رحلتي من عالم الله الجاهل إلى عالم إبليس العالِم
هكذا كان اعتقالي الأول قبل 46 عاماً كـ«إسلامي سني أبله يريد أن يحجّب أمه على مذهب... الشيوعي رياض الترك»!
لو بقيتُ من حمقى الله لكنتُ الآن من جنود «الجولاني»...أفجر «الكنائس» و«خلوات الدروز» و«مساجد الشيعة والعلويين» و«أفحص شعر عانات الأطفال» ... على سنة الله ورسوله!!
(وثائق شخصية من أرشيف المخابرات العسكرية عن اعتقالي الأول في العام 1979 تنشر للمرة الأولى)
ــــــــــــــــــــــ
خلال مرض «نزار» الأخير، ولأن «الدنيا فيها موت وحياة» كما يقال، طلبنا منه البدء بكتابة مذكراته، وخصوصأ الجوانب الخفية منها التي لا يعرفها الناس.
باستثناء عدد محدود جداً من أفراد عائلته، لا أحد يعرف أنه كان ملتزماً دينياً على منهج «أهل السنة والجماعة» أواخر السبعينات، رغم أنه كان ينتمي إلى الطائفة العلوية. ولا أحد باستثناء والده و والدته وبعض أصدقاء العائلة يعرف أن اعتقاله الأول أواخر العام 1979 ( حين كان طالب ثانوية) كان تقريباً على خلفية «إسلامية» وبشبهة العلاقة مع «الأخوان المسلمين»، رغم أنه كان عضواً في الحزب الشيوعي السوري ( جناح «رياض الترك»)، وأنه حاول إجبار والدته على ارتداء الحجاب!
الصفحات المنشورة أدناه هي جزء من تلك المذكرات وتجربته كـ «إسلامي شبه سلفي» ، وفيها وثائق من أرشيف شعبة المخابرات العسكرية تتعلق بهذه القضية وتنشر للمرة الأولى.
ـ يرجى النقر على الروابط والصور من أجل تصفح المرفقات بالحجم الطبيعي.
(فيكتوريا)
ــــــــــــــــــــــــــــ
وُلدتُ في 29 أيار/ مايو 1962 في «القريا» بجبل العرب («هار هابَشان הר הבשן/جبل باشان»، حسب التسمية الآرامية والأكادية التي سرقتها التوراة ، كما سرقت غيرها من أسماء المنطقة) ؛ وهو يوم يصادف «العيد الوطني لقوى الأمن الداخلي» في سوريا. وهكذا كان مُقدراً أن ترتبط حياتي منذ يومها الأول بأجهزة القمع ، ولو أن الراحل الكبير سعد الله ونوس سيعزيني خريف العام 1991 ، يوم كنت مطارداً وذهبت للإطمئنان عليه في منزله بحي «مساكن برزة» بعد اكتشاف مرضه القاتل،بالقول ما بين الجد والمزاح: «لماذا لا تفكر في الأمر بطريقة إيجابية معكوسة، فتفخر بأنك ولدت في 29 أيار!؟ هذا اليوم هو يوم استشهاد رجال الدرك السوريين دفاعاً عن مبنى البرلمان السوري، رمز الديمقراطية السورية يوم دكته مدافع الديمقراطية الفرنسية في العام 1945. وقد بذل ثلاثون شرطياً سورياً أرواحهم دفاعاً عن عيد ميلادك استباقياً»! وبفضل سعد الله ونوس أصبحت أحب تاريخ ميلادي!
لكن،ولسبب لا أعرفه،ربما مصادفة وجود والدي في إجازة اضطرارية لزيارة والده المريض في قريتنا «بسنديانا»، جرى - للأسف - تسجيل واقعة ولادتي على أنها حصلت في في تلك القرية التابعة لناحية «القطيلبية» بمحافظتنا الأصلية (جبلة / اللاذقية)، وليس في مسقط رأسي «القريا». أما أسفي هنا فيأتي من واقع تعاملي مع التاريخ الذي يجب أن تُكتب وقائعُه، سواء أكانت بسيطة تمس أفراداً، أو عظيمة تمس شعوباً،بأمانة ودون أي تهاون.
وبسبب توجيهات طبية صارمة، لم يكن بإمكان أمي إرضاعي خلال الأشهر الأولى، فأرضعتني سيدة«درزية» من«آل بلان». وحين انتقل عمل أبي في سلاح الإشارة من السويداء إلى مقر«فرع الشيفرة وأمن الوثائق» في مبنى الأركان العامة بدمشق، انتقلنا معه بطبيعة الحال، فأكملتْ إرضاعي سيدة كردية (ليلى قاسم) من أصول عراقية متزوجة من كردي سوري في «حي ركن الدين / كيكية»، وأخرى من «آل كزكز» في حماة كانت هي الأخرى جارتنا، قبل أن تتمكن أمي من إرضاعي عاماً كاملاً بعد تعافيها. وهكذا كنت محظوظاً بأن لي أربع أمهات: أمي «العلوية» التي ولدتني وربّتني، وثلاث أخريات من الرضاعة: واحدة عربية / تنوخية «درزية» من محافظة السويداء و ثانية «كردية سنية» عراقية الأصل، وثالثة «سنية عربية» من حماة!
كانت أمي على درجة من النبل بحيث أنها- وبمساعدة أبي- احتفظت بأسمائهن وعناوينهن المفصلة سنوات طويلة، وطلبت مني أن أذهب لزيارتهن والتعرف عليهن بعد أن أصبحت شاباً وحين كنت أؤدي خدمة العلم في القوى الجوية والدفاع الجوي أواسط الثمانينيات. ولحسن حظي كنّ ثلاثُهن لمّا يزلن على قيد الحياة، فتنعمت بحنانهن كما لو أن كلاً منهن كانت أمي التي حملتني في أحشائها. ولا بد لي أن أميّز هنا بالذكر الخاص «أمي الدرزية»، لأنها كانت شيخة ملتزمة دينياً. ومع ذلك فقد كانت تنزع شالها عن فمها وجبينها وتأخذني بين ذراعيها وتقبلني حين أزورها كما تقبل ابنها الحقيقي . وكنت الوحيد من خارج إطارها القرابي المباشر (ما يسمى بـ «المحرم») الذي يحظى بهذه المكرمة الأمومية النبيلة. وهذا ما كانت تفعله نجاة كزكز و ليلى قاسم أيضاً. ولم يكن هذا غريباً، فحليبهن الطاهر لا يزال يجري في عروقي، كما حليب أمي التي حملتني.
لسوء الحظ لا أتذكر شيئاً من طفولتي المبكرة في السويداء؛ فقد غادرناها إلى دمشق بسبب انتقال عمل أبي قبل أن أكمل الشهر الرابع أو الخامس. وخلال حرب حزيران/ يونيو 1967، حين كنت أصبحت في الخامسة من عمري، تعرض مقر الأركان العامة(قرب ساحة الأمويين) للقصف والتدمير الجزئي ( فضلاً عن مبنى الإذاعة والتلفزيون المجاور). وكان «فرع الشيفرة وأمن الوثائق»، حيث يعمل أبي،أكثر أقسام «الأركان» تضرراً من القصف الذي لم أزل أتذكره كصورة غائمة قادمة من شرفات منزلنا في «حي ركن الدين» بسفح «جبل قاسيون»، وأتذكر كيف كنت أصفّق - مع زغاريد أمي وجاراتها- للطائرات الإسرائيلية التي كانت تقوم به،معتقدين أنها طائراتنا! وبسبب حساسية «الفرع»، إذ أنه مسؤول عن حفظ وثائق الجيش العربي السوري منذ تأسيسه الأول على يد الشهيد يوسف العظمة في العام 1920، قررت قيادة الدولة نقله إلى منطقة في العمق السوري، بعيداً عن العاصمة، مع الإبقاء على إدارته المركزية فقط في قيادة الأركان. ويومها لم يجدوا مكاناً سوى «فندق عسكري» بناه المشير عبد الحكيم عامر خلال عهد الوحدة مع مصر في مدينة مصياف، التابعة لمحافظة حماة، كاستراحة للضباط المصريين ، فجرى نقل أرشيف «فرع الشيفرة وأمن الوثائق» إليه تحت اسم «المكتب 489» الذي عُهدت إدارتُه تقنياً لأبي منذ العام 1968 وحتى تقاعده الصحي المبكر في العام 1982. ولا يزال أهالي مصياف يسمون هذا الفندق حتى اليوم باسم «الفندق العسكري»، رغم إعادته إلى «وزارة السياحة» وانتقال «المكتب 489» منذ مطلع الثمانينيات إلى مقره الدائم في نفق هائل صممه وحفره مهندسون من كوريا الشمالية في بطن جبل قرب قرية «البيضا» المجاورة له، دون أن يعلم أحد من الأهالي - حتى يومنا هذا- ما الذي كان يجري في هذا «الفندق» سوى أنه «موقع عسكري» وحسب. وفي بعض الأحيان كانوا يطلقون عليه اسم«فندق الورّاقة»، نسبةً إلى المنتزه المجاور له (1).
كان من الطبيعي أن يكون دخولي المدرسة للمرة الأولى في مدينة مصياف، وتحديداً إلى ابتدائية «سيف الدولة الحمداني» (في العام الدراسي 1968-1969). وفي هذه المدرسة لا يمكن أن أنسى عدداً من المعلمين، وعلى رأسهم عدنان العمر، الذي تركنا للأسف بعد عام أو عامين لأداء خدمته العسكرية، قبل أن يعود حين كنت أصبحت في الصف الخامس أو السادس، وقبل أن أنتقل إلى المرحلة الإعدادية في «إعدادية أبي ذر الغفاري»، ثم إلى «ثانوية زكي الأرسوزي»، اللتين كانتا في أقصى شمال المدينة.
باستثناء فترة قصيرة أقمنا خلالها في «حي الوراقة»، الجديد نسبياً آنذاك، والذي كانت أغلبيته يومها من «العلويين»(طلاب ثانوية عامة وموظفين وبعض أصحاب الأعمال الحرة القادمين من القرى المجاورة)، كانت فترة إقامتنا في قلب المدينة القديم المكوَّن من أحياء يغلب عليها أبناء الطوائف الأخرى . وفي الواقع، وباستثناء بعض العسكريين المسيحيين في شرطة المدينة أو الوحدات العسكرية السورية والفلسطينية في محيطها، لم يكن يوجد سوى طائفة واحدة عملياً، هي الطائفة الإسماعيلية، التي كان نصف عائلاتها تقريباً تسنن في أزمنة مبكرة وأصبح من المسلمين السنة. وكان للمسلمين الإسماعيليين جامعهم الخاص/«جامع الإمام محمد الرفنية» (أو«جامع الرفني»، كما يلفظه أهالي مصياف)؛ وهو جامع عريق يعود القرن الثاني عشر الميلادي. وكان للسنة «المنشقين» عليهم جامعُهم الخاص أيضاً/ «جامع النوري» أو«الجامع الكبير» وسط البلدة، الذي بني بعد الجامع الأول بحوالي مئة عام (أواسط القرن الثالث عشر الميلادي تقريباً). وحسب ما أذكر لم يكن في المدينة آنذاك، أواسط السبعينيات، سوى هذين الجامعين، نظراً لصغر المدينة وقلة عدد سكانها آنذاك، قبل أن يجتاح بناء الجوامع سوريا كلها ببركات حافظ الأسد الذي رعى خلال عقود حكمه الثلاثة، ومعه شركاؤه وحلفاؤه وأرباب نعمته السعوديون، بناءَ... أربعة أضعاف مجموع ما بني من المساجد والجوامع منذ عهد معاوية قبل 14 قرناً حتى العام 1970!فطبقاً لإحصائية رسمية كان عدد المساجد والجوامع في سوريا حوالي ثلاثة آلاف في العام المذكور، وأصبح قرابة ثلاثة عشر ألف مسجد وجامع في العام 2000!
֎֎֎
في بداية وعيي على الدنيا لم أعرف أنني من عائلة مسلمة سوى من مشهدين : الأول هو وجود مصحف في بيتنا موضوع في غلاف من القماش معلق على الجدار، كما في تقاليد معظم بيوت السوريين المسلمين، كُتبت عليه بالتطريز اليدوي التقليدي عبارة «القرآن الكريم». وقد لاحظتُ منذ وقت مبكر أن هذا الكتاب مقدس بالنسبة لأهلي، فقد كانت أمي تقبّله وتضعه على جبينها كلما اضطرت إلى إخراجه من غلافه لغسله أو لتنظيف الجدار. وهكذا اكتشفتُ «كعب أخيلها» أو نقطة ضعف هائلة عندها : كلما كنت أتشاقى وتركض هي خلفي بالمقشة أو بسلاح الأمهات التقليدي (الشحاطة / الشبشب)، كنت أهرع إلى «المصحف» وأحمله بيديّ كلتيهما كدرع أصدّ به ضرباتها المحتملة، فتجمد في مكانها وهي تستغفر الله قبل أن تعيد سلاحها إلى قدمها وتبدأ بالضحك وهي تقول «يا عكروت منين متعلم ها الخبثنة»؟
المشهد الثاني الذي أدخَل إلى وعيي المبكر أننا مسلمون هو النصوص القرآنية البسيطة الموجودة في الكتب المدرسية. ولأنه لم يكن بيننا تلاميذ «مسيحيون» في «ابتدائية سيف الدولة» ( فقد كانوا يتعلمون في الابتدائية الموجودة في قريتهم / «البيضا»)، لم أعرف ظاهرة «الإنقسام الصّفّي» الحقيرة خلال درس التربية الإسلامية إلا حين أصبحت في «إعدادية أبي ذر الغفاري»،التي كانت تضم طلاباً من القرى «المسيحية» المجاورة ، لاسيما قرية «البيضا» التي لا تبعد سوى 2 كم إلى الجنوب من المدينة، والتي لم يكن يوجد فيها إعدادية آنذاك، فكان عدد من أبنائها يأتي للدراسة في مدرستنا. وقد ازدادت ظاهرة «الإنقسام» حين أصبحتُ في «ثانوية زكي الأرسوزي»،نظراً لأنها كانت تضم عدداً أكبر من طلاب القرى «المسيحية» الأخرى، مثل «عين حلاقيم» و «البياضية»، التي لم يكن بُني فيها مدارس ثانوية في ذلك الحين.
يعرف السوريون، من أبناء المناطق المختلطة طائفياً، معنى «الإنقسام الصفي» عندما يحين موعد درس التربية الدينية الإسلامية. أما غير السوريين فلا يعرفون أن هذا الطقس التمييزي الطائفي الحقير يعني إخراج الطلاب المسيحيين إلى قاعات أخرى ليأخذوا درسهم في التربية الدينية المسيحية الموازية. وهذه واحدة من أكبر الكوارث والجرائم التربوية التي عجزت «الدولة الوطنية» منذ نشوئها في العام 1946 عن التخلص منها أو إيجاد حل لها، كونها دولة طائفية تمارس الأبارتيد الديني السافر منذ نشأتها (جميع الدساتير التي سنت في سوريا منذ الاستقلال، وفي جميع العهود، تعتبر المسيحيين مواطنين من الدرجة الثانية في كل شيء)،وبالتالي مساهمتها في تعميق الشرخ الطائفي مجتمعياً من خلال تربية مواطنيها على الطائفية منذ أن يكونوا أطفالاً وفتياناً في المدارس، بدلاً من إلغاء مادة «التربية الدينية» للمسلمين والمسيحيين كليهما، والاستعاضة عنهما بكتاب آخر مشترك... إذا كان لا بد منه. وحين جاء «البعث» إلى السلطة في العام 1963، لم يعمل سوى على تكريس هذا النهج، لا لشيء إلا لأنه - وباستثناء فترة قصيرة تحت قيادة ترويكا نور الدين الأتاسي و صلاح جديد و يوسف زعين ( 1966-1970) ـ لم يكن لديه مشروع وطني أصلاً، فضلاً عن أن «فكر البعث» نفسه ولد في الأصل، بفضل «الشيخ الأموي» والذمي المعتوه ميشيل عفلق ( لاسيما محاضرته الشهيرة « في ذكرى الرسول العربي»/ 1943) والأحمق الآخر زكي الأرسوزي (الذي أراد تفسير التاريخ العربي استناداً إلى اللغة العربية!)، من قمامة «مدرسة التاريخ الجرمانيةGerman historical school» التي نشأت وتبلورت في ألمانيا في القرن التاسع عشر كردّ على أفكار المدرسة الاقتصادية والحقوقية الليبرالية الإنكليزية. وكانت أفكار المدرسة الفكرية الجرمانية المذكورة، التي أسسها فيلهلم روشر، و برونو هيلدبراند، وكارل كنيس،وغوستاف هوغو، و فريدريك كارل فون سافيني، والتي ستخْرج الأفكار النازية من ثنايا فلسفتها في العقد الثاني من القرن العشرين،المصدرَالرئيس للفكر البعثي، خصوصاً في طبعتيه «العفلقية» و«الصدّامية»،كما تبين لي على نحو واضح خلال بحثي في أصول وجذور «فكر البعث». ولهذا كان كارل ماركس عبقرياً كالعادة حين وصف تلك المدرسة الجرمانية منذ شبابه المبكر (1842) بأنها «المنتَج التافه الوحيد»المصنوع في القرن الثامن عشر(مقاله شبه المجهول : Das philosophische Manifest der historischen Rechtsschule = البيان الفلسفي للمدرسة التاريخية في القانون).
ولأن نظام الخيانة الوطنية والقومية لم يسمح بإدخال جثمانه إلى سوريا، دُفن في «مقبرة الشهداء» في «مخيم شاتيلا» في بيروت إلى حين تدخل القائد اليمني الشهيد عبد الفتاح اسماعيل لدى النظام السوري بطلب من جورج حبش والقائد العسكري في «الجبهة»،أحمد (أبو ماهر) اليماني، من أجل السماح بدفن جثمانه في سوريا بعد أن أصرّت والدته (جدتي) في رسالة أرسلتها إلى جورج حبش على أن يُدفن قريباً منها. وبعد بضعة أسابيع أثمرت الجهود اليمنية بأن سمح النظام بإدخال جثمانه، ولكن وفق شروط صارمة على رأسها تعهد «الجبهة» بمنع التجمهر في الأماكن التي سيسلكها الموكب، باستثناء مسقط رأسه، وعدم السماح سوى لعدد محدود من كوادرها بمرافقة جنازته إلى سوريا، وفق ما جاء في كتاب شعبة المخابرات (الضابطة الفدائية/ الفرع 235) الذي حصلتُ عليه لاحقاً ويتعذر نشره هنا لسبب تقني. وهكذا جرى استخراج رفاته ونقله وتشييعه في سوريا بعد بضعة أسابيع. ولهذا نلحظ تشييعين له خلال أقل من شهر: واحداً في بيروت وآخر في سوريا، كما يظهر في الوثائق والتقاريرالصحفية المرفقة).
֎֎֎
في تلك الفترة، أواسط السبعينيات، لم يكن يدور في بيئتنا العائلية أو الصداقية الصغيرة في مصياف أي نوع من الأحاديث الدينية. أما خالي فلم يعش معنا طويلاً للأسف، حيث كنت بحاجة له في تلك المرحلة الحساسة من عمري الذي لم يكن تجاوز الرابعة عشرة حين انشق مع عناصره قبل أن يعود إلى سوريا بعد أربع سنوات في نعش. ولهذا كان من الطبيعي أن تتحول ساحة تفكيري إلى ميدان للاعبين آخرين. وكانت المصادفة أن أول من لعب فيها هو مدرس التربية الإسلامية محمد شفيق العمر (شقيق معلمي في المرحلة الابتدائية، عدنان العمر،المذكور أعلاه!). وقد استطاع الأستاذ شفيق العمر أن «يسحرني» ويدفعني - مع آخرين من طلابه - إلى الإلتزام الديني المبكر، بما في ذلك الصلاة والصوم والذهاب إلى الجامع، خصوصاً يوم صلاة الجمعة «كون ثوابها أكبر عند الله». ومن المفارقات أني حين ذهبت إلى المسجد للمرة الأولى، اخترت «جامع الإمام محمد الرفنية»، لسبب لا أعرفه (ربما لأنه كان الأقرب إلى منزلنا آنذاك، الذي كان مستأجَراً من عائلة «هاشم المير علي» قرب «قلعة مصياف»؟) ، ولأني كنت أعتبر أن جميع المساجد «بيوت الله» لا فرق بينها، كما تعلمنا من الأستاذ العمر. وحين سألني عن الجامع الذي أذهب إليه،لأنه لاحظ عدم وجودي في المسجد الي يذهب هو إليه، أخبرته بأني أذهب إلى «مسجد الرفني»، فما كان منه إلا أن نصحني بالذهاب إلى «جامع النوري»، دون أن يشرح لي السبب! ولم أعرف السبب إلا لاحقاً، حين اكتشفت أنه «جامع السنة»، بينما الأول«جامع الإسماعيليين»!(سأعرف لاحقاً أن الصلاة الإسلامية،ركوعاً وسجوداً، هي صلاة يهودية تعلمها محمد - من حيث الشكل - من معلميه حاخامات يثرب، أما من حيث عددها فقد تعلمها من الفرس الزرادشتيين الذين يصلّون خمس مرات يومياً كما في المواقيت الإسلامية نفسها،المعروفة اليوم، بينما كانت صلاته وأصحابه نصرانية الشكل والعدد في مكة قبل لجوئه السياسي إلى أخواله اليهود «بني النجار» في يثرب)!
لاحظ والدي أني أصبحت أصلي في البيت، وحين يأتي رمضان أصوم كما يصوم أي مسلم. وكانت أمي توقظني عند «السحور» بعد أن تحضرّه لي. لكنهما لم يتدخلا ولم يسألاني عمّا أفعل. وربما كانا سعيدين في دواخلهما، لأن «الإيمان يحصنني من احتمال الانحراف كما يحصل للفتيان والشباب في هذا العمر»، كما فهمت خلال استراقي السمع إلى حديثهما ذات مرة!؟ لكن الأمر أخذ بعداً آخر أكثر خطورة عائلياً حين طلبتُ من أمي ، وكانت لا تزال شابة جميلة في العقد الرابع من عمرها (مواليد العام 1945، وتكبرني بستة عشر عاماً فقط!)، أن تتحجب! (ليس لدي أخوات / إناث للأسف، فنحن سبعة ذكور، أنا أكبرهم. ثلاثة منهم ولدوا في مصياف ، أمجد وصلاح و ممدوح. لكنهم كانوا أطفالاً، وكان منذر وأحمد، المولودان في دمشق، لا يزالان صغيرين أيضاً، دون العاشرة. أما حيان فولد لاحقاً في قريتنا في العام 1980).
تعامل أبي وأمي في البداية مع مسألة الحجاب كما لو أنها «مزحة»،ولم يأخذانها على محمل الجد! ولكن حين اشتد إلحاحي على أمي، وكاد أن يتخذ طابعاً زجرياً أوامرياً ذكورياً فجاً و«قليل الأدب»، وقع أول صدام بيني وبين أبي. وأذكر أني قلت له ، بما معناه، و وفق ما فهمته من الأستاذ شفيق العمر ودروسه العامة والخاصة، إنه «لا يغار على عرضه / زوجته رغم أنها جميلة تلفت الأنظار عندما تخرج إلى السوق لشراء حاجاتنا اليومية»! وقد فهم أبي العبارة بمعناها الأقصى الذي يتضمن معنى أنه «بلا شرف»، فصفعني بأقصى ما ملك من قوة، إلى حد أن الدم نفر من أنفي! ولا يزال صدى الصفعة (المشكور عليها، والتي ساعدتني على الخروج باكراً من مستنقع الإسلام الذي لا شبيه له سوى مستنقع القذارات الذي تتمرغ فيه الخنازير) يتردد في ذاكرتي حتى اليوم، خصوصاً وأنها كانت الصفعة الأولى التي أتلقاها منه في حياتي!
ولأنه لم يكن يدور في بيئتنا العائلية أو الصداقية المحدودة في مصياف أي نوع من الأحاديث الدينية، لم أعرف آنذاك سوى أننا «مسلمون» فقط، ولم أدرك إلا لاحقاً أن العائلة تنتمي إلى «فرع خاص» من الإسلام يدعى «العلويين»، حيث المرأة غير مكلَّفة شرعياً ، وحيث للإسلام وشريعته ومفاهميه معانٍ وتفسيرات خاصة ولدت في مناخات «الثورة الثقافية الإسلامية المعتزلية»، الأولى والأخيرة في تاريخ الإسلام، وبتأثيراتها الفلسفية والسياسية والدينية في القرن الثامن الميلادي وإلى حين دُفن معظم أفكارها ورموزها بفعل الغزو السلجوقي البربري في القرن الحادي عشر وبفعل ما أنتجه ذلك الغزو من انحطاط لا نزال غارقين فيه حتى اليوم. وأعتقد أن هذه القصة ( قصة «حجاب أمي») هي ما كان السبب الرئيس لمغادرتنا مصياف إلى قريتنا في «جبلة» نهائياً، ولو أن بيع منزلنا المستأجر من قبل أصحابه إلى عائلة النقيب الشهيد بدر عبد الحميد ديوب، ومطالبتنا من قبل المشترين الجدد بإخلائه لأنهم سيقيمون فيه، ولم نجد منزلاً آخر مناسباً لأسرتنا التي ازداد عددها، كانت أسباباً أخرى جعلت أبي يسرع في اتخاذ قراره بترحيلنا إلى قريتنا. ولعل بدء عصابة «الأخوان المسلمين» الإرهابية حملة اغتيالاتها الطائفية اعتباراً من مطلع العام 1976 (اغتيال محمد غرة،رئيس فرع «المخابرات العامة/ أمن الدولة» في مدينة حماة التي نتبع لها، ثم اغتيال علامة القانون د. محمد الفاضل مطلع العام التالي)، وما تركه ذلك من توتر اجتماعي وسياسي وأمني في المحافظة، وسوريا ككل، كان عاملاً آخر في اتخاذه قرارَه، خصوصاً وأن استنفاره في وحدته العسكرية، رغم أنها إدارية - تقنية وليست أمنية بالمعنى المألوف، ازداد في تلك الفترة إلى حد لم نألفه من قبل.
في قريتنا، التي كنا نستقر فيها للمرة الأولى (باستثناء الإجازات الصيفية السنوية القصيرة)، تعرفت على «العلويين» من خلال جدي ( والد أبي) الذي كان رجل دين معروفاً في المنطقة. وكانت معرفتي الأولى هذه من خلال ملاحظتي طريقةَ صلاته. فعلى خلاف «الصلاة السنية» التي كنت أمارسها أنا شخصياً،وما تعلمته في مصياف وحماة، كان جدي يصلي دون ركوع وسجود ودون وضوء. وسأعرف لاحقاً أن الأمر يتعلق بـ «مفهوم الطهارة» في شريعة وفلسفة هذه الطائفة. فهنا الطهارة«قلبية/روحية» كما هي عند المسيحيين و«الدروز»،بخلاف المسلمين السنة والشيعة الذين تتخذ الطهارة عندهم معنىً «صورياً/ جسدياً/ ظاهراتياً». ولهذا يمكن المسلم السني المؤمن، مثلاً، أن يرتكب كل ما في الدنيا من موبقات ثم يكفّر عن ذنوبه بالزكاة أو الصوم ( حسب سعر كل موبقة من هذه الموبقات في دكانة الله!). كما يمكنه أن يحج «ليعود طاهراً كما ولدته أمه»، حتى وإن كان من عتاة المجرمين ومغتصبي الأطفال. وبهذا المعنى تحولت «الكعبة» إلى أكبر وأقذر ماكينة لإعادة تدوير النفايات والقاذورات في العالم! ولهذا فإن شريعة الإسلام السني،كما اكتشفتُ لاحقاً بعد أن تعلمت العبرية الكتابية ودرست التناخ والتلمود وتاريخ الأديان المقارن، وأجريت أبحاثي الخاصة في هذا المجال، ليست سوى «مذهب يهودي/ تلمودي» في جوهرها، وتشكل العلاقة فيها بين المؤمن والله الذي يعبده «علاقة نصب واحتيال» أو «علاقة راشٍ بمرتشٍ». ومن هنا أسموها شرعياً «تجارة مع الله» (سورة التوبة : 111). وفي هذه الشريعة البدوية القذرة، بخلاف التفريعات الإسلامية التي ولدت في ركاب «الثورة الثقافية المعتزلية»،يبدو الله صورة طبق الأصل عن «يهوه/ ياهوفا יהוה» في اليهودية (مُجسَّداً، وله يدان وعينان، وربما طيز يخرأ منها، وأَيْر يتبول منه، ويخرج أحياناً من «علّيقة» محترقة لنبي معتوه مهلوس مثل «موسى» الخرافي!).
لم يكن في قريتنا مدرسة إعدادية، ولهذا كان عليّ أن أذهب يومياً إلى «إعدادية وثانوية الشهيد محمد محمد» في قرية «جيبول» التي تبعد عنا أكثر من ثلاثة كيلو مترات يتوجّب عليّ أن أقطعها يومياً، ذهاباً وإياباً، حتى في أيام الشتاء القاسية. وفي هذه المدرسة تعرفت للمرة الأولى على «المرأة» أو «الأنثى» بطريقة مختلفة. فهنا المدارس مختلطة، ويمكنك أن تجلس مع زميلتك في مقعد واحد وتصبحا صديقين دون أن تشعر بـ «هيجان شبقي حيواني» من النوع الذي لا همّ لمشايخ السُّنة سوى الحديث عنه، بسبب عقدهم الجنسية المرضيّة كما نبيهم المهووس من قبل،الذي كان لديه - وفق قصص وتوصيفات «البورنو النبوي» التي جاءتنا عبر فقهاء السُّنة - رغبةٌ جارفة وعارمة في نيك نساء الحجاز كلهن، إذا ما استطاع إلى ذلك سبيلاً! (اكتشفت لاحقاً، وهذا ليس مكان التفصيل فيه، أن سبب شبقه وزيجاته الكثيرة - بخلاف مزاعم النصاب الأكبر،البخاري، والدجال المعتوه أنس بن مالك المتخصص في أنكحة النبي وقوة أيره - هو رغبته المجنونة في أن يكون له وريث ذكر من صلبه لكي يورثه النبوة، على طريقة أنبياء وملوك بني إسرائيل بعد أن تهوّد في يثرب. وهذه نظريتي الخاصة عن القضية. ولأنه لم يحظ بوريث ذكر، صبّ طاقته العاطفية كلها، وجزءاً كبيراً من «شرعيته النبوية»، على صهره علي وحفيديه الحسن والحسين، لكنه لم يكن يستطيع توريث النبوة لأي منهم،لأن الأول ليس ابنه والآخرَيْن حفيدان من أنثى (ابنته الصغرى فاطمة). وهو ما يصح على حفيده (من ابنته زينب الكبرى) علي بن العاص، للسبب نفسه ولأنه توفي باكراً، فضلاً عن أن أمه زينب (بخلاف التاريخ الإسلامي الملفق في معظمه)، وأباه العاص بن الربيع،كانا من أوائل من رفضوا الإيمان بالنبي وأنكروا عليه ادعاءه النبوة. ولعل الأهم من ذلك كله هو أن «حق البكورة Primogeniture» في العقيدة اليهودية، التي كان محمد يتشرب شرائعها في يثرب من معلميه الحاخامات اليهود، وفي تقاليد المجتمعات الرعوية الشرقية عموماً، مقصور على الابن البكر، ذكراً دون أنثى، ولسلالة الابن البكر من الذكور. وقد عالجتُ ذلك بتفصيل وثائقيّ وتحليليّ ممل في كتاب«الإسلام التلمودي والإسلام الطالبي، دمشق 1989».
֎֎֎
قضيت في تلك الإعدادية/ الثانوية سنتين (الثالث الإعدادي والأول الثانوي). وخلال هذه السنة الأخيرة كان لمدرس الجغرافيا والعلوم الاجتماعية جميل أسد / «أبو خلدون» دور لا يمكنني نسيانه في إحداث نقلة خاصة في طريقة تفكيري، أو بالأحرى «خضة» أولى، ولكن على المستوى السياسي وحسب (كان على علاقة وثيقة بـ«جماعة 23 شباط»/ تيار صلاح جديد).
في تلك المرحلة تعرفت أيضاً على ابن قريتنا عبد الكريم عيسى (أبو خلدون أيضاً) وزوجته السيدة نجاح محمد، وكانا كلاهما عضوين سريين في «الحزب الشيوعي السوري / المكتب السياسي» ( «جماعة رياض الترك»). ومن خلال عبد الكريم عيسى ورفيقيه في «جيبول» (محمود الخطيب و ابن أخيه يوشع الخطيب)، الذين سيقضون لاحقاً سنوات طويلة في السجن ، فضلاً عن بضع سنوات من التخفي والمطاردة، سأصبح للمرة الأولى على علاقة بالحزب المذكور، ولكن من خلال منظمته الشبابية (اتحاد الشباب الديمقراطي) في البداية، ثم التنظيم الحزبي في العام التالي. ومن المفارقات أن شقيق يوشع الخطيب، علي الخطيب (أبو نسرين)، الذي لن أتعرف عليه إلا في «سجن صيدنايا» بعد 15 عاماً على ذلك، كان من كوادر «حزب العمل الشيوعي»!
لم يطلْ بقائي في القرية لأكثر من عامين دراسيين، فقد قرر أبي إعادتي إلى مصياف، وحدي ودون بقية أفراد أسرتنا، بعد أن لاحظ «انحرافاتي» العاطفية و السياسية وانشغالي عن دراستي بالحب الأول مع ابنة الجيران (ع.س.) التي تكبرني بثلاث سنوات، والطالبة في السنة الأولى في «معهد إعداد المعلمين/ الصف الخاص» في جبلة. وكان يعتقد أني سأكون تحت مراقبته اللصيقة لو كنت معه في مصياف؛ وهذا ما حصل.
حين أعادني معه إلى مصياف، وكنت ترفعت إلى الصف الثاني الثانوي، حصل على موافقة استثنائية من رئيس «فرع الشيفرة وأمن الوثائق» في دمشق، العميد صلاح الدين محمد علي مسكة، تسمح لي بالإقامة معه في «المكتب 489» (الفندق العسكري/ فندق الوراقة). وفي هذا المكتب عشت «حياة عسكرية» حقيقية على مدى عامين كاملين، بما في ذلك الاطلاع على آلاف الوثائق السرية القادمة من دمشق للحفظ، بدءاً من هويات الضباط والقادة الذين يُحالون على التقاعد أو...السجن،وانتهاء بعقود السلاح واتفاقيات التعاون العسكري مع دول أخرى، مروراً بنشرات ترفيعات الضباط والتشكيلات العسكرية نصف السنوية. وأذكر أني رأيت يومها - للمرة الأولى- البطاقات الشخصية، المدنية والعسكرية، التي تخص أمين الحافظ وحافظ الأسد وصلاح جديد ولؤي الأتاسي وأحمد سويداني و سليم حاطوم، و أديب الشيشكلي و فوزي سلو و سامي الحناوي...إلخ. وباختصار: جميع الوثائق المتعلقة بالجيش والقوات المسلحة التي كان يجري تحويلها للأرشفة في هذا المكتب. وكانت السنتان اللتان قضيتهما فيه أحد أسباب ولعي بالتوثيق والأرشفة وجمع الوثائق،الذي لازمني حتى اليوم. وقد شهدتْ السلطة نفسُها وأبْدت دهشتها في مراسلاتها الرسمية ، حين اعتقالي الأول، من أنه لم تخرج كلمة واحدة من فمي في أي مكان عام أو خاص عما كنت أطلع عليه من وثائق،رغم حداثة سِنّي. فقد كان لدي، منذ وقت مبكر،حساسية خاصة إزاء كل ما يتعلق بأمن الدولة، و وعي خاص يُلزِمني بالتمييز الصارم بين «أمن السلطة» و«أمن الدولة». ومن نافل القول إن هذه الحساسية لازمتني حتى اليوم، بل وازدادت عمقاً واتساعاً، ولم أخلط بينهما حتى في ذروة صدامي مع السلطة. أما على مستوى حياتي الخاصة خارج مقر الإقامة، فقد كنت تحت رقابة «عسسية» صارمة على مدار الساعة من قبل أعين «العسس» من العسكريين الذين نشرهم أبي حولي، لكن دون جدوى، كما سيتبين.
في مصياف عدت إلى الإلتزام الديني والمواظبة على الذهاب إلى «مسجد النوري»، خصوصاً يوم الجمعة، بعد انقطاع جزئي عن الصلاة والصوم خلال العامين اللذين قضيتهما في قريتنا؛ وفي الوقت نفسه بقيت علاقتي الخيطية بـ«حزب رياض الترك» مستمرة بعد أن نقلوا علاقتي التنظيمية من خليتنا الحزبية في «منطقية ريف جبلة» إلى مصياف التي أصبح فيها المسؤولَ عن علاقتي الحزبية الخيطية صانعُ أحذية معروف جيداً بسمعته المهنية في المدينة، وهو من «آل الضوا» (للأسف نسيت اسمه الأول، الذي ربما كان «اسماعيل» أو «عبد الله» أو «أحمد»، لأني أخلط بينه وبين إخوته وأبناء عمه؟). وكنت أستخدم ذريعة ذهابي إلى المسجد، التي لم تكن تضايق أبي، لكي ألتقي سراً بمسؤولي الحزبي صانع الأحذية التي تعلمت من خلال علاقتي به احترام العمال وأصحاب المهن الكدحية حتى قبل أن أصبح ماركسياً أو شيوعياً حقيقياً، بالمعنى الدقيق للتعبيرين . ولأن الحزب المذكور كان دوماً أكثر الأحزاب الشيوعية استهتاراً بالجوانب التثقيفية لأعضائه وإهمالاً لها، سواء في مرحلته «البكداشية» أو«التركية» (نسبةً إلى رياض الترك)، واقتصرت اهتماماته بهم على الجوانب السياسية «التعبوية» اليومية، كان من الطبيعي أن أعيش حالة شيزوفرينيا حقيقية : عضو في حزب شيوعي سري، يصلي ويصوم ويذهب في الآن نفسه إلى الجامع، ويحاول أن يرغم أمه على وضع الحجاب!(سأعرف لاحقاً،وإنْ في سياق مختلف وظروف أكثر اختلافاً وخصوصية، أن القائد الشيوعي السوداني الشهيد عبد الخالق محجوب كان يحفظ القرآن ومجوّداً له، ويواظب على الذهاب إلى المسجد هو والكثير من قادة وأعضاء حزبه،ويؤم المصلين في السجن،بالضد من البروباجندا الرخيصة التي أشاعتها وكالة المخابرات المركزية والأنظمة العميلة لها، لاسيما السعودية، لمحاربة الشيوعيين في منطقتنا وبقية العالم الإسلامي من خلال تأليب الرأي العام ضدهم على أنهم«كفار». وهو ما لجأ إليه النظامان البعثيان الفاجران في سوريا والعراق، لاسيما في عهد عميل وكالة المخابرات المركزية العتيق صدام حسين ضد الحزب الشيوعي العراقي،ونظيره حافظ الأسد ضد«رابطة/ حزب العمل الشيوعي» حصراً).
بداية الانحياز إلى إبليس في مواجهة الله، وإلى العقل في مواجهة الجهل والنقل
جاءت «الخضة» الثانية التي تعرضت لها في مصياف (في الصف الثاني الثانوي 1978- 1979) من خلال كتاب «نقد الفكر الديني»الذي أعطاني إياه(على سبيل الإعارة) أستاذ الرياضيات أحمد عدوان (شقيق الشاعر البارز ممدوح عدوان)، الذي كان مهتماً بالثقافة على نحو عميق و واسع، مع اهتمامه في الآن نفسه بنوع خاص من طلابه الذين كان يرى فيهم تميزاً عن أقرانهم. وكنت أنا وزميلنا «الناصري» أحمد الحاج حسين، الذي توفي لاحقاً وهو طالب في كلية الطب للأسف، كما علمت من بعض الأصدقاء المشتركين، من أبرز أعضاء «حلقته الطلابية الخاصة». أما الكتاب فكان لم يزل ممنوعاً من التداول في سوريا منذ انفجار قضيته في العالمين العربي والإسلامي حين نشرتْه للمرة الأولى (في العام 1969) «دار الطليعة» في بيروت لصاحبيها الدكتور بشير الداعوق وزوجته الروائية السورية غادة السمان. فيومها تعرض مؤلفه الدكتور صادق جلال العظم ، بالإضافه إلى ناشره الدكتور الداعوق، للملاحقة القضائية أمام المحاكم اللبنانية قبل أن تبرئهما المحكمة من تهمة « إثارة النعرات الطائفية والمذهبية والعنصرية والحض على النزاع بين مختلف طوائف الأمة و تحقير الأديان»! (ذلك قبل سنوات طويلة من «اكتشاف» العظم أنه ليس «مسلماً سنياً» فقط، ولا «تركمانياً» وحسب، بل ومن المعجبين بعميل الحلف الأطلسي رجب طيب أردوغان، رغم أن صور هذا الأخير مع صديقه السفاح آرييل شارون كانت تملأ الشاشات و الصفحات الأولى من الصحف العالمية منذ سنوات طويلة! هذا فضلاً عن انحطاطه السياسي والأخلاقي إلى حد قبوله أن يكون عضو
فعَل كتاب «نقد الفكر الديني» في حياتي ما لم يفعله أي شيء آخر من قبل، خصوصاً محوره المتعلق بـ«محنة إبليس» مع الله، وعلى الأخص المحاججة أو المرافعة العقلية المعروفة التي تقدم بها «إبليس المخلوق من نار» حين رفض السجود لـ «آدم المخلوق من تراب»، لأنه أكثر قدسية وطهارة وأعلى مرتبة وشأناً منه. ففي المحاججة ظهر «إبليس» كرمز للعقل والمنطق والمعرفة في مواجهة الله الذي بدا أحمقَ وجاهلاً وغبياً وأرعن! ومنذ تلك اللحظة بدأتُ الانحياز إلى «إبليس» في مواجهة الله وأتباعه الحمقى، بل وأتقمص شخصيته في مواجهتي مع السلطة... كل سلطة («سماوية» كانت أم أرضية). وقد واظبت على ذلك حتى يومي هذا. وبمعنىً ما، أصبح «إبليس» أكبر معلم لي في حياتي كلها،بما يمثله من «سلطة المعرفة والعقل» في مواجهة الله الذي يمثل «سلطة الحماقة والجهل»، حتى لَيُصبِح ممكناً أن نطلق على الله صفة «أبو جهل»، بدلاً من إطلاقها على عمرو بن هشام الذي كان - خلافاً لأكاذيب محمد وقرآنه وهجائهما السياسي والشخصي التحقيري له - ذكياً وحاذقاً إلى حد أنه انتُخب عضواً في «دار الندوة» (برلمان مكة) وهو في الخامسة والعشرين من عمره، بينما كان أعضاؤها الآخرون من جيل أبيه أو جده!
لكن انحيازي إلى «إبليس» في مواجهة الله انحيازاً كاملاً دون أي تردد أو لعثمة لم يحصل إلا بعد أن تعلمت «العبرية الكتابية» أواخر الثمانينيات، وقرأت «التناخ»، بلغته الأصلية، لاسيما منه أسفار«التوراة» التي كُتبت خلال فترة «السبي البابلي» و سرقتْ التراث البابلي والسومري عن بكرة أبيه، بما في ذلك قصة «إبليس» الذي يظهر آنذاك (سفر التكوين : 2 -3) في صورة « نخاش נחש = حية»، قبل أن يتطور في الأسفار اللاحقة ( «أخبار الأيام الأول»: 21؛«أيوب1»: 6-12؛ «زكريا3» :1-7؛ ...إلخ) ليظهر فيها باسمه الحقيقي السافر «الشيطان/ هاسَتَان השטן »، أو في صورة ملاك مكلّف من قبل الله بمهمة امتحان الناس واختبار إيمانهم ( كما في نظام «المطاوعة» السعودي)! وغني عن البيان أن محمداً وقرآنه سرقا القصة،كبقية القصص الأخرى، من «التناخ» وكتب النصارى (باستثناء قصة «أهل الكهف» التي سرقاها من التراث السرياني الذي كان مبدعَها الأول). وكانت «التوراة» سرقت بدورها قصة «إبليس وآدم وحواء» من التراث البابلي ( كما قصة «طوفان نوح» وغيرها). وبذلك انطبقت على محمد أمثولة «السارق عن السارق كما الوارث عن أبيه»!
«كمين» في حضر طبيب الأمراض النفسية والسلوكية نبيل شوك:
رغم أن أبي كان يشعر بالارتياح إزاء التزامي الديني وذهابي إلى المسجد، طالما أنهما لا يشغلانني عن دراستي، وطالما أنهما «يوفران لي بعض الحصانة من انحرافات الشباب»، حسب اعتقاده، إلا أنه - كما لاحظتُ من أسئلته - بدأ يشعر بالقلق حين اكتشف أني أقرأ مطبوعات ذات طابع «إلحادي»، مثل «نقد الفكر الديني»، بالتزامن والتوازي مع التزامي الديني. ولهذا قرر أن يعرضني على طبيب الأمراض والنفسية والسلوكية نبيل شوك، الذي كان افتتح عيادته وسط البلد قبل فترة وجيزة بعد إنهائه تخصصه في فرنسا. وبسبب خشيته من أن الأمر قد يتسبب في رد فعل غاضب من قبلي،نظراً لارتباط الطبيب النفسي بأبعاد سلبية في ثقافتنا العامة، قرر أن «يتواطأ» معه وينصبا لي «كميناً» مدبَّراً دون علمي، ودون أن يذكر لي طبيعة اختصاصه. وفي أحد الأيام قال لي «عندي طبيب صديق عاد للتو من فرنسا اسمه نبيل شوك. ما رأيك أن نعزمه إلى غداء أو عشاء في مطعم منتزه الورّاقة وأعرفك عليه!؟ أظن أنك ستحبه لأن لديه بعض الأفكار التي تشبه بعض أفكارك، وأجوبة لأسئلة تدور في رأسك!». بطبيعة الحال كان الأمر مدعاة لسروري، وشكّل إغراءً لا يقاوم. وفي اليوم المحدد التقينا في مطعم المنتزه المذكور (منتزه الورّاقة)، الذي لا يبعد عن مكان إقامتنا سوى بضع عشرات من الأمتار. وخلال جلستنا افتعل أبي قصة (كان اتفق معه ومع نادل المطعم بشأنها مسبقاً)، وهي أن يتركنا وحدنا بسبب اتصال طارىء يجب أن يقوم به مع أحد ما في قيادتهم في دمشق!
غاب أبي قرابة ساعة أو أكثر عن جلستنا. وخلال هذه الساعة طرح عليّ الدكتور شوك عشرات الأسئلة المتشعبة المتعلقة يحياتي اليومية ودراستي والكتب الجانبية التي أقرؤها من خارج المنهاج. ولا أظن أنه ترك جانباً واحداً من حياتي إلا وسألني عنه، بما في ذلك الله والإيمان والإلحاد والصبايا...إلخ.
بعد فترة، حين اكتشفتُ بمحض المصادفة أن الدكتور شوك متخصص بالأمراض النفسية والسلوكية، تولدت لدي شكوك قوية في أن اللقاء كان مدبراً و «مؤامرة» بينهما. وحين سألت أبي عن الأمر، لم يتردد في الاعتراف بذلك، مبرراً الأمر - في محاولة منه لامتصاص غضبي المتوقع - بقلقه عليّ، وبأني لن أعرف معنى ذلك إلا حين أتزوج ويصبح عندي أولاد، قبل أن يضيف «اشكرْ ربك أنه عندك أب متلي قادر يتصرف بهي الطريقة وليس بطريقة غبية متخلفة». وكان معه حق في ذلك.
عرفت يومها أن الدكتور شوك فسّر له التناقضات التي أعيشها، والتي بدت لأبي ضرباً من الشيزوفرينيا، بأنها سلوك طبيعي في مرحلة الشباب والمراهقة. فهي مرحلة قلقة عنوانها البحث عن أجوبة لأسئلة كبرى تطرحها الحياة، وتبقى كذلك حتى النضوج. وفي بعض الحالات تلازم صاحبَها مدى الحياة دون أن ترسو به على برٍّ محدد. ويومها أعطى أبي كتابَ الفيلسوف المصري الوجودي (سابقاً) عبد الرحمن بدوي «شخصيات قلقة في الإسلام»، الصادر في العام 1946. وهو كتاب من ترجمته وتحريره يتعلق بأشهر ثلاثة صوفيين في الإسلام: سلمان الفارسي ، الحسين بن منصور الحلاج ، و السهروردي الذي قتله الإرهابي السفاح صلاح الدين الأيوبي، الشخصية الأكثر قذارة وحقارة خلال العصور الوسطى كلها.
في ذلك العام الدراسي، 1978-1979، تعرفت بفضل أبي إلى صديقه الشيخ حيدر عبود رمضان في قرية «الزاوي» التي تبعد حوالي 6 كم إلى الشمال من مصياف، وكان معروفاً أنه أحد أكبر رجال الدين «العلويين» في سوريا، وعلّامة مشهود له. وقد أصبحت أتردد عليه بين فترة وأخرى ليس لسبب ديني، فقد كنت لا أزال«مسلماً سنياً على منهاج ... أبي هريرة و... رياض الترك!»، ولكن لأتعلم منه اللغة العربية والعروض الشعري بطريقة كلاسيكية جداً كما في الأيام الخوالي زمن المدرستين النحويتين، «الكوفية» والبصرية»، في القرن السابع الميلادي، رغم أنه كان لدينا في الثانوية اثنان من أفضل مدرسي اللغة العربية وأكثرهم براعة (الشقيقان : أحمد معروف و سليمان معروف ؛ وكلاهما كانا شاعرين، وللثاني مجموعة شعرية بعنوان «التدمريات» التي كتبها في سجن تدمر خلال فترة الستينيات). ومن خلال الشيخ حيدر تعرفت على فقيه اللغة العبقري في القرن العاشر، ابن جِنّي / أبي الفتح عثمان (الرومي/ البيزنطي الأصل) الذي أصبح صديقي منذ ذلك اليوم، والذي أطلقت عليه لاحقاً اسم «تشومسكي العرب» ( الذي سبق عبقريَيْ عصرنا في اللسانيات وفقه اللغة، نوآم تشومسكي و فردنان دو سوسور ، بألف عام!). وبفضل الشيخ حيدر أصبحت أقطّع الشعر وأكتشف أي إقواء فيه سماعياً، وهو ما لا يجيده حتى معظم أساتذة اللغة العربية، ولا يستطيعون فعله دون ورقة وقلم. وأذكر أن الأستاذ أحمد معروف كتب لنا ذات مرة على السبورة بيت الشعر الشهير «أخاك أخاك، إن من لا أخاً له ... كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاحِ»، للشاعر الأموي ربيعة (مسكين) بن عامر الدارمي، وطلب منا إعرابه، مفرداتٍ وجُملاً. وحين جال على طلاب الصف ليرى كيف يعربون البيت، وقف فوق رأسي وقرأ ما كتبته قبل أن يسألني هامساً «من أين تعلمت هذا الإعراب؟ هل أبوك أو أحد من أقربائك شيخ / رجل دين»؟ أنكرت عليه ذلك، لكنه أصر على رأيه مؤكداً أنه«إعراب رجال دين»، فقلت له «هذا الإعراب تعلمته من الشيخ حيدر رمضان»، فضحك و ربَتَ على كتفي وابتعد!
في الصف نفسه، الثاني الثانوي/ الفرع العلمي، كان لدينا مقرر مادة الفلسفة «مشكلة العمل»، وهو كتاب مشترك مع الصف الثالث الثانوي/ الفرع الأدبي. وكان مدرس المادة، يوسف الحاج حسين/ «أبو صخر»،«هبةً لنا من السماء» كما يقال. فقد كان أحد أنبل من أنجبتهم مصياف ومن أكثر المدرسين الذين حفروا عميقاً في وعي طلابها من أبناء جيلنا، وأكثرهم ديمقراطية و تأهيلاً في التعامل مع طلاب في هذا العمر. فقد كان يخصص الدقائق العشر الأخيرة من درسه للنقاش المفتوح في كل شيء، مع السماح للطلاب بالجلوس حتى فوق المقاعد كما «السعادين». لكن، إجلالاً له، ما من أحد كان يستغل ديمقراطيته باستثناء بعض المشاغبين قليلي التهذيب. وفي درسه لم يكن ثمة موضوع ممنوع أو محرّم على النقاش، من الأنبياء إلى الله إلى الإسلام إلى السياسة إلى الجنس ( وهو مشكلة الشباب في هذه المرحلة من العمر)...باستثناء ما يمكن أن يقود إلى أقبية المخابرات، ولو أنه كثيراً ما كان يسمح لنا بملامسة الخطوط السياسية الحمر! وفي إحدى المرات، حين أراد أن يشرح لنا مفهوم الشيزوفرينيا / فصام الشخصية، عرّف لنا المريض الشيزوفريني بأنه «يشبه ماركسياً يخاف من زيارة مقبرة ليلاً خشية الأشباح، أو شيوعياً يزعم أنه رأى الجنّ على طريق مصياف - وادي العيون في وضح النهار»! (يعرف أهالي المنطقة أن الطريق المذكور كان موحشاً حتى في منتصف النهار في تلك الأيام بسبب الأحراج المحيطة به، ولا أعرف ما إذا كان بقي كذلك بعد انتشار المد العمراني الذي خرّبت مافياته كل شيء، لاسيما الأحراج!).
لم يكن«أبو صخر» يعرف أني من «مريدي» زميله الأستاذ محمد شفيق العمر وأصلّي في الجامع، ولا أني عضو في «حزب شيوعي سري» في الآن نفسه! ومع ذلك شعرت أنه كان يعنيني شخصياً حين ضرب مثاله عن «الماركسي الشيزوفريني الذي يؤمن بالجن»! ولا زلت أذكر أني تعرّقت وأحسست بالإرتباك، وبأني أَشبَه برجل يمشي عارياً في السوق، فطأطأت رأسي خجلاً، ولم أستطع متابعة شرحه الدرس! وكانت تلك هي «الخضة» الارتجاجية الثالثة التي أتعرض لها! ويبدو أني كنت بحاجة إلى «خضة» رابعة أكثر قوة لكي أخرج نهائياً من عالم الله إلى عالم «إبليس». ولم تتأخر تلك «الخضة» كثيراً في الحصول. فظهيرة يوم الخميس 27 كانون الأول / ديسمبر 1979، وكنت أصبحت في الثالث الثانوي/العلمي،جاءت دورية تابعة لمفرزة المخابرات العسكرية في مصياف، يتقدمها رئيسها مختار سعود، إلى المدرسة لاعتقالي.
بضعة أشهر في رِحاب إمارة... أمير المؤمنين «علي بن أبي دوبا»
وبضع ساعات في «مهجع العرصات»!
كان مدير الثانوية نبيه ملحم،رغم صرامته التي كنا نهابها جميعاً نحن طلابَه،على درجة من النبل والشجاعة والحصافة إلى حد أنه استقبل عناصر دورية المخابرات في مكتبه وحاول أن «يخدعهم» ويوحي لي بإمكانية الهرب قبل اعتقالي. قال لهم «هذا الطالب يتغيب كثيراً بسبب وضع صحي خاص عنده، فدعوني أصعد إلى صفه في الطابق الثاني لأتأكد من وجوده فأحضره لكم إذا كان موجوداً؛ فليس مناسباً أن يرى الطلاب والأساتذة دورية مخابرات مسلحة في حرم المدرسة»! وهذا ما حصل.
كان بإمكانه أن يطلب من «موجّه الثانوية/ الناظر» أن يقوم بالمهمة؛فقد كان متأكداً من وجودي من خلال مشاهدته الصباحية لسجلات الحضور والغياب. لكنه آثر الذهاب بنفسه لأنه كان يعلم جيداً أن الموجه،اسماعيل مسوكر،مخبر حقير لدى مفرزة المخابرات (كما تسعة أعشار الموجهين في الثانويات السورية في الواقع، فهي وظيفتهم شبه الوحيدة)، وبالتالي لن يتردد في تسليمي لهم مباشرة دون تحذير استباقي!
وصل نبيه ملحم إلى صفنا وطرق على الباب ليفتح له مدرس مادة اللغة الإنكليزية ، الأستاذ الرائع كامل وهبة/ وهبي، الذي كان بدأ منذ فترة يناديني مازحاً باسم « نزاروف» بعد أن اشتم رائحة ماركسية بدأت تفوح مني بين الحين والآخر! ومن حسن الحظ أنه لم يكن يعلم أني كنت لم أزل أصلّي في الجامع، وإلا لكان أطلق عليّ اسم «أبو هريرة»! وحين طلبني منه همساً، التفت نحوي مباشرة، فأدركت أني المقصود لأمر جلل! أجابه «عنده مذاكرة (اختبار كتابي) وما بعرف إذا انتهى»؟ سمعت الحديث بسبب قرب مقعدي من باب قاعة الصف، فأجبته«أنا خلّصت أستاذ»؛ فقال «ضع ورقتك على الطاولة وتعال؛ الأستاذ نبيه بحاجتك».
كان نبيه ملحم يعرف معدن الأستاذ كامل جيداً ويثق به، ولذلك سحبه معي إلى الكوريدور، بعيداً عن مسامع طلاب صفنا، ليقول لي همساً بحضوره : « جماعة مفرزة المخابرات جايين ياخدوك. شو عامل؟ إذا بتحب ما تسلم حالك، بإمكانك تنط من فوق سور المدرسة من الجهة الغربية على المقبرة مباشرة، ومن هنيك بتدبر أمورك. وأنا بخبرهم أنك غايب اليوم عن المدرسة»! (كانت «ثانوية زكي الأسوزي» في مبناها القديم ملاصقة تماماً للمقبرة شمال المدينة. وفيما بعد نقلوها إلى جنوب شرق المدينة، قرب «مساكن البحوث العلمية»، وأصبحت للإناث، كما أخبرني أحد الأصدقاء. وعلمت أن المقبرة أزيلت أو نقلت إلى مكان آخر وأصبح مكانها مشروع سكني يحمل اسم «غاردن سيتي»؟).
لم يخطر في بالي ولا للحظة واحدة أن أهرب، لأني كنت واثقاً من أن خطر الاعتقال لا يزال بعيداً عني، رغم أن ابن الشيخ حيدر عبود رمضان ( الذي كان يؤدي خدمة العلم يومها في المكتب نفسه الذي يعمل فيه أبي) أبلغنا من مصادر والده بأن مفرزة المخابرات تجمع معلومات عني . لكننا كنا نقدّر أن الأمر روتيني كما يحصل دائماً! أما مصدر ثقتي فهو أن أياً من الأشخاص الوحيدين الذين كانوا يعرفون علاقتي بالحزب (عبد الكريم عيسى و محمود الخطيب و يوشع الخطيب في جبلة و صانع الأحذية (اسماعيل؟) الضّوا في مصياف) لم يكونوا اعتقلوا بعد. بل إن الحزب كله، كما أذكر، كان لم يزل خارج دائرة الاعتقالات التي لم تبدأ إلا بعد ستة أشهر من صدور «بيان أواسط آذار 1980»، الذي سيأتي الحديث عنه، نظراً لأهميته المفصلية، ليس فيما يخصني شخصياً فقط، ولكن فيما يتعلق بتاريخ سوريا الحديث ككل. وبطبيعة الحال لم يكن لدي أي صلة بجماعة «الأخوان المسلمين»، رغم وجود بعض مطبوعاتهم تحت فراشي، والتي كنت أحصل عليها من الضّوا، الذي كان يحصل عليها بدوره من خلال أصدقاء ورفاق له في حماة.
لهذا قلت لمدير المدرسة بعد أن شكرته على نبله وشهامته: «لن أهرب. كل ما أريده منك أن تتكرم بالاتصال مع أبي وتخبره بأنهم أخذوني من المدرسة، لكي لا يقلق حين يحين موعد انتهاء الدروس دون أن أعود إلى مكتبه/ مقر إقامتي». وهذا ما حصل، فحين وصلت إلى «مفرزة المخابرات» في «شارع الوراقة»، لم يكن أبي وحده بانتظاري، ولكن العميد صالح يوسف ابراهيم، مدير«مدرسة المحاسبة والإدارة»، الذي كان ابنه عصام في صفي نفسه، والرائد بلال عاقل بلال، الذي كان يعرج قليلاً بسبب آثار جرح بليغ في فخذه نجَم عن إصابة واحتراق دبابته خلال حرب تشرين. فقد كان أبي اتصل بهما و بالشيخ حيدر رمضان، فور تلقيه اتصالاً من مدير ثانويتنا نبيه ملحم، وأبلغهم بما جرى وطلب منهم العون والتدخل العاجل.
حين سأل العميد صالح رئيسَ المفرزة مختار سعود عن سبب توقيفي، وذكّره بأني «حدث لم أتم الثامنة عشرة»، أنكر سعود علمه بالأمر، وقال «ما بعرف السبب يا سيادة العميد. الأمر إجانا من فرع حماة / الفرع 219. بس يمكن في تقرير عنه بقول إنه إله علاقة مع الأخوان المسلمين»! وهنا تبادل الحضور نظرات مليئة بالاستغراب والدهشة. فقد صودف أن جميع الحضور ينحدرون من الطائفة العلوية. ولا بد أنهم تساءلوا بينهم وبين أنفسهم: «كيف طالب علوي، وكيف أخوان مسلمين!؟ أكيد في سوء فهم من قبل شي جهة أو من قبل الحمار يلي كاتب فيه تقرير!».
كان مختار سعود نصف أبله / نصف معتوه، أو «هبّوراً» كما نقول في تعابيرنا الدارجة؛ وكان يصبغ شعره وشاربيه بالأسود(نشرتُ عنه فيما بعد إشاعة ساخرة في أوساط الطلاب أنه يستخدم بويا الأحذية لصباغة شعره وشاربيه!). وكان يرتدي دائماً - كما يتذكر أهالي المدينة - جعبة صدر مليئة بأمشاط الرصاص، ويحمل رشاشاً في يده على مدار الوقت، ويضع في حزامه عدداً من القنابل اليدوية حتى وهو يستخدم وسائل النقل العام في تنقله أو يتبضع من السوق! وبتعبير آخر: كان في لباس الميدان الكامل على مدار الساعة منذ أن جرى نقله من «القوات الخاصة» إلى المخابرات العسكرية! وبطبيعة الحال كان يكذب في ادعائه عدمَ معرفته سببَ توقيفي، وسنعرف لاحقاً لماذا فعل ذلك.
أمَرَه العميد صالح تأخير إرسالي إلى «فرع حماة» إلى اليوم التالي. وكان يحق له ذلك، رغم أنه ليس رئيسه المباشر، نظراً لأنه«قائد موقع مصياف العسكري»/أعلى سلطة عسكرية وأمنية في المنطقة، لاسيما خلال حالة الطوارىء والأزمات الأمنية،كما كانت عليه الحال يومها. وظهيرة اليوم التالي كنت في «الفرع 219»/ فرع المخابرات العسكرية في حماة (في «حي المشتل» أو «الزراعة»، القريب من القلعة، إذا لم تخني الذاكرة).
كان على رأس «الفرع» يومها المقدم يحي زيدان، الذي سأعود وألتقيه بعد 13 عاماً (خلال اعتقالي الرابع مطلع العام 1992) يوم كان أصبح نائباً لرئيس «الفرع 227»/ فرع المخابرات العسكرية في دمشق (أو فرع المنطقة)، هشام الاختيار. وكان زيدان أحد أوسخ وأحقر ضباط مخابرات النظام في تاريخه كله (2). لكن أكثر ما كان يهمني حين وصلت إلى حماة هو أن العميد صالح و الرائد بلال وأبي كانوا أيضاً بانتظاري، فضلاً عن اتصال هاتفي من الشيخ حيدر رمضان إلى رئيس الفرع كان سبقهما في الوصول!
حين سأله العميد صالح عن سبب اعتقالي، كرر قصة الأخوان المسلمين، لكنه لم يتردد في الاعتراف بأنه«غير مقتنع بالقصة للأسباب المعروفة». وكان يلمح بذلك إلى «خلفيتي الطائفية». لكنه أفرج عن معلومة مهمة حين أشار إلى أن السبب الفعلي «قد يكون قصيدة هجائية سياسية كتبها نزار و وزعها على عدد من زملائه الشهر الماضي بمناسبة الذكرى التاسعة للحركة التصحيحية (16 نوفمبر 1979) تناول فيها السيد الرئيس بعبارات مهينة وجارحة»!
مجرد أن كشف زيدان عن هذا السبب، ولم يكن السبب الوحيد، أدركت في الحال القصة كلها. فمن وقت إلى آخر كان اثنان من زملائي على مقعد الدراسة (علي اسماعيل الشيخ حيدر و فواز خليل عثمان) يزورانني في غرفتي الخاصة، بمقر إقامتي في «الفندق العسكري». وفي إحدى المرات (قبل واقعة الاعتقال بأقل من شهر)غافلاني وأنا أعد لهما الشاي في المطبخ وسرقا بعض الأوراق والمطبوعات عن طاولة المكتب قبل أن يضعاها في حقيبتيهما لتسليمها في اليوم التالي إلى موجه الثانوية اسماعيل مسوكر،الذي سلمها بدوره مباشرة إلى رئيس المفرزة مختار سعود! أما الأوراق والمطبوعات المسروقة فكانت : جريدة «نضال الشعب» التي كان يصدرها حزبـ«نا»، ومجلة «النذير» التي يصدرها «الأخوان المسلمون»،ومجلة«الهدف» التي تصدرها «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، والتي كانت لا تزال شبه ممنوعة من الدخول إلى سوريا منذ التدخل السوري في لبنان و مواجهات «مخيم تل الزعتر» في العام 1976. وكنت أحصل على هذه الأخيرة من صديق «الجبهة» في مصياف، نزار شمسين، الذي كان والدُه البقّال المعروف في سوق المدينة صديقاً لأبي، وكان هو صديقاً مقرباً من خالي منذ أن كان مقيماً معنا خلال دراسته في «ثانوية الحرس القومي» في مصياف وقبل ذهابه إلى الجيش. وأما القصيدة المذكورة ، المكتوبة على وزن «البحر البسيط» ، فلم أعد أتذكر منها شيئاً إلا شطراً من هنا وشطراً من هناك، لاسيما ختامها الذي يقول عن النظام : «والدودُ مَطْمَحُه أن يبلغ القدما!» . ( قبل حوالي عامين أبلغني الصديق المترجم الرائع رفعت عطفة/«أبو زيدون»، الذي كان مدير المركز الثقافي في مصياف آنذاك، بأنه يحتفظ بنسخة منها في أرشيفه منذ أن جرى تداولها سراً بعد اعتقالي كما المنشورات السياسية، و وعدني بأن يبحث عنها. لكن الموت كان أسرع من وفائه بوعده، فرحل عنا في إسبانيا، حيث كان يعيش حياته التقاعدية، مطلع العام 2023 . وكان رحيله فجيعة حقيقية للأوساط الثقافية المحترمة في سوريا).
لم يكن علي اسماعيل الشيخ حيدر، المذكور أعلاه، سوى الشخص نفسه الذي سيعرفه السوريون بعد 33 عاماً (في العام 2012) كـ «وزير للمصالحة الوطنية» وأحد صبيان علي مملوك و رامي مخلوف،و والد الشاب والطالب الجامعي في كلية الطب بجامعة دمشق ،اسماعيل حيدر، الذي قُتل غدراً في أيار/ مايو 2012 بعد اختطافه مع صديقه من قبل جهة غير معروفة على طريق حمص - مصياف ، وإن كان مرجَّحاً أنها تنتمي لعصابات الثورة الوهابية-الإسرائيلية ولأسباب طائفية، رغم أنه كان من المشاركين النشطين في المظاهرات. وهناك من يؤكد أنه قتل من قبل شبيحة المخابرات الجوية، فعمد والده إلى «بيع» قضيته للسلطة مقابل مقعد وزاري و تزويجه امرأة أخرى بدلاً من زوجته مدرسة اللغة الفرنسية، السيدة ربا الخش، التي انفصلت عنه على خلفية قضية ابنها!؟ وكنت نشرت في 24 نوفمبر 2013 تقريراً خاصاً عن ملابسات تعرّض سيارة علي حيدر لإطلاق نار ادعى يومها أنه «محاولة لاغتياله». لكني علمت السبب الحقيقي لمحاولة قتله ونشرت تقريراً عن ذلك في موقعنا الإخباري SyriaTruth، أشرت فيه إلى أن محاولة القتل كانت على خلفية اجتماعية - مافيوزية مقززة (أعاد جناح آخر من «الحزب القومي السوري» نشر التقرير على موقعه الرسمي هنــا). أما فواز خليل عثمان ، الذي كان يلازمني على مقعد دراسي واحد منذ المرحلة الابتدائية في «ابتدائية سيف الدولة»، كوننا كنا أبناء حي واحد يومها، فقد تخصص لاحقاً في طب الأذن والأنف والحنجرة، ربما لكي يصبح مخبراً أكثر احترافية: قدرة على سماع حتى ضراط النمل، وقدرة على شم حتى رائحة فساء المعارضين من مسافات بعيدة، وصوت أكثر إجادة للنباح في وجه من يحاول الاقتراب من مزرعة النظام!
֎֎֎
كان عليّ أن أمكث بضعة أيام في «فرع حماة» ريثما يقرر «الفرع248» في دمشق ما إذا كان يريد تحويلي إليه، ولأن حالة الطرق كانت بالغة السوء بسبب تراكم الثلوج ، خصوصاً في منطقة «القلمون» ( النبك والقطيفة)، فضلاً عن أننا كنا في نهاية السنة وبداية السنة الجديدة، حيث ينشغل ضباط النظام بأمورهم وإجازاتهم رغم الحالة الأمنية المتفجرة التي كانت تعم سوريا كلها. ولهذا بقيت في «ضيافتهم» حوالي أسبوع قبل أن يجري ترحيلي إلى دمشق في 5 / 1 / 1980، وكان يوم سبت على ما أذكر.
ظهيرة اليوم المذكور اقتادتني دورية من «فرع حماة/219» إلى «فرع التحقيق العسكري/ 248» في دمشق. وأذكر أن رحلتنا استغرقت حوالي ست ساعات، نتيجة سوء الأحوال الجوية وتراكم الثلوج ، فضلاً عن «تراكم» حواجز التفتيش العسكرية والأمنية وطوابير السيارات على امتداد الطريق بسبب المواجهات بين السلطة وعصابات الأخوان المسلمين،التي كانت تصاعدت في عموم أنحاء سوريا بعد ارتكابهم مجزرتهم الطائفية الحقيرة في ِ«مدرسة المدفعية» في حلب (حزيران / يونيو 1979). وعليّ أن أذكر - للأمانة التاريخية - أن أحد أسباب تأخرنا في الوصول هو قضاؤنا بعض الوقت في إحدى الاستراحات بمنطقة «النبك». فقد كان شباب «الدورية» كرماء معي (على الأرجح بسبب توجيهات من معلمهم يحي زيدان بسبب التدخلات التي حصلت في قضيتي)، فاشتروا لي سندويتشات ومشروبات، و لم يضعوا الكلبشات في يديّ إلا قبل وصولنا إلى «الفرع» في دمشق ببضع مئات من الأمتار!
خدوه لـ«مهجع العرصات»!
حصلت طرفة قبل أن نصل إلى «الفرع»؛فقد أخطأ عناصر «الدورية» في عنوانه، ربما لأنهم كانوا يأتون إلى الفرع المعني للمرة الأولى؛ فبدلاً من أن يذهبوا إلى منطقة «البرامكة»، ذهبوا إلى مبنى «الأركان العامة» قرب فندق «الميريديان» («فندق داما روز» حالياً) ، حيث يقع مقر قيادة شعبة المخابرات العسكرية (القديم) وعدد من الفروع التابعة لها. وهناك أرشدوهم إلى العنوان الذي لا يبعد عن المكان سوى أقل من 1 كم. وحين وصلنا إلى «الفرع 248» وانتهت إجراءات التسليم والإستلام، نادى أحد الإداريين بأعلى صوته لأحد زملائه « خود هدا العرص الجديد و نزله لمهجع العرصات»(في سجن الفرع، تحت الأرض)! رد عليه زميله: «منين جايبينه؟ كمان هدا العرص من حماة!؟».
كان ثمة عُرف بينهم يقول : كل معتقل قادم من «حماة»، يعني حكماً أنه من جماعة «الأخوان المسلمين»! ذلك بعد مرور أقل من ثلاثين عاماً على زمن كانت فيه مدينة «حماة» مغلقة على نحو شبه كلي لـ«الحزب العربي الاشتراكي/ حركة الاشتركيين العرب» وقائدهما التاريخي أكرم الحوراني، ولم يكن «أخونجي» واحد في المدينة يتجرأ على الإعلان عن هويته الحزبية؛ وفي زمن كانت المدينة تتربع على عرش استهلاك الكحول بين المحافظات كلها، وتأخذ جائزة شركتي «الريان» و«الميماس» لتصنيع الكحول على مدى سنوات متتالية؛ وفي وقت كانت المدينة تستطيع أن تصدّر إلى العالم «مطربة بورنو» شعبية مثل مها عبد الوهاب تشكل الأعضاء التناسلية، الذكرية والأنثوية، معظم كلمات أغانيها!
وهكذا جرى اقتيادي إلى«مهجع العرصات»! ولأن الوقت كان أصبح متأخراً(حوالي السابعة مساء)،كان عليّ أن أبقى مع «العرصات» حتى تحين نوبة العمل المسائي ليتقرر وضعي.
فور أن دفشني أحد العناصر إلى داخل«المهجع»،الذي كان نزلاؤه يتراصفون كما «المكدوس» و«المخلل»، أدركت في الحال أنني مع «الأخوان المسلمين» وجهاً لوجه للمرة الأولى في حياتي؛ أي مع الجماعة المفترض أن أكون معها الآن (أو مع أحد مشتقاتها، بما فيها عصابة «الجولاني» نفسه)، وأشارك في التفجير والتفخيخ و «فحص شعر عانات الأطفال» لأتأكد من أنهم «بلغوا الحلم» قبل أن أذبحهم على سنة الله ورسوله، ... لو سارت الأمور كما بدأتْ! وعلى الفور استلمني «شاويش» المهجع الذي بدا أنه في العقد الخامس من عمره، وأمر بعضَهم بالإفساح لي لكي أجلس. وكما يحصل عادة في مثل هذه الأحوال، سارع إلى افتتاح جلسة تحقيق مع الوافد الجديد: منين الأخ؟ وشو التهمة؟ ومنين جايبينك؟ ...إلخ.
لم يكن لدي سوى جملة واحدة أجيبه بها، والتي بدت بالنسبة له ولأخوانه كما لو أنها مفتاح اللغز:«من فرع حماة»! وحين سمعوا جوابي، أصيبوا بحالة نشوة واسترخاء،إذ استنتجوا في الحال أني«واحد منهم»،فراحوا يبدون المزيد من التعاطف، محاولين الاستمرار في «التحقيق». لكني قطعت عليهم الطريق بالقول :«رجاءً، اعذروني الآن يا أخوان. إلنا ست ساعات على الطريق، وأنا مكسّر. كل شي بدي اياه الآن أنكم تعلموني وين أتوضأ و وين اتجاه القبلة، لأني بدي صلي صلاة العشا وصلاة المغرب (جمع تأخير في هذه الحالة)، لأن ما فيني صليت ونحنا بالطريق»! ولأن لهجتي لم تكن يوماً «ساحلية»، بل «خليطاً» من لهجات المناطق التي عشنا فيها، لاسيما الدمشقية و الحموية والمصيافية، فقد بدوت مقنعاً لهم تماماً، لاسيما بعد أن طلبتُ مساعدتهم من أجل الوضوء وتحديد اتجاه القبلة!
أشاروا لي إلى مكان خلف جدار داخلي، حيث توجد صنابير المياه والمراحيض، وحيث يوجد مدخل يفصل هذه المنافع عن المهجع بستارة متسخة. وحين انتهيت من الوضوء وعدت إليهم، قال «الشاويش» إنه فاته تنبيهي إلى أنه لا يمكنني أداء الصلاة سجوداً وركوعاً، لأن هذا ممنوع في السجن، فضلاً عن أن ضيق المكان واكتظاظه لا يسمحان بذلك، قبل أن يذكّرني بأن لي عذراً شرعياً في أن أصلي جالساً! لكني أصريت على الصلاة كما في الحالة الطبيعية، ربما لأني أردت في عقلي الباطن أن أثبت لهم أني« واحد منهم»! وعندها طلب «الشاويش» من بعض المحيطين أن يفسحوا لي في المجال، وطلب من سجين آخر الوقوف قرب «شرّاقة» (طاقة) الباب لكي ينبهنا إذا ما اقترب أحد السجانين من المهجع.
استقبلتُ القبلة التي أشاروا لي نحوها، وبدأت بتكبيرة الإحرام بعد الإعلان القلبي عن النية بصلاة المغرب ثلاث ركعات وصلاة العشاء أربع ركعات، مع الإفصاح عن النية بالجمع بين صلاتي المغرب والعشاء... ورفعت يديّ مع «الله أكبر» ثم «دعاء الاستفتاح» كما رواه «الترمذي» نقلاً عن السيدة عائشة:«وجّهتُ وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين؛ إن صلاتي ونُسكي ومَحْياي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين»، و قرأت «الفاتحة» وسورة قصيرة لا أذكر ماهي (ربما كانت «الكافرون» أو «الإخلاص»). وبعد أن أنهيت صلاة المغرب أتبعتها بصلاة العشاء!
سمعت أحدهم بأذني وهو يقول لجليسه، بينما كنت على وشك الانتهاء وقبل أن أسلّم يميناً ثم يساراً،«هدا أخ حقيقي. غيور على دينه حتى بهيك وضع. مستحيل يكون مدسوس. بعدين مانك شايفه شاب صغير؟ هلاّ بس يخلص منشوف شو قصته»!؟ ويتضح من سياق العبارة أن بعضهم أبدى خشيته من أكون «مدسوساً بينهم وعليهم»!
رغم بدء الدوام المسائي، كما كان بالإمكان الاستنتاج من ازدياد الحركة والجلبة في كوريدورات الفرع، إلا أن أحداً لم يستدعني كما هو مفترض في حالة معتقل مثلي وصل للتو من إحدى المحافظات«الخطيرة»،الأمر الذي بدأ يثير قلقي واسترخائي في آن معاً! قلقي لأني شعرت بإهمال وضعي، واسترخائي لأني شعرت بأن قضيتي ليست ذات أهمية بالنسبة لهم، وإلا لكانوا استدعوني فور أن بدأت نوبة الدوام المسائي. وبعد تناول العشاء (الذي كان بعض البطاطا المسلوقة و شوربة العدس)، وعلى «أنغام» صراخ أحدٍ ما يتعرض للتعذيب ولشتم «أمه القحبة» و«أخته المنتاكة» في مكان قريب، بدأ «الشاويش» تحقيقه معي!
«شرعاً، أنت لازم تموت مرتين»!
بعد أن دعا الله أن يتقبل صلاتي ويفرّج عني وعن بقية «الأخوة»، قدّم نفسه لي على أنه خالد طيفور، وأنه من «حماة». وأردف بالقول «لقبي أبو عمر. فيك تناديني أبو عمر». وبعد سنوات طويلة سأعرف أنه يمتّ بٍصٍلة قرابة مباشرة للرجل الذي اشتُهر خلال فترة الثمانينيات، المهندس المعماري المتوحش فاروق طيفور، رئيس المكتب العسكري في جماعة «الأخوان المسلمين»،أي الشخص الذي كان مسؤولاً- بالتنسيق مع المخابرات العراقية والأردنية و وكالة المخابرات المركزية الأميركية -عن اغتيال مئات الأبرياء السوريين من الأكاديميين والأطباء والسياسيين والعسكريين لأسباب طائفية،فضلاً عن اغتيال الخبراء السوفييت في«حماة» و«دمشق» و منطقة «الجبهة السورية مع إسرائيل»، وعن زرع السيارات المفخخة في طول سوريا وعرضها،وتفجير«المؤسسات العامة الاستهلاكية» بطلب من«اتحاد الغرف التجارية» ورئيسها، عميل الحركة الصهيونية العريق، الحاج بدر الدين الشلاح (3). وغني عن البيان أن فاروق طيفور سيصبح نائب المراقب العام لـ «الجماعة» ثم نائب رئيس«المجلس الوطني السوري»الذي شكلته وكالة المخابرات المركزية وتركيا وفرنسا وقطر، ومعهما الجاسوس عزمي بشارة، في العام 2011!!
لم يكن لدي - بالمقابل- الكثير مما أقدّم به نفسي لـ «أبو عمر»،سوى اسمي وأنني من أهالي حماة ومصياف، وأني طالب بكالوريا، ولا زلت أنتظر معرفة سبب اعتقالي. وهنا حاول أن يعرف ما إذا كنت من حماة ومصياف أصلاً، أم من سكانهما، مشيراً إلى أن هناك أكثر من عائلة تحمل اسم «نيوف» في مصياف والسلمية وغيرهما. وكان واضحاً أنه يريد أن يعرف ما إذا كنت من أصول «اسماعيلية» (أي سليل القرامطة والحشاشين، وفق مفردات قاموسهم القذر). وقد اتضح لي أنه لا علم له بأن هناك عائلات عديدة تحمل اسم «نيوف» في الطائفة العلوية أيضاً، في جبلة و طرطوس، دون أن يكون بينها أي صلة قرابة مباشرة. (امتازت عائلتنا، من بين جميع العائلات الأخرى التي تحمل هذه الكنية، بأن اسم «نيوف» خاصتها يعود إلى امرأة وليس إلى رجل؛ ولم تكن جدتنا هذه، التي عاشت نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، من منطقتنا أصلاً. فهي ابنة الشيخ حسن ربيع سلطانة الذي عاش ما بين العام 1717 و 1811م، والمعروف «مقامه المقدس» اليوم،إلى جانب مقام حفيده معلاّ ربيع، في قرية «البيرة/ بيرة الجرد» في ريف مصياف الغربي. وكانت «نيوف» هي الوحيدة التي بقيت له على قيد الحياة من بين أبنائه جميعاً كما تقول الروايات العائلية المتوارثة. فقد توفي أبناؤه الذكورالتسعة دفعة واحدة تقريباً بسبب المجاعة التي اجتاحت «جبال النزاريين» (جبال العلويين) آنذاك نتيجة لظروف مناخية- طبيعية شديدة القسوة) (4).
لا أعرف ما إذا كنت ارتكبت حماقة ، لاسيما في ذلك الظرف بالغ الخصوصية،أو أنه وجب عليّ أن أكون صادقاً مع «أبو عمر» ومع نفسي، حين أخبرته قصتي الحقيقية بعد أن ألح وناور كثيراً في أسئلته المتشعبة التي بدا من خلالها أنه يبحث عن «مفاتيح» خاصة يفك بها مغاليق «أصلي وفصلي»!؟ فقد أخبرته أني من«جبلة»أصلاً،وأني على علاقة بـ«الحزب الشيوعي السوري». وهنا سألني عما إذا كنت من «جماعة رياض الترك» تحديداً أم من «جماعة بكداش»، قبل أن يبدي دهشته من أنها المرة الأولى في حياته التي يرى فيها شيوعياً يصلي! ولم ينسَ أن يدقق فيما إذا كنت من «جبلة / المدينة» أم «جبلة/ الريف»؟ وكان واضحاً أنه يريد معرفة أصولي الطائفية، لأن كل انتماء جغرافي منهما يعني انتماء طائفياً أصلياً معيناً لا بد من معرفته لكي يُكمل «المضبطة الشرعية»!
لم أخْفِ عنه، أو عن أخوانه الذين كانوا ينصتون بدهشة، أي شيء. ولأنه كان يعرف الظرف الخاص الذي كنا فيه جميعاً، حاول أن يُظهِر كل حصافة ممكنة، حقيقية أو مصطنعة، حين قال :«على كل حال، كلنا أخوة و أولاد بلد واحد يا أخ نزار، وما في فرق بينا. مع ذلك الحمد الله على أنه هداك إلى الدين القويم. لكن بتعرف يا أخ نزار أنه،لولا اهتداؤك، لكان تطبيق الحد الشرعي بالموت يطالك مرتين، مرة لأنك نصيري ومرة لأنك شيوعي»؟ وقد حرص على أن يختم عبارته بضحكة لكي يبعد المغزى الحقيقي لما أرداه من حديثه! قلت له وأنا أرد عليه بضحكة مقابلة : «أي نعم بعرف يا عم أبو عمر. وفي جميع الحالات ، الحمد الله الذي هدانا جميعاً». ومع ذلك أصر على التساؤل عن جانب بدا له ملتبساً وغير مقنع، وهو علاقتي بالحزب الشيوعي؟ وعندها لم يكن أمامي لكي أقفل هذا الحديث سوى القول «أنا لا أزال في بداية عمري. وفي هذا العمر، كما تعرف يا عم أبو عمر، بيبقى الشاب حيران بأفكاره، وبده فترة حتى يستقر». فرد بالقول «الله يثبـّت إيمانك وإيماننا جميعاً». وما إن ختم عبارته حتى فُتح باب المهجع وظهر منه أحد العناصر منادياً : «مين منكم نزار نيوف»؟ وحين رفعت يدي وأجبته بأني أنا المقصود، قال « تعا معي ولك فلعوص الخرا»!
نهض «فلعوص الخرا» الذي كنتُه آنذاك وأسرع خارجاً مع المنادي قبل أن يسمع صرير المفتاح وهو يدور في ثقبه ويغلق خلفه باب المهجع الذي لن يعود إليه بعد ذلك.
في «غرفة التحقيق» كان ينتظرني ضابط شاب بدا أنه على أبواب الثلاثين أو بداية العقد الرابع من عمره؛ وعرفت أنه ضابط من صيغة الخطاب التي كان يستخدمها عناصره معه ومن تصرفهم أمامه. وسأعرف لاحقاً أنه «الملازم المجند جلال أحمد الحايك»، وأنه كان محامي الشركة السورية للنفط قبل أن يُستدعى إلى خدمة العلم، وأنه كان - قبل خدمته العسكرية -على علاقة تنظيمية مع «الحزب الشيوعي السوري/ جناح خالد بكداش» المتحالف مع السلطة. وسأعود إلى الالتقاء به حين اعتقالي الرابع في العام 1992، وكان أصبح برتبة عقيد ورئيساً لـ«قسم التحقيق» في «الفرع 248/ فرع التحقيق العسكري»،ومسؤولاً عن «الصياغة القانونية» للتهم والأحكام المقترحة التي ترفعها شعبة المخابرات العسكرية إلى «مكتب الأمن القومي» و«محكمة أمن الدولة» أو المحاكم الميدانية من أجل المصادقة النهائية عليها. وقد جرى الاحتفاظ به كضابط احتياط حين أنهى خدمته الإلزامية مطلع الثمانينيات، قبل أن تجري ترقيته إلى أن وصل إلى رتبة عقيد. ولأنه لم يكن بالإمكان الاستغناء عنه،ولا ترفيعه إلى رتبة أعلى،أصدر حافظ الأسد تعديلاً لقانون خدمة ضباط الاحتياط بحيث يمكن استمراره ( مع غيره ممن لهم الوضع ذاته) في خدمتهم وترفيعهم إلى رتبة عميد. وفي فترة لاحقة أصبح نائباً لرئيس «الفرع 248» ثم نائباً لرئيس «الفرع 235 / فرع فلسطين» قبل أن يحال على المعاش في فترة ما لا أعرفها من العقد الأول من هذا القرن، وقبل أن يذهب لمتابعة حياته التقاعدية مع ابنه أحمد في الإمارات العربية (حصن «الموساد» الحصين!) كما الآلاف غيره من أركان النظام البائد وأعضاء مافياته،مدنيين وعسكريين على حد سواء.
֎֎֎
كان أول سؤال وجهه لي الملازم جلال الحايك بنبرة ساخرة: شو يا سيد نزار؟ عجبتك القعدة مع أخوانك؟ مو بدك تكون اخونجي؟ هي حطيناك معهم وشفت بعينك! بشرفك ما سألوك عن أصلك وفصلك وطائفتك؟
أحسست للوهلة الأولى أني وُضِعتُ معهم قصداً، وليس على سبيل الخطأ لأني وصلت من من حماة متأخراً، في فترة الاستراحة بين نوبتي العمل الصباحية والمسائية، ولأن العرف آنذاك هو أن كل من يُعتقل في حماة لا بد أن يكون «اخونجياً»، فدفشوني إلى «مهجع العرصات»! لهذا - ورغم محدودية تجربتي و وعيي السياسي آنذاك - حاولت أن أنفي ما قاله، لسبب أخلاقي بحت وهو أنه لا يجوز أن تخرج من فمي كلمة واحدة يمكن أن تُستغلَّ ضدهم طالما أننا جميعاً رهن الاعتقال، وطالما أني لا أعرف شيئاً عن الأسباب الحقيقية لاعتقالهم، فربما يكونون أبرياء مثلي. ففي تلك الأيام كان «الصالح يذهب مع الطالح»، وكانت أجهزة الأمن تجمع ما هب ودب من الناس، أحياناً بسبب تقارير كيدية كتبها أصحابها لدوافع شخصية، كما تبين لاحقاً من مئات الحالات التي عرفناها. ولهذا نفيت ما قاله، وناورت في إجابتي بالقول : «أي واحد قاعد بالسجن بيحب يتعرف على أي ضيف جديد. وشي طبيعي يسألوني منين جايي ومين أنا وشو تهمتي. لكن ما حدا حاول يسألني عن يلي بدور ببالك يا حضرة الضابط»! وكنت أكذب بطبيعة الحال!
كان من الواضح أنه درَس ملفي جيداً، وربما كان هو شخصياً من اقترح استدعائي لكي يتعرف على «هذا الولد الذي جمع المجد من أطرافه كلها في خلطة غريبة وعجيبة: علوي - شيوعي - إسلامي أصولي يريد إلزام أمه بالحجاب»! لكني سأعرف لاحقاً أن من طلب استدعائي إلى الفرع هو رئيسه النقيب الحقوقي محمد تيسير قوشجي، الذي كان شقيقه آنذاك، اللواء محمود قوشجي،محافظاً لحماة، وكانت عصابات فاروق طيفور قد اختطفت ابنه الطفل للتو، بينما كان عائداً من مدرسته الابتدائية، وحاولتْ ابتزاز والده رغم أنه من أبناء المدينة نفسها أباً عن جد:«تستقيل وتعلن انشقاقك على النظام مقابل إطلاق سراح ابنك»! لكن، وبطبيعة الحال، وكما يعرف أهل حماة وكل من عايش تلك الفترة، كان شجاعاً جداً ولم يرضخ للابتزاز، لكني لا أعرف مصير ابنه الطفل / تلميذ المدرسة، وما إذا كانوا قتلوه أو تمكن من تحريره!؟
كان أمراً مضحكاً أن الحايك قال لي شارحاً موقفهم ومتسائلاً : نحنا ما إلنا علاقة بإيمانك وصلاتك وحجاب أمك. أنت حر طالما ما إلك علاقة مع الأخوان. لكن، إذا حابب تصير شيوعي، ليش ما بتنضم للحزب التاني، حزب خالد بكداش»!؟
كان بودي أن أضحك من أعماقي وبأعلى صوتي. فقد بدا الأمر أشبه بأن تذهب إلى السوق لتشتري كوسا، وإذا لم تجد كوسا، يمكنك أن تشتري بطاطا بدلاً منها! ولأنه لم يكن بإمكاني أن أضحك،ضبطت نفسي ولزمت الصمت، بينما تابع هو أسئلته ومناقشاته المتعلقة بالمضبوطات التي سرقها علي حيدر و فواز عثمان من مقر إقامتي، وتوقف طويلاً عند القصيدة الهجائية المطولة، ولم يتردد في أن يناقشني فيها بلاغياً. وقد توقف ملياً عند شطر في القصيدة يقول «تِسعٌ من السنوات السود قد مرقتْ...»، معتبراً أن كلمة «مرقت» هنا، وبغض النظر عن موقفه من المحتوى، هي «كلمة القصيد»( كما نقول «بيت القصيد»)! وكان يومىء إلى أن تعبير «المارق / المارقة» مشتق منها!
بعد جلسة طالت حوالي ساعة أو أكثر، وكان الوقت تجاوز العاشرة ليلاً، استدعى أحد العناصر وطلب منه وضع «الطماشات» على عينيّ قبل أن يقول له : «طالعه لعند المعلم». وحين صعدنا إلى الطابق الأرضي (الطابق الأول) ودخلنا إلى أحد المكاتب بينما كان يمسك بيدي ويقودني كما يُقاد الضرير، سمعت صوتاً من عمق المكتب يأمره بأن ينزع «الطماشات» عن عينيّ ويتركني وينتظر في الخارج.
كان أول مالفتني في مظهر صاحب الصوت هو أن يده اليمنى كانت ملفوفة بشاش أبيض أو موضوعة بالجبس حتى المرفق، فلم تكن الصورة واضحة بسبب المسافة التي تفصلني عنه. فقد كان المكتب عبارة عن صالون كبير ربما تجاوز طوله عشرة أمتار.
ما إن انصرف العسكري وأغلق الباب حتى طلب مني رئيس الفرع أن أجلس، مشيراً إلى إحدى «الكنبات» القريبة من طاولة مكتبه. وبعد ذلك افتتح حديثاً عن الأوضاع الأمنية في البلد و «مؤامرة الأخوان المسلمين المدعومين من قبل الولايات المتحدة والجاسوس أنور السادات وجاسوس الأردن ( حسين) و مجرم بغداد ( صدام حسين)، وحتى من قبل حزب الكتائب اللبناني الذي يسمون أعضاءه بالنصارى الكفار، ومع ذلك يتعاونون معه...إلخ».
كان عرضاً سياسياً وأمنياً نموذجياً معروفاً، ولم يكن فيه حرف واحد غير صحيح، كما أثبتت الوثائق الغربية والشرقية التي أفرج عنها لاحقاً فيما يخص «الأخوان المسلمين» وعلاقاتهم المالية والسياسية الخارجية، وفيما يخص تاريخ صدّام حسين و الملك الأردني وتجنيدهما من قبل وكالة المخابرات المركزية في خمسينيات القرن الماضي، وفق عشرات الوثائق التي أفرجت عنها واشنطن اعتباراً من العام 2003. لكن مشكلتي، ومشكلة الآلاف أو الملايين غيري، لم تكن هنا، بل في مكان آخر لا يريدون أن يروه أو يعترفوا به. ولأنهم لم يروه ولم يعترفوا به في أي يوم، كان محتماً أن نصل إلى ما أصبحنا عليه اليوم : تحويل سوريا إلى إمارة «جولانية» يحكمها تنظيم «القاعدة» وجاسوس سفّاح أشرفت المخابرات البريطانية على صنعه منذ صيف العام 2011 على الأقل. باختصار: لم يكونوا يقبلون من الناس أن يكونوا سوى «أجراء لا شركاء»، ولهذا نحن هنا اليوم...في نهاية الربع الأول من القرن الواحد والعشرين، دولة تحكمها عصابة من الجواسيس وقطّاع الطرق والرؤوس وشذّاذ الآفاق! وهو ما كان عصياً على أي سوريّ أن يراه حتى في أسوأ كوابيسه وأكثرها إثارة للرعب!
خلال حديثه لم يتردد تيسير قوشجي في الإشارة إلى يده الملفوفة بالشاش أو الجِبْس والقول :«شوف يا نزار، هي بسبب هدول العرصات»! سألته :«هل اعتدوا عليك»؟ قال بأنفة وتحدٍّ :« لا، فشروا. هدا بسبب ضربي لهم إلى أن شُفي غليلي منهم . انكسرت إيدي على رؤوسهم ورقابهم! قبل بضعة أيام اختطفوا ابن أخي، وهو طفل في المدرسة الابتدائية، وأخذوا يتصلون بوالده من أنفاق الكابلات الهاتفية في حماة ويطلبون منه ترك الخدمة في الدولة مقابل إطلاق سراح ابنه. هل سوى المجرمين والقتلة والعملاء يمكن أن يفعل ذلك»!؟
لم يقل لي من أخوه، ولكني علمت لاحقاً أنه يقصد محافظ حماه ، اللواء محمود قوشجي،الذي ذكرته أعلاه.
كانت الساعة تجاوزت الحادية عشرة ليلاً، كما لاحظتُ من ساعة كبيرة معلقة على الجدار المقابل لي، حين قال: «باعتبارك طالب بكالوريا شاطر ومجتهد، وممكن تكون شاعر كبير بالمستقبل متل نزار قباني[ قالها مع ابتسامة وغمزة بإحدى عينيه!] وما بدنا نخرب مستقبلك، رح نحاول نرجعك لمدرستك بأقرب وقت، وما بدنا منك شي غير أنك ما تقرّب من هدول العرصات (الأخوان) ومن جماعة رياض الترك، وأنك ما ترجع تكتب هيك شعر مرة تانية. ما عندك حبيبة تكتب فيها شعر يا نزار؟ الواحد بعمرك بيكتب شعر لصبية بحبها أو لبنت الجيران، مو قصيدة بيسب فيها رئيس الدولة ويشبّهه بالدود»! وختم حديثه بسؤالي عما إذا كنت أريد شيئاً ما محدداً قبل أن يعيدني إلى مهجعي؟
طلبت منه شيئين: أن ينقلني إلى مكان آخر، لأني لم أشعر بالراحة حيث وضعوني عندما وصلت، عازياً السبب إلى الإكتظاظ وعدم نظافة المكان،وليس إلى شيء آخر؛ وأن يوفر لي كتب الرياضيات والفيزياء والكيمياء الخاصة بالثالث الثانوي.
قال: «ما في عنا مكان الآن إلا منفردات ( زنازين انفرادية)، وهدا مو مناسب لواحد متلك. وبالنسبة للكتب،ليس هناك إمكانية لتأمينها، لكن إذا حضر واحد من أهلك لزيارتك، سنسمح له بإدخالها. ولو أني بعرف طالب قريب مني بصفك، أنا كنت جبتلك اياها بنفسي. على كل حال، انشا الله ما بتطول عنا كتير وبترجع لمدرستك بأقرب وقت».
قلت له، وقد أصبح لدي رغبة قوية بأن أن أنفرد بنفسي، خصوصاً بعد جلسة «التحقيق الشرعي» التي خضعت لها عند «أبو عمر»: أنا أحب أن أكون وحدي طوال فترة بقائي هنا. هذه رغبتي. فإذا سمحت ضعني وحدي.
هز رأسه وحرك يده اليسرى بما يوحي أنه وافق على طلبي،وضغط زر جرس أمامه ليدخل العسكري نفسه الذي كان أحضرني إلى مكتبه، قبل أن يقول له : «رجعه لتحت وحطه بالشرقي وحده، وأنا هلاّ بفهّم الضابط المناوب شو المطلوب»(المقصود بالشرقي«الجناح الشرقي» في سجن الفرع، وهو في معظمه زنازين انفرادية واسعة نسبياً، تتسع لشخصين، ويوضع فيها من له وضع خاص. وفي إحدى زنازين هذا الجناح (الزنزانة رقم 54) سيحل رياض الترك بعد بضعة أشهر(28 أكتوبر 1980) تحت اسم محمود موسى، وسيبقى فيها حتى أواخر أيار/مايو 1998. وفي حمّامات هذا الجناح سأجتمع به، بينما كان يغسل صحناً من الخوخ، حوالي عشر دقائق أو ربع ساعة، بفضل العميد عمر شرق، خلال اعتقالي الرابع وبعد إعادتي من «سجن تدمر» صيف العام 1993. ولكن هذه قضية أخرى.
֎֎֎
كان من الواضح أنهم يستكملون تحقيقاتهم ليتأكدوا من أنه ليس لي علاقة تنظيمية مع «الأخوان المسلمين». أما علاقتي التنظيمية مع «حزب الترك»، فمن الواضح أنه لم يكن لديهم أية معلومات ذات قيمة بشأنها، باستثناء علاقتي الخيطية مع ابن قريتنا عبد الكريم عيسى، الذي كان معروفاً للسلطة ككادر حزبي منذ عشر سنوات على الأقل، قبل أن يحصل الانشقاق في الحزب الشيوعي السوري وينشطر إلى نصفين («جناح خالد بكداش» و«جناح رياض الترك»). فما ضبطوه بحوزتي من مطبوعات كان يخص مروحة واسعة من القوى السياسية، السورية والفلسطينية،يساراً ويميناً؛أي أشبه بمكتبة تضم مطبوعات من شتى الأصناف. وكل ما ركزوا عليه في تحقيقاتهم هو كتب «ابن تيمية» و «محمد بن عبد الوهاب» ومجلة «النذير» وكيفية حصولي عليها. فأجبتهم بأن الكتب حصلت عليها من مدرّس التربية الإسلامية على سبيل الإعارة، أما المجلة فعثرت عليها بالمصادفة على مدخل «جامع النوري» في مصياف حين كانت ذاهباً لأداء صلاة الجمعة!
ولعل الأهم من ذلك كله ، وما ساعد في عدم اهتمامهم بأمر صحيفة «نضال الشعب»، هو أن «حزب الترك» لم يكن أصبح في خندق المعارضة المطلقة والجذرية تماماً، وبالتالي لم تكن حملة الاعتقالات قد طالته بعد،ولن تطاله إلا بعد ستة أشهر على ذلك (اعتباراً من شهر أيلول / سبتمبر 1980 والشهر الذي تلاه، حين وضع بيضه كله في سلة الأخوان المسلمين وراهن عليهم وعلى مجازرهم في إسقاط النظام)، باستثناء القيادي النقابي في الحزب، عمر قشاش، الذي اعتقل مطلع العام 1980 لبضعة أيام قبل أن يجري إطلاق سراحه حاملاً رسالة شفهية إلى رياض الترك من علي دوبا، كما أخبرني هو نفسه بعد أكثر من عشرين عاماً على تلك الواقعة، حين جاء على رأس وفد يضم العشرات من أهالي حلب و وجوهها الثقافية والاجتماعية، ومن بينهم د. عبد الرزاق عيد، لتهنئتي بإطلاق سراحي في أيار / مايو 2001 بعد اعتقالي الرابع الطويل. ولعل صغر سني (أقل من 18 عاماً) هو ما جعلهم يتجنبون إعطاء قضيتي بعداً أمنياً خطيراً، وإنما التعاطي معها كـ «حالة فردية معزولة تتعلق بطالب مدرسة طائش»! مع ذلك، كان العامل الحاسم في إطلاق سراحي هو تدخل العميد توفيق ماجد جلول، أخ أبي من الرضاعة وقائد «اللواء 81» في الفرقة الثالثة، لدى رئيس شعبة المخابرات علي دوبا، بضغط من جدتي/والدته،رغم أنه دأب منذ ذلك الحين حتى اليوم على وصفي بـ «العكروت»، ولم ألتق به ولو لمرة واحدة منذ خريف العام 1982 حين زرته آنذاك في مكان انتشار لوائه في «جديدة يابوس» قرب الحدود اللبنانية بعد ثلاثة أشهر من مشاركته في «معركة السلطان يعقوب» المُشرّفة في جنوب لبنان، وكنت أنا خارجاً للتو من حصار بيروت! (سبق أن تحدثت عن ملابسات تدخله في وقت سابق هنـــا).
كانت فترة الأشهر الأربعة التي قضيتها معزولاً في «المنفردة» فرصة للتأمل والتفكير في كل شيء ومراجعة الكثير من الأفكار السياسية والدينية. إلا أن الحسم سيتأخر إلى وقت لاحق، حين سأصبح طالباً في السنة الأولى بكلية الاقتصاد في الجامعة الأميركية في بيروت، مستفيداً من المنحة التي حصلت عليها من «مؤسسة رعاية أسر الشهداء والجرحى» في «منظمة التحرير الفلسطينية»، باعتبار أن خالي كان أصبح من «شهداء الثورة الفلسطينية»، بعد اغتياله في 22 نيسان / أبريل 1980 بينما كنت لا أزال في زنزانتي.
أطلق سراحي يوم الثلاثاء 6 أيار/ مايو 1980، المصادف «عيد الشهداء» في سوريا، والذي ألغاه مؤخراً الجاسوس السلجوقي- الإسرائيلي - البريطاني «أبو محمد الجولاني» بطلب من مشغليه الأتراك في سياق الدور المسند إليه لمحو التاريخ الوطني السوري وكل ما يذكّر السوريين بالتاريخ الإجرامي للعثمانيين. ورغم أنه كان يوم عطلة رسمية، إلا أن ماكينة الدولة وأجهزتها، لاسيما الأمنية منها، كانت تعمل بطاقتها كلها حتى خلال الأعياد الرسمية، نظراً للوضع الأمني المتفجر في سوريا كلها نتيجة لأعمال الاغتيالات والتفجيرات التي كانت تقوم بها جماعة «الأخوان المسلمين» وذراعهم العسكرية الإرهابية «الطليعة الأسلامية»، بتوجيه من مشغليهم في وكالة المخابرات المركزية والأردن وتركيا والعراق. ونظراً لأني كنت لم أزل قاصراً بالمعنى القانوني، أحضروا أبي لاستلامي والتوقيع على «محضر الاستلام» كما لو أني ... كيس بطاطا!
على الطريق، وبعد أن ابتعدنا عن «المربع الأمني» في منطقة «البرامكة»، واطمأنيتُ منه على أمي وإخوتي والجميع،حاولتُ - بطريقة اعتذارية- أن أشرح له ما جرى معي وأن أبحث عن مبررات وتفسيرات مقنعة لكل ما حصل. فقد كنت أشعر بالخجل جرّاء ما تسببت به له ولأمي من قلق وإراقة ماء الوجه لفلان وعلان من الناس طوال أربعة أشهر من أجل إطلاق سراحي. لكنه قاطعني ورفض الاستماع وقال :«اقلب الصفحة فوراً! أنا سألتك ليش كانوا معتقلينك؟ بس اسألك جاوبني. أنا ما بتهمني خياراتك السياسية. هي حريتك الشخصية. انشا الله تروح تقاتل مع حسني عابو(5)! كل يلي بهمني أنك تاخد البكالوريا بتفوّق ، وتكمل دراستك، وبعدين إذا بتصير قاطع طريق ما رح اسألك ليش وكيف»! وقد رحل عن هذا العالم بعد اعتقالاتي الأربعة دون أن يسألني ولو مرة واحدة عن أسباب وحيثيات أي منها. لكنه كان يعلم بالتأكيد كل شيء عنها من مصادره الخاصة ومن وسائل الإعلام، وكل ما كان يهمه هو وضعي الصحي. فقد كان رقيقاً ورهيفاً لا يستطيع مغالبة دمعته أمام أي موقف عاطفي، بخلاف أمي الأكثر صلابة؛ إلى حد أنه لم يزرني ولا مرة واحدة خلال فترة اعتقالي الأخير التي طالت عشر سنوات. وحين كانت أمي تحاول إقناعه بتغيير رأيه، كان جوابه الوحيد:«ما بقدر شوفه سجين حتى لو بقي خمسين سنة بالسجن، خصوصاً بعد ما صار معطوب وعاجز. ويوم حبسوه أول مرة ما كنت رحت سألت عنه لولا أنه كان طالب بكالوريا وقاصر»!
بعد أن استرخى الحديث قليلاً، وشعر أني أستطيع مواجهة الصدمة، قال: «بدي خبرك خبر مزعج، وبدي اياك تكون رجّال متل العادة. خالك نصر ... البقية بحياتك. اغتالوه بجنوب لبنان قبل شي أسبوعين وشيعوه ببيروت ودفنوه بمقبرة الشهداء بمخيم شاتيلا، لأنه الجماعة هون [النظام] رفضوا يسمحوا بإدخال جثمانه. ومع ذلك جورج حبش ورفاقه عم بحاولوا مع أصحابهم اليمنييين [قادة اليمن الجنوبي] يحصلوا على موافقة بإدخال جثمانه».
لم أستطع مغالبة دمعتي؛ فقد شعرت بأني انكسرت، لأني خسرت من كان أقرب إلى نفسي كما يكون الخال عادة في بيئتنا الشرقية؛ وشعرت بأن كل ما كنت أخطط له وأمنّي النفس به، لاسيما الذهاب إلى بيروت والدراسة تحت رعايته، قد تبخر. وبعد حوالي أسبوعين تمكن عبد الفتاح اسماعيل فعلاً (رغم أنه كان يحزم أمتعته للمغادرة إلى موسكو نهائياً بعد «الانقلاب الأبيض» الذي قاده المجرم علي ناصر محمد في 21 أبريل 1980 بتحريض من السوفييت)، من إقناع نظام الأسد بتغيير رأيه. وفي 18 أيار/ مايو أعادوا استخراج جثمانه وتشييعه في سوريا، مروراً بمدينة مصياف، بناء على رغبة أصدقائه فيها، لاسيما نزار شمسين؛ فهو قضى جزءاً من فترة دراسته في تلك المدينة، يوم كانت أمي وأسرتنا كلها لا تزال تعيش هناك. ورغم أني كنت خرجت للتو من اعتقالي الأول، كنت حريصاً على تأبينه بنفسي، وبلغتي الخاصة، عند مقبرة القرية وسط حشود الناس، بمن فيهم عسس السلطة المندسين بينهم، قبل أن أستعد لامتحانات الثانوية العامة التي لم يكن بقي عليها سوى حوالي أسبوعين. وكان عليّ أن أهضم المنهاج خلالهما!
֎֎֎
طلاق بائن بينونة كبرى:
بعد الانتهاء من تشييع خالي وانتهاء فترة الحداد، كان عليّ أن أعود إلى مصياف من أجل امتحانات الثانوية التي كان موعدها يقترب بسرعة، ومن أجل مراجعة بعض الأساتذة في بعض المواد المحورية كالرياضيات والفيزياء والكيمياء..إلخ. أما المواد النظرية (اللغة العربية والتربية الإسلامية) فلم يكن ثمة حاجة لمراجعتها، لأني كنت سأحصل على العلامة التامة فيهما ، سواء درستهما أم لا، وهو ما حصل!
فور معرفة أساتذتي بعودتي من خلال مدير الثانوية نبيه ملحم، تنادى عدد منهم لتشكيل «خلية أزمة» على وجه السرعة من أجل مساعدتي على مراجعة المقررات الأساسية للمنهاج بطريقة مكثفة. ولأن طلاب الثالث الثانوي كانوا توقفوا عن المجيء إلى المدرسة، ودروسهم فيها توقفتْ(وهو تقليد كان يحصل في سوريا قبل الامتحانات ببضعة أسابيع)، اتفق هؤلاء المدرسون على مراجعة المواد الدراسية معي على طاولات «منتزه الوراقة» في إطار برنامج مكثف من خمس ساعات يومياً،كما لو أني في المدرسة، من أجل تعويضي ما فاتني خلال الأشهر الأربعة في السجن. وكانت «الخلية» مؤلفة من: أستاذ الرياضيات أحمد عدوان، تُعاوِنه أحياناً آسيا أبو حمود، مدرّستي سابقاً في مادة الرياضيات يوم كنت من طلابها في «إعدادية أبي ذر الغفاري»؛ مدرس الفيزياء ( رغم وضعه الصحي السيء) حسن درويش /«أبو عزّام» ؛ مدرّسة الكيمياء عائدة بربارة، التي كان لا يزال لديها التزامات في «إعدادية أبي ذر الغفاري»، وكانت تأتي أحياناً من قرية «عين حلاقيم» البعيدة عن المدينة 13 كم؛ مدرّس اللغة الإنكليزية كامل وهبة/ وهبي. وبعد 21 عاماً سأتذكر شجاعة هؤلاء ونبلهم وشهامتهم حين سأخرج من اعتقالي الرابع الطويل في 6 أيار / مايو 2001 لأفاجأ بأن طبيبة العيون في اللاذقية،الروائية هيفاء بيطار، ترفض استقبالي إسعافياً في عيادتها رغم أني كنت مُهدَّداً بالعمى النهائي نتيجة شبه «مُوات» في العصب البصري و«مخاريط الشبكية Retinal Cones»، الناجم بدوره عن حرماني من رؤية الضوء الطبيعي طوال عشر سنوات من اعتقالي في زنزانة انفرادية! لكن هذا لن يمنع هذه المنافقة الرخيصة ، كلبة الإعلام السعودي والقطري اليوم ، من ادعاء «المعارضة» بعد العام 2011، فأثبتت أنها «امرأة من طابقين» فعلاً... كما بطلة روايتها التي حملت العنوان نفسه! وكان الأغرب من تصرفها هذا أنها أبلغت السلطة («الفرع 223»/فرع المخابرات العسكرية في اللاذقية) بما قامت به، لكأنما أرادت مكافأة منهم على ذلك!
الأمر الآخر الذي كان عليّ القيام به هو التواصل مع مسؤولي التنظيمي في الحزب، صانع الأحذية «الضوّا». وفي أول لقاء عرض عليّ نسخة من «بيان التجمع الوطني الديمقراطي» الذي كان صدر في 18 آذار/ مارس1980، حين كنت لم أزل في السجن. وكان حزبـ «نا» توصل في كانون الأول/ ديسمبر السابق، برعاية المخابرات العراقية و عميل وكالة المخابرات المركزية و«الموساد»،نزار حمدون،إلى تشكيل ائتلاف للمعارضة السورية بالاسم المذكور(6).
قرأت البيان في «دكانة» أحذيته خلال عشر دقائق. ورغم أني كنت لم أزل غراً، وصاحب تجربة سياسية متواضعة جداً، كانت فطرتي كفيلة وحدها بأن تجعلني أرفضه، وأرفض توزيعه بالتالي. صحيح أني كنت مؤيداً لمعظم المطالب التي وردت فيه، إلا أنني لم أقبل صمته التواطؤي التام عن الجرائم والمجازر التي كانت تقترفها عصابة «الأخوان المسلمين» الإرهابية. فقد خلا البيان ولو من حرف واحد يتعلق بذلك، إلى حد أنك لو محوت تاريخ صدوره وأعطيته لشخص آخر كي يخمّن الفترة التي كتب فيها، لكان مستحيلاً عليه معرفة ذلك! وبعد سنوات طويلة سيضع القيادي السابق في الحزب،الكاتب المعروف الآن على نطاق واسع، والسجين السابق، محمد سيد رصاص، هذا البيان وبقية مواقف الحزب الأخرى في سياق «الحقد الذي كان دائماً هو المرشد الوحيد لزعيم الحزب رياض الترك في اتخاذه مواقفه»، رغم معرفة الترك من معلمه (آنذاك)، لينين، قبل أن يصبح معلمه ديك تشيني، وزير الدفاع الأميركي، بأن « الحقد أسوأ مرشد في السياسة»!
صحيح أني لم أبلّغ رفيقنا «الضوّا» بأني قررت ترك الحزب، لكن الأمور سارت بشكل تلقائي وعفوي في هذا الاتجاه، لأسباب ذاتية وموضوعية. فبعد بضعة أسابيع تقدمت إلى امتحانات الثانوية. وحين صدرت النتائج بعد حوالي شهر على ذلك، تبين أن مجموعي العام (160) لم يكن يؤهلني لدرسة الطب أو الهندسة، وفق رغبة والدي الجامحة. ولأني رفضت إعادة الثانوية من أجل مجموع أفضل، كما كان يرغب، حملت حقيبتي وتوجهت إلى بيروت، التي سأبقى فيها حتى العودة إلى سوريا في 29 أيلول/ سبتمبر 1982، بعد خروج جنود الاحتلال الإسرائيلي من «بيروت الغربية» في ذلك اليوم، باستثناء أربعة أشهر قضيتهما في مقر جهاز أمن «قوات الصاعقة» في «كفر سوسة» جنوب دمشق، بعد أن جرى اختطافي من أمام مدخل الجامعة الأميركية في بيروت، فور خروجي من إحدى محاضراتي، من قبل اثنين من مخابرات النظام المنتدبين للخدمة في المنظمة الفلسطينية المذكورة(النقيب مصطفى النيحاوي،ابن قرية «المحروسة» في ريف حماة، و جهاد سليمان، ابن قريتنا!!). وقد تسببت هذه القضية بمشكلة كبيرة بين المخابرات العسكرية السورية و «الصاعقة»، ليس من أجلي أنا ، ولكن لأن قصتي كشفت أن المنظمة المذكورة كانت تختطف الناس من لبنان وتدخلهم إلى سوريا عبر «الخط العسكري» دون معرفة النظام!!
وهكذا كان مقدراً لي أن «أشهد» من «برج البراجنة» المجاور، حيث كنت أقيم، مجازر « مخيّمي صبرا وشاتيلا» في 16 – 18 من الشهر نفسه، بعد أن شاهدت تنفيذ حكم الإعدام بالجاسوس السفاح بشير الجميل على يد حبيب الشرتوني، الذي تجهد اليوم عصابات الجاسوس «الجولاني» في البحث عنه في سوريا لتسليمه إلى لبنان . لكن هذا فصل آخر من القصة.
* مشفى كرويدون الجامعي / لندن ـ حزيران / يونيو 2025
ــــــــــــــــــــــــــ
(1) ـ بعد سقوط النظام ، وطبقاً لمعلومات شبه مؤكدة، أقدمت عصابات الجاسوس «الجولاني» على السماح للإسرائيليين والأتراك بشحن كميات هائلة من وثائق «المكتب 489» ، على غرار ما حصل بوثائق وزارة الخارجية و أجهزة الدولة الأخرى،المدنية والعسكرية والأمنية، التي جرى شحنها إلى تركيا وإسرائيل. وهنا سأكشف للمرة الأولى أن متعلقات الجاسوس «كوهين» (حوالي 2500 وثيقة)، التي سلمها «الجولاني» لـ «الموساد» في أيار /مايو 2025 كانت محفوظة في هذا المكان!
(2) ـ أصبح يحي زيدان في وقت لاحق نائباً لرئيس فرع المنطقة / فرع دمشق في المخابرات العسكرية، هشام الاختيار! وفي هذا الفرع الأخير كان زيدان مسؤولاً عن تزييف صور زوجات وأمهات وبنات المعتقلين بطريقة «الفوتومونتاج» (تركيب رؤوسهن على أجساد بنات هوى من مجلات البورنو) من أجل ابتزازهم بها وإرغامهم على الإدلاء باعترافات كاذبة. وقد استخدم هذا الأسلوب الدنيء معي أنا شخصياً في العام 1992، كما كتبتُ قبل حوالي عشرين عاماً هنـــا.
(3) ـ كشفت تحقيقات شعبة المخابرات العسكرية مطلع الثمانينيات أن رئيس «اتحاد غرف التجارة» بدر الدين الشلاح كان يجمع من التجار السوريين زكاة أموالهم ( 2.5%) لصالح الأخوان المسلمين. وقد أخبرني الكاتب الراحل، الدكتور أحمد الحاج علي،الذي طلبت منه القيادة القطرية تحرير كتاب «الأخوان المسلمون، نشأة مشبوهة وتاريخ أسود» بأجزائه الثلاثة كلها، والذي لم يحمل اسمه كمحرر لأسباب أمنية، أن السلطة عمدت خلال مراجعتها لمخطوطة الكتاب إلى حذف ما يتعلق بقصة الشلاح، رغم أن الحاج علي حرّر الكتاب استناداً إلى محاضر التحقيق مع معتقلي الأخوان واعترافاتهم والوثائق التي ضبطت في أوكارهم، والتي وضعتها السلطة بتصرفه من أجل تحرير الكتاب. أما الشلاح نفسه فكان خلال ثلاثينيات القرن الماضي «الممثل التجاري» لـ «الكتلة الوطنية»، لاسيما الجاسوس شكري القوتلي وبقية الجواسيس الآخرين، في عمليات بيع الأراضي السورية شمال فلسطين ( مرج ابن عامر، سهل الحولة..إلخ) ،فضلاً عن الأراضي السورية في ريف دمشق الجنوبي وريف درعا وريف القنيطرة، إلى «الوكالة اليهودية» و«الصندوق القومي اليهودي». وكانت عائدات البيوع تُحوّل إلى حسابات خاصة بهم في فرع «البنك البريطاني - الفلسطيني» في بيروت ( الذي أصبح «بنك ليئومي» الإسرائيلي لاحقاً بعد تأسيس الدولة!). وفي العام 1990 نشر الشلاح مذكراته، كاشفاً أنه كان رئيس «محفل ابراهيم الخليل» الماسوني في دمشق، الذي أغلقته السلطة في العام 1965. لكنه تجنب الإشارة إلى علاقاته مع الحركة الصهيونية و «الوكالة اليهودية»، مدعياً (ص 211) أنه «حرق مذكراته السياسية في العام 1966، تفادياً لأي سوء تفسير من قارىء هذه المذكرات»! وكان يشير بذلك، بطبيعة الحال، إلى أنشطته الجاسوسية، فقد كان لديه ممتلكات وشركاء من عصابات «الهاغاناه» منذ العام 1927 وحتى العام 1948 على الأقل وفق وثائق ألمانية وسورية رسمية حصلت عليها حين كنت أعد كتاب «دمشق الصهيونية 1920-2020».
(4) ـ نشرت في العام 1991 تحقيقاً تاريخياً بعنوان « جبال النزاريين، لا النصارى ولا النصيريين..» عن اسم «جبال النزيرينورم Nazerinorum » ، الذي أورده المؤرخ الهليني - الروماني بليني الأكبر في كتابه «التاريخ الطبيعي» الذي كتبه في القرن الأول الميلادي. ومن المعلوم أن هذا المصطلح دوّخ المستشرقين الذين لم يعرفوا معناه. وقد أثبتُ أنه يعني حرفياً «جبال النزاريين»، نسبة إلى قبيلة «بني نزار»( بأفخاذها / بطونها المختلفة لاسيما «ربيعة») التي سكنت الجزء الجنوبي من جبال الساحل السوري وحمص وشمال لبنان الحالي منذ القرن الثالث قبل الميلاد على الأقل.
Nizar Nayouf: The Mountains of the Nizaris, Neither of the Nazarenes nor of the Nuṣayriyah -A historical investigation on the foolish Orientalist understanding of Pliny’s «The Syrian coastal mountains of Nazerinorum» (cahiers of the Levant, Sept.1991).
(5) ـ كان حسني عابو يومها أحد أشهر نجوم الأخبار في سوريا، نظراً لأنه كان أحد قادة الجناح العسكري التابع للأخوان المسلمين، ومسؤولاً عن منطقة حلب. وكان اعتقل في أيلول / سبتمبر 1979 قبل إعدامه على خلفية الاغتيالات والتفجيرات التي قام بها، لاسيما مشاركته في تدبير «مجزرة كلية المدفعية».
(6) ـ ستكشف الوثائق الغربية لاحقاً أن نزار حمدون كان على تواصل مع وكالة المخابرات المركزية و «الموساد» الإسرائيلي نفسه، لاسيما بعد أن وقع العراق تحت الحصار الدولي على أثر غزو الكويت في العام 1991. ويومها ، كما كشفت صحيفة الغارديان البريطانية (21 مايو 2000) طرح على ضباط «الموساد» فكرة «مساعدة الحكومة العراقية في نقل اللاجئين الفلسطينيين في لبنان لتوطينهم في العراق، مقابل أن تساعد إسرائيل على رفع العقوبات عن العراق». وقد شارك المأفون رفيق الحريري في هذه الاتصالات.


















No comments:
Post a Comment
Note: only a member of this blog may post a comment.