخسائر الإيرانية المتراكمة، المباشرة وغير المباشرة :
https://www.econ.cam.ac.uk/publications/cwpe/2155







No comments:
Post a Comment
Note: only a member of this blog may post a comment.