Tuesday, 29 September 2026

 

ثلاثون عاماً من البحث عن الشخصية المجهولة «غاريس ذوقان حاطوم»:

في الذكرى الستين لـ «مؤامرة سليم حاطوم»: وثائق ومعلومات يكشف عنها للمرة الأولى في تاريخ سوريا الحديث وتنسف القصة المتداولة من جذورها

( تحقيق بدأ من هامش صغير في كتاب مجهول، وكلفني أكثر من 30 عاماً  من البحث في أراشيف «الوكالة اليهودية» و جهاز «شاي» في «الهاغاناه» و وزارة الخارجية الإسرائيلية و الوثائق الألمانية)(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــ

ـ كان للرائد «سليم حاطوم» شقيق برتبة مقدم في المخابرات العسكرية الإسرائيلية اسمه الحركي«غاريس» واسمه الحقيقي «أنيس»،وهو القائد الفعلي لمؤامرة شقيقه بتوجيه من رئيس الموساد «مئير عاميت» ورئيس الاستخبارات العسكرية «أهارون ياريف» وبمساعدة مدير المخابرات الأردنية،العميل الأميركي-البريطاني - الإسرائيلي «محمد رسول الكيلاني»، الذي كان يرتب اللقاء السرية في الأردن!

- شركة نفط العراق البريطانية IPC مولت «المؤامرة» بمعرفة «حافظ الأسد» من أجل الضغط على قيادة «23 شباط» في المفاوضات بينها وبين حكومة «يوسف زعيّن»!

-  الشركة حولت الأموال من «بنك الرافدين» إلى فرعه في عمان باسم وزير الداخلية الأردني « وصفي ميرزا».

ـ المتآمرون ورعاتهم الإسرائيليون والأنغلوسكسون شكلوا حكومة سرية في المنفى تضم كلاً من : صلاح البيطار (رئيساً للجمهورية)؛ عزة النص (رئيساً للوزراء)؛ حافظ الأسد  (أو محمد عمران) وزيراً للدفاع؛ ـ نبيل يوسف شويري  (زيراً للثقافة)؛ ـ ناصر سابا (وزيراً للإعلام )؛ ـ نسيم سفرجلاني (أو أحمد أبو صالح) وزيراً للعدل؛ ـ خالد الحكيم وزيراً للصناعة؛ ـ منصور الأطرش (وزيراً للزراعة)....إلخ

- قيادة «23 شباط» («الأتاسي» ، «زعين» ، «جديد»،«الأسد» ....) أخفت قصة «غاريس/ أنيس حاطوم» عن باقي أعضاء القيادة وعن الشعب السوري طوال ستين عاماً!؟ وهذا هو السبب الفعلي لتعذيبه من قبل «عبد الكريم الجندي» قبل إعدامه، والذي جرى إخفاؤه عن الناس حتى اليوم!

ـ حاطوم اعترف لرئيس مكتب الأمن القومي «عبد الكريم الجندي» بأن شقيقاً له كان ضابطاً في المخابرات العسكرية الإسرائيلية «لكن علاقاتهما مقطوعة»، وبأنه استخرج له شهادة وفاة مزيفة  بتاريخ رجعي يعود إلى العام 1948 فور أن أصبح في موقع المسؤولية!

- «عبد الكريم الجندي» للقنصل الألماني - الشرقي العام: أصدرنا أمراً بمحو اسم شقيقه من سجلات النفوس السورية فور أن تلقينا رسالة الرفيق «أولبرخت»... «درءاً للفضيحة وإكراماً لقائد ثورتنا الوطنية سلطان باشا الأطرش»!

ـ «الجندي» يقرر تسليم ملفات «العملاء والجواسيس» منذ الانتداب الفرنسي إلى ألمانيا الشرقية ويطلب من القنصل الألماني بحث الأمر سريعاً مع حكومته «لأننا لا نعرف ماذا تخبىء لنا الأيام، ولأن أحداً ما في موقع المسؤولية قد يقرر إتلافها».

ملحق :

ـ ملف قضية «كوهين» الذي سلمه الجاسوس «الجولاني» للموساد العام الماضي يتضمن عشرات الوثائق التي أخفتها سلطة «أمين الحافظ» وخلفاؤه عن علاقته مع «حاطوم»، بما فيها ... وثائق قضية «غاريس حاطوم»!

ـ آخر برقية أرسلها «كوهين» قبل اعتقاله تؤكد ما كان كشف عنه «عبد الكريم الجندي» خلال زيارته إلى ألمانيا الشرقية صيف العام 1965: «أمين الحافظ أمر بإخفاء ملفات أساسية في قضية كوهين»!

ـــــــــــــــــــــ



هذا التحقيق مأخوذ باختصار من كتاب « «دمشق الصهيونية 1920- 2020، الاختراقات الصهيونية والإسرائيلية للدولة السورية خلال مئة عام»،الذي انتهى منه «نزار» في العام 2020، ولا يزال مخطوطاً.

أنشر منه - بموافقته - هذه المقاطع المختارة المطولة عن قضية «سليم حاطوم»، بمناسبة الذكرى الستين لما يعرف في منطقتنا باسم «مؤامرة سليم حاطوم»، مع توضيحات أضيفت لاحقاً تتعلق بأحداث حصلت بعد الانتهاء من إعداد الكتاب، لاسيما تسليم «الجولاني» للموساد 2500 وثيقة عن قضية «كوهين» يتعلق بعضها بعلاقته مع «حاطوم».

(فيكتوريا)

(*) ـ ملاحظة : هذا التحقيق كان من الفترض أن ينشر ويوضع «أونلاين» منذ 9 سبتمبر، المصادف للذكرى الستين لـ «المؤامرة». لكن مشكلة تقنية حالت دون ذلك حتى اليوم، فقد كان موقع «البلوغر» يرفض تحميل الصور. ولتصفح الصور بالحجم الأصلي، يرجى النقر عليها وعلى الروابط الزرقاء.


ــــــــــــــــــــــــ

هكذا بدأت القصة ... من هامش صغير في كتاب ممنوع وصلني إلى «سجن المزة»:

  في العام 1993، وبعد نقلي من «سجن تدمر» إلى «سجن المزة»، بدأ المحامي والمناضل الكبير منير عبد الله يزورني في السجن من حين إلى آخر ويحضر لي معه بعض الكتب والمجلات العربية والأجنبية والاحتياجات الشخصية الخاصة، نظراً لأن أهلي لم يكن بإمكانهم زيارتي بشكل منتظم، بسبب بعد قريتنا في ريف «جبلة»عن دمشق وتكاليف الزيارات المرهقة بالنسبة لهم،مالياً وصحياً. ورغم أن المحامي في سوريا لا يستطيع زيارة موكله الموقوف في قضية سياسية لصالح المخابرات العسكرية أو غيرها من أجهزة المخابرات بعد صدور الأحكام من قبل «محكمة أمن الدولة»، التي كانت تسمح بتوكيل محامين للمحافظة على «البرستيج القانوني» في وقت كانت الأحكام تُعدّ مسبقاً من قبل «مكتب الأمن القومي» قبل إرسالها إليها لمجرد تلاوتها،إلا أن العقيد النبيل بركات العش، مدير سجن المزة، والذي أدين له بالكثير،بما في ذلك حياتي نفسها بعد محاولة تصفيتي جسدياً بتواطؤ الصحفي الوغد والمجرم ابراهيم حميدي(1)، «طنّش» على هذه المسألة الإجرائية وسمح للراحل منيرعبد الله بأن يزورني من وقت لآخر دون علم شعبة المخابرات، وأن يحضر لي  معه الكتب والمجلات وبعض الاحتياجات الخاصة،متحصّناً بحقيقة أنه كان أحد وكلاء قضيتنا أمام «محكمة أمن الدولة» في العام1992، إلى جانب خليل معتوق و عبد الهادي عباس و نزار الأتاسي وغيرهم)، ثم وكيلي في قضية ابنتي الطفلة بعد أن بلغت 5 سنوات من عمرها، من أجل تنظيم وكالة خاصة لأمها تسمح ببقائها وصية عليها، لأن قوانين نظام البعث الوهابي لا تسمح للطفلة «المسلمة» ببقائها مع أمها «المسيحية» بعد أن تبلغ خمس سنوات، عملاً بشريعة النبي التلمودي القذر محمد بن عبد الله! وكان للراحل منير عبد الله إمكانية الوصول - من خلال سفارة الجزائر بدمشق- إلى كتب ومجلات ممنوع دخولها إلى السوق السورية. فقد كان يحظى باحترام كبير من قبل السلطات الجزائرية المتعاقبة،وكان السفراء الجزائريون المتعاقبون لدى سوريا يتعاملون معه كـ«مواطن شرف جزائري»،نظراً لتاريخه المجيد في دعم «جبهة التحرير الوطني الجزائرية» خلال حرب الاستقلال. فطوال سنوات تلك الحرب كان أحد المسؤولين عن تهريب السلاح وإيصال التبرعات الشعبية إلى الثوار الجزائريين عبر الأراضي التونسية، وهو ما قام به أيضاً في أريتريا وجنوب اليمن لاحقاً.

في إحدى زياراته لي شتاء ذلك العام، وكالعادة،كان محملاً بالكتب والمجلات العربية والأجنبية، وكان من بينها كتاب بالإنكليزية من القياس الصغير بعنوان «الموساد، قصص من الداخل»،صادر في نيويورك في العام 1978 لثلاثة من أشهر الصحفيين الإسرائيليين المتخصصين في القضايا الأمنية والعسكرية، يوري دان (1935-2006)، ضابط الاحتياط السابق في جيش الاحتلال، والمحرر في مجلته الأسبوعية «بَمَخانيه במחנה= في المعسكر» حتى وفاته في العام 2006، وكاتب سيرة السفاح آرييل شارون وصديقه المقرب على مدى عشرات السنين منذ أن خدم معه على جبهة سيناء المصرية. وحين أعطاني منير الكتب والمجلات حرص على أن يلفت انتباهي إلى هذا الكتاب تحديداً، لاسيما هامش الصفحة 106منه، الذي - كما يبدو - لم ينتبه إليه أحد سواه في العالم منذ صدوره قبل ذلك بأربعة عشر عاماً، وربما حتى يومنا هذا، وأنا الآن بفضله!

  رغم أني كنت أنتظر دائماً زيارات الراحل عبد الله بتلهف، فقد كان نافذتي شبه الوحيدة على العالم طوال معظم فترة وجودي في «سجن المزة»،إلا أنني رغبت يومها في انتهاء زيارته بأسرع ما يمكن، فقط لكي أقرأ ما ورد في الصفحة التي نبهني إليها وإلى هامشها!

   ما إن أوصلني السجانون إلى غرفتي حتى فتحت الكتاب على الصفحة المذكورة وبدأت أقرؤها من الأسفل، حيث الهامش الذي يقول:

«لم يكن إيلي [كوهين] ولا أي شخص آخر على علم بأن شقيق [سليم] حاطوم ، غاريس Garis، عاش في إسرائيل كيهودي أرثوذوكسي متشدد. فعائلته انحدرت من الطائفة الدرزية وعاشت في المنطقة الحدودية بين سوريا وإسرائيل. وهكذا كان أحد الأخوين سورياً والآخر إسرائيلياً. وحين سُئل [غاريس] عن شهرة أخيه في سوريا، علق قائلاً : لو ذهبنا إلى الحرب مرة أخرى، آمل بأني لن أكون وجهاً لوجه مع أخي»!

  لم تصدّق عيناي ما قرأتُه، وتسألت: أيُعقل أن يكون للرائد سليم ذوقان حاطوم، الذي ملأت قصته الدنيا وشغلت الناس طوال عشرات السنين، ولا تزال، شقيقٌ «يهودي إسرائيلي»، في الوقت الذي كان عضواً في القيادة القطرية لحزب «البعث» (منذ صيف العام 1965) وأحدَ الفاعين الأساسيين في«حركة 23 شباط1966»، و عضواً في هيئة المحكمة العسكرية التي أصدرت حكمها على صديقه الجاسوس الشهير إيلي كوهين في العام الفائت (1965)، ولا أحد يعلم ذلك حتى اليوم!؟

  بدأت أقرأ الصفحات التي قبلها وبعدها، ثم قرأت الكتاب بشكل دقيق ومنتظم من الصفحة الأولى إلى آخر كلمة فيه، آملاً أن أجد أي معلومة أخرى يمكن أن تكون مفتاحاً لمعرفة حقيقة هذا الأخ «غاريس» أو حتى اسمه الحقيقي؛ ولكن عبثاً! لم يكن في الكتاب كله أي حرف عنه سوى ما جاء في ذلك الهامش الصغير. كل ما في الأمر أن المؤلفين الثلاثة كانوا يعرضون لقصة محاكمة كوهين وكيفية اكتشافه واعتقاله، فأشاروا في الهامش إلى أن عضو المحكمة العسكرية، سليم حاطوم، قائد فوج المغاوير(القوات الخاصة) آنذاك، كان لديه في الوقت نفسه شقيق «يهودي أرثوذوكسي» يعيش في إسرائيل، وأنه يرجو أن لا يكون في مواجهته في ساحة المعركة إذا ما اندلعت حرب أخرى بين سوريا وإسرائيل. هذا كل شيء! ويبدو أن هذا ما سمحت الرقابة العسكرية بنشره، أو أنهم - وهذا هو المرجّح بقوة - لم يكونوا يعلمون عن تاريخه أي شيء،وإلا لكانوا أشاروا إلى ذلك،أو على الأقل ذكروا اسمه الحقيقي، لأن الكتاب صادر بالإنكليزية في نيويورك، حيث لا تملك الرقابة العسكرية الإسرائيلية سلطة حظر النشر، وحيث يلجأ كثر من الصحفيين والمؤرخين الإسرائيليين من أجل نشر كتبهم بالإنكليزية حين تمنع الرقابة العسكرية نشر معلومات أمنية في مطبوعات تصدر في إسرائيل، كما فعلتْ في العام 2004مع المؤرخ العسكري أبراهام رابينوفيتش  حين سحبت كتابه باللغة العبرية «حرب يوم الغفران : المواجهة الملحمية التي غيّرت الشرق الأوسط» وهو قيد الطباعة، بسبب إيراده فقرات من يوميات رئيس الأركان خلال حرب أكتوبر 1973، دافيد إليعازر (دادو)، المحظور نشرها والتي لم يرفع عنها الحظر إلا في العام 2019، فقام رابينوفيتش بنشر كتابه باللغة الإنكليزية في نيويورك (2)!؟

   شيء واحد كان يمكن استنتاجه مما ذكره مؤلفو الكتاب في الهامش اليتيم هو أن «غاريس حاطوم» كان يتحدث قبل إعدام سليم حاطوم ( في حزيران/ يونيو 1967)، وإلا لما كان أبدى خشيته من أن يكون هو وشقيقه في خندقين متقابلين في أي حرب قادمة. بتعبير آخر، كان «غاريس» لا يزال على قيد الحياة في العام 1966 وحتى عدوان حزيران/ يونيو في العام التالي على الأقل، وربما حتى تاريخ نشر الكتاب، كما فكّرتُ حينها. وهذا أكثر ما يهمنا في الأمر، لأنه يرتبط بالأحداث التي ستقع  في 8-9 أيلول / سبتمبر 1966 («مؤامرة سليم حاطوم») و ما تبعها من تداعيات: فراره إلى الأردن ولقاءاته وأنشطته هناك ، و صدور قرار بإعدامه غيابياً من قبل محكمة عسكرية (في 7آذار/مارس 1967) ثم تأكيد هذا الحكم وتنفيذه - فور عودته من الأردن بتوجيهات مشغليه - في 24 حزيران / يونيو 1967بتواطؤ وزير الدفاع حافظ الأسد، الذي خان وعده له بحمايته، كما سنرى وثائقياً للمرة الأولى.

   لم تغب عن بالي إمكانية أن يكون ما جاء في هامش الكتاب المذكور «مدسوساً» لغايات مختلفة، كما حصل ويحصل كثيراً في أعمال أجهزة الاستخبارات، حين تعْمد إلى «دس» معلومة معينة في كتاب أو تقرير صحفي لهدف معين، كتضليل العدو أو إثارة فتنة معينة، أو حتى لادعاء إنجاز زائف أو بطولة زائفة، كما جرى في العام 2018 حين سرّبت«الموساد» معلومة مفبركة إلى بوقها ومؤرخ أنشطتها رونين بيرغمان ادعت فيها أنها هي من أعدم العميد الجاسوس محمد سليمان في طرطوس (آب/ أغسطس 2008)، رغم أن «حزب الله» - كما أثبتُ في تحليل وثائقي من عشرين صفحة نشرتُه بالعربية والإنكليزية قبل 6 سنوات - هو من قام بذلك، بالتنسيق مع رئيس شعبة المخابرات العسكرية،اللواء آصف شوكت، بسبب تورطه في عملية اغتيال عماد مغنية وبيعه معلومات عن صفقة صواريخ «بانتسير» و معلومات أخرى عن موقع دير الزور العسكري (المزعوم أنه «مفاعل نووي»)، الذي دمرته إسرائيل في سبتمبر 2007.

  ولكن كيف كان لي أن أحقق في أمر «غاريس حاطوم» أو أتأكد من تفاصيل هويته وظروف وجوده في إسرائيل وأنا أعيش في السجن بين أربعة جدران معزولاً عن العالم!؟

   حين تعززت علاقتي مع مدير السجن، العقيد النبيل بركات العش، وأصبحت بيننا ثقة متبادلة، وبدأنا نخوض في نقاشات سياسية وتاريخية عامة على مدى ساعات خلال مناوباته المسائية، سألته عما إذا كان لديه - بحكم خدمته العسكرية الطويلة وقراءاته ( فقد كان قارئاً نهماً لكتب التاريخ السياسي النادرة، التي كنت أستعير منه بعضها)- عِلمٌ بوجود شقيق للرائد حاطوم يعيش في إسرائيل أو هارب إليها!؟ لكنه نفى علمه بالأمر، مشدداً على أنها المرة الأولى التي يسمع فيها بالقصة. وتساءل مازحاً أو ساخراً : من أين لك هذه المعلومة وأنت تعيش وحدك بين أربعة جدران!؟ هل رأيت ذلك في الحلم، أم هبط عليك جبريل في غفلة مني، كما كان يفعل مع سيدنا محمد!؟

  تمنيت يومها لو أني حصلت على الكتاب حين كنت لم أزل في «سجن صيدنايا» (في العام 1992)، قبل اتخاذ قرار من «مكتب الأمن القومي» بنقلي إلى سجن تدمر ثم سجن المزة و وضعي في العزل الانفرادي المشدد حتى إطلاق سراحي في أيار/ مايو 2001. ففي صيدنايا كان معنا ضابط معتقل برتبة عميد اسمه اسماعيل نادر، وهو من قرية «ذيبين» التي ينحدر منها سليم حاطوم،وكان بالإمكان أن أسأله عن حقيقة الأمر(3).

  وهكذا كان عليّ الانتظار حتى إطلاق سراحي في العام 2001 ومجيئي إلى أوربا للعلاج كي أبدأ رحلة تحقيق طويلة في القضية، إلى جانب قضايا أخرى كنت بدأت فيها قبل اعتقالي ولم أكملها. ومن أجل ذلك، كان لا بد من الاعتماد على من يمكنه الوصول إلى الأراشيف الإسرائيلية، فلم أجد حولي سوى المؤرخ الصديق آفي شلايم، أستاذ التاريخ في جامعة أكسفورد البريطانية، الذي كان أستاذاً زائراً في «جامعة حيفا»، وعضواً من خارج الجامعة في هيئات تحكيم أطروحات الدكتوراه التي تناقش قضايا الصراع العربي- الإسرائيلي والمجازر التي ارتكبها الصهاينة خلال «حرب فلسطين1948». وغني عن البيان أن شلايم، الذي يعرّف نفسَه بأنه «يهودي عربي من أصل عراقي»، أصبح يُعرف لاحقاً باعتباره مؤسس ظاهرة «المؤرخين الإسرائيليين الجدد»، قبل إيلان بابيه و بيني موريس و سيمحا فلابان وسواهم، وبعد أن سمحت سلطات الاحتلال مطلع الثمانينيات بوصول المؤرخين إلى الأراشيف القديمة المتعلقة بسنوات تلك الحرب وما قبلها. لكني - للأسف - لم أجد في مجموعة وثائقه الخاصة ما كنت أبحث عنه، لأن معظمها كان يتعلق بعلاقة الأسرة الهاشمية مع الحركة الصهيونية منذ الحرب العالمية الأولى، ثم مع إسرائيل،وهو ميدان اهتمامه الأساسي. وحينها لجأت إلى الصديقة والرفيقة الحبيبة، المحامية فيليسيا لانغر،التي كانت «فرّت» من إسرائيل إلى ألمانيا وتخلّت عن جنسيتها قبل سنوات طويلة. فقد كان لا بد من مساعدة أحد ما يمكنه الوصول إلى الأراشيف الإسرائيلية المتاحة والبحث فيها، خصوصاً وأنها كانت كلها تقريباً لم تزل ورقية، ولم يكن المتاح منها أصبح رقمياً . ولم يكن هناك أفضل من فيليسيا للقيام بهذه المهمة، لاسيما وأنه كان لها شبكة أصدقاء وزملاء واسعة النطاق في إسرائيل منذ أن كانت عضواً في المكتب السياسي لـ «الحزب الشيوعي الإسرائيلي» وتعمل في المحاماة والدفاع عن الأسرى الفلسطينيين أمام المحاكم العسكرية الإسرائيلية منذ ستينيات القرن الماضي، قبل «فرارها» من إسرائيل إلى ألمانيا في العام 1990. وكان أحد أسباب فرارها المجهولة للناس هو إقدام أحد ضباط إدارة المخابرات العامة في سوريا،بعد اعتقالي الثالث في العام 1988(من قبل «الفرع 251»التابع للإدارة المذكورة،الذي ضبط مراسلاتي معها)على تسريب معلومات إلى الإسرائيليين حول مساعدتها لي سراً في تحقيقات بشأن بعض القضايا المجهولة التي كنت أعمل عليها وتصنفها إسرائيل باعتبارها «قضايا بالغة السرية والحساسية بالنسبة لأمنها القومي»، لاسيما قضية الأسرى السوريين الذين «اختفوا» بعد أسرهم و«باعهم» النظام البائد(...).

  كان أول ما وجب عليّ التحقق منه هو الاسم الحقيقي للشخص المدعو «غاريس حاطوم»، وما إذا كان موجوداً فعلاً في الحياة وليس اسماً وهمياً!؟ وقد استغرق الأمر أكثر من عامين من الاتصالات والبحث حتى تأكدنا من وجود هكذا اسم عن طريق أشخاص من فرع عائلة حاطوم في بلدة «دالية الكرمل» ومناطق أخرى من «الجليل الأعلى» في «فلسطين 1948» . ومن المعلوم أن العائلة المذكورة فرّت (مع عائلات أخرى) من لبنان إلى فلسطين و سوريا مطلع القرن التاسع عشر بعد مشاركتها في العصيان المسلح ضد حكم الأمير بشير الشهابي الثاني على خلفية الضرائب والجبايات الباهظة التي فرضها الأمير على رعايا إمارته.

   كانت المعلومات الأولى التي حصلت عليها فيليسيا وأرسلتها لي في 24  شباط/فبراير 2004، شحيحة جداً،لكنها مشجعة وواعدة ومتطابقة بين أكثر من مصدر من أبناء «دالية الكرمل» من المعمرين وكبار السن.فقد أشارت- رغم غموضها ومحدوديتها- إلى أن شخصاً في العقد الثالث من عمره يُدعى أنيس حاطوم ذهب من سوريا في عداد «الكتيبة الدرزية» («فوج جبل العرب») من المتطوعين الذين أرسلهم سلطان باشا الأطرش تحت قيادة شكيب وهّاب للمشاركة في حرب فلسطين في إطار «جيش الإنقاذ» بقيادة فوزي القاوقجي، وعاش فترة قصيرة (بضعة أشهر) عند أقربائه في «دالية الكرمل» ثم اختفت آثاره بعد ذلك، فلا تُعرف له عائلة أو أبناء،أو مكان إقامة، وما إذا كان قُتل/ استُشهد مع العرب الآخرين حلال الحرب، أو عاد إلى سوريا أو لبنان بعد الهزيمة العربية،أو انتقل للعيش في قرية «يركا»شمال فلسطين أو قرية «المغر» قرب بحيرة طبريا، وهو المرجح، كما قال بعضهم من المعمرين. وهذا يعني أنه كان من مواليد مطلع أو أواسط العشرينيات، وأكبر من شقيقه سليم ببضع سنوات؟

 ومن المعلوم أن «الكتيبة الدرزية» المذكورة شُكّلت، كما كان يفعل أبناء المناطق الأخرى في سوريا ولبنان،بمبادرة من الضابط شكيب وهاب ، اللبناني- السوري  وأحد أبرز المقاتلين الأشداء في مواجهة الاحتلالين العثماني والفرنسي للبنان وسوريا، والشخص الذي أقدم في العام1921على اغتيال قائمقام منطقة «الشوف» فؤاد جنبلاط،والد كمال جنبلاط وجدّ وليد، بسبب «عمالته هو وزوجته نظيرة للفرنسيين»،كما يُروى عن لسانه. ومع ذلك، كان ثمة إفادات أخرى لبعض أبناء «دالية الكرمل»، و«عسفيا» المجاورة لها، أشارت إلى أن قدوم أنيس حاطوم من سوريا لم يكن للقتال مع شكيب وهاب، ولكن للقيام بمهمة كلفه بها سلطان باشا الأطرش للتواصل مع وجهاء الطائفة الدرزية في فلسطين؟ وأياً كان السبب الحقيقي لذهابه إلى فلسطين، فإن أكثر ما كان يهمني في تلك اللحظة هو التأكد من وجود شخص حقيقي بهذا الاسم في إسرائيل من آل حاطوم السوريين.أما باقي التفاصيل المتعلقة باسمه الكامل ومصيره فسيأتي لاحقاً وتباعاً.

  بعد التأكد من وجود هذا الشخص وذهابه إلى فلسطين، كان عليّ البحث في أراشيف العديد من المجموعات والتنظيمات والعصابات اليهودية-الصهيونية التي نشطت قبل قيام دولة إسرائيل وخلال حرب فلسطين،لاسيما«الوكالة اليهودية» و «الصندوق القومي اليهودي» و«البلماخ» و«الأرغون» و«الهاغاناه» التي كان لديها جهاز مخابرات معروف باسم «شاي ש"י»، وهو اختصار لتعبير «شيروت يديعوت שירות ידיעות »، الذي يعني «خدمة الأخبار». وكان جهاز «شاي»، وهو أخطر تلك التنظيمات وأكثرها فعالية وخبرة، تأسس نظرياً خلال فترة الاحتلال العثماني لبلاد الشام ، ورسمياً في العام 1940 قبل أن يصبح جزءاً من المجموعات التي شكلت النواة الأولى للمخابرات العسكرية الإسرائيلية (أمان)، بعد إنشاء دولة إسرائيل في العام 1948. وقد نشطت هذه المجموعات بشكل محموم في سوريا ولبنان والعراق في تلك الفترة،سواء في مجال تجنيد العملاء والجواسيس من اليهود العرب أبناء تلك الدول أو السياسيين والصحفيين الكبار فيها (لاسيما قيادات «الكتلة الوطنية»)، أو في مجال شراء الأراضي منهم أو بمساعدتهم وتواطئهم، أو في مجال العمليات الإرهابية السرية ضد المجتمعات اليهودية العربية لإرغام أبنائها على الهجرة إلى فلسطين. أما الغاية من البحث في أراشيف تلك المجموعات فهي معرفة ما إذا كان اسم أنيس حاطوم  ورد في وثائقها بأي شكل من الأشكال، وما إذا كان - في حال وجود ذِكر له - هو نفسه «غاريس» المشار إليه في هامش الكتاب أعلاه، والسبب الفعلي لوجوده في فلسطين آنذاك...إلخ.

   كان هذا أمراً بالغ الصعوبة والتعقيد، ليس فقط لأن تلك الأراشيف كانت لا تزال في معظمها ورقية، بل أيضاً لأنها توزعت بين جهات رسمية إسرائيلية مختلفة بعد قيام الدولة اللقيطة في العام 1948. فبعض محتويات تلك الأراشيف كان أصبح من ممتلكات وزارة الخارجية، وبعضها الآخر من ممتلكات «الموساد» و«الشاباك / الشين بيت» والمخابرات العسكرية، التي تقاسمت إرث جهاز «شاي»؛ بينما بعضها الثالث أصبح من ممتلكات وزارة الدفاع (إرشيف جيش الاحتلال)، وحتى بعض الجامعات الإسرائيلية مثل «جامعة حيفا» و«جامعة بار إيلان»، كأرشيف آبا شنيلرאבא שנלר ( آبا خوشيאבא חושי)، وهو أحد أخطر من عملوا مع جهاز «شاي» و «الوكالة اليهودية» في مجال شراء الأراضي ومشروع تهجير الدروز الفلسطينيين إلى جبل العرب بالتعاون مع يوسف العيسمي («أبو شبلي»)، رئيس أركان «الثورة السورية الكبرى» في العام 1925...إلخ. وهكذا كان الأمر أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش ... حتى دون مغناطيس! (...).

  بعد قرابة عامين آخرين(10 آذار/ مارس 2006) وضعتُ يدي، عن طريق الراحلة فيليسيا أيضاً، التي استعانت في ذلك بأحد أساتذة التاريخ الإسرائيليين في «جامعة حيفا» (البروفيسور يوآف غيلبر יואב גלבר)،على أولى المعلومات الموثقة رسمياً في الأراشيف الإسرائيلية، قبل وبعد إعلان دولة إسرائيل. وهذه المعلومات متضمنة في وثيقتين صهيونيتين تشيران - وإن بمضمون مختلف في بعض التفاصيل- إلى شخص «درزي» من «جبل العرب» يدعى أنيس حاطوم قدم من سوريا مطلع العام 1948 على رأس وفد من أبناء طائفته بهدف الاتصال مع المنظمات اليهودية والحصول على مساعدتها والعمل معها.

   تقول الوثيقة الأولى، وهي من أرشيف «شاي»  وتحمل الرقم 105/ 195، إن شخصاً يدعى أنيس حاطوم ظهر فجأة في مستوطنة «شَفِي تسيون שבי ציון» (شمال عكا وجنوب نهاريا) على رأس وفد من «جبل العرب» يضم مهنا حاطوم מאהןא חאטום و فارس دوير פארס דווייר (الأرجح : دويعر؟) الذي يوصف بأنه ملازم سابق في «الكتيبة الدرزية» في «جيش الإنقاذ العربي». وقد ادعى الوفد أنه «موفد من قبل سلطان باشا الأطرش شخصياً بمهمة إبرام اتفاق بين دروز سوريا وإسرائيل، تعمل هذه الأخيرة بموجبه على مساعدة الدروز السوريين مالياً وعسكرياً من أجل القيام بتمرد عسكري ضد سلطة دمشق» التي كان يمثلها يومها رئيس الجمهورية شكري القوتلي ورئيس حكومته جميل مردم بك ، اللذان كانا كلاهما مرتبطين أيضاً بالحركة الصهيونية و «الوكالة اليهودية» ويتمولان منهما.

  أما الوثيقة الثانية،التي تحمل تاريخ 15 أيلول / سبتمبر 1948 والرقم 8 / 2565 ، فهي تقرير رفعه المستشرق ياكوف شيموني יעקב שמעוני (رئيس «القسم العربي» في «الهاغاناه») إلى موشيه شاريت ( شرتوك)، أول وزير خارجية بعد إنشاء دولة إسرائيل ورئيس حكومتها لاحقاً. وعلى خلاف الوثيقة الأولى، تشكك هذه الوثيقة بقوة في أن أنيس حاطوم كان مبعوثاً فعلاً من قبل سلطان الأطرش، الأمر الذي تأكد لهم لاحقاً، حيث تبين لهم أنه مرتزق ومغامر يعمل لحسابه الخاص وبدوافع شخصية،كما يوسف العيسمي (والد العميل البريطاني شبلي العيسمي،أحد مؤسسي وقادة «حزب البعث» ،كما سنرى لاحقاً)(4). ولهذا - كما تقول الوثيقة - فإن استخبارات «الهاغاناه»، «شاي»، ساعدت أنيس حاطوم في الوصول إلى أقربائه في «دالية الكرمل» بعد اجتماع «تحقيقي» معه شارك فيه رئيس القسم العربي في جهاز «شاي»، عزرا دانين עזרא דני، و  مردخاي شخيفتس מרדכי שכביץ  ( رئيس القسم العربي في «الوكالة اليهودية») وأمنون يناي  אמנון ינאי وآخرون(5).  وبعد أن كلفوه بمهمات أمنية/ عسكرية «اختبارية» داخل سوريا في آب / أغسطس 1948 ، حيث قام بعمليات نسف جسور وعبارات ومنشآت يستخدمها «جيش الإنقاذ» العربي في «الجولان»، بالإضافة إلى مكتب تجنيد المتطوعين في دمشق ، وثقوا به وبدأ العمل مع جهاز «شاي» إلى أن حُلّ هذا الأخير ليصبح جزءاً من المخابرات العسكرية (أمان) التي تأسست في ذلك العام والأعوام اللاحقة نتيجة لعدد من عمليات الفرز والدمج بين عدد من الأجهزة التي عملت كمنظمات ملحقة بالعصابات والميليشيات الصهيونية (الهاغانا، البلماح، الأرغون ..) قبل إنشاء دولة إسرائيل؛وكان   إيسر بيري איסר בארי  أول رئيس لها(...). 

    ... ومنذ ذلك الحين اختفت آثار أنيس حاطوم واختفى ذكره نهائياً، ولم أستطع العثور على أي ذكر له في أي وثيقة رسمية إسرائيلية باستثناء واحدة تعود إلى العام 1955، وهي عبارة عن تقرير محفوظ في أرشيف وزارة الدفاع/ أرشيف جيش الاحتلال/برقم 1/ 222 وتاريخ 12 يناير 1955، كان أعده ، لصالح المخابرات العسكرية، المقدم يعقوب تسفي / تسفيا יעקב צבי، التركي الأصل وقائد «وحدة الأقليات» (المعروفة رسمياً باسم «كتيبة السيف:غدود خيرف גדוד חרב» )خلال الفترة 1954 -1956. وفي هذا التقرير يقول تسفي : «لم يبق من (الكتيبة الدرزية / فوج جبل العرب) في وحدة الأقليات سوى ستة أفراد، وهم أنيس حاطوم، الضابط السابق في كتيبة جبل العرب (...)؛ وقاسم سعيد القنطار / رقيب سابق في فوج جبل العرب وصل إلى رتبة ملازم أول في الجيش الإسرائيلي (...)؛ فواز بشير القنطار(...)؛ صالح شاهين البلعوس الذي انتقل إلى الشرطة الإسرائيلية؛ هايل جاد الله عزيز؛ واسماعيل حسن قبلان الذي انضم إلى وحدة ضباط الاحتياط». ومن الملاحظ هنا أن يعقوب تسفي يصنّف أنيس حاطوم كمتطوع في «الكتيبة الدرزية»، الأمر الذي يتقاطع مع تقارير أوردها مؤرخون إسرائيليون، استناداً إلى مصادر في «الهاغاناه» و«الوكالة اليهودية» و أوراق آبا خوشي / آبا شينلر، التي نُقلت لاحقاً إلى أرشيف جامعة حيفا، تشير إلى أنه «انشق» عن «الكتيبة الدرزية» بقيادة شكيب وهاب والتحق بجهاز «شاي» التابع لـ«الهاغاناه» (6).


   ومنذ تقرير يعقوب تسفي المشار إليه اختفت آثار أنيس حاطوم واختفى ذكره نهائياً، ولم يعد ممكناً تتبع حياته الشخصية أو المهنية. ومن الواضح أن السبب الأساسي لذلك هو تغيير مكان إقامته وتغيير اسمه وديانته ، ليصبح غاريس خاتوم  גאריס חאטום ، كما سنرى في وثائق ألمانية يكشف عنها للمرة الأولى. ومن المرجح أنه استخدم اسم غاريس، أو اختير له من قبل مشغليه،لأنه يرتبط باسم «كفار آريس כפר עריס» الآرامية/الرومانية القديمة التي تعني حرفياً«قرية العريش/قرية كرمة العنب»، التي أصبحت أطلالاً، والتي تقع على بعد بضعة كيلومترات من «صفورية» في «الجليل الأدنى» بشمال فلسطين المحتلة. وقد ذكرها الضابط والمؤرخ الروماني اليهودي فلافيوس يوسيفوس بالصيغة اليونانية «غاريس Γάρις» في أماكن مختلفة من كتابه «الحروب اليهودية» باعتبارها مستوطنة يهودية ومقراً لعملياته العسكرية ضد الرومان في «الجليل الأعلى». ولهذا رجّحتُ أن أنيس حاطوم، وبعد اختفائه من «دالية الكرمل»، وفق ما جاء في شهادة بعض أهاليها، الواردة في رسالة فيليسيا أعلاه، ذهب بعد اعتناقه اليهودية ليعيش في إحدى المستعمرات الإسرائيلية القريبة من بحيرة طبريا حيث كان ينشط ويعمل لصالح جهاز «شاي» قبل قيام دولة إسرائيل. ومن اللافت - بالمناسبة- أن سيرة حفيد الأمير عبد القادر الجزائري، رزاق سعيد عبد القادر الجزائري (1914-1998) تشبه إلى حد بعيد سيرة أنيس حاطوم، سوى أنه بدأ حياته شيوعياً في حزب خالد بكداش قبل أن يصبح عميلاً للحركة الصهيونية وأحد كوادر جهاز «الموساد» في أوربا ويغير ديانته ويُدفن في المنطقة نفسها(7)! 

   في الواقع هذا ما أكدته رسالة متأخرة حول الموضوع نفسه أرسلتها لي فيليسيا في 5 أيار / مايو 2009. فخلال متابعتي - بمساعدتها - تحقيقاً كنت بدأته في العام 1988 حول قضية تهريب آلاف المواطنين السوريين من أبناء الطائفة اليهودية (أو «الموسوية» كما يسمونها رسمياً في سوريا) عبر لبنان وتركيا («عملية موسى» أو «عملية الإسمنت» وفق التسمية الإسرائيلية الرسمية) (8) ، تعثّرْنا بأثر غاريس /أنيس حاطوم وهو يبيع السمك الكوشير في طبريا! فربيع ذلك العام، وأثناء تواصل فيليسيا مع أصدقائها ورفاقها السابقين في فلسطين/ إسرائيل بهدف جمع معلومات حول القضية، تلقتْ معلومات عن طريق صديقها ورفيقها السابق في«الحزب الشيوعي الإسرائيلي»، الصحفي والروائي والمناضل الفلسطيني البارز سلمان الناطور، ابن «دالية الكرمل» الذي رحل عنا في العام 2016، تفيد بأن غاريس كان يعيش في «حي شيكون - دي שיכון -ד» في مدينة طبريا، وأنه افتتح فيها مطعماً لبيع سمك الكوشير المقلي بعد تقاعده في العام 1982! وطبقاً لإفادة إليعاز تسافرير אליעזר צפריר، الذي التقى الناطور في إطار ندوة في «جبل الكرمل» عن دروز لبنان، والذي كان أحد قادة عملية تهريب اليهود السوريين عبر لبنان أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات، بعد فراره من طهران حيث كان رئيساً لمحطة الموساد هناك ثم في أربيل بكردستان العراق حتى سقوط نظام الشاه، فإن غاريس حاطوم كان أحد مساعديه في العملية! لكن تسافرير، وحسب إفادة الناطور للراحلة فيليسيا، زعم أنه لم يعد يعرف أي شيء عن غاريس  حاطوم منذ تقاعده بعد غزو لبنان في العام 1982 سوى أنه تفرغ لبيع السمك المقلي الكوشير(الحلال) في طبريا! ومع ذلك، فإن أهم ما في الأمر هو أن أنيس/ غاريس حاطوم كان لم يزل على قيد الحياة حتى العام 1982 على الأقل، كما يستشف من إفادة تسافرير.

  تزامنت رسالة فيليسيا الثانية حول «غاريس» في آذار/مارس 2006 مع عملي مع ماركوس فولف آنذاك على فرز وجمع وثائق أرشيفه الخاص المتعلقة بنشاط جهازه في العالم العربي خلال الفترة 1951- 1990، سواء وحده أو بالشراكة مع  KGB السوفييتية، من أجل تحرير «مذكراته العربية». وكنت اتفقت معه على ذلك منذ العام 2002 بعد أن لاحظت أن مذكراته الصادرة بالإنكليزية والألمانية («رجل بلا وجه») غابت عنها الشؤون العربية على نحو شبه كلي (ما مجموعه أربع صفحات فقط من أصل حوالي خمسمئة صفحة!). إلا أن عملنا المشترك توقف عند وفاته المفاجئة في نوفمبر 2006 ، لتتولى أرملته أندريا شتنغل  وابنته تاتيانا فولف - تروغل مساعدتي في ذلك، لاسيما ترجمة ما أحتاجه منها من الألمانية التي لا أعرفها إلى الإنكليزية كلغة وسيطة. وفي معمعة تدهور وضعي الصحي الذي جعلني مُقعداً مرة أخرى في نهاية المطاف، وانفجار مشاكلي الأمنية قبل ذلك مع المخابرات الفرنسية على خلفية اكتشافي وقوفهم وراء مجزرة الأزبكية في دمشق ومجازر أخرى أشد هولاً، واضطراري «للهرب» إلى هولندا وبريطانيا، وُضِع مشروع تحرير مذكراته العربية على الرف. لكن هذا لم يمنع من العودة إليه، رغم ضخامته، والبحث فيه من وقت إلى آخر،رغم انفلاشه وفوضاه وعدم ترتيبه وبقائه ورقياً دون إمكانية تخزينه رقمياً. وفي كل مرة كنت أعود إليه، كنت أكتشف فيه أشياء جديدة سبق له أن حدثني عنها خلال لقاءاتنا أو اتصالاتنا، فأطلب من زوجته وابنته المساعدة على فهمها.  وخلال بحثي فيه قبل سنوات، اكتشفتُ ثلاث وثائق تخص «مؤامرة سليم حاطوم»، وكيف ساعدت مخابرات ألمانيا الشرقية  «نظامَ 23 شباط» ( الأتاسي، جديد ، الجندي...) على اكتشاف خيوط «المؤامرة» منذ خريف العام 1966، ومن وقف وراءها في حقيقة الأمر، وما الذي كان يجري في الأردن بين الأميركيين والبريطانيين والإسرائيليين لإطاحة «نظام 23 شباط»...إلخ. وكان  فولف أبلغني منذ العام 2002 عن قصة اكتشافهم تفاصيل «مؤامرة حاطوم» من خلال عملاء جهازه في المخابرات البريطانية والأردنية، وكيف كلف الرئيس فالتر أولبرخت ( زعيم ألمانيا الديمقراطية حتى العام 1970) اثنين من المسؤولين السياسيين والأمنيين الألمان بالذهاب إلى دمشق في شباط/فبراير1967 لإبلاغ الرئيس الأتاسي و صلاح جديد و عبد الكريم الجندي بما كان يُحضّر لنظامهم في الأردن بالتعاون مع البريطانيين والإسرائيليين، كما سيأتي شرحه.

   من الواضح أن قيادة «23 شباط» أخفت ذلك كله ليس فقط عن السوريين، ولكن أيضاً عن بقية رفاقهم حتى من الصف الأول، أو على الأقل لم تقدم لهم إحاطة تتجاوز العناوين العريضة. كما أنها عمدت إلى إزالة اسم أنيس حاطوم من سجلات النفوس السورية، كما أخبرت أصدقاءها الألمان. وهذا ما يفسر حقيقة أنه، ورغم مرور عشرات السنين على «المؤامرة»، لم يتحدث أي منهم عما جرى فعلاً ، باستثناء المعلومات العامة التي تداولتها الصحافة في تلك الأيام، وباستثناء بعض التفاصيل المهمة التي ذكرها رفيقهم مروان حبش (9)،إذا وضعنا جانباً تلك التي يعلكها ويجترها الناس منذ ذلك الحين( ومعظمها ينتمي إلى عالم الهبل والدجل)! ولعل إخفاء ملفات معظم التحقيقات مع كوهين، كما أخبرني رئيس المحكمة، المقدم صلاح الضلي في العام 1988(10)، ثم الحرص لاحقاً - لاسيما من قبل وزير الدفاع حافظ الأسد- على الإسراع في محاكمة حاطوم وزميله الرائد بدر جمعة وإعدامهما من قبل محكمة عسكرية منفصلة عن محاكمة زملائهما الآخرين أمام «محكمة أمن الدولة»، يكشف حجم الخرق الإسرائيلي الذي حصل، أفقياً وعمودياً. ولم يكن حرص الألمان الشرقيين على إبلاغ معلوماتهم إلى ثلاثة فقط ( الأتاسي، جديد، الجندي) سوى مؤشر واضح على ذلك كما سنرى. ومن المؤكد أن ملفات محاكمة كوهين والتحقيق معه (ألفين وخمسمئة وثيقة، فضلاً عن متعلقاته الشخصية) التي جرى تسليمها من قبل الجاسوس البريطاني - الإسرائيلي أبو محمد الجولاني إلى الموساد الإسرائيلي في أيار/ مايو 2025، كما كشفت القناة الإسرائيلية 14 ، يؤكد ما ذهبنا إليه.

֎֎֎

«مؤامرة سليم حاطوم» وبطلها الحقيقي المجهول:

«غاريس حاطوم» يعود للظهور في الأردن مندوباً عن المخابرات الإسرائيلية، ويلتقي شقيقه «سليم» وزمرته تحت رعاية مدير المخابرات الأردنية « محمد رسول الكيلاني »!

  في 9 أيلول / سبتمبر، ولكن قبل ستين عاماً بالتمام والكمال، استفاق العالم على خبر احتجاز عدد من المسؤولين السوريين الكبار خلال وجودهم في مدينة السويداء التي وصلوها في اليوم السابق. وكان في مقدمة هؤلاء رئيس الدولة، الدكتور نور الدين الأتاسي، ومساعده لشؤون «حزب البعث»، صلاح جديد. وسرعان ما تبين أن المقدم سليم حاطوم، قائد قوات «المغاوير» ( الوحدات الخاصة،أو الكوماندوز كما يرد اسمها في بعض الوثائق الأجنبية الخاصة بالقضية) هو من يقف وراء عملية احتجاز الرهائن لأسباب شخصية وحزبية، كما قيل ويقال منذ ذلك التاريخ حتى اليوم، وآخرُه الهراء والهبل الذي أورده ناصر سابا في مقابلة له مع بشير البكر ( صحيفة «العربي الجديد»، 16 سبتمبر 2025). وكان ناصر سابا أحد زبانية حاطوم والمؤامرة البريطانية-الإسرائيلية والعضو المرشح لتسلم وزارة الإعلام في الحكومة السرية التي شكلها المتآمرون ومشغلوهم البريطانيون والإسرائيليون والأميركيون لاستلام السلطة إذا ما نجحت مؤامرتهم بالتزامن مع عدوان إسرائيلي على سوريا كان يجري الإعداد له منذ شباط /فبراير1967، على أن يُنفذ بعد ذوبان الثلوج في مرتفعات الجولان، كما سنرى.

    لكن حاطوم ، وكما هو معروف،لم يتأخر في إطلاق سراح رهائنه في اليوم التالي، 9 سبتمبر،بعد أن تمكن سائق جديد (الذي أعرفه شخصياً منذ الثمانينيات،فهو من قرية مجاورة لقريتنا،ويدعى غازي)من الإفلات والوصول إلى دمشق وإبلاغ وزير الدفاع وقائد القوى الجوية، حافظ الأسد، بما كان يجري في السويداء التي كان حاطوم قطع عنها الاتصالات وعزلها عن العالم. وعندها أرسل الأسد طائراته إلى سماء المدينة، وحرك بعض الوحدات المدرعة من ريف دمشق الجنوبي ومن الجولان باتجاهها، وهدد بقصفها إن لم يَجْرِ إطلاق سراح الرهائن فوراً. وهنا أسقِط في يد حاطوم وامتثل للتهديد، فضلاً عن الدور الذي لعبه تدخل سلطان باشا الأطرش في حل مشكلة عصيانه واحتجاز الرهائن، مع أنه كان أطلق سراح الأتاسي و وزير الإعلام جميل شيّا،وأبقى على صلاح جديد،أو «روبسبير البعث» كما أسميته منذ أربعين عاماً،لسبب علمي محض. وهذا يعني أن جديد هو من كان المستهدف بصفته الشخصية والاعتبارية، نظراً لكونه العمود الفقري للتيار الذي كان يمثله، والذي كان وصوله ورفاقه إلى السلطة في 23 شباط 1966 مفاجأة وصدمة غير محسوبة للقوى الغربية، لاسيما المخابرات البريطانية. فهذه الأخيرة  كانت اتفقت مع الأسد منذ مطلع العام المذكور (مباشرة ومن خلال اجتماعات عبد الحليم خدام مع السفير البريطاني  تريفور إيفانز Trefor Evans) على ترتيب معين للتخلص من جديد ورفاقه، كما تقول وثائق المخابرات البريطانية التي سربها البارون فيكتور روتشيلد الثالث إلى مشغليه في «برلين الشرقية» و موسكو.

   من الواضح أن امتثال حاطوم الفوري لتهديد الأسد ولضغوط سلطان الأطرش،وعدم صموده أكثر من 24 ساعة،كان سببه الإحباط الذي أصيب به من موقف الأسد وتخليه عنه. فقد كان هذا الأخير وعده بالوقوف إلى جانبه،كما تقول الوثائق البريطانية المشار إليها،والتي فُقدت أصولُها من الأراشيف الرسمية،لاسيما إرشيفي وزارة الخارجية والأرشيف الوطني، في عِداد أكثر من مليون و مئتي ألف وثيقة وملف اختفت أو أخفيت بطريقة مريبة، كما كشفت صحيفة «الغارديان» في أربعة تقارير مثيرة على مدار سبعة عشر عاماً( 23 يونيو 2000؛ 18 أكتوبر 2013 ؛ 29 أكتوبر 2013؛ 26 ديسمبر 2017). وبمعزل عن الوثائق البريطانية المشار إليها، فإن جريدة «الحياة» نفسها،التي كانت لسان الحال شبه الرسمي للمخابرات البريطانية في الشرق الأوسط آنذاك، بفضل صاحبها عميل المخابرات البريطانية كامل مروة، الذي اغتيل صيف ذلك العام من قبل مخابرات عبد الناصر و رجلها ابراهيم قليلات كما يقال، نشرتْ معلومات في عدديها الصادرين بتاريخ 13 و17 نوفمبر 1966،تؤكد أن «حاطوم يعتمد في حركته على تأييد اللواء حافظ الأسد»، وأن الأسد «أبلغ حاطوم بأن جديد يريد التخلص منه[أي من حاطوم] لكن هو [أي الأسد] لن يتخلى عنه». وكان لافتاً أن الصحيفة استقت معلوماتها من مصادر بريطانية!(...).

  باستثناء ما كتبه مروان حبش عن «المؤامرة» وخلفياتها، وفي حدود ما قرأته، فكل ما نشر لا يعدو أن يكون «حدّوتات نسوان» على أبواب الأفران أو حلاقين في صالوناتهم! فبعضهم يعزو ما قام به إلى رغبته في الانتقام من رفاقه بعد نقله مع عزت جديد من موقعهما العسكري إلى موقع أقل شأناً ونفوذاً؛ وبعضهم الآخر يعزو الأمر إلى خلفيات طائفية و لتكوينه الشخصي العُصابي واتصافه بالرعونة؛ وبعضهم الثالث إلى إحساسه بأنه لم يُكافأ بما يليق بدوره في «حركة 23 شباط» وما قبلها ... وهلمجرا.

  من المؤكد أنه كان شخصاً أرعن ومتهوراً ومتهتكاً و زيرَ نساء، إلى حد أنه - كما يقول بعض الروايات الطريفة - كان يذهب إلى محطة البث الإذاعي في «جبل قاسيون»، التي كان مسؤولاً عن أمنها إلى جانب مبنى الإذاعة والتلفزيون، ويضع في حضنه المطربة اللبنانية لودي شامية (وفي رواية أخرى المطربة اللبنانية الأخرى  دلال الشمالي) لتغني له أغنية «من قاسيون أطل يا وطني»، ذات اللحن الرائع الخالد (بغض النظر عن البعد السياسي للأغنية)، ولكن في صيغة محرّفة تداعب مزاجه ومشاعره وذكوريته ومنبته الطائفي:

من قاسـيون أطــلُّ يا وطني ... فأرى دمشق تعانــق السُّـحبا

«سُلطانُ» يدرج في مرابعها... و«سليم» ينثر فوقها الشــهبا (11)

  لكن ، واستناداً إلى الوثائق والمعلومات الوثائقية المجهولة التي سيُكشف عنها اليوم للمرة الأولى منذ ستين عاماً، وبخلاف الهبل والدجل «السني» المهووس مَرَضياً بقصص الخلفيات الطائفية للناس، لم يكن لحركته أية أبعاد انتقامية، سواء من النوع الطائفي أو الحزبي أو الشخصي، سوى أن مشغليه البريطانيين والإسرائيليين ومرتزقتهم الهاشميين حاولوا استغلال انتمائه إلى الطائفة الدرزية، فضلاً عن استغلال تكوينه كشخصية رعناء ذات طموح سلطوي جامح، لإطاحة نظام «23 شباط» اليساري الذي فاجأ هؤلاء بوصوله إلى السلطة بعد ثلاث سنوات فقط على «انقلاب 8 آذار» الذي وقف وراءه «التيار العفلقي» المرتبط بوكالة المخابرات المركزية منذ «المؤتمر القومي الخامس» للحزب في أيار/ مايو 1962. وغني عن البيان أن عدداً من أركان هذا التيار (لاسيما ميشيل عفلق شخصياً) كان مرتبطاً بوكالة المخابرات المركزية،على الأقل منذ «المؤتمر القومي الخامس» للحزب الذي عقد في حمص برعاية وتمويل «الوكالة» وعملائها من رجال الأعمال في أيار/ مايو1962 (12). وهو ما كان حصل أيضاً قبل ذلك بشهر واحد في العراق ( 8 شباط / فبراير1963)، حيث أطاح انقلاب بعثي من الصنف نفسه  نظام عبد الكريم قاسم المتحالف مع الشيوعيين. ولم يعد سراً أن هذا الانقلاب وقفت وراءه أيضاً «الوكالة» نفسها بالتعاون مع مخابرات عبد الناصر والملك الأردني، كما كشفت الوثائق الغربية التي نشرت بعد غزو العراق وإسقاط نظامه الصّدّامي في العام 2003، وكما كان الملك الأردني نفسه اعترف بذلك قبل سنوات طويلة ( 27 سبتمبر 1963) في مقابلة نادرة مع صحيفة «الأهرام» المصرية(13)! ولم يكن حصول انقلابَين بعثيَّيْن- ناصريَّيْن،خلال شهر واحد في بلدين مثل سوريا والعراق، اللذين يتمتعان بأهمية استراتيجية خاصة بسبب النفط  وأمن إسرائيل،محضَ مصادفة أو خارج سياق البرنامج المشترك بين الأميركيين وعبد الناصر لطرد القوى الكولونيالية التقليدية(البريطانية والفرنسية) من المنطقة من أجل إحلال الأميركيين مكانها،تطبيقاً لـ «عقيدة إيزنهاور»، بغض النظر عن إدراك عبد الناصر، وإن متأخراً جداً،وبعد أن كانت الفأس الإسرائيلية فلجت رأسه في حزيران/ يونيو 1967، أن الثور الأميركي لا ينتج الحليب كما كان يتوهم في رسائله إلى جون كيندي، وإنما البول فقط، حسب تعبير يوري أندروبوف، رئيس لجنة أمن الدولة في الاتحاد السوفييتي، خلال أحد اجتماعات المكتب السياسي، حين قرر منع الجاسوس البريطاني- الأميركي،المجرم القذر  محمد حسنين هيكل، من دخول أراضي الاتحاد السوفييتي بسبب عمالته لوكالة المخابرات المركزية ومحاولته تجنيد ألكسي أدجوبي Алексей  Аджубей ، صهر الزعيم السابق نيكيتا خروتشوف، ورئيس تحرير صحيفة «إزفستيا، لصالح الوكالة نفسها! (...).

֎֎֎

  بعد امتثال حاطوم لتهديد الأسد وتدخل «الباشا»، فرّ كما هو معلوم إلى الأردن قبل أن يلتحق به آخرون، مدنيين وعسكريين، كان سبق لهم أن هربوا إلى العراق ولبنان وأماكن أخرى فور حصول «حركة 23 شباط 1966»، سوى من جرى اعتقاله منهم (الرئيس أمين الحافظ ، ميشيل عفلق، صلاح البيطار واللواء محمد عمران ...)، قبل يفرّ اثنان منهم، البيطار و عفلق، إلى لبنان مع ابن أخت عفلق، رجل الأعمال عاطف دانيال،بمساعدة  حاطوم و حافظ الأسد بناء على طلب  وتدخل السفير الأميركي في دمشق، المستعرب وعالم الاجتماع والاستاذ الجامعي هيو هاين سمايث Hugh H. Smythe. وكان دانيال يعمل (مع أخويه الآخرين صلاح وحليم) لصالح وكالة المخابرات المركزية على الأقل منذ «المؤتمر القومي الخامس لحزب البعث» في حمص، الذي أشرفت «الوكالة» على انعقاده وتمويله.وفور أن وصل حاطوم إلى «قاعدة المفرق» الجوية شمال الأردن، وضعت السلطات الأردنية ومحطتا المخابرات البريطانية والأميركية في عمّان مقدراتها المالية والتقنية بتصرفه، وأنشأت له محطة إذاعية للتحريض الطائفي على سلطة دمشق واستقطاب متطوعين سوريين من المنفى وتشكيل ميليشيا مسلحة،تحضيراً لشن عملية غزو للأراضي السورية. ومن المعلوم أن القاعدة المذكورة كانت ( ولا تزال في الواقع حتى اليوم)تحتفظ بوجود عسكري ومخابراتي بريطاني رغم عملية «تعريب الجيش الأردني» في العام 1956. وكان لافتاً أن جميع مؤتمراته ومقابلاته الصحفية والبيانات التي كان يصدرها في الأردن، منذ مؤتمره الصحفي الأول الذي عقده في 13 سبتمبر 1966، والذي نقلته «نيويورك تايمز» في اليوم التالي،تمحورت حول نقطتين: «طائفية نظام دمشق العلوي» و«شيوعيته» المزعومتين. وهما «عدة الشغل» التي استخدمها نظام الهاشميين الصهاينة ومشغلوه وزبانيته منذ ستينيات القرن الماضي وحتى سقوط نظام الأسدين في العام 2024 ، في كل ما كان له علاقة بالشأن السوري، باستثناء فترات مختلفة من تطبيع العلاقات بين دمشق وعمّان في العهد الأسدي. أما غرابة الأمر فهي أن التوصيف جاء من ضابط منحدر من الطائفة التي تُعتبر «كافرة» في الفقه السني منذ ألف عام، ولا يجوز شرعاً حتى تناول الطعام على موائدها. وهو ما تكرر خلال الحرب السورية الأخيرة، حيث جاء أكثر الفتاوى تطرفاً في طائفيته ودعوته لقتل العلويين وإبادتهم من مثقفين وإعلاميين «دروز» عبر قناتي«الجزيرة» و«العربية»والمنابر الإعلامية الأخرى،رغم خلو التراث الديني «الدرزي» تماماً، كما بقية الطوائف والمذاهب التي خرجت من رحم «الثورة الثقافية المعتزلية»، من أي فكر تكفيري أو عنصري إزاء الطوائف الأخرى، سواء أكانت إسلامية أو غير ذلك، ورغم أن الدروز والعلويين ينتمون إلى أرومة دينية واحدة!

   وهكذا كان من طبيعة الأمور، وفق أجندات مشغليه، أن  حاطوم ركز في مؤتمراته الصحفية وبياناته في الأردن على أن «العلويين يسيطرون على النظام»، وأن خلافه مع الأتاسي وجديد و مجموعتهما هو «شيوعيتُهم»، حسب زعمه الأبله وزعم من كان يشغله. وطبقاً لما ادّعاه ولمزاعمه الأقرب إلى الهلوسة والهراء، الأشبه بهلوسات رجل دين سلفي أو «أخواني» حين يتهم كل يساري أو علماني بالشيوعية،فإن الغرض من محاولته الانقلابية واحتجاز الأتاسي وجديد - كما قال - هو«أننا حاولنا تصحيح الأوضاع بعد أن انجرف حكام دمشق مع الشيوعيين الذين سيطروا على أجهزة الحكم(...)وأن الشيوعيين قد اكتسحوا منظمات حزب (البعث) وجرّوها إلى الإنحراف(...) وطلبنا منهم[حكام دمشق] التخلص من العناصر الشيوعية،وقد احتجزنا كلاً منهما(الأتاسي وجديد)ريثما تُنفذ هذه المطالب». ومن المعلوم أن هذه الصيغة(سيطرة الشيوعيين) هي صيغة اخترعتها وكالة المخابرات المركزية الأميركية منذ تأسيسها في العام 1947،وشريكتها المخابرات البريطانية،كوسيلة من وسائل الدعاية والتحريض وذريعة لتبرير تدخلهما في كل مكان من العالم،منذ إطاحة حكومة الدكتور محمد مصدق في إيران في العام 1953 ، التي نشر الإرشيف الوطني الأميركي وثائقها في العام 2017، إلى إطاحة حكومة سلفادور الليندي في تشيلي العام 1973،التي لم تنشر واشنطن وثائقها إلا في العام 2023، مروراً بجميع الانقلابات الأخرى التي شاركتا في تدبيرها في جميع أنحاء العالم، سابقاً ولاحقاً وحتى يومنا هذا.

 من الواضح أن ألمانيا الديمقراطية، بما في ذلك جهاز مخابراتها الخارجية  HVA، الأكثر مهنية ومقدرة بين أجهزة المخابرات في العالم آنذاك، باعتراف دول الحلف الأطلسي نفسها، كانت تتابع محاولة التمرد التي قام بها حاطوم، رغم أنه لم يكن لها علاقات ديبلوماسية كاملة مع دمشق، بل مجرد مفوّض قائم بالأعمال ( لم تصبح كاملة إلا في 23 حزيران / يونيو 1969). وكانت متابعتها لعملية التمرد ليس لأنها كانت تستهدف «نظاماً يسارياً صديقاً» فقط، ولكن أيضاً من زاوية نظرتها إلى السياق العام لـ «الحرب الباردة» بين الشرق والغرب و تجلياتها في الصراع العربي - الإسرائيلي وانعكاساتها عليه. إضافة إلى ذلك، كانت مخابرات ألمانيا الشرقية تقوم آنذاك بمساعدة نظام 23 شباط على إعادة تأسيس وتنظيم «إدارة المخابرات العامة» و«المخابرات العسكرية» وإنشاء أجهزة مكافحة تجسس فيهما، وعلى إنشاء «مكتب الأمن القومي» للتنسيق فيما بين تلك الأجهزة، وبينها وبين قيادة الحزب والدولة (14).

  في شباط / فبراير 1967، أي بعد خمسة أشهر على عصيان حاطوم واختطافه رئيسَ الدولة ومساعده في السويداء، كان جهاز المخابرات الخارجية الألماني تمكن من وضع يده على خيوط حركة حاطوم التي تبين أنها أكبر بكثير من كونها مجرد عصيان وتمرد ضابط صغير لأسباب حزبية وسياسية شخصية كما كان يقال. ومن خلال شبكة «عملائها» في الأردن وفرنسا وبريطانيا، حيث كانت تخترق أجهزة مخابرات دول الحلف الأطلسي كلها، تبين لها أن قصة حاطوم ليست سوى جزء ناتىء صغير جداً من جبل جليد. ولعل أخطر ما اكتشفتْه ليس مخطط إطاحة النظام في دمشق فقط، بل اقتران ذلك بعدوان إسرائيلي على الأراضي السورية يمهد الطريق لمجموعة حاطوم كي تستولي على السلطة، ولكن بعد ذوبان الثلوج في مرتفعات الجولان، التي تعرقل تقدم الدبابات والمدرعات الإسرائيلية. وهذا يعني أن عدوان حزيران / يونيو 1967 كان مخططاً له منذ مطلع العام المذكور على الأقل. وفي 7 شباط / فبراير رفع مدير المخابرات الألمانية ماركوس فولف تقريراً مسهباً إلى الأمين العام للحزب رئيس الدولة، فالتر أولبرخت، و وزير أمن الدولة إيريش ميلكه، حول ما كان يجري إعداده لسوريا انطلاقاً من الأردن تحت إشراف الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية. وفي هذا التقرير يرد أول ذكر  للمدعو أنيس حاطوم / غاريس، باعتباره ضابطاً برتبة مقدم في جهاز الاستخبارات المذكور منذ انشقاقه عن الجيش السوري خلال حرب فلسطين 1948(كما يصفه التقرير)، وشقيقاً  للرائد  سليم حاطوم قائد المحاولة الانقلابية، والرجل الذي كان صلة الوصل بين هذا الأخير والاستخبارات الإسرائيلية، والذي كان يلتقيه في الأردن برعاية الاستخبارات الأردنية...إلخ. ولأنه من غير المفيد تلخيص التقرير، الذي يعج بالتفاصيل، سأضع هنا ترجمته الكاملة، على أن أزوده ببعض الهوامش التي تفسر بعض ما جاء فيه عند الضرورة، أو في سياق النص المترجم بين قوسين كبيرين [...]. أما الصورة الأصلية للتقرير فمنشورة في نهاية هذا الفصل:

وزارة أمن الدولة

إدارة الاستطلاع /  HV A[ الاسم الرسمي للمخابرات الخارجية الألمانية]

برلين في 7 شباط / فبراير 1967

عدد الصفحات :6

عدد النسخ : 2

إلى الرفيق [ فالتر] أولبرخت [الأمين العام للحزب، رئيس الدولة]

والرفيق إيريش ميلكه [ وزير أمن الدولة]

 

تقرير معلومات حول

التمرد العسكري الذي وقع في سوريا في أيلول/ سبتمبر 1966، والاستعدادات في شمال الأردن بالتعاون مع بريطانيا العظمى وإسرائيل والحكومة الأردنية للإطاحة بالحكومة الوطنية اليسارية في دمشق بالتزامن مع عدوان إسرائيلي.

  تشير المعلومات التي حصلنا عليها من مصادرنا المختلفة في لندن وعمان وبيروت خلال الأشهرة الأخيرة إلى أن إقدام الرائد سليم حاطوم، قائد قوات Al-Maghaweer  (الكوماندوز) في الجيش السوري، على احتجاز رئيس الدولة والأمين العام لحزب البعث، الدكتور نور الدين الأتاسي، و نائبه لشؤون الحزب صلاح جديد  و وزير الإعلام جميل شيّا في أيلول/سبتمبر الماضي، 1966، لم يكن حركة معزولة ناجمة عن خلافات حزبية وتنظيمية داخلية، وإنما مخططة من جهات خارجية، لاسيما المخابرات البريطانية والملك الأردني حسين بن طلال و إسرائيل . ومن الواضح أن اللواء صلاح جديد هو من كان مقصوداً بها ، نظراً لأن الرئيس الأتاسي جرى إطلاق سراحه بعد احتجازه مباشرة، ولأن السيد جديد يُعتبر «العمود الفقري للتيار اليساري المتطرف» في القيادة السورية، ولأنه خصم أيديولوجي عنيد للمصالح الإمبريالية والحكومات العربية في الخليج الفارسي وإسرائيل، ولا يقبل المساومات السياسية، وفق توصيفه في التقارير التقويمية الغربية والإسرائيلية(*).

  شكّل استيلاء التيار الوطني اليساري بقيادة السيد جديد على السلطة في 23 شباط/ فبراير 1966 مفاجأة كبيرة للقوى التقليدية المحلية (من البرجوازية التجارية والزراعية الكبيرة) وداعميها في المنطقة والغرب، لاسيما الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل. وهذه القوى كانت تسيطر عملياً على حزب البعث منذ مؤتمره القومي  الخامس في أيار/مايو 1962 الذي وقفت وراءه ومولته وكالة المخابرات المركزية الأميركية من خلال عدد من رجال الأعمال المرتبطين بها و بزعيم التيار اليميني في الحزب،ميشيل عفلق، الذي يعمل هو وعدد من أقربائه المباشرين لصالح  «الوكالة» منذ مطلع العقد الحالي على الأقل.

كانت القوى التقليدية في «الحزب» وداعميها في المنطقة والغرب، لاسيما إسرائيل وبريطانيا، ترى في وصول «التيار الوطني اليساري» تهديداً لمصالحها، خصوصاً بعد أن طالب السيد جديد ورفاقه «شركة نفط العراق» البريطانية IPC في آب/أغسطس الماضي بزيادة حصة الدولة السورية من عائدات نقل النفط عبر أراضيها لتكون معادِلة لما نصت عليه اتفاقيات دولية مشابهة عقدت مؤخراً بين عدد من دول المنطقة  وشركات النفط الإمبريالية، وبتدقيق حسابات الشركة المتعلقة بالسنوات العاشر السابقة بعدما تبين أنها تقوم بسرقة حقوق الدولة السورية على نطاق واسع. أما الإسرائيليون فشعروا بأن وصول هذا «التيار اليساري» إلى السلطة في سوريا يشكل خطراً خاصاً بالنسبة لهم من  ناحية أمنية واقتصادية. فمن الناحية الأمنية لأن دمشق تقوم بمساعدة مجموعات فلسطينية عسكرياً لشن عمليات فدائية داخل إسرائيل، ومن الناحية الاقتصادية لأن الإسرائيليين علموا بأن  السيد جديد ورفاقه يخططون لجر مياه الينابيع الغزيرة في مرتفعات الجولان إلى دمشق بحيث تغطي احتياجات النمو السكاني والاقتصادي في العاصمة [السورية] خلال العقود الخمسة القادمة. ولدى إسرائيل مطامع قديمة في مياه الجولان، الجارية والباطنية، منذ أن بدأت الحركة الصهيونية والقوى الإمبريالية الغربية، لاسيما بريطانيا، تخطط لإنشاء دولة إسرائيل مطلع هذا القرن.

وفق المعلومات المؤكدة التي حصلت عليها HVA خلال الأشهر الأخيرة، فإن مدير المخابرات الأردنية محمد رسول الكيلاني استقبل في تموز/ يوليو الماضي في عمّان نظيره الإسرائيلي  الجنرال مئير عاميت واتفقا على التواصل مع عدد من الضباط السوريين المنتمين إلى الطائفة الدرزية ( طائفة عرفانية مسلمة ولدت في القرن العاشر) لإطاحة جديد ورفاقه لصالح المجموعة اليمينية التي يقودها مؤسس الحزب ميشيل عفلق والرئيس السابق أمين الحافظ (الموجود في السجن منذ العام الماضي) و وزير الدفاع / قائد القوى الجوية الحالي ، اللواء حافظ الأسد الذي يحتفظ بعلاقات وثيقة مع البريطانيين منذ أن قام بزيارتين سريتين إلى بريطانيا  في أيار/ مايو 1965 و مطلع هذا العام (**).  ومن الواضح أن الحكومة الأردنية و/ أو الإسرائيلية أطلعتا البريطانيين ، من خلال مدير محطة مخابراتهم في عمان فرانك ستيل Frank Steele الذي يعمل تحت غطاء سكرتير أول في السفارة، على الخطة التي اتفق عليها الجنرال عاميت ونظيره الأردني. وما يسمح بهذا الاستنتاج أن الطرفين طلبا من نظيرهما البريطاني،ريتشارد / ديك وايت[مدير المخابرات البريطانيةMI6  ]، تمويل العملية من خلال عائدات شركة نفط العراقIPC التي يديرها كريستوفر ميرفين دالي Christopher Mervyn Dalley  . ويبدو أيضاً أن الأميركيين كانوا على اطلاع على الخطة من خلال رئيس محطة CIA في عمان ، المستعرب جاك أوكونيل  Jack O'Connell ، الذي يعمل في الآن نفسه بصفة مستشار خاص لملك الأردن حسين بن طلال منذ العام 1963.  وبحسب معلوماتنا، فإن الإسرائيليين اختاروا قائد قوات الكوماندوز سليم حاطوم لأن لديه شقيقاً ضابطاً في المخابرات العسكرية الإسرائيلية يدعى أنيس ويعمل تحت اسم غاريس خاتوم Garis Khatoum  منذ الحرب العربية - الإسرائيلية في العام 1948 حين انشق عن الجيش السوري والتحق بسلاح المخابرات التابع لميليشيا «الهاغاناه» الصهيونية و تحول إلى الديانة اليهودية.  وليس واضحاً لنا ما إذا كانت الحكومة الوطنية اليسارية في سوريا تعرف هذه المعلومات ( من المرجح جداً أنها لا تعرف، نظراً لأنها أسندت منصب قائد قوات الكوماندوز إلى شقيقه الرائد سليم حاطوم، الذي كان أيضاً عضواً في القيادة الإقليمية لحزب البعث).

رغم فشل المحاولة الانقلابية التي قادها  سليم حاطوم في أيلول/سبتمبر الماضي،فإن الإسرائيليين والأردنيين، وداعميهم البريطانيين والأميركيين، استأنفوا محاولاتهم من جديد. فبعد فرار الضابط المذكور إلى الأردن مع حوالي ثلاثين آخرين من زملائه،بينهم عدد من ضباط المخابرات العسكرية، وضعت المخابرات البريطانية بتصرف الضباط الفارين محطة إذاعة تبث من قاعدة جوية في مدينة «المفرق» شمال الأردن من خلال بعض موجات إذاعة عمّان الرسمية، بالإضافة لمبالغ مالية طائلة من صندوق شركة نفط العراق البريطانية. وتقوم هذه الإذاعة، تحت إشراف ضباط مخابرات بريطانيين وإسرائيليين، ببث أخبار وبيانات طائفية تحريضية ضد الحكومة السورية وتدعو المواطنين السوريين من «المسلمين السنة» للتمرد ضدها باعتبارها «حكومة شيوعية ملحدة تابعة للاتحاد السوفييتي والصين الماوية»! ويبدو أن الجنرال مئير عميت كلف الضابط أنيس حاطوم/غاريس بأن يكون ضابط اتصال مع شقيقه سليم و بقية أعضاء مجموعته.

   إضافة إلى ذلك، يقوم مسؤولون سوريون سابقون ( من القيادة اليمينية التي أطيح بها في 23 شباط/ فبراير من العام الماضي، ويعيشون اليوم في لبنان والأردن والعراق) بالتنسيق مع مجموعة الضباط الفارين من أجل القيام بمحاولة انقلابية جديدة. وقد عرف من هؤلاء منيف الرزاز( الزعيم السابق للجناح اليميني في الحزب) ورئيس الوزراء السابق صلاح البيطار و شبلي العيسمي( عضو في قيادة الحزب السابقة وينحدر من الطائفة الدرزية ويعيش  منذ فراره من السجن في آب/ أغسطس الماضي في كنف الزعيم الدرزي اللبناني كمال جنبلاط) (***). ومن الواضح أن السيد العيسمي والسيد البيطار يحظيان أيضاً برعاية خاصة من السفير البريطاني في بيروت ديريك ريتشز Derek Riches والسفير الأميركي دوايت جونسون بورتر Dwight Johnson Porter والديبلوماسي السعودي علي الشاعر الذي عُيِّن مؤخراً ملحقاً عسكرياً في بيروت وكُلف بالإشراف على بعض الأنشطة التخريبية في سوريا انطلاقاً من لبنان، نظراً لأن العلاقات بين البلدين متوترة وشبه مقطوعة منذ أيار/ مايو العام الماضي. 

وفقاً للمعلومات التي زودنا بها مصدرنا في المخابرات الأردنية، المقدم[ نذير رشيد]، رئيس فرع مكافحة التجسس فيها(15)، فإن «شركة نفط العراق IPC» حولت مبلغ مئة ألف جنيه استرليني ( حوالي ربع مليون دولار) إلى حساب خاص باسم وزير الداخلية الأردني وصفي ميرزا في فرع «بنك الرافدين» العراقي في عمّان من أجل تغطية تكاليف العملية، على أن يجري  اقتطاع المبلغ لاحقاً من حصة الدولة السورية من عائدات مرور النفط العراقي عبر الأراضي السورية بعد إطاحة حكومة السيد الأتاسي. وتشمل هذه التكاليف رواتب حوالي خمسمة من المتطوعين الذين جرى تجنيدهم حتى الآن ويخضعون للتدريب من قبل ضباط بريطانيين وإسرائيليين في «قاعدة المفرق» ومعسكرات أردنية شمال الأردن بهدف شن حرب عصابات في الأراضي السورية، رغم أن القاعدة كانت سلمت شكلياً للسلطات الأردنية منذ العام 1957.

  إن جدية وخطورة العمل الذي يجري التحرك من أجل القيام به تبدو واضحة ليس فقط من هذه الأعمال، ولكن أيضاً من خلال اتفاق الأطراف المشار إليها على تسمية أعضاء الحكومة الجديدة وعلى توزيع المناصب المستقبلية على النحو التالي:

ـ صلاح البيطار رئيساً للجمهورية(رئيس حكومة سابق، ومرتبط بالسعودية)؛ ـ عزة النص رئيساً للوزراء؛ ـ حسان مريود ( أو وليد طالب )وزيراً للخارجية  ؛ حافظ الأسد  (أو محمد عمران) وزيراً للدفاع؛ ـ نبيل يوسف شويري  زيراً للثقافة؛ ـ ناصر سابا وزيراً للإعلام ؛ ـ نسيم سفرجلاني (أو أحمد أبو صالح) وزيراً للعدل؛ ـ خالد الحكيم وزيراً للصناعة؛ ـ منصور الأطرش وزيراً للزراعة؛ ـ بشير العظمة وزيراً للصحة؛ عزة طرابلسي وزيراً للاقتصاد؛ رفعت العقاد وزيراً للمالية؛ نذير النابلسي وزيراً للأوقاف والشؤون الدينية.

   ليس واضحاً حتى الآن ما إذا كان جرى الاتفاق على تاريخ محدد للتحرك من أجل إطاحة حكومة السيد الأتاسي، لكن مصدرنا الأردني ، المقدم [نذير رشيد] (15 مكرر) ، رجح - استناداً إلى المعلومات التي حصل عليها -أن تجري العملية بالتزامن مع عدوان تشنه حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي أشكول على أراضي الدولة السورية بذريعة تحولها إلى منطلق لـ «العمليات التخريبية الفلسطينية»، لكن بعد  ذوبان الثلوج في مرتفعات الجولان السورية، التي تعيق تقدم المدرعات الإسرائيلية. وهذا غالباً ما يحصل اعتباراً من شهر نيسان/ أبريل وأيار/ مايو. وما يدعم ذلك هو أن المخابرات الأردنية أصدرت جوازات سفر للعديد من هؤلاء من أجل سهولة التنقل. كما أنها أوفدت عدداً منهم بجوازات سفر أردنية للاجتماع مع بعض زملائهم في فرنسا ولبنان وتركيا. 

مقترحات :

ـ نظراً لخطورة هذه المعلومات على الحكومة التقدمية في الجمهورية العربية السورية الصديقة، تعتقد (HVA) أن من الأهمية أن يقوم الرفيق فالتر أولبرخت بتكليف أحد الرفاق من أعضاء اللجنة المركزية للحزب بالسفر على نحو عاجل إلى دمشق لإبلاغ رئيس الدولة الدكتور نور الدين الأتاسي شخصياً بتفاصيل المؤامرة التي يجري التحضير لها من قبل بريطانيا والحكومة الأردنية والدولة الصهيونية. وبسبب حساسية المهمة، نقترح أن يقوم الرفيق  بول ماركوفسكي Paul Markowski  بالمهمة مع أحد الرفاق من الدائرةفي III   HVA [القسم المعني بدعم حركات التحرر الوطني في العالم الثالث]، على أن تكون الزيارة سرية وغير معلنة. وبسبب خبرة الرفيق هورست غرونرت ، القنصل العام في دمشق، بالشؤون السورية وشؤون المنطقة، نقترح أن يشارك في اللقاء مع الرئيس الأتاسي. كما نقترح استبعاد اللواء حافظ الأسد من المشاركة في اللقاء، نظراً لأنه اختير وزيراً في الحكومة التي شكلها المتمردون،وبسبب علاقاته الوثيقة مع زعيم التمرد، الرائد سليم حاطوم، واحتمال أن يقوم بتسريب هذه المعلومات له أو للسلطات الأردنية أو السفير البريطاني  تريفور إيفانز الذي تربطه به علاقات خاصة.

(*)ـ يرجى العودة إلى تقريري الرفيق القنصل العام في دمشق   هورست غرونرت   (35 / 1966، تاريخ آب 1966) و ( 39 / 1966، تاريخ 12 سبتمبر 1966).

(**)ـ يرجى العودة إلى تقرير HVA (رقم 39 / 1966)  حول زيارتي الأسد السريتين إلى لندن.

(***) ـ  لأسباب تاريخية خاصة، تَعتبر بريطانيا الطائفة الدرزية أحد مجالات النفوذ والنشاط التقليديين لأجهزة مخابراتها في بلاد الشام مذ العام 1925 . ففي ذلك العام ، وبسبب الصراع بينها وبين فرنسا على اقتسام التركة العثمانية، وقفت قواتها ومخابراتها،التي كانت تحتل الأردن وفلسطين، وراء زعيم الانتفاضة الفلاحية المسلحة ضد قوات الاحتلال الفرنسية في سوريا، الشيخ سلطان باشا الأطرش ، حيث أمدته بالمال والسلاح والملجأ بعد فشل انتفاضته بسبب عدم مؤازرتها من قبل أبناء المدن من الأغلبية السنية الذين كانت تمثلهم «الكتلة الوطنية» التي تمثل مصالح الطبقة التجارية المرتبطة بالاحتلال الفرنسي. وخلال تلك الفترة عمل البريطانيون أيضاً على إقامة روابط بين الشيخ الأطرش و بين الميليشيات الصهيونية  في فلسطين بهدف تهجير دروز فلسطين وإقامة دولة درزية في الجنوب السوري وجنوب لبنان.

مدير إدارة الاستطلاع

اللواء [ ماركوس] فولف

(انتهى التقرير)

 ֎֎֎

   بعد هذا التقرير بحوالي أسبوع  أَوفد رئيس الدولة  فالتر أولبرخت اثنين من القادة السياسيين والأمنيين إلى دمشق لإبلاغ الرئيس الأتاسي ورفاقه بمضمونه. ونفهم من تقرير أرسله القنصل العام المفوض في دمشق،هورست غرونرت، بتاريخ 13 فبراير 1967، إلى وزير خارجية بلاده أوتو فينزر،  أن القيادة الألمانية أرسلت إلى دمشق كلاً من بول ماركوفسكي  Paul Markowski (عضو اللجنة المركزية للحزب و رئيس لجنة مكافحة الاستعمار) والعقيد فيلي دامWilli Damm (رئيس الدائرة العاشرة في المخابرات الخارجية، المسؤولة عن التعاون مع أجهزة المخابرات الصديقة) لإبلاغ القيادة السورية بمضمون المعلومات التي حصلت عليها المخابرات الألمانية، الواردة في التقرير المسهب أعلاه. وفي التاريخ نفسه اجتمع الموفدان الألمانيان، بحضور القتصل العام المفوض غرونرت، مع وزير الخارجية الدكتور ابراهيم ماخوس وسلماه رسالة الزعيم الألماني أولبرخت إلى الرئيس الأتاسي حول «المؤامرة» التي كان يجري تحضيرها في الأردن، والتي وردت تفاصيلها في التقرير.

  وحسب تقرير القنصل العام غرونرت، المنشورة صورة عنه جانباً، فإن الرئيس الأتاسي لم يستطع استقبال الموفدَين الألمانيين بسبب سفره إلى مسقط رأسه (حمص) وانشغاله بمسألة عائلية طارئة، فكلّف الدكتور ماخوس باستقبالهما واستلام رسالة أولبرخت. وخلال الاجتماع جرى استدعاء رئيس مكتب الأمن القومي،العقيد عبد الكريم الجندي ،للمشاركة فيه، نظراً للطابع الأمني المتعلق بمهمة الموفدين الألمانيين. وطبقاً لتقرير القنصل العام عن الاجتماع، فإن كلاً من الجندي وماخوس كانا على دراية ببعض جوانب أنشطة حاطوم في الأردن، لكنهما «أعربا عن دهشتهما البالغة من الحكومة السرية التي شكّلها الضابط المنشق،ومن الأموال التي قدّمتها له شركة نفط العراق البريطانيةIPC  بناءً على طلب المخابرات البريطانية من أجل تمويل إنشاء ميليشيا معارضة بهدف مهاجمة الأراضي السورية انطلاقاً من الأردن. لكن صدمتهما ومفاجأتهما كانت أكبر حين علما أن للضابط المنشق حاطوم شقيقاً  يُدعى أنيس يعمل في المخابرات العسكرية الإسرائيلية منذ العام 1948 تحت اسم غاريس». ولاحظ الضيوف الألمان أن كلاً من ماخوس و الجندي حاولا في البداية التشكيك في المعلومات الألمانية المتعلقة بوجود شقيق للمقدم حاطوم في المخابرات العسكرية الإسرائيلية، وتساءلا  عما إذا كانت ألمانيا الشرقية متأكدة من صحة هذه المعلومات!؟ وبسبب حساسية القضية، والأسئلة التي طرحها الجانب السوري، وإجابات الموفدين الألمانيين، جرى تمديد الاجتماع لأكثر من ساعتين بدلاً من ساعة واحدة كما كان مقرراً.

   وفي تقرير آخر أرسله القنصل العام غرونرت بعد أربعة أيام إلى وزير الخارجية فينزر، وتحديداً في 17 شباط / فبراير، نفهم أن الرئيس نور الدين الأتاسي ، وبعد عودته من سفره الطارىء إلى مسقط رأسه (حمص)، استدعى غرونرت واعتذر عن عدم تمكنه من استقبال الموفدين الألمانيين خلال وجودهما في دمشق قبل أربعة أيام. وفي هذا التقرير، المنشورة صورة عنه جانباً، يقول غرونرت « استُدعيتُ اليوم بشكلٍ مفاجئ من قِبل الدكتور نور الدين الأتاسي،رئيس الدولة في الجمهورية العربية السورية، على الرغم من أنه يوم جمعة، وهو عطلة رسمية. وبعد أن أعرب عن أسفه واعتذاره لعدم تمكنه من استقبال مبعوثي الرفيق أولبريخت في الثالث عشر من هذا الشهر بسبب التزامات عائلية طارئة، أبلغني أنه اطلع من وزير خارجيته ومن رئيس مكتب الأمن القومي على رسالة الرفيق أولبريخت، وطلب مني أن أنقل إليه تحياته وشكره وتقديره، وإلى قيادة الحزب الاشتراكي، وحكومة جمهورية ألمانيا الديمقراطية،لاهتمامهم بأمن واستقرار وازدهار الجمهورية العربية السورية.« ويضيف غرونرت القول «عند وصولي إلى القصر الرئاسي، فوجئت بوجود نائبه لشؤون الحزب، السيد صلاح جديد، هناك أيضاً. وقد شارك في النقاش وطرح بعض الأسئلة حول نقاط محددة في رسالة الرفيق أولبريخت. وقد أعرب كلاهما عن صدمتهما من المعلومات المتعلقة بأنشطة الضابط السوري المنشق (سليم حاطوم)، لا سيما حقيقة وجود شقيق له في المخابرات العسكرية الإسرائيلية منذ عشرين عاماً تقريباً؛ وأكدا لي أن «السلطات المختصة ستفتح تحقيقاً شاملاً وعاجلاً في الأمر». وخلال الاجتماع أبلغه الرئيس الأتاسي بأنه «قد يتمكن من زيارة الاتحاد السوفيتي في أيار/ مايو المقبل بدعوة من القيادة السوفيتية لمناقشة آخر التطورات السياسية في المنطقة والتوترات الناجمة عن الهجمات الإسرائيلية المستمرة على الأراضي السورية. وقد أبدى رغبةً شديدةً في زيارة ألمانيا الشرقية حالما تسمح له ظروف قيادتها باستقباله». واستنتج غرونرت من كلام الرئيس الأتاسي أنه «كان يلمح بذلك إلى أنه يريد دعوة رسمية من حكومة ألمانيا الديمقراطية للقيام بهذه الزيارة». وغني عن البيان أن الرئيس الأتاسي لم يزر ألمانيا الشرقية طوال فترة رئاسته التي انتهت باعتقاله بعد ذلك بحوالي ثلاث سنوات، مع أنه زار الاتحاد السوفييتي فعلاً في أيار/ مايو 1967 على خلفية تصاعد التوتر الأمني بين مصر وإسرائيل، والذي انتهى بعدوان هذه الأخيرة على الدول العربية بعد بضعة أيام من حصول تلك الزيارة التي تمكن خلالها الأتاسي و ماخوس من إحباط اجتماع سري كان من المقرر أن يعقد في موسكو بين جمال عبد الناصر و رئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي أشكول بترتيب من ليونيد بريجينيف.

  مع ذلك، فإن ما يلفت الانتباه في تقرير القنصل الألماني العام عن اجتماعه مع الأتاسي و جديد واجتماعه السابق مع ماخوس والجندي، هو تشكيكه في مصداقية القيادة السورية لجهة إنكارها أنها على علم بوجود ضابط شقيق للمقدم حاطوم في المخابرات العسكرية الإسرائيلية طوال ما يقارب عشرين عاماً. ويقول في هذا السياق « كان لديّ انطباع بأن أعضاء القيادة السورية، سواء من التقيناهم في الثالث عشر من هذا الشهر أو من التقيت بهم اليوم، تظاهروا بالدهشة وعدم التصديق بدافع الحرج. فمن غير المعقول أن تكون الدولة السورية وأجهزتها الأمنية جاهلةً بهذا الأمر، نظراً لأن كل مواطن سوري يلتحق بالجيش، وخاصة إذا كان ضابطاً أو مسؤولاً رفيع المستوى، يجري توثيق خلفيته العائلية والمهنية منذ ولادته»! وكان معه الحق كله في تكوين هذا الانطباع... ما لم تكن إجراءات التقويم الأمني أو الدراسة الأمنية عن كل متطوع في الكلية الحربية، التي عرفناها لاحقاً، غير متبعة في ظل حكومات ما قبل « دولة البعث»!؟(...).

  الوثيقة الألمانية الثالثة :

«الجندي» يكشف تفاصيل تحقيقه مع «حاطوم» ورفيقه ويعرض نقل «ملفات العملاء والجواسيس» إلى برلين!

   مع بدء العدوان الإسرائيلي في 5 حزيران/ يونيو 1967، لاسيما بعد  العاشر من ذلك الشهر حين تأكد أن إسرائيل تمكنت من تدمير المطارات المصرية والسورية والأردنية وتلك الواقعة غربي العراق، وأن جيوش «بلدان الطوق» تفككت وتمزقت وتلاشت هائمة على وجوهها فوق رمال سيناء ومرتفعات الجولان  وهضاب «الضفة الغربية»، مخلفةً عتادها العسكري غارقاً في الرمال أو مدمراً على جوانب الطرق، بدأت مجموعات المقدم حاطوم، من مدنيين وعسكريين، بالتسلل إلى الأراضي السورية من الأردن ولبنان وتركيا. ورغم أن الأردن كان له نصيبه الكبير من الكارثة، وجد قادته الهاشميون،العملاء والجواسيس تاريخياً وبالوراثة، متسعاً من الوقت لتنفيذ مؤامرتهم بالتعاون مع الإسرائيليين لإسقاط نظام دمشق، وهو دور لم يتوقفوا عن القيام به يوماً واحداً منذ تأسيس إمارتهم حتى اليوم، أو على الأقل منذ العام 1957 حين تورطوا أيضاً،مع وكالة المخابرات المركزية والمخابرات البريطانية و«الحزب القومي السوري» والأخوان المسلمين والأمير حسن الأطرش،لاغتيال عدد من السياسيين والعسكريين اليساريين و وقف ما أسموه «المد الشيوعي في سوريا»!وهي مؤامرة شارك فيها أيضاً النائب ميخائيل إليان وقائد سلاح المدرعات، العقيد عمر قباني،و حكمت الشهابي، الذي كان لم يزل برتبة ملازم أول ويعمل مع الـCIA منذ دراسته العسكرية في الولايات المتحدة! (حول هذه المؤامرة التي تكاد تكون منسية أو مجهولة، راجع هنا الهامش 15،الصفحات 167-170). 

   على أي حال،من الواضح أن تحرك حاطوم ومجموعاته لم يحصل إلا بعد أن أصدر وزير الدفاع السوري، حافظ الأسد،بيانه الرسمي (66، تاريخ 10 يونيو) الذي بدا كما لو أنه «كلمة السر» للبدء بالتحرك، والذي أعلن فيه عن تمكن القوات الإسرائيلية من احتلال مدينة القنيطرة، رغم أن الشهادات والوثائق التي نشرت لاحقاً بينت أن الجنود السوريين كانوا لا يزالون يقاتلون على بعد 5-8 كم غربي المدينة. وبعيداً عن الدجل والشعوذات السوقية الرخيصة والغبية التي انتشرت لاحقاً، سنعرف من أرشيف المخابرات البريطانية الذي جرى تهريبه إلى «برلين الشرقية» السببَ الفعلي الذي دفع الأسد إلى إصداره بيانَه الرقم (66)(17). وهو - بالمناسبة- ما سيكرره بعد ست سنوات على ذلك قُبيل حصول «الخرق الإسرائيلي» على الجبهة السورية في حرب أكتوبر 1973 اعتباراً يومها الثالث ، كما علمنا من الأرشيف الديبلوماسي السوفييتي (راجع هنا الصفحة 203 وما بعد).

  ودون الدخول في التفاصيل التي أصبحت معروفة، تمكن نظام دمشق من اعتقال معظم المتسللين، فضلاً عن الآخرين الذين سلموا أنفسهم طواعية بعد أن اكتشفوا أن ما أخبرهم به مدير المخابرات الأردنية محمد رسول الكيلاني، والإسرائيليون مباشرة و/أو عبره، مجرد أوهام وأكاذيب. وفي ساعة مبكرة من فجر يوم 24 يونيو جرى إعدام حاطوم ورفيقه بدر جمعة وحدهما بعد تحقيق سريع ومحاكمة عسكرية أسرع. ومنذ ذلك الحين لا يعرف العالم ما الذي جرى بالضبط خلال التحقيق والمحاكمة اللذين استغرقا 12 يوماً فقط، ولم يطلع أحد على محضر التحقيق باستثناء حفنة صغيرة. ولهذا بقيت الساعات الأخيرة الفاصلة بين اعتقال المتآمرين وإعدام اثنين منهم، موضوع روايات متضاربة، وأحياناً هذيانات حيزبونية، طوال ستين عاماً! وهنا تأتي أهمية الوثيقة الثالثة المتعلقة  بالضابط الإسرائيلي أنيس / غاريس حاطوم.

   صباح 26 حزيران/ يونيو 1967، أي بعد يومين من إعدام الضابطين، وفي غمرة الأخبار العالمية المتلاحقة والمشوشة والمتضاربة عما كان يحصل في سوريا،اتصل القنصل الألماني الشرقي في دمشق، الدكتور هورست غرونرت، بوزارة الخارجية السورية ليتأكد مما إذا كان الوزير ابراهيم ماخوس وصل من نيويورك من أجل مقابلته. وكان ماخوس يومها برفقة الرئيس الأتاسي للمشاركة في جلسات الأمم المتحدة الطارئة بشأن العدوان الإسرائيلي على الدول العربية. وحين تبين له أن الرئيس والوزير لم يصلا بعد، وأن صلاح جديد كان مشغولاً بمتابعة التطورات السياسية مع السفير السوفييتي أناتولي باركوفسكي، كما يقول، طلب موعداً مع رئيس مكتب الأمن القومي عبد الكريم الجندي للإستفسار منه عن التطورات العسكرية والأمنية لاسيما داخل سوريا، حيث كانت وسائل الإعلام العالمية والإقليمية تبث أخباراً وإشاعات متضاربة عن الوضع الأمني الداخلي، وعن فرار معظم المسؤولين السوريين، فضلاً عن سكان العاصمة، إلى مناطقهم ومحافظاتهم الأصلية مع عائلاتهم! وعندها حدد له العقيد الجندي موعداً غير رسمي مساء ذلك اليوم في منزله، وليس في مكتبه، طالباً منه إحضار المترجم الخاص بالقنصلية الألمانية لأنه يريد التحدث في أمور حساسة يتطرق إليها للمرة الأولى. وقد حصل بينهما اللقاء في منزل الجندي مساء اليوم المقترح،26 حزيران/يونيو، والذي امتد حتى منتصف الليل. وصباح اليوم التالي، 27 يونيو / حزيران، أرسل القنصل تقريراً عن اللقاء إلى وزير خارجية بلاده ، أوتو فينزر.

   في الواقع،ومنذ الساعات الأولى للعدوان الإسرائيلي، تلقى حاطوم ورفاقه إشارات من مدير المخابرات الأردنية بأن يكونوا في حالة جاهزية للعودة وتسلم السلطة في دمشق. وكانت المعلومات عن «انهيار وتفكك» السلطة في سوريا تتدفق من جهات عدة : السفيرين البريطاني والأميركي في دمشق تريفور إيفانز و هيو سمايث(إلى حين طرْدهما بعد ثلاثة أيام من بدء العدوان الإسرائيلي في 5 حزيران/يونيو)، ومن رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية أهارون ياريف الذي كان هو و/أو زميله مئير عاميت على تواصل مع مدير المخابرات الأردنية محمد رسول الكيلاني؛ ومن رئيس محطة المخابرات البريطانية في عمّان فرانك ستيل ونظيره رئيس محطة الـCIA  جاك أوكونيل، مستشار الملك.

    من الواضح أن النتائج المباشرة للحرب، لاسيما الانسحاب الفوضوي لوحدات الجيش السوري من الجبهة وتفككها، وتركها أسلحتَها على الطرقات، بعد إصدار وزير الدفاع حافظ الأسد البيان رقم 66 بتاريخ 10 يونيو1967، أوحت للجهات التي كانت تقف وراء حاطوم و منيف الرزاز و صلاح البيطار ومجموعاتهم بأن النظام أصبح بحكم المنهار، وأن هذا هو الوقت المناسب لتدفقهم إلى الأراضي السورية لاستلام السلطة. وهذا بالضبط ما سمعه حاطوم من محمد رسول الكيلاني، كما اعترف حاطوم نفسه للعقيد عبد الكريم الجندي خلال التحقيق معه فور اعتقاله، كما سنرى. لكن المنشقين الهاربين فوجئوا بعد دخولهم إلى المدن السورية( دمشق، حمص، السويداء، درعا) بأن الصورة التي رُسمت لهم من قبل مشغليهم لم يكن لها أساس من الصحة، فانهاروا هم قبل انهيار النظام،حيث جرى اعتقالهم واحداً تلو الآخر، بينما سلم البعض منهم نفسه طواعية! ومن المؤكد أن التقرير الألماني التفصيلي الذي حمله بول ماركوفسكي و العقيد فيلي دام إلى الرئيس الأتاسي ورفاقه قبل ذلك بحوالي أربعة أشهر (في 13 شباط / فبراير)، لاسيما الشق المتعلق منه بتزامن تنفيذ «المؤامرة» مع عدوان تشنه إسرائيل بعد ذوبان الثلوج في مرتفعات الجولان، لعب دوراً بالغ الأهمية في جعل قادة نظام دمشق أكثر يقظة؛لكنه - للأسف - لم يجعلهم أكثر يقظة إزاء الشق الإسرائيلي العسكري من «المؤامرة»: احتلال الجولان ومدينة القنيطرة بالتزامن مع تنفيذها أو قبلها!

   ونظراً لأهمية تقرير القنصل غرونرت إلى وزير خارجية بلاده عن لقائه مع العقيد الجندي، ارتأيت أن أنشر ترجمته الكاملة هنا (وتجدون صورة عنه منشورة في نهاية هذا التحقيق):

 دمشق، في 27 يونيو 1967

إلى الرفيق أوتو فينزر [ وزير الخارجية]:

   حاولت صباح أمس، 26 يونيو، التواصل مع وزير الخارجية السورية ، الدكتور ابراهيم ماخوس، لكن تبين أنه لم يزل في طريق العودة من نيويورك مع الرئيس الأتاسي بعد مشاركتهما في جلسات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن العدوان الإسرائيلي على الدول العربية. ولأن مساعد الرئيس للشؤون الحزبية، صلاح جديد،كان مشغولاً بمتابعة الاتصالات مع السفير السوفييتي في دمشق أناتولي باركوفسكي [حول التطورات السياسية والعسكرية في المنطقة]، اتصلت برئيس مكتب الأمن القومي ، العقيد عبد الكريم الجندي، وطلبت الاجتماع به لمحاولة معرفة  حقيقة الوضع العسكري والمعلومات المتضاربة التي كانت تتحدث عنها وسائل الإعلام الغربية (زعمت هيئة الإذاعة البريطانية وبعض الإذاعات الإقليمية أن السلطات السورية تقوم بـ«حملة اعتقالات وإعدامات جماعية»، وأن «الوضع الأمني الداخلي يتدهور بسرعة نتيجة هزيمة الجيوش العربية في الحرب...» ، وأن «الرئيس الأتاسي سيبقى في الخارج ولن يعود إلى سوريا»... إلخ) . وقد طلب العقيد الجندي «أن نلتقي مساء بشكل غير رسمي في منزله وليس في مكتبه، وأن أحضر معي مترجم القنصلية الخاص، لأنه سيتحدث معي في أمور خاصة وحساسة جداً وسيتطرق إليها للمرة الأولى».

   خلال اللقاء الذي استمر حتى ساعة متأخرة من الليل واستغرق حوالي ثلاث ساعات، تخلله عشاء كريم على الطريقة العربية التقليدية، طلب مني أن أنقل شكر القيادة السورية  لقيادة جمهورية ألمانيا الديمقراطية على كل ما قامت به بشأن فضح المؤامرة التي كان يجري ترتيبها؛وأكد أن  التحقيقات التي أجراها بنفسه مع المقدم [سليم] حاطوم ورفاقه أثبتت أن :

ـ معظم ما جاء في رسالة الرفيق أولبرخت إلى الرئيس الأتاسي في 13 شباط/ فبراير كان دقيقاً جداً، بما في ذلك وجود أخ شقيق للمقدم حاطوم في المخابرات العسكرية الإسرائيلية منذ العام 1948، ولا يزال على رأس عمله تحت اسم غاريس خاتوم.

ـ أنكر الضابط المتمرد أنه كان على تواصل مع شقيقه، وأكد أن العائلة قطعت علاقتها به منذ سنوات طويلة بسبب تحوله إلى الديانة اليهودية، رغم محاولاته المتكررة إعادة صلاته مع أسرته وأقربائه. لكن زميله ، الرائد بدر جمعة، وهو ضابط في المخابرات العسكرية، اعترف بأن الشقيق الإسرائيلي [ غاريس/ أنيس حاطوم] كان على تواصل مع شقيقه المقدم [سليم] حاطوم من خلال أحد الرعاة المتجولين في المناطق الحدودية. كما اعترف بأن الشقيق الإسرائيلي أصبح على تواصل مباشر مع شقيقه الضابط السوري بعد فرار هذا الأخير إلى الأردن، وكان يلتقيه هناك بمعرفة وترتيب المخابرات الأردنية بمعدل مرة واحدة أسبوعياً أو كل أسبوعين. وعندها أقر الضابط المتمرد [ سليم حاطوم] بصحة هذه المعلومات، وبأنه عمد منذ أن أصبح في موقع المسؤولية إلى تنظيم شهادة وفاة مزيفة لأخيه [ غاريس/ أنيس] بتاريخ رجعي يعود إلى العام 1948.

ـ اعترف الضابط المتمرد وزميله الرائد بدر جمعة بأن عودتهما إلى سوريا مع مجموعاتهما الهاربة كانت بناء على طلب مدير المخابرات الأردنية محمد رسول الكيلاني الذي التقاهما آخر مرة بتاريخ 10 حزيران/ يونيو، بعد إعلان دمشق عن سقوط مدينة القنيطرة في قبضة القوات الإسرائيلية، وطلب منهما تحضير أنفسهم للعودة إلى سوريا في غضون  يومين أو ثلاثة من أجل تسلم السلطة. وأبلغهما بأن «الجيش [السوري] تفكك وأن معظم أعضاء قيادة النظام [السوري] وحكومته هربوا مع عائلاتهم [من العاصمة دمشق] إلى مناطقهم الأصلية».

ـ اعترف الضابط المتمرد بأنه، وخلال تواجده في الأردن، كان على تواصل مع اللواء وزير الدفاع (حافظ الأسد) من خلال سائق سيارة نقل يعمل على طريق عمان - دمشق. كما اعترف بأن وزير الدفاع كان على علم  بتشكيل الحكومة في المنفى، وبأنه عُيّن فيها وزيراً للدفاع وسيبقى في هذا المنصب بعد تسلم هذه الحكومة السلطة. كما اعترف بأن شركة نفط العراق البريطانية IPC هي التي كانت تمول أنشطتهم - منذ فرارهم - من خلال تحويلات مالية إلى فرع «بنك الرافدين» العراقي في عمّان.

ـ بسبب ذلك، وثبوت اتصالاته هو ورفيقه الرائد بدر جمعة مع العدو الإسرائيلي، اتخذنا قراراً بإحالتهما إلى محكمة عسكرية سريعة وإعدامهما صباح 24 من  الشهر الجاري سنداً لقانون العقوبات العسكري الصادر في العام 1950.  كما قررنا إحالة بقية رفاقهما، الذين ثبت أنهم لم يكونوا على علم بالتواصل مع العدو ولم يتورطوا في العمالة له، إلى محكمة أخرى. وبخلاف أكاذيب وسائل الإعلام المعادية،لم يجر إعدام سوى هذين الضابطين السابقين وللأسباب المذكورة.

ـ اتفقتُ مع الرفيق صلاح جديد، ومع الرفيق وزير الداخلية محمد عشاوي، على إزالة ومسح جميع  المعلومات التي تشير إلى وجود شخص باسم أنيس حاطوم من جميع  السجلات الرسمية السورية فوراً، دَرءاً للفضيحة وإكراماً لقائد ثورتنا الوطنية سلطان باشا الأطرش ،و سنبلغ  الرفيق رئيس الدولة[ نور الدين الأتاسي] بهذه الإجراءات فور عودته من نيويورك.

   بعد أن انتهى السيد الجندي من عرض هذه المعلومات ، طرح عليّ فكرة غريبة ومفاجئة، إذ طلب مني الاتصال بالجهات المعنية في جمهورية ألمانيا الديمقراطية بالسرعة الممكنة لبحث ما إذا كانت مهتمة أو معنية بها. فقد أكد أن سجلات أجهزة الأمن السورية،وبشكل خاص «المكتب الثاني /المخابرات العسكرية»، متخمة بملفات العملاء والجواسيس المحليين والأجانب منذ فترة الانتداب الفرنسي،والذين لا يزال معظمهم على قيد الحياة ويساهمون في الحياة العامة، بما في ذلك الحياة السياسية والعسكرية، وهو «يريد نقل هذه الملفات إلى برلين بطريقة آمنة وتسليمها للسلطات المعنية في جمهورية ألمانيا الديمقراطية». وحين سألته عن دوافعه إلى التفكير بذلك، وما إذا كان طرَح الفكرة نفسها على جهة أخرى، لاسيما الرفاق السوفييت، قال «نحن لا نعرف ماذا تخبىء لنا الأيام القادمة، فقد يقوم أحد ما في موقع المسؤولية بإتلافها، بينما جمهورية ألمانيا الديمقراطية أقدر منا على الاحتفاظ بها والاستفادة منها في عملها ضد القوى الإمبريالية والصهيونية،سواء في منطقة الشرق الأوسط أو حول العالم»، و نفى أن يكون طرح المسألة على أي جهة أخرى بما في ذلك الرفاق السوفييت، لأنه «لا يثق بهم، ولأنهم يكرهوننا ويعتبروننا مجموعة من الطائشين والمغامرين، وقد يقومون ببيعها إلى أعدائنا». وعندها أبلغته بأني لا أستطيع إعطاءه جواباً رسمياً بشأن هذه المسألة، لكني سأبلغ الجهات المعنية في بلادنا بهذا الأمر، وسأعود إليه بجواب رسمي في أقرب وقت ممكن.

القنصل العام هورست غرونرت

(انتهى التقرير)

֎֎֎

   السؤال المنطقي الذي يفرض نفسه في سياق «مؤامرة حاطوم» يتعلق بقضية الجاسوس إيلي كوهين ، وما إذا كان له علاقة «استباقية» بهذا السياق، نظراً لأن المقدم حاطوم كان عضواً في المحكمة العسكرية التي حاكمته  مع شبكته المحلية في أيار/مايو 1965، وما إذا كان شقيقه أنيس/ غاريس جزءاً من الشبكة يومها!؟

   في الواقع لم أعثر على أي وثيقة تربط بين الأمرين؛ ولكن يمكن الافتراض منطقياً أن سلطة نظام الرئيس أمين الحافظ ، الذي كان يشغل أيضاً منصب رئيس الوزراء في الوقت نفسه (أكتوبر 1964- سبتمبر 1965)، هي التي أدارت عملية التحقيق والمحاكمة. ومن المعلوم أن كثراً ممن كتبوا مذكراتهم عن تلك الفترة تحدثوا عن أن عدداً ممن ارتبط بـ «الشبكة» من المسؤولين المحليين، مدنيين وعسكريين، جرى منع المحاكمة عنهم ومنع وصول ملفات التحقيق معهم إلى المحكمة. وهذا ما قاله عبد الكريم الجندي، حين كان عضواً في القيادة القطرية و وزير الإصلاح الزراعي خلال الفترة (أكتوبر 1964-ديسمبر 1965).

  خلال هذه الفترة، وتحديداً في تموز/ يوليو 1965، أي بعد إعدام إيلي كوهين بحوالي شهرين، قام الجندي بزيارة رسمية إلى جمهورية ألمانيا الديمقراطية للاطلاع على تجربتها الزراعية. وخلال الزيارة، وعلى نحو غير مألوف بروتوكولياً، استقبله زعيم ألمانيا الديمقراطية (الأمين العام للحزب ورئيس مجلس الدولة) فالتر أولبرخت بتاريخ 15 من الشهر المذكور(18). وفي اليوم التالي لاستقباله من قبل الرئيس أولبرخت، نظمت له اللجنة المركزية للحزب اجتماعاً خاصاً مع اثنين من قيادتها، وهما بيتر فلورين Peter Florin رئيس قسم العلاقات الدولية في اللجنة المركزية للحزب، و هاينز شميدت Heinz Schmidt ، رئيس «لجنة التضامن الأفرو - آسيوية» . لكن ما يلفت الانتباه هو أن أحد كبار ضباط المخابرات ( المقدم فيلي دام Willi Damm، رئيس الدائرة العاشرة، دائرة مكافحة التجسس في وزارة أمن الدولة) شارك في الاجتماع دون أن أن يكشف عن هويته للضيف، بل بوصفه عضواً في اللجنة المركزية وأحد المسؤولين عن القطاع الزراعي! وفي ختام اللقاء، أعده المقدم فيلي دام تقريراً عن اللقاء إلى وزير أمن الدولة إريش ميلكه أشار فيه إلى ما قاله الجندي خلال اللقاء، و قدم وصفاً مختصراً لشخصيته، ونصح بالتعاون معه. ونظراً لأهمية التقرير، أدرج هنا ترجمته الحرفية (في نهاية هذا التحقيق توجد صورة طبق الأصل عن التقرير):

وزارة أمن الدولة

الدائرة العاشرة

برلين : 16 تموز/ يوليو 1965

تقرير معلومات حول لقاء خاص مع وزير الإصلاح الزراعي السوري عبد الكريم الجندي

مساء أمس، أجرينا لقاء خاصاً مع السيد عبد الكريم الجندي، وزير الإصلاح الزراعي في الجمهورية العربية السورية، بحضور الرفيق بيتر فلورينPeter Florin، رئيس قسم العلاقات الدولية في اللجنة المركزية، والرفيق هاينز شميدت Heinz Schmidt، رئيس «لجنة التضامن الأفرو- آسيوية»(*) . خلال اللقاء أعرب السيد الجندي عن تقديره العالي للحفاوة الخاصة التي لقيها من قبل الرفيق فالتر أولبرخت الذي استقبله يوم أمس، وكذلك من قبل  الرفيق غيرهارد غرونبيرغGerhard Grüneberg  سكرتير اللجنة المركزية للشؤون الزراعية  والرفيق غيورغ إيفالد Georg Ewald   رئيس «المجلس الزراعي».  وقد جرى التطرق خلال حديثنا معه  إلى الأوضاع السياسية العامة في بلاده وفي منطقة الشرق الأوسط باعتباره عضواً في القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي.

من بين الموضوعات التي جرى التطرق إليها قضية الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين، الذي أعدم في 18 أيار/ مايو الماضي. وقد عبر السيد الجندي بالمناسبة عن شكره لجمهورية ألمانيا الديمقراطية وأجهزتها الأمنية على الدعم التقني الذي قدمته للسلطات الأمنية السورية في اكتشاف أنشطة الجاسوس الإسرائيلي وشبكته التي يرتبط بعض أعضائها بوكالة المخابرات المركزية (**).

ما كان لافتاً هو إشارته إلى أن الرئيس السوري أمين الحافظ «أمر بمنع المحاكمة عن عدد من أعضاء شبكة جواسيس إيلي كوهين، وعدم إحالة ملفاتهم إلى المحكمة، بسبب علاقتهم الوثيقة بالتيار اليميني الرجعي الشوفيني الممالىء له في في قيادة الحزب». وتحدث السيد الجندي عن أن ِ«بعض أعضاء هذا التيار في القيادة لا يتردد في الحديث خلال الاجتماعات الرسمية عن أن المصلحة الوطنية لسوريا تقتضي بناء أفضل العلاقات مع الدول الغربية، وليس مع الدول الاشتراكية،بسبب الثقافة العربية - الإسلامية لسوريا التي ترفض الثقافة الشيوعية الإلحادية التي تسعى تلك الدول لتصديرها إلينا». وبحسب ما قاله السيد الجندي، فإن «أغلبية قيادة حزب البعث في سوريا وعلى المستوى العربي تنتمي إلى هذا التيار في مواجهة أقلية تقدمية صغيرة ترى أن مصلحة بلادنا هي مع الدول الاشتراكية وتعميق التحولات الاجتماعية والاقتصادية في سوريا». وكان لافتاً تأكيده أنه ورفاق » لا يمكن أن يتحملوا هذا الوضع طويلاً، وقد يكونون مضطرين إلى القيام بعمل ما من أجل تجنيب سوريا العودة إلى ما قبل العام 1957 حين كانت تدار من قبل موظف صغير في إحدى السفارات الغربية».

   لكن الأكثر إثارة للانتباه هو سؤاله لنا «عما إذا كان بإمكان الجهات المعنية في جمهورية ألمانيا الديمقراطية مراقبة أنشطة هؤلاء خلال سفرهم إلى الخارج، لاسيما رئيس الدولة ورئيس الحكومة، أمين الحافظ، ورئيس الحكومة السابق صلاح البيطار، و وزير الدفاع محمد عمران، وقائد القوى الجوية حافظ الأسد، لأن لديه شكوكاً قوية بشأن ارتباطاتهم الخارجية». وبشأن الأخير بينهم، قال إن لديه «معلومات لم تتأكد بعد عن أن زيارة اللواء الأسد إلى بريطانيا في أيار /مايو الماضي لم تكن لأسباب صحية أو لمقابلة قائد سلاح الجو البريطاني  Charles Elworthy لبحث إمكانية الحصول على سلاح جوي بريطاني كما زعم، ولكن للاجتماع  مدير المخابرات البريطانية ريتشارد وايت». وحين سألناه عن السبب الذي يدفعه إلى الشك بخلفيات الزيارة، قال «إن آخر طائرة حربية بريطانية الصنع في سوريا سحبت من الخدمة العملياتية قبل بضع سنوات مع وصول  دفعات كبيرة من الطائرات السوفييتية. كما أن صديقه ومستشاره الخاص، المحامي عبد الحليم خدام، محافظ القنيطرة حالياً، وثيق الصلة بالمخابرات البريطانية منذ أن كان يعمل في شركة نفط العراق البريطانية IPC  مطلع الخمسينيات، وهو الشخص الذي وقف - بحكم صداقته مع  السفير البريطاني الحالي تريفور إيفانز Trefor Evans - وراء زيارته إلى لندن في مايو الماضي. كما أنه قابل خلال زيارته  اثنين من ضباط المخابرات البريطانية، المستعرب آلان غلوز غوديسون Alan Clowes Goodison  و المستعرب Terence Clark  كما علمت من أحد الضباط الذين رافقوه خلال الزيارة». وأبدى السيد الجندي «استغرابه ودهشته من أن يكون الأسد وخدام عملا على ترتيب الزيارة في الوقت الذي كان سوريا تواجه أهطر قضية تجسس، وأن الأسد قام بالزيارة مع عدد من محاسبيه  في الوقت الذي كانت شبكة تجسس كوهين لا تزال قيد التحقيق والمحاكمة».

ملاحظات:

(*) ـ لم يتم إبلاغ السيد الجندي بأنه يجتمع مع ضباط من وزارة أمن الدولة، بل من اللجنة المركزية للحزب.

(**) ـ ينحدر السيد الجندي من الطائفة الإسلامية الإسماعيلية، المعروفة تاريخياً بميولها الثورية اليسارية وحساسيتها الخاصة إزاء الجوانب الاقتصادية والاجتماعية للطبقات والفئات الاجتماعية الفقيرة والمهمشة. ورغم أنه شخص حماسي ومندفع ولديه ميل واستعداد لممارسة العنف ضد خصومه، إلا أنه شخص مستقيم ونقي ومعاد بقوى للقوى الإمبريالية والرجعية ويمكن الاعتماد عليه. ولهذا نقترح توثيق العلاقة الخاصة معه.

رئيس القسم

المقدم: فيلي دام

(انتهى التقرير)

֎֎֎

  ملحق :

   السؤال المنطقي الذي يفرض نفسه في سياق «مؤامرة حاطوم» يتعلق بقضية الجاسوس إيلي كوهين . فقد أصبح ثابتاً وموثقاً، من خلال البرقيات التي كان يرسلها كوهين إلى مشغليه في تل أبيب، أن حاطوم كان صديقه وأحد مصادر معلوماته العسكرية والسياسية، قبل أن يصبح عضواً في المحكمة العسكرية التي حاكمت كوهين  مع شبكته المحلية في أيار/مايو 1965! وهذه من المفارقات التي لا تحصل حتى في فيلم هوليوودي، والتي التقطها مؤلفو الكتاب الذي كان هامشه الصغير مفتاحي الأول لإجراء هذا التحقيق على مدار العقود الماضية: رئيس شبكة جواسيس إسرائيلية تجري محاكمته من قبل ضابط سوري شقيقُه ضابط في المخابرات العسكرية الإسرائيلية منذ العام 1948!

   في الواقع لم أعثر على أي وثيقة تربط بين الأمرين؛ أعني لم أعثر على أي وثيقة تؤكد أن إيلي كوهين كان يعلم أن سليم حاطوم له أخ شقيق في المخابرات العسكرية الإسرائيلية يدعى أنيس/ غاريس. لكن ما يلفت الانتباه أن سليم حاطوم كان أكثر أعضاء المحكمة تشدداً مع كوهين وشبكته، كما روى البعض ممن عايشوا دراما تلك القضية.

  شيء آخر يلفت الانتباه في القضية، وهي السرعة التي جرت بها إجراءات القضية: أقل من أربعة أشهر ما بين تاريخ اعتقاله وبدء التحقيق معه ومع شبكته( 24 يناير1965) وتاريخ إصدار الأحكام (8 مايو 1965). هذا فضلاً عن منع المحاكمة عن أكثر من ثلاثين شخصاً آخر، نساءً ورجالاً، كانوا على علاقة وثيقة معه، بينهم رئيس الوزراء صلاح البيطار والرئيس أمين الحافظ نفسه، الذي كان آخر مسؤول سوري اجتمع معه كوهين قبل خمسة أيام فقط من اكتشافه واعتقاله، كما تشير آخر برقية مشفرة أرسلها كوهين بتاريخ 19 كانون الثاني/ يناير( منشورة جانباً). وهذا ما يؤكد إشارة الاتهام التي وجهها عبد الكريم الجندي إلى أمين الحافظ خلال اجتماعه صيف العام 1965 مع مضيفيه من المسؤولين الألمان الشرقيين خلال زيارته إلى برلين كوزير للإصلاح الزراعي صيف العام 1965! وغني عن البيان أن اجتماع كوهين مع الحافظ، غاب تماماً عن ملفات المحكمة، بينما تنتشر إشاعات وأكاذيب منذ الستينيات عن أن حافظ الأسد كان يلتقي معه، بينما خلت جميع برقيات كوهين ، التي أفرجت عنها إسرائيل حتى الآن، من أي إشارة إلى أنه التقى أو عرف حافظ الأسد، قائد القوى الجوية في حينه، ولا رئيس الأركان آنذاك، صلاح جديد،إلا بالاسم! وغني عن البيان، وهذا من البدهيات،أن من مصلحة إسرائيل البروباجندية أن تنشر أي وثيقة تشير إلى أن كوهين التقى - حتى ولو مصادفةً -  مع الأسد.

  على أي حال،صحيح أنها كانت محكمة عسكرية استثنائية لا تعرف الإجراءات البيروقراطية العلنية المتبعة في القضاء النظامي. ولهذا فقد افتقرت إلى الشفافية المطلوبة التي من شأنها إلقاء ضوء حقيقي على الشبكة التي كانت تعمل معه. وهذا لا ينفي - بطبيعة الحال - أن بعض أصحاب وأصدقاء كوهين كان ساذجاً وتعامل معه وفلش أمامه كل ما يعرفه من معلومات،كما يجري التعامل عاطفياً في بلادنا مع أي«مغترب عائد إلى وطنه ويريد أن يخدمه»، كما قال بعضهم فعلاً خلال التحقيق! وإذا كان غياب الشفافية قد حال دون معرفة حقيقة شبكة كوهين والدور الذي لعبه كل فرد من أفرادها، لاسيما المسؤولين العسكريين والمدنيين منهم، فإن الأكثر أهمية - من ناحية ارتباطه بموضوع «مؤامرة سليم حاطوم» اللاحقة  - هو أن غياب الشفافية منعنا من معرفة أي دور مفترض لعبه أنيس/ غاريس حاطوم في قضية كوهين. ذلك لأنه لا يمكننا أن نسقط من حسابنا أن الأمر المؤكد، دون أن يكون لدينا دليل قطعي على ذلك، وإنما قرائن ظرفية فقط، هو أن الإسرائيليين لا بد أنهم حاولوا استخدام أنيس/غاريس في القضية والتواصل مع شقيقه سليم، ومن خلال هذا الأخير مع بقية المؤثرين في القضية، على الأقل لإنقاذ عميلهم من حبل المشنقة والحكم عليه بالسجن المؤبد وليس بالإعدام، لتكون ثمة فرصة لمبادلته مع أسرى سوريين في المستقبل! ولكن من الواضح أن الرئيس أمين الحافظ  وباقي شلة «القيادة العفلقية» ( لاسيما  كان لهم مصلحة شخصية في إعدام كوهين والتخلص منه سريعاً قبل أن تنفجر فضائحهم 

  هذه القضايا تبدو بالغة الأهمية حين نعلم، من خلال العملية التي نفذتها «وحدة العمليات الخاصة في الموساد»، المعروفة باسم «قيسارية קיסריה»، في أيار/مايو 2025 ، بالتعاون مع الجاسوس البريطاني-الإسرائيلي«أبو محمد الجولاني» ورئيس جهاز مخابراته، الجاسوس حسين السلامة، أن عدد صفحات ملف «قضية كوهين» قارب ألفين وخمسمئة وثيقة، غالبية محتواها لا تزال مجهولة بالنسبة للرأي العام ، لاسيما السوري منه! ولا يقل أهمية عن «ملف قضية كوهين» ذلك الملف المتعلق بأرملته ناديا كوهين (ناديا ميناشيه) الذي كان في عداد الـ 2500 وثيقة التي نقلتها «الموساد» من سوريا. وبحسب الإعلام الإسرائيلي، فإن «ملف ناديا كوهين»، المعروف باسم «الملف البرتقالي הקובץ הכתום / ها كوفيتز هاكَتوم»، لا يتعلق بحياتها، وإنما بالمحاولات والأنشطة التي قامت بها على مدار عشرات السنين للتواصل مع سوريين وأجانب من أجل معرفة المكان السري الذي دفنت فيه جثة زوجها. وغني عن البيان - وفق وثائق النظام البائد - أن آخر محاولة قامت بها ناديا كوهين هي التواصل مع الصحفي السوري ابراهيم الجبين قبل فراره من سوريا في العام 2011 حين اكتشفت المخابرات العسكرية السورية والمخابرات الجوية ما يقوم به الجبين بالتعاون مع ضابط من أصدقائه في«إدارة المخابرات العامة». هذا ولو أن وثيقة أخرى في ملفه تشير إلى أن ابراهيم الجبين هو من بادر إلى التواصل مع ناديا كوهين من خلال شقيقها الروائي  الإسرائيلي البارز سامي ميناشيه (المعروف باسمه الشهير: سامي ميخائيل) (19)!؟ (...). 

نتنياهو ورئيس «الموساد» دافيد بارنياع يسلمان أرملة كوهين بعض الوثائق التي تخص زوجها،والتي أحضرها جهاز«الموساد» من سوريا ( من ضمن 2500 وثيقة أخرى) في أيار/مايو 2025 بمساعدة الجاسوس والعميل البريطاني - الإسرائيلي «أبو محمد الجولاني»

 

ـــــــــــــــــــــ

هوامش:

(*) ـ هذا التحقيق عبارة عن مقاطع مطولة مختارة من أكثر من فصل من مخطوطة كتاب «دمشق الصهيونية 1920- 2020، الاختراقات الصهيونية والإسرائيلية للدولة السورية خلال مئة عام»،الذي انتهيت منه في العام 2020 بعد أن عملت عليه وعلى جمع وثائقه طوال ما يقارب أربعين عاماً، منذ أن كنت أتعاون مع مجلة «الحرية» الأسبوعية وسكرتيراً لتحرير شقيقتها مجلة «الأردن الجديد» الشهرية، اللتين كانتا تصدران في دمشق وقبرص عن الإعلام المركزي في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. وقبل حوالي خمس سنوات طلب مني أحد كتاب الدراما السوريين البارزين بعض فصوله، لاسيما الفصل المنشور أعلاه، من أجل أن يبني عليه مسلسلاً يتعلق بتاريخ سوريا الحديث في «عهد البعث»، ولكني اعتذرت، لأني اكتشفت أنه يتمول من شركة « ميتافورا » القطرية التي يديرها الجاسوس الإسرائيلي عزمي بشارة، قبل أن يصبح ( أي السيناريست) من زبانية الجاسوس الجولاني بعد سقوط النظام. فاسم والد عزمي بشارة، أنطون بشارة، يرد في أكثر من قضية مفصلية من الكتاب حين كان يعمل سمساراً لبيع الأراضي الفلسطينية ومخبراً للمظمات الصهيونية، ما دفع فوزي القاوقجي إلى إصدار حكم بإعدامه، كما تقول روايات إسرائيلية شبه رسمية تعود إلى فترة حرب فلسطين! لذلك، وإذا ما أنجز أي مسلسل في المستقبل يتعلق بهذه القضية، فيجب أن يكون معلوماً أن مصدره فصول من مخطوطة هذا الكتاب، دون موافقتي.

(1)ـ لم يكن ابراهيم حميدي وحيداً في الجريمة، فقد اشترك معه عدد من مراسلي الصحف العربية في دمشق ( ثناء الإمام/ مونت كارلو؛ شعبان عبود/ النهار؛ زياد حيدر/ السفير ...إلخ). والوحيد الذي رفض الاشتراك في وليمة النهش الكلبية هي مراسلة BBC المخضرمة،الصحيفة الراحلة سلوى أسطواني، فدفعت لاحقاً حياتها ثمناً لوقوفها معي . وفي اليوم الأول لإطلاق سراحي فعلياً في العام التالي (6 أيار / مايو 2001)، وبعد حديثي لإذاعةBBC  فور إطلاق سراحي عن جريمة «الحياة» ومراسلها،وتعهدتُ بملاحقتها قضائياً، أرسل لي رئيس تحريرها آنذاك  جورج سمعان رسالة فاكس تنصّل فيها من المسؤولية، وأكد أن «نشر الخبر كان دون معرفته، وبالتواطؤ بين مدير التحرير عبد الوهاب بدرخان و ابراهيم حميدي والسلطات السورية»، وأنه «لم يقرأ الخبر إلا مثل غيره عند صدور العدد»، رغم أن الأخبار السياسية في الصفحة الأولى من أي صحيفة لا تذهب عادة إلى المطبعة قبل مراجعتها وإجازتها من قبل رئيس التحرير شخصياً!؟ وفيما بعد حصلت - بفضل العميد عمر شرق والمقدم علي فاضل -على وثائق القضية من أرشيف المخابرات العسكرية، بما في ذلك الدفوعات المالية التي تقاضاها هؤلاء الصحفيون الأوغاد( ومعهم أشقاء لبنانيون لهم مثل طلال سلمان و شذا عمر و مارسيل غانم) من اللواء حسن خليل، وبطاقات شكر من وزير الإعلام عدنان عمران. وغني عن البيان أن هؤلاء أصبحوا لاحقاً من «ثوار عزمي بشارة» و جِرائه ومرتزقته.

(2) ـ  تشكل يوميات دافيد أليعازر (دادو) كنزاً معلوماتياً حقيقياً عن «حرب أكتوبر».وبسبب حساسيتها لم ترفع وزارة الدفاع الإسرائيلية المنع عن نشرها إلا بعد 46 عاماً من الحرب (في العام 2019). وتكمن أهميتها في أن أليعازر دوّنها يوماً بيوماً وساعة بساعة منذ ما قبل الحرب. راجع عن ذلك :

     ـ « بعد 46 عاماً على الحرب، يوميات دادو قيد النشر، إسرائيل هايوم، 5 مايو 2019»؛

    ـ  « أرشيف وزارة الدفاع الإسرائيلية ينشر يوميات دافيد أليعازر عن حرب يوم الغفران، ها آرتس، 5 مايو 2019). 

       وهنا لا بد من الإشارة إلى حادثة طريفة وقعت معي بخصوص هذه اليوميات . فحين كنت أراجع آلاف الصفحات من المراجع والمذكرات والوثائق الخاصة  بالجزء الأول من «داخل الكريملن خلال حرب أكتوبر وما بعدها»، في الأراشيف السوفييتية والألمانية والإسرائيلية والمصرية ...، وقعت يدي على كتيب من إصدار «دار المعارف» المصرية في العام 1979، ادعت أنها يوميات أليعاز،وترجمة العقيد رفعت عودة. لكن وبعد تدقيقها اكتشفت أن  في الأمر عملية نصب واحتيال فظيعة، فالكتيب الصغير جداً (56 صفحة من القطع الصغير، وأشبه ببروشور) مجرد نتف غير دقيقة سربتها الصحافة الإسرائيلية آنذاك، وقام عودة بجمعها والادعاء أنها«من يوميات أليعازر».ولم يكتفِ بذلك، بل أضاف إليها مسائل لا علاقة لليوميات بها، وارتكب أخطاء قاتلة في ترجمة بعض الوقائع والمصطلحات من العبرية. وهذا لا يعدو أن يكون تجلياً آخر من تجليات ثقافة «الفهلوة» و«الأونطة» المنتشرة كما السرطان في الأوساط الثقافية والسياسية والإعلامية في مصر أكثر من أي بلد عربي آخر( راجع هنا الهامش 29 ، ص 291 في الكتاب المذكور)!

(3)ـ قصة اعتقال العميد اسماعيل نادر واحدة من القصص التراجيدية الرهيبة غير المعروفة في سوريا. فحين كان قائداً للقوات السورية في منطقة «الشوف» بجبل لبنان خلال الغزو الإسرائلي في العام 1982، طلب منه وليد جنبلاط من خلال مسؤوله الأمني هشام أنيس ناصر الدين ( الذي تولى قتل سمير قصير لاحقاً)، ومعاونه أكرم شهّيب الذي كان يعمل ضابط ارتباط بين جنبلاط وجيش الاحتلال، التعامل مع الإسرائيليين بخصوص معلومات عسكرية معينة عن الجيش السوري تتعلق ببعض أسلحته. لكن العميد نادر رفض بشدة. وعندها عمد جنبلاط إلى «اختطاف» طفلته التي كانت تعيش مع أسرتها في «الشوف» وكانت تعاني من مشكلة صحية خَلْقية منذ ولادتها، وأعطاها للإسرائيليين لكي تُعالج في جناح الأطفال بمشفى «هداسا» في القدس المحتلة. وفور أن تأكد من وصول الطفلة إلى المشفى الإسرائيلي، ذهب إلى صديقه «الرفيق علي دوبا»، كما كان يسميه، وقال له « اسماعيل نادر، الذي يقود قواتكم في منطقتنا، يعمل جاسوساً للإسرائيليين. والدليل على ذلك أن ابنته تعالج الآن في مشفى هداسا الإسرائيلي»! وعندها بادر «فرع فلسطين» إلى اعتقاله وإحضاره بطائرة هيلوكبتر من لبنان وإخضاعه لمحاكمة سريعة في الغرفة الثانية في المحكمة الميدانية العسكرية برئاسة العقيد الفلسطيني صلاح الدين المعاني، التي حكمت عليه بالسجن 12 عاماً قضى بعضها في زنزانة انفرادية في «سجن تدمر» قبل نقله إلى «سجن صيدنايا» حيث عشت معه بضعة أشهر في جناح العزل ( أ/يسار، طابق 3) حين نُقلت إليه - أنا وزملائي - من «الفرع 248» في شباط/ فبراير 1992. وعزَت المحكمة إصدار هذا الحكم «المخفف»،كما وصفته، إلى أنها«أخذت بعين الاعتبار الجانب الإنساني والعاطفي للقضية: أب يريد علاج ابنته»! ولم يكن العميد نادر وحده هناك، فقد التقينا بعدد من الشباب «الدروز» اللبنانيين الذي كانوا في العشرينات من أعمارهم . وكانوا جميعاً ضحايا وليد جنبلاط، الذي سلمهم إلى «الرفيق علي دوبا» بتهمة التعامل مع إسرائيل لمجرد أن أهاليهم من معارضي نظامه الإقطاعي، في الوقت الذي كان يستقبل في «المختارة» شمعون بيريز و الجنرال مناحيم عينان מנחם עינן ( قائد الفرقة 162) الإسرائيلية و مساعده العقيد يورام يائير יורם יאיר (قائد لواء المظليين 35) ورئيس محطة «الموساد» في لبنان  إليعاز تسافرير אליעזר צפריר ،ويقدم لهم المناسف!  لم يعرف لبنان، في تاريخه القديم والحديث، شخصاً أقذر وأحقر وأوسخ من وليد جنبلاط وزعران حزبه...على الإطلاق، بمن في ذلك سمير جعجع وبشير الجميل! [علمنا مؤخراً من خلال الصديق الفنان التشكيلي طارق عبد الحي، وهو من محافظة السويداء، أن العميد اسماعيل نادر توفي قبل نحو أربع سنوات، وأنه ينحدر من بلدة «الغارية» في المحافظة، وليس من «ذيبين»- قرية سليم حاطوم، كما كنت أعتقد].

(4) ـ  يظهر اسم يوسف العيسمي على نطاق واسع في أراشيف «الوكالة اليهودية» و «شاي» و«الصندوق القومي اليهودي» اعتباراً من أواسط الثلاثينيات كأحد أبرز سماسرة الأراضي، بالشراكة مع جواسيس وعملاء الحركة الصهيونية في «الكتلة الوطنية» ( شكري القوتلي، جميل مردم بك، عدنان العلبي، لطفي الحفار...إلخ)،وكأحد أبرز المتورطين في مشروع ترحيل الدروز الفلسطينيين لتوطينهم في «جبل العرب» ومنطقة «وادي التيم» في جنوب شرق لبنان. كما تظهر  في تلك الأراشيف التحويلات المالية التي كان ينقلها لطفي الحفار  نقداً (كاش) إلى قادة «الكتلة الوطنية» وعبر حسابات خاصة بهم في «البنك الفلسطيني – البريطاني / فرع بيروت»(الذي أصبح «بنك ليئومي» الإسرائيلي بعد قيام دولة إسرائيل)، كثمن للأراضي و لتعاونهم الأمني مع العصابات الصهيونية وتقديم المعلومات لها عن المتطوعين السوريين في «ثورة عز الدين القسام 1936» و تجار السلاح الذين كانوا يمدون «الثورة» بالأسلحة عبر الأراضي السورية.

(5) ـ هنا سلسلة تحقيقات مفيدة حول يوميات «حرب فلسطين 1948» ، لاسيما على الجبهة الشمالية مع سوريا ولبنان، أجراها الصحفي المتخصص بالشؤون العسكرية التاريخية،أوري ميلشتاين، لصالح موقع «نيوز1» الإسرائيلي في أيار/ مايو 2015 و نيسان / أبريل 2016 ، اعتماداً على شهادات أشخاص شاركوا في الحرب، وعلى أرشيف جيش الاحتلال :

 https://www.news1.co.il/Archive/002-D-110652-00.html

https://www.news1.co.il/Archive/002-D-102215-00.html

 

(6) ـ وثائق قديمة ورد فيها اسم أنيس حاطوم كمنشق عن «الكتيبة الدرزية». ولكن لا يوجد أي إشارة أو ذكر لشقيقه سليم في أيٍّ منها، بما في ذلك تلك التي نشرت بعد أن أصبح شقيقه مسؤولاً كبيراً في الجيش السوري أو بعد إعدامه. وهذا، كما قلت أعلاه، سببه أن مؤلفي هذه المطبوعات والوثائق لم يكونوا يعلمون بوجود صلة قرابة بينهما، أو أن الرقابة العسكرية لم تسمح بالإشارة إلى ذلك!؟  ولعل أهم المطبوعات التي أشارت إليه:

بالإنكليزية:

 Yoav Gelber: Druze and Jews in the war of 1948, Middle Eastern Studies, Volume 31 (Issue 2, April 1995) , 1995, PP.229-252.

وبالعبرية :

 יואב גלבר ، ראשית הברית היהודית-הדרוזית، ו930-ו948 (=يوآف غيلبر، بداية التحالف الدرزي – اليهودي ، مجلة «كاتيدرا»، العدد 60، 1990).

ـ יואב גלבר : קוממיות ונכבה : ישראל, הפלסטינים ומדינות ערב, 1948، דביר2004 (= يوآف غيلبر، الاستقلال والنكبة- إسرائيل والفلسطينيون والدول العربية في العام 1948).

ـ יואב גלבר : שורשי החבצלת : המודיעין ביישוב، 1918- 1947 ، תל אביב ، משרד הביטחון שנה תשנ"ב 1992 (=جذور الزنبق، الاستخبارات في اليوشاف / المستوطنات اليهودية، منشورات وزارة الدفاع الإسرائيلية، تل أبيب،1992).

(7) ـ ورث رزاق سعيد عبد القادر الجزائري، الذي كان عضواً مؤسساً في حزب خالد بكداش «الشيوعي» السوري، مساحات هائلة من الأراضي التي كان أقطعها العثمانيون لجده، الأمير عبد القادر، في جنوب سوريا وشمال فلسطين، لاسيما «إصبع الجليل»، حين نفي إلى سوريا في العام 1855.  وخلال بحثي في الأراشيف الصهيونية قبل إنشاء دولة إسرائيل، عثرت على وثائق ومعلومات مهولة يشيب لها الولدان حول تاريخه القذر وتاريخ عدد كبير من عائلته لا يقل عنه قذارة، نساءً ورجالاً! فقد منح جميع ما ورثه عن أبيه وجده من ممتلكات إلى «الوكالة اليهودية» مجاناً أو مقابل أثمان رمزية بذريعة أن «الصهيونية تبني مجتمعاً اشتراكياً»، وهي الخرافة التي روّجها الاتحاد السوفييتي وأزلامه وأوغاده من الأحزاب «الشيوعية» في العالم العربي.  وتقدر هذه الأراشيف مساحة ممتلكاته التي تخلى عنها للحركة الصهيونية في شمال فلسطين وحدها بحوالي مئة ألف دونم ( عشرة آلاف هكتار). ومنذ الأربعينيات على الأقل تحول إلى عميل لمنظمة «الهاغاناه» الإرهابية وجهاز مخابراتها «شاي» قبل أن يعتنق اليهودية. وعند وفاته في 6 آب / أغسطس 1998، دفن في مستعمرة «أفيكيم» على الشاطىء الجنوبي الغربي لبحيرة طبريا تحت اسم دوف غولان דב גולן الذي اختاره بديلاً لاسمه العربي.

  من الوثائق والمعلومات التي عثرت عليها أيضاً في الأراشيف الصهيونية والإسرائيلية ما يشير إلى أن صديقه إسحاق شامير، الذي كُلف في الخمسينيات بإنشاء فرع لجهاز «الموساد» في أوربا يكون مركزه باريس، طلب من رزاق عبد القادر وزوجته  الإسرائيلية (بولندية الأصل) سيلينا كينستلر צלינה קינסטלר، باقتراح من رئيس«الموساد»آنذاك إيسر هارئيل איסר הראל ، اختراق «جبهة التحرير الوطني الجزائرية» وإنشاء مكتب لها في «برلين الشرقية» بألمانيا الديمقراطية، وهو ما قاما به فعلاً في العام 1956.  وبعد حوالي عامين على ذلك اكتشف الألمان الشرقيون حقيقته فأقدموا على طرده إلى فرنسا التي كان يحمل جنسيتها، وأبلغوا رئيس جهاز المخابرات في «جبهة التحرير الوطني الجزائرية»، عبد الحفيظ بوسوف Abdelhafid Boussouf بأمره. لكن هذا الأخير - وكما يبدو- لم يولِ الأمر أي أهمية، فكان أحد أسباب إطاحته من قبل رئيس الأركان هواري بومدين. وبعد استقلال الجزائر، التي كان عاد إليها رزاق عبد القادر وزوجته في مهمة موسادية- فرنسية وحاول القيام بتمرد مسلح في أكتوبر 1963 في منطقة القبائل لصالح إسرائيل وفرنسا ضد حكومة الاستقلال، جدد الألمان الشرقيون تذكير رئيس الأركان بومدين بقصته. وبعد اعتقاله وزوجته أفرج عنهما في العام 1964 وجرد من جنسيته بعد تعهده خطياً بعدم محاولة العودة إلى الجزائر مرة أخرى.وكان لافتاً أن الجزائريين «ودعوه» بالبصاق في المطار وهو يغادر إلى إسرائيل عبر فرنسا! ورغم تحوله إلى اليهودية والخدمات غير المسبوقة التي قدمها للحركة الصهيونية وإسرائيل لاحقاً، رفض أحد الكيبوتسات/ المستعمرات أن يقيم فيه، فسكن في منزل متنقل / كبين إلى حين وفاته في العام 1998. ويومها رفضوا حتى منحه قبراً في مقبرة يهودية لأنه «نجس»، فدفن في مكان منعزل يبدو أن كان مخصصاً لدفن الحيوانات النافقة والجيف و مخلفات المسالخ! وهذا هو الجزاء المنطقي العادل لكل من يتعاون مع هذه الدولة السرطانية اللقيطة.

(8) ـ  في العام 1988، وحين كنت أعيش مع الصيدلانية الشيوعية «اليهودية» الدمشقية سارة شالوح همداني كـ«زوجين عرفيين»، اكتشفتْ في منزل خالتها الرابانيت/الرابتزين(الحاخامة) هنرييت مديرة «مدرسة موسى بن ميمون» ، زوجة  الحاخام ابراهيم حمرا، حصول عملية واسعة ومستمرة منذ السبعينيات لتهريب آلاف السوريين من أبناء الطائفة «الموسوية» كما تسمى رسمياً في سوريا، بتواطؤ ضباط من المخابرات العسكرية والمخابرت العامة و وزارة الداخلية(ماجد سعيد، كمال يوسف، محمد دوبا...إلخ)  مقابل عمولات مالية ضخمة كانت تدفعها لهم قائدة العملية جودي/ جوديت فيلد كار ג'ודי פלד קאר . ويومها حاولنا،أنا وإياها،زرع أجهزة لاقطة في منزل خالتها، إلا أن محاولتنا باءت بالفشل! ولاحقاً، بعد تأسيسي منظمة «لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان في سوريا»، نشرت أول تقرير عن القصة في العدد الرابع من مجلتها «صوت الديمقراطية»، الذي لم يوزع، لأننا اعتقلنا قبل توزيعه. ولا تزال ملفات القضية في إرشيفي الذي صادرته المخابرات العسكرية يومها، قبل أن أحصل عليه لاحقاً بفضل العميد عمر شرق والمقدم علي فاضل . وتشكل هذه القضية ، إلى جانب قضية زوجة رئيس مكتب الأمن القومي، عبد الرؤوف الكسم،أحد فصول مخطوطة كتاب «دمشق الصهيونية 1920 -2020».

         ورغم أن المجلة وموضوعاتها وقعت في أيدي «الفرع 235» في المخابرات العسكرية، وبالتالي اطلاع السلطة على القضية، باقتراض جهلها بها أصلاً، وهذا غير منطقي، إلا أن عملية التهريب استمرت حتى سبتمبر 2001، حين جرى تهريب آخر «الموسويين»، بعد أن جرى إخراج مخطوطة «تيجان دمشق» التوراتية في العام 1993 عن طريق أحد ضباط المخابرات وتسليمها إلى جودي فيلد كار! ولعل الأغرب من هذا أن بعض أعضاء الشبكة التي شكلتها جودي أواخر السبعينيات بقوا يعملون ويتاكثرون أفقياً وعمودياً في مفاصل السلطة والمجتمع السوري، وإن في مجالات ومهمات أخرى، حتى الأمس القريب. فطبقاً لبعض وثائق النظام التي حصلت عليها (الموجودة في ملحق وثائق الكتاب)، فإن هؤلاء تمكنوا من تجنيد عدد من الصحفيين العاملين في المؤسسات الرسمية، «مثل ابراهيم الجبين، الذي كان يعمل في التلفزيون الرسمي بغطاء من(الفرع251) في إدارة المخابرات العامة، ومن مدير الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون ممتاز الشيخ، للبحث عن رفات الجاسوس كوهين (راجع الهامش 19 أدناه).

(9) ـ لولا كتابات مروان حبش، منذ خروجه من السجن بعد 23 عاماً من الاعتقال، لربما بقي إرث «حركة 23 شباط» دون تأريخ ومجهولاً إلا في إطار بعض المعمرين والمتخصصين، إذا وضعنا جانباً تلك التفاهات و «لقلقة الحكي» التي نتعثر بها هنا وهناك بأقلام لا علاقة لأصحابها بالتجربة إلا عن بعد. فما كتبه وما أورده من تفاصيل، اعتماداً على ذاكرته وتجربته الشخصية كواحد من الفاعلين فيها، يشكل مادة لا غنى عنها في كتابة «تاريخ حركة 23 شباط» . وإذا كان من فجوات وهنات فيما يكتبه، فليس مسؤولاً عنها،وإنما عدم توفر الوثائق التي لم يكن بالإمكان الوصول إليها. (راجع مثلاً : «مروان حبش : البعث وثورة آذار، 2011، ص 222 وما بعد»، . وهي نسخة مطبوعة بالكومبيوتر ومتوفرة على الإنترنت، رغم رداءتها تقنياً للأسف؛ علماً بأن ما يورده في الكتاب يتناقض مع عنوانه. فقد حرص على مدى صفحاته أن يسمي وصول البعثيين إلى السلطة في 8 آذار 1963، وهو الصحيح، بأنه «انقلاب»، وليس «ثورة» بطبيعة الحال).

(10) ـ في العام 1989، وخلال زيارة لنا ،أنا وزوجتي السابقة،إلى الصديقة والإعلامية الراحلة ليلى أبو شعر ( شقيقة الشاعر أيمن أبو شعر)، التي كانت مديرة المكتب الصحفي لوزيرالصناعة أنطوان كورية،رأينا بالمصادفة رجلاً في العقد السادس من عمره بينما كان صراخه وشتائمه البذيئة بحق الوزير (من قبيل «كَواد وعرصة، كنت تبوس صباطي حتى شيل اسمك من ملف القضية، وهلا ما بدك تشوفني؟»...) تملأ مكتبها وتتردد أصداؤها في مبنى الوزارة وأمام عشرات المراجعين من الحرفيين والصناعيين. وكان أول ما لفتني، سوى شتائمه وشجاعته الفاجرة،هو نبرة صوته التي تحمل بقايا لهجة فراتية. وحين عرفت أنه اللواء المتقاعد صلاح الضللي، الذي لم يسبق لي أن التقيته أو شاهدت صورته،وأن  سبب غضبه هو رفض الوزير مقابلته، لم يكن بإمكاني أن أفوّت فرصة الحديث معه، ولكن في وقت مناسب، فطلبت من ليلى أن ترتب لنا لقاء. ومساء اليوم نفسه التقينا في منزل ليلى في «جادة العفيف» في «حي المهاجرين». وخلال اللقاء قال لنا إن أنطوان كورية (الذي كان شقيقه جبران مدير المكتب الصحفي في القصر الجمهوري آنذاك) كان أحد مصادر معلومات كوهين، وكان القواد الذي يحضر له العاهرات أو يوفر له التعرف عليهن كمصادر للمعلومات، لكن قائد القوى الجوية حافظ الأسد منع محاكمته. وأكد أن 90 بالمئة على الأقل من المعلومات الواردة في ملف التحقيق معه ومع عملائه جرى إخفاؤها عن الرأي العام بأمر الرئيس أمين الحافظ  و وزير الدفاع، اللواء ممدوح جابر. وهذا بخلاف ما سيقوله لاحقاً ( في 22 آذار / مارس 2004) حين وصف كوهين بأنه «جاسوس عادي» في مقابلة أجراها معه - بتكليف من اللواء بهجت سليمان - مراسل صحيفة «الحياة» في دمشق، المجرم ابراهيم حميدي. وكان حميدي يعمل يومها - كمعظم الصحفيين- مخبراً لدى اللواء سليمان، الذي أصبح - في العام التالي 2005- عرّاب زواجه من ديمة ونوس، التي كانت والدتها الفنانة فايزة شاويش تعمل مع بهجت سليمان أيضاً كمخبرة على الفنانين وتحرص على أن يكون في مقدمة ضيوف إحياء ذكرى زوجها الراحل سعد الله ونوس في قريته «حصين البحر»، و «تشوبش» له (حرفياً) خلال تقديمها الضيوف الكبار!  ومن المؤكد أنه ما من أحد في العالم أساء لكرامة الراحل الكبير ونوس كما أساءت له أرملته وابنته،اللتان كانتا تمارسان «التعريص» السياسي والأمني مع مخابرات النظام، وهو القائل كما لو أنها وصيته : «الموت ولا التعريص مع دولة هذه الأيام»! فقد كان سلوكهن كله بعد وفاته وحتى اليوم أشبه بتبولهن على قبره.

(11) ـ حصلت على وثيقة نادرة من أرشيف المخابرات العسكرية تعود إلى العام 1965 ، وهي على ما يبدو تقرير كتبه لها أحد المخبرين العاملين في الإذاعة والتلفزيون، تتضمن النص الكامل المحرَّف للأغنية كما كانت تغنيها دلال الشمالي للرائد حاطوم، والذي يتضمن تعابير جنسية بذيئة. والنص يُختتم بالبيت المحرّف:  

«درزية ً» عادت «موحِّدةً» ... تاريخُها بدمائها كُتِبا !

(12) ـ شارك صدام حسين، للمرة الأولى، في «المؤتمر القومي الخامس لحزب البعث» في حمص في أيار/مايو1962. وكانت مشاركته، رغم أنه لم يكن تجاوز 23 عاماً من عمره، شرطاً وضعه ميشيل عفلق و وكالة المخابرات المركزية والممولون والمستضيفون (فرحان الأتاسي، نادر الأتاسي) وابنا أخت ميشيل عفلق (عاطف دانيال و صلاح دانيال...). وبعد حوالي أربعين عاماً على ذلك، سنعرف من الوثائق الرسمية التي بدأ الإفراج عنها في الغرب، أن اشتراط حضور صدام حسين للمؤتمر كان مكافأة له على محاولته اغتيال عبد الكريم قاسم شتاء العام 1959 بتكليف من وكالة المخابرات المركزية ومخابرات عبد الناصر. وهو ما أشار إليه لاحقاً القيادي البعثي العراقي الكردي الشهير علي صالح السعدي، الذي كان عضواً في المؤتمر المذكور، بالعبارة المنسوبة له «البعث جاء إلى السلطة في العراق بقطار أميركي».

         وفي «مؤتمر حمص» جرى إقرار إنشاء تنظيم ميليشيا«الحرس القومي» الفاشية العراقية التي تولت بعد تسعة أشهر إطاحة نظام قاسم وارتكاب المذابح والمجازر بحق الشيوعيين واليساريين تحت إشراف ممثل عبد الناصر في العراق العقيد عبد المجيد فريد، الذي كان عميلاً رسمياً لوكالة المخابرات المركزية كمعظم «الضباط الأحرار» في مصر، والذي عينه ناصر، بعد طرده من العراق مع مساعده، ضابط المخابرات السوري طلعت صدقي (طلعت النابلسي)، في العام 1959 على أثر اكتشاف تورطهما في محاولة اغتيال قاسم، أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية المصرية حتى ربيع العام 1971، قبل أن يصبح أواسط السبعينيات مستشاراً للشؤون العربية لدى الرئيس الجزائري هواري بومدين. وفي العام 1978 شارك فريد مع صدام حسين، الذي كان صديقه منذ أن تعارفا على بعضهما في القاهرة في العام 1961، في اغتيال بومدين لصالح الرئيس الفرنسي جيسكار ديستان بالسم البيولوجي الذي أُحضِر من «معهد وايزمان للبيولوجيا» في إسرائيل أو «معهد باستور» الفرنسي (وفق ملف اغتيال بومدين في أرشيف مخابرات ألمانيا الشرقية، الذي لم أنشر منه شيئاً حتى الآن). ومن المعلوم أن الشراكة بين المعهدين بدأت رسمياً في آذار/ مارس 1975 حين شكلت فرنسا وإسرائيل «مجلس باستور- وايزمانConseil Pasteur-Weizmann» للأبحاث البيولوجية المشتركة في مجال الأعصاب والفايروسات والأوبئة الفايروسية. ومن المعتقد، وفق التقرير الطبي - الاستخباري الألماني المشار إليه، الذي شارك في وضعه كبير الأطباء الشرعيين في ألمانيا الديمقراطية، أوتو بروكوبOtto Prokop، أن اغتيال بومدين كان الثمرة الأولى لهذه التعاون.  

(13) ـ أعاد المؤرخ وعالم الاجتماع الفلسطيني - الأميركي حنا بطاطو اقتباس ما جاء في مقابلة الملك حسين مع «الأهرام»، واعتراف هذا الأخير بوقوف الـCIA  وراء انقلاب البعثيين في العراق، في الصفحات 985-987 من الجزء الثالث من كتابه عن «الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراق...»،الصادر في منشورات جامعة برينستن في العام 1978. ومما اقتبسه بطاطو من المقابلة قول حسين «إن وكالة المخابرات المركزية أنشأت للبعثيين العراقيين محطة بث إذاعي سرية، و زودتهم بلوائح تضم أسماء وعناوين الشيوعيين العراقيين من أجل تصفيتهم». وغني عن البيان أن الملك الأردني، ولأن المقابلة مع صحيفة مصرية،  لم يشر إلى أن القوائم كانت أعدتها المخابرات المصرية ، لاسيما عبد المجيد فريد و معاونه طلعت صدقي، في إطار تعاون ناصر مع وكالة المخابرات المركزية لمحاربة الشيوعية في العالم العربي وأفريقيا: 

Hanna Batatu : The Old Social Classes and the Revolutionary Movements of Iraq: A Study of Iraq's Old Landed and Commercial Classes and of its Communists, Ba'thists and Free Officers.(Princeton University Press, 1978, Volume 3, pp. 985–987).

(14) ـ بخلاف الخرافات والشعوذات المنتشرة في الصحافة العربية، التي تنسب وسائل التعذيب التي انتشرت في ظل نظام الأسدين، ومنها «الكرسي الألماني» الذي تسبب لي أنا شخصياً بإصابة أبدية في العمود الفقري وبالشلل الجزئي المؤقت كما الكثيرين غيري، لم يكن لألمانيا الشرقية أي علاقة بذلك من قريب أو بعيد؛ بل العكس تماماً. فمن أشرف على إدخال تقنيات التعذيب إلى سوريا، منذ ما قبل «البعث»، هم عدد من فلول النظام النازي الذين لجؤوا إلى سوريا ومصر الناصرية بعد أن هرّبتهم وكالة المخابرات المركزية من معسكرات اعتقالها في أوربا بعد الحرب العالمية الثانية، و«أعارتهم» إلى سوريا ومصر وغيرهما في إطار التعاون الأمني مع الدولتين في مجال «مكافحة الشيوعية». وكان لدى عبد الناصر  وحده أكثر من 33 ضابطاً نازياً من هؤلاء، قسم كبير منهم برتبة جنرال، أمثال أوتو سكورزيني Otto Skorzeny، الذي أصبح لاحقاً أحد  رجالات الموساد داخل قصر الشعبوي الأحمق جمال عبد الناصر نفسه، وتمكن من تجنيد  دزينة على الأقل من ضباطه وموظفيه، لعل أبرزهم قائد القوى الجوية المزمن ( 1953-1967 ) محمد صدقي محمود. وكانت مخابرات ألمانيا الشرقية أجرت، بناء على طلب ناصر، تحقيقاً حول اختراق إسرائيلي محتمل لجيشه، فوضعت يدها على ذلك وقدمت له تقريراً مفصلاً عن الجواسيس العسكريين والمدنيين، ومن بينهم صدقي محمود وحسن التهامي . لكن، وعند محاكمة محمود، عمد عبد الناصر إلى سحب التهم المتعلقة بالتجسس، واكتفى بالتهمة المتعلقة بـ«الإهمال الإداري»، رغم ثبوت تورطه في تدمير سلاح الجو  المصري مرتين (في العام 1956 و 1967) من خلال  تنفيذ أوامر إسرائيلية كان ينقلها له أوتو سكورزيني! (حول هذه القضية، راجع هنا الهامش رقم 4، الصفحات 47-49). 

           أما دور ألمانيا الشرقية الأمني في سوريا فاقتصر على تنظيم أجهزة المخابرات و«مكتب الأمن القومي» إدارياً، لاسيما في مجال اختصاصاتها وعلاقاتها الأفقية والهرمية ببعضها البعض، و في مجال تقنيات مكافحة التجسس الإسرائيلي والأجنبي عموماً. وفي ذلك الوقت، وتحديداً بعد لقاء عبد الكريم الجندي مع القنصل العام هورست غرونرت في 26 حزيران/ يوني 1967، بدأ نقل ملفات «العملاء والجواسيس» من أراشيف أجهزة الأمن السورية ومحاكمها إلى ألمانيا الشرقية عبر البريد الديبلوماسي بمساعدة الجندي. و حين «انتحر» هذا الأخير في آذار/مارس 1969، كانت هذه الملفات أصبحت كلها في «برلين الشرقية». وطبقاً لما أخبرني به ماركوس فولف و مساعده هورست يينيكه، ثم فيلي دام ، رئيس القسم العاشر في جهاز HVA الألماني الشرقي، فإن القسم العاشر عمل طوال سنوات على ترجمة وتلخيص تلك الملفات وتنظيمها تحت اسم «داس سولداتن أرخيفDas Soldatenarchiv »(= «أرشيف الجندي»). ومن المعلوم أن جهاز HVA كان يلجأ إلى ترجمة أسماء العلم الأجنبية إلى معانيها باللغة الألمانية كشكل من أشكال التشفير. وهنا استخدم تعبير «سولداتSoldat» كمرادف لاسم العلم «الجندي»، بحيث أن كل من يقرأ غلافه يعتقد أنه خاص بجنود الجيش الألماني!

(15) ـ في جميع الوثائق التي وضعها فولف بتصرفي لكتابة وتحرير مذكراته عن العالم العربي، عمد إلى  طمس عملاء جهازه السابقين بالأسود إذا كانوا لمّا يزالوا على قيد الحياة، وكتب لي أسماءهم الحقيقية على أوراق منفصلة. وفي الوثيقة المشار إليها كتب لي أن الاسم المطموس هو المقدم نذير رشيد، الذي كان رئيس قسم مكافحة التجسس في المخابرات الأردنية ، ثم مديراً للمخابرات الأردنية برتبة فريق لاحقاً (1970-1973)، قبل أن يصبح سفيراً لبلاده في المغرب. وقد تعرف عليه الألمان في دمشق وبيروت بعد فراره إلى سوريا ولبنان على أثر فشل «حركة الضباط الأحرار» الأردنية في العام 1957.وبعد عودته إلى خدمته في جهاز المخابرات الأردني في العام 1965 ، على أثر عفو ملكي، بقي محافظاً على علاقاته مع الألمان، لكنه «لم يكن عميلاً لنا، بل مجرد صديق يزودنا بمعلومات مهمة بحكم خلفيته كقومي عربي معادٍ للولايات المتحدة وإسرائيل»، كما أخبرني فولف.

(16) ـ كان فولف كريماً جداً معي بحيث أنه قدمني إلى العديد من رجال جهازه السابقين، فضلاً عن الديبلوماسيين الذين سبق لهم أن عملوا في سوريا والشرق الأوسط، وكانوا لمّا يزالوا على قيد الحياة، من أجل سد الفجوات في مذكراته عن العالم العربي؛ وكان من بينهم الدكتور هورست غرونرت  الذي تكرم باستقبالي لأكثر من ساعتين في منزله بضاحية «شونايخه Schöneiche» شرقي برلين في آب/ أغسطس 2004 رغم وضعه الصحي غير الجيد ورغم تقدمه في السن ( توفي في العام التالي عن 76 عاماً). وخلال اللقاء حدثني باستفاضة عن تجربته في سوريا ولقائه مع الجندي في 26 حزيران/ يونيو 1967. ورغم أن مهمته انتهت في سوريا في نوفمبر 1968، أي قبل «انتحار» الجندي بحوالي أربعة أشهر، فقد أكد لي أنه «... رغم عدم امتلاكي أي دليل على أن الجندي قد قتل، ليس لدي أدنى شك في ذلك، لأنه [ أي الجندي] كان يعرف أكثر مما ينبغي أو أكثر مما كان مسموحاً له أن يعرفه عن ارتباطات بعض رفاقه بأجهزة الاستخبارات الأجنبية الغربية». وهو ما كان أيضاً رأي الدكتور ألفرد مارتر Alfred Marter الذي خلفه في مهمته كقنصل عام وأصبح أول سفير لألمانيا الديمقراطية في دمشق بعد إقامة علاقات ديبلوماسية كاملة بين الدولتين صيف العام 1969. يقول غرونرت «كان لديه [ أي مارتر] الانطباع نفسه ؛ بل أكثر من انطباع في واقع الحال. فقد كان لديه معلومات شبه رسمية عن أن الجندي قتل ولم ينتحر». وحين طلبتُ منه أن الإجابة خطياً على بعض أسئلتي ذات الصلة حين يمكنه ذلك، لم يتردد في أن يرسل لي رسالة مطولة بالفاكس إلى باريس بعد بضعة أسابيع؛ وهذه الاقتباسات مأخوذة منها. 

(17) ـ على خلاف الخرافات  والشعوذات المنتشرة منذ العام 1967 عن البيان رقم 66، وأسباب إصداره من قبل حافظ الأسد قبل سقوط القنيطرة الفعلي، تحدث هو شخصياً عن الأمر وخلفياته وعن السبب الذي دفعه إلى إصداره مع مدير المخابرات البريطانية جون رينيه.  وقد كرر الأمر نفسه خلال حرب أكتوبر 1973 للأسباب نفسها، كما أكد رئيس الأركان السوفييتي، المارشال فيكتور كوليكوف. راجع  كتاب «داخل الكريملن خلال حرب أكتوبر...» ، لاسيما الهامش 20 في الصفحة 170، والصفحة 313 وما بعد. مع ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن البيان المذكور، وليس الوضع العسكري، هو ما شجّع الإسرائيليين على احتلالها، رغم أنها لم تكن على جدول أعمال العمليات العسكرية والمناطق المرشحة للاحتلال في خطة الحرب، وإنما «تثبيت خط المواجهة استناداً إلى الإنجازات المتحققة حتى ذلك الحين، عند ينابيع المياه في بانياس والاستيلاء على تل العزيزيات وجبل بينتال[تل الغرام] ودار الجمارك العليا، التي تبعد حوالي 3 كم إلى الشمال الشرقي من بحيرة طبريا». لكن بيان الأسد غير أولويات القيادة العسكرية الإسرائيلية. وفي هذا الصدد يقول إسحاق رابين، الذي كان رئيس الأركان في تلك الأيام، ما حرفيته في الصفحتين 198-199 من الجزء الأول من كتابه «بيكاس شيروتפנקס שירות / سجل الخدمة»، الصادر كمذكرات في العام 1979 عن «معاريف»: « كان خطاً سوريًا غيّر مجرى الحرب. وعند سماع وزير الدفاع [موشي دايان] بيان إذاعة دمشق، تأثر بشكل عميق بهذا التطور وسمح بتغيير جدول العمليات ومواصلة الهجوم بوتيرة متسارعة من أجل الاستيلاء على المدينة». وهو ما يقوله أيضاً ضابط الكتيبة 377، التابعة للواء الثامن في جيش الاحتلال، الذي كان أول من دخل المدينة، حيث يشير إلى أنه تلقى الأوامر من قائده دادو [ دافيد أليعازر، الذي أصبح رئيس الأركان لاحقاً] بتغيير مساره والاتجاه إلى مدينة القنيطرة، فكنت أول من دخلها، وكانت خالية ليس من الجيش السوري فقط، بل حتى من السكان الذين فروا منها بعد أن سمعوا بيان إذاعة دمشق، باستثناء بعض الشجعان الذين بقوا فيها ولجؤوا إلى الأقبية».

(18)ـ عثرت على مقطع من نشرة أخبار التلفزيون الرسمي لجمهورية ألمانيا الديمقراطية مساء 15 تموز/ يوليو 1965، تتحدث عن استقبال الرئيس أولبرخت  الوزير عبد الكريم الجندي. يمكن الاستماع إلى الخبر بالألمانية  من خلال الضغط هنا .

(19) ـ تجنبت دائماً الحديث عن «ملف نادين كوهين - ابراهيم الجبين» منذ أن علمت به للمرة الأولى وحصلت على بعض وثائقه أواخر العام 2011 ومطلع العام 2012. ولكني قررت إضافته لكتاب «دمشق الصهيونية ...» بعد أن كنت انتهيت من الكتاب في العام 1920، رغم أن الملف المذكور غير مكتمل. وطبقاً لوثائق النظام، وإفادات ألمانية من بينها رسالة من رئيس معهد الاستشراق الألماني السابق،الصديق المستعرب الدكتور غونتر مولاك Günter Mulack ، (سفير ألمانيا سابقاً في دمشق)، فإن الجبين «هرب من سوريا في العام 2011 بمساعدة أحد ضباط إدارة المخابرات العامة»، كما تقول إحدى إحدى الوثائق المشار إليها، حين «أخبره (الضابط) بقرب صدور أمر اعتقال بحقه على خلفية اتصاله مع أرملة كوهين، وقبضه منها أموالاً لمعرفة مكان رفات زوجها». لكن الوثائق السورية الرسمية «تنفي أن يكون لخاله الصحفي والكاتب المعروف صبحي حديدي أي علم بالقصة رغم عدائه للقيادة السورية وكتاباته المتطرفة والحاقدة ضدها»،حسب تعبيرها؛ بل وتتحدث عن «خلافات بين الخال وابن أخته على خلفية القضية»!؟

ـــــــــــــــــــــــ 

ملحق الوثائق 

(1) 

 تقرير رئيس جهاز المخابرات الخارجية  HVA، «ماركوس فولف»، في جمهورية ألمانيا الديمقرطية بتاريخ 7 فبراير 1967 إلى وزير أمن الدولة «إريش ميلكه» حول «مؤامرة حاطوم»، والذي نُقل محتواه إلى القيادة السورية بتاريخ 13 من الشهر نفسه :

 


 


 


 


 


 


 (2)

 تقرير القنصل الألماني العام في دمشق «هورست غرونرت» إلى وزارة خارجية بلاده بتاريخ 27 حزيران/ يونيو 1967 عن اجتماعه الخاص مع رئيس مكتب الأمن القومي «عبد الكريم الجندي» في منزل هذا الأخير في الليلة السابقة:

 


 


 


 (3)

تقرير المقدم « فيلي دام»، رئيس الإدارة العاشرة (إدارة مكافحة التجسس) في وزارة أمن الدولة بتاريخ 16 تموز / يوليو 1965 عن الاجتماع الخاص مع وزير الإصلاح الزراعي «عبد الكريم الجندي» خلال زيارته إلى ألمانيا الديمقراطية أواسط ذلك الشهر: