Friday, 3 July 2026

 في الذكرى الأربعين لرحيل العلامة «العلوي» (لا النصيري) الشيخ «عبد الرحمن الخير :

القصة الوثائقية المجهولة لأكبر فضيحة تشهير في «المشرق العربي» وقف وراءها «حافظ الأسد» و «المخابرات البريطانية» و«المخابرات الأردنية» و صحيفة «الحياة» لصاحبها الجاسوس «كامل مروة» في العام 1969

◄ رئيس وزراء أردني كتب «بياناً دينياً- سياسياً» باسم الشيخ العلوي السوري «عبد الرحمن الخير» ، باقتراح من رئيس محطة المخابرات البريطانية في عمان «جون سبيرز»، و«الأسد» أمر بطباعة نسخة منه في مطابع «الإدارة السياسية».

«عبد الكريم الجندي» في شهادته للمفوض الألماني العام في دمشق قبل 5 أيام على انتحاره:«الأسد ليس علوياً، بل ينتمي لطائفة أخرى!»، و«البيان» الملفق وزعه «محمد حيدر» و «عبد الله الأحمد».

◄وهذا ما أكده لي المؤرخ الدكتور «شاكر مصطفى» خطياً على لسان الشيخ «عبد الرحمن الخير».

( وثائق ومعلومات تنشر للمرة الأولى منذ حصولها قبل قرابة ستين عاماً).

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) ـ كتب «نزار» هذا التحقيق في حزيران 2011، لكنه لم ينشره بسبب أولويات فرضها تطور الأحداث في سوريا. وكان من المفترض أن ننشره قبل أسبوعين ( في 18 حزيران) بمناسبة الذكرى الأربعين لوفاة الشيخ المذكور. لكننا لم نعثر عليه في أرشيفنا إلا اليوم.

(ف .ع.) 

(*) ـ من أجل تصفح الصور والروابط الزرقاء بالحجم الحقيقي، يرجى  النقر عليها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

   في العام 1988، ورغم عملي في إعلام «الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين»، كنت أنشر بين وقت وآخر مقالات في الصحف السورية (البعث، تشرين) ، فضلاً عن مجلة « جيش الشعب»؛ غير أني كنت أبتعد عن القضايا السورية الداخلية لأنني لا أستطيع قول ما أريده، ولا هم ينشرون لي - بالطبع - ما لا يعجبهم ولا يريدونه. ولذلك كانت تسعة أعشار المقالات تتعلق بالإقتصاد الماكروي والشركات متعددة الجنسية، والتاريخ الاقتصادي، فضلاً عن إجراء مقابلات مع مفكرين اقتصاديين أجانب «أتصيدهم» في ندوات ومؤتمرات ذات صلة، مثل الاقتصادي البرازيلي الشهير«ثيوتونيو دوس سانتوس»(1936-2018) الذي كانت «تشرين» (بفضل الصديق الراحل «وليد معماري») كريمة معي ، بحيث أعطت المقابلة صفحة كاملة (29 / 11 / 1988)، رغم أنها وضعت - عن طريق الخطأ- صورة ليست له، و عنواناً شعبوياً للمقابلة لم يقله بحذافيره  كما جاء في العنوان المنشور! أما مجلة «جيش الشعب» فكنت أخصها بمقالات عن الاقتصاد والعسكرة و دور الصناعات العسكرية - والقطاع الثالثي عموماً-  في إخراج الاقتصاد الأميركي من أزماته البنيوية الهيكلية... وما إلى ذلك من موضوعات تمس في جانب منها المسائل العسكرية ويمكن أن يهتم بها القراء العسكريون للمجلة، فضلاً عن بعض الترجمات.  

   بسبب إحدى المقالات ( «خرافة تمويل الحرب نفسَها بنفسِها») التي أعجبت «هاني الشمعة» ، رئيس تحرير «جيش الشعب» ، الذي سيصبح لاحقاً مستشاراً إعلامياً لوزير الدفاع المزمن «مصطفى طلاس»، ترك لي ذات مرة عند المحاسب المالي رسالة قال فيها إنه يريد أن يراني حين أحضر لقبض مستحقاتي المالية عن استكتاباتي الشهرية. وحين حضرت تعرفت عليه للمرة الأولى، وأصبحنا «شبه أصدقاء».

   قلة قليلة من السوريين تعرف «هاني الشمعة» ، أو ربما تكون سمعت به، خصوصاً من  أبناء هذا «الجيل الفيسبوكي الدجاجي»  الذي يلتقط «معارفه» كما الدجاج .. حتى من المزابل وبراميل القمامة. ولو بحثت عن «هاني الشمعة» يكاد يكون من المستحيل أن تحصل له على صورة أو شيء منشور من كتاباته أو عنه، رغم أنه عاصر الانقلابات العسكرية كلها في الخمسينيات، وكان الصحفي الوحيد الذي صودف أنه يجلس على بعد أمتار قليلة من العقيد «عدنان المالكي»، نائب رئيس الأركان، حين اغتياله في العام 1955 خلال رعايته مباراة في كرة القدم. وهذا ما كان سبباً  لاستدعائه بصفة شاهد إلى المحكمة؛ لكن شهادته حذفت من ملفاتها لاحقاً، لأنها لم تعجبهم، رغم «كراهيته للشيوعيين والاشتراكيين»، كما أخبرني ذات مرة بالتفصيل الممل عن الواقعة/ الجريمة، وحقيقة وقوف «الحزب القومي السوري» وراءها.

  «هاني الشمعة» دمشقي أصيل ( من حي الصالحية أو المهاجرين) ، وذو ميول محافِظة قريبة من عالم التجار والعائلات الدمشقية التقليدية. ولعل هذا ما كان سبب حبه لـ«حافظ الأسد» و كراهيته لـ «نور الدين الأتاسي» و «صلاح جديد» ورفاقهما، و وقوفه دون تردد مع انقلاب الأول عليهم في العام 1970 ... أسوة بتجار دمشق الأمويين جميعاً، الذين نحروا الخراف تحت قدمي «الأسد» بعد انقلابه، باعتباره «المدد» الذي جاءهم من الله! إلا أنه، وللأمانة، كان  طيباً ومتواضعاً وأنيس المعشر ولا يُملّ من حديثه كأي «شامي» عتيق، وهو الذي يختزن تجربة طويلة ومعلومات نادرة بحكم قربه من «كتلة الضباط الشوام» أواخر الخمسينيات، قبل أن يصبح قريباً من «كتلة حافظ الأسد» أواخر الستينيات.

   خلال لقاء جمعني به في مكتبه بمجلة «جيش الشعب» في«الإدارة السياسية / التوجيه المعنوي» أواخر صيف العام 1988، سألته عن العديد من القصص والأحداث الشهيرة التي شهدتها دمشق في أوقات مبكرة، ولا يوجد بشأنها إلا معلومات سطحية متداولة في الثقافة الشعبية المتوارثة الأشبه بقصص «تغريبة بني هلال» و«الزير سالم»، مثل «حركة الشيخ حسن حبنكة الميداني» ودعوة هذا الوغد إلى «النفير العام» ضد السلطة على خلفية مقال «محمد ابراهيم خلاص» في مجلة جيش الشعب» مطلع العام 1967، و «إضرابات التجار» في العام 1965، احتجاجاً على التأميميات ... إلخ.  لكن الموضوع الأهم الذي توقفت عنده  أكثر من غيره وحاولت - بعناد - أن أستنطقه بشأنه هو تلك الواقعة المتصلة بـ«بيان ديني - سياسي» وُزّع مطلع العام 1969 في سوريا والمشرق العربي كله، فضلاً عن  المَهاجر العربية في الخارج، باسْم الشيخ والعلامة «العلوي» الشهير، ابن القرداحة، «عبد الرحمن الخيّر». وكانت شهرة هذا الشيخ ضربت الآفاق كلها منذ زمن طويل قبل ذلك (مواليد العام1904) ، وأصبح ضيفَ شرف في معظم الأنشطة الدينية في العالم الإسلامي، وصيته يسبقه إلى حيثما اتجه. وكان لدي معلومات غير مؤكدة بعد، حصلت عليها من أبي (بحكم عمله آنذاك في «فرع الشيفرة وأمن الوثائق» في الأركان العامة)، وأبي حصل عليها من آخرين، تفيد بأن «البيان» طبع في مطابع «الإدارة السياسية/ التوجيه المعنوي» آنذاك بأمر من وزير الدفاع «حافظ الأسد»، وأن محاسيبه المقربين منه،عسكريين ومدنيين، هم من تولوا توزيعه في البداية! ولا أخفيكم بأن ما جعلني أشكك برواية أبي ومصادره أنه كان من مشايعي «صلاح جديد»، ولا بد - بالتالي- أنه يحتفظ بتلك المعلومات ويروّج لها لمجرد أنها تنال من خصمه «حافظ الأسد»! فقد كان يضع صورته في صدر منزلنا في ريف جبلة ( ولا تزال على ما أظن حتى اليوم؟)، في وقت كانت اختفت صوره حتى من منازل أقربائه في «دوير بعبدا» نفسها؛ بل وسمّى أخي «صلاح» بهذا الاسم عند ولادته في العام 1973 تيمناً به! ومن يعمل في التاريخ عليه أن يشكك ليس بروايات أبيه وأمه فقط، بل حتى بنفسه أيضاً!

   رفض «هاني الشمعة» الإجابة على سؤالي رغم عنادي ورجائي، قبل أو يوشك على الانفجار بوجهي ويشير بسبابته إلى الصورة المعلقة فوق رأسه في مكتبه ويقول بنبرة حانقة مخنوقة « مو شايفه قاعد معنا و فوقنا؟ شو فيك تعملي إذا سمعنا!؟». وكان يشير بطبيعة الحال إلى صورة «حافظ الأسد»! لكنه ألقى بجملة من بضع كلمات حسمت الأمر:«انطبع [البيان] هون،وأنا شخصياً يلي دققت بروفة الطباعة. نقطة انتهى. ما عاد تسألني ولا سؤال. قوم فل، انتهت الزيارة!». وكان يقصد  بكلمة «هون»... مطابع «الإدارة السياسية/ التوجيه المعنوي»!

  أدركت في الحال أن ما سمعته من أبي، وأبي من غيره، لم يكن دون أساس، وإن كان ينقصه الكثير من اللحم والشحم التوثيقي ليكتسب صفة وثيقة تاريخية. وهذا ما عملت عليه منذ العام 1988 حتى الأمس القريب!

حكاية «البيان» وظروفه السياسية:

  أواخر العام 1968، بل ومنذ «هزيمة حزيران» في العام السابق، وصل الصراع إلى ذروته القصوى بين «التيار اليعقوبي» الذي تَشكل من «نور الدين الأتاسي» و«صلاح جديد» ( روبسبير البعث) ورفاقهما الآخرين من جهة، و وزير الدفاع «حافظ الأسد» ( بونابرت البعث) ومجموعته من جهة أخرى. وكان التيار الثاني مدعوماً من تجار سوريا الكبار ورموز المجتمع التقليدي،الذين ضُربت مصالحهم نتيجة التأميمات، والإسلاميين من كل صنف ولون، فضلاً عن معظم الجيش، بالإضافة إلى السوفييت والبريطانيين وحلفائهم في المنطقة، لاسيما نظام الهاشميين الصهاينة في الأردن.

  في الواقع، كان الصراع بين أجنحة «مجموعة 23 شباط» بدأ وأصبح حديثاً علنياً حتى في وسائل الإعلام العالمية وتقارير الديبلوماسيين الأجانب منذ صيف العام 1966 حين قام الرائد «سليم حاطوم» بـ «مؤامرته» التي كان يقودها عملياً من داخل فلسطين المحتلة شقيقه ضابط المخابرات العسكرية الإسرائيلية الذي كان يعمل تحت اسم «المقدم غاريس גאריס » منذ العام 1948(1). وجاء «المؤتمر القطري الرابع / سبتمبر 1968» و«المؤتمر القومي العاشر» بعده، ليكرسا الشقاق النهائي بين التيارين ويوصلا البلاد إلى مرحلة انعطافية أطلق عليها البعض اسم «مرحلة ازدواجية السلطة»، وأفضّل أنا تسميتها بـ «مرحلة استحالة الحكم»؛وهي مرحلة شبيهة تماماً بما حصل عشية انقلاب «لويس بونابرت»في ديسمبر1851،وبما حصل بين «اليعقابة» و «التروميدوريين» عقب الثورة الفرنسية، ما أدى إلى «انقلاب نابليون» في «18 برومير/10 نوفمبر1799». ففي هكذا مرحلة من الصراع بين أجنحة «الثورة» تصبح التسوية أمراً مستحيلاً، ويصبح الانقلاب العسكري «المخرج الوحيد». وهو ما حصل في سوريا و روسيا البلشفية وفي كل مكان من العالم شهد الظروف نفسها (الظروف المتشابهة تخلق انقلابات أو ثورات متشابهة، والانقلابات أو الثورات المتشابهة تخلق أشخاصاً متشابهين). فسوريا نهاية الستينيات(وروسيا في العام 1917) كانتا تشبهان- من حيث ظروفهما الاقتصادية والاجتماعية - فرنسا أواخر القرن الثامن عشر وأواسط القرن التاسع عشر! ومن المفارقات المذهلة أن خصوم «لويس بونابرت» (لاسيما «أدولف تييرAdolphe Thiers») وصفوه يومها بأنه «أحمق سنقوده من أنفه»، ليتبين سريعاً أنهم هم الحمقى، وأنه هو من سيقودهم من أنوفهم، وأنه أذكى منهم جميعاً. وهذا ما تكرر في سوريا حتى في هذه الجزئية الكاريكاتورية الصغيرة. فقد أجمع «الأتاسي» و «جديد» ورفاقهما على أن «الأسد شخص أحمق لن يستطيع البقاء في السلطة أكثر من ثلاثة أشهر»، وظلوا يرددون هذه العبارة حتى بعد أن ساقهم إلى «سجن المزة». وتذهب الحكاية، شبه الجدية، إلى أنهم بقوا ثلاثة أشهر بعد وصولهم إلى «سجن المزة» وهم في حالة استنفار واستعداد ، ينامون حتى بالملابس التي جاؤوا بها إلى السجن، لأن «الأسد» الذي انقلب عليهم «سيُطاح به قريباً ويخرجون هم إلى الحرية »!  ولم يرتدوا «بيجامات» النوم إلا بعد أن انصرمت الأشهر الثلاثة التي استطالت إلى ما يقارب ثلاثين عاماً، قبل أن يخرج معظمُهم إلى ... المقابر!

   في مرحلة«ازدواجية أو استحالة الحكم»، يلجأ الزعيم «البونابرتي» إلى توظيف أقذر الأساليب السياسية وأكثرها خسة ودناءة وانحطاطاً كأدوات في الصراع، كما أخبرنا «كارل ماركس» في «الثامن عشر من برومير - لويس بونابرت». ومثلما فعل «لويس بونابرت» أواسط القرن التاسع عشر وقبله عمُّه «نابليون»، فعل «الأسد». لكن أقذر الأساليب التي لجأ إليها هذا الأخير وزبانيته وأكثرها انحطاطاً هي قصته مع الشيخ العلوي العلامة «عبد الرحمن الخيّر»، التي لا يعرفها أحد في سوريا، ولا حتى أقرباء الشيخ أنفسُهم، وسأكشف عنها اليوم للمرة الأولى بوثائق تنشر للمرة الأولى أيضاً. هذا ولو أني كنت ألمحت إليها قبل نحو عشرين عاماً (في العام 2007) على موقعنا الإخباري SyriaTruth.

  في ذلك الحين لم يتردد الشيخ «عبد الرحمن الخير»، رغم أنه لم يكن سياسياً، في الوقوف إلى جانب «الأتاسي» و«جديد» ورفاقهما ضد «الأسد» الذي شعر بخطورة موقف الشيخ، نظراً لأنه ابن بلدته «القرداحة»، ولأنه صاحب نفوذ اجتماعي وديني وأخلاقي واسع، ليس في أوساط الطائفة العلوية فقط، بل في أوساط الشيعة والمسلمين السنة على السواء، داخل سوريا وخارجها(2). ولهذا تفتق عقله عن عمل «شيطاني» ربما لم يسبقه أحد إليه، حتى البوليس السري القيصري الروسي حين فبرك «بروتوكولات حكماء صهيون» في العام 1903 لمحاربة معارضي النظام القيصري الوحشي، الذين كان قسم كبير منهم ينحدر من الطائفة اليهودية. فقد تورط «الأسد» شخصياً في «بيان ديني - سياسي» موجه إلى «الطائفة العلوية» تحت اسم «وحيد العين - بيان إلى أبناء الطائفة العلوية»، جرى توقيعه باسم الشيخ «عبد الرحمن الخير» قبل أن يُنشر على شكل كرّاس صغير/ بروشور بتاريخ 25 ذي القعدة،1388 هـ [=12 شباط / فبراير 1969]!

             يقوم جوهر البيان، الواقع في 13 أو 15 صفحة (حسب الطبعة، إذ إنه طبع في أكثر من مكان كما سنرى)، على فكرة أن ضباطاً من «الطائفة النصيرية» [كذا حرفياً!]، وهم «صلاح جديد» و «محمد النبهان» و «محمد عمران» و «ابراهيم ماخوص» [كذا حرفياً!!] اجتمعوا في «القرداحة» في العام 1960 واتفقوا على «كيفية انخراط الضباط النصيريين في صفوف حزب البعث لاستغلاله من أجل الوصول إلى الحكم»، وعلى منح الضباط المذكورين «رتباً دينية داخل الطائفة ...إلخ». ويزعم «البيان»أن هؤلاء اجتمعوا لاحقاً (صيف العام 1963) في حمص لتدارس «نتائج المؤتمر النصيري الأول في القرداحة» و الدور الذي لعبه «محمد النبهان»  في «حركة تموز/ يوليو» الناصرية الفاشلة (حركة «جاسم علوان» التي وقفت وراءها مخابرات «عبد الناصر»)، والتي تسببت بتسريح قرابة أربعمئة ضابط من ذوي الميول الناصرية وبالحكم على «علوان» وعدد من شركائه بالإعدام قبل أن ينقذهم «عبد الناصر». وفي مؤتمر حمص،«المؤتمر النصيري الثاني»، تقرر- كما يزعم البيان المجنون - ترفيع الضباط المذكورين إلى «رتب دينية أعلى» و «نقل النصيريين من الأرياف إلى اللاذقية وطرطوس وحمص ..» وتسليم «القيادة المدنية السياسية» إلى «ابراهيم ماخوص» وإعداده«ليكون رئيس وزراء الدولة النصيرية المنشودة(...)التي ستكون حمص عاصمتها»! أما ذروة هذه الرواية التي تنتمي إلى عالم الشعوذة والسحر الأسود وقصص مشافي الأمراض العقلية، كرواية «طيران فوق عش الوقواق» للأميركي «كين كيسي»، ورواية «حفلة المجنونات» للكاتبة  الفرنسية «فيكتوريا ماس»، مع الفارق الجذري النقيض بين الغايات النبيلة لهذه العملين الأدبيين المذهلين،والغاية الإجرامية الدنيئة لـ «البيان» ومن وقف وراءه، فهي حديثه عن أن «أبو شعيب ، محمد بن نصير(مؤسس الطائفة العلوية)،الذي كان بعين واحدة / أعوراً، تقمص شخصية موشي دايان، الذي سيجتاح سوريا ويصل إلى حمص و يقيم الدولة النصيرية ... بالاتفاق مع صلاح جديد...إلخ»!

   كان «البيان» شبيهاً على نحو عجيب،ليس فقط بروح «بروتوكولات حكماء صهيون»، بل حتى بالقصة التي سيفبركها الجاسوس القذر«محمد حسنين هيكل» بعد عامين على ذلك (ربيع العام 1971) بالتنسيق مع مشغله رئيس محطة وكالة المخابرات المركزية في القاهرة «يوجين وينفيلد ترون Eugene Winfield Trone» والضابط - المعتوه تماماً بالمعنى الإكلينيكي الطبي للكلمة - «حسن التهامي»، مستشار «عبد الناصر» أواخرالخمسينيات،والشخص الذي كان متخصصاً في الاتصال الروحي مع الله عن طريق «سيدنا الخضر»! وغني عن التذكير أن «التهامي» كان هو الشخص الذي نقل رسالة من الله إلى «جمال عبد الناصر» عن طريق «الخضر» في العام 1956 وأقنعه بسحب قواته من سيناء وتركيزها في منطقة القناة فقط «لأن الله وعد التهامي بإرسال جيش من الملائكة، كما حصل في معركة بدرمع النبي محمد، للدفاع عن سيناء في وجه أي غزو إسرائيلي يأتي من الشرق..»! كما أن «التهامي» هو الشخص الذي أملى على رئيس الأركان المعتوه «سعد الدين الشاذلي» بيان «حرب أكتوبر» الأول، الذي أعلن فيه أن «مؤمنين رؤوا النبي محمد يتجه مع شيخ الأزهر إلى سيناء. وهذه  إشارة إلهية إلى النصر الذي ينتظرنا»! ومن المعلوم أن «التهامي» هو من سيفتح خطوط التواصل بين «الموساد» و «السادات» لاحقاً  من خلال المغرب برعاية ملكه الجاسوس «الحسن الثاني»، قبل زيارة «السادات» إلى إسرائيل في العام 1977! ولم يعد سراً،بعد أن أصبحت الوثائق بالمتناول،أن السافل المجرم «هيكل»، الشريك في تصفية القائد الشيوعي «فرج الله الحلو» في 26 حزيران/ يونيو 1959، و معه  شريكاه «يوجين ترون» و «حسن التهامي»،عمدوا ربيع العام 1971 إلى فبركة تسجيلات باسم مدير مكتب«عبد الناصر»، «سامي شرف»، ووزير الحربية المحترم، الفريق «محمد فوزي حاخوا»،ونائب رئيس الجمهورية،«علي صبري»...إلخ، مع السفير السوفييتي في القاهرة «فلاديمير فينوغرادوف» لاتهامهم «بالتآمر مع السوفييت» من أجل تقديم ذريعة لـ«السادات» كي يعتقلهم ويحكم على بعضهم بالإعدام، ولكي ينفذ «انقلاب مايو1971»! كما عمد المجرم العاهر«هيكل»، الذي كان يعمل مع المخابرات البريطانية منذ بداية الحرب العالمية الثانية، وأصبح صديقاً لـ «بن غوريون» خلال «حرب فلسطين/ 1948» ويجري معه مقابلات لصالح صحيفة «أخبار اليوم»، إلى فبركة قصة في «الأهرام» (4 يونيو  1971) تزعم أن «هؤلاء  المتآمرين عملاء السوفييت كانوا يعقدون جلسات تحضير أرواح لاستحضار روح عبد الناصر من خلال أستاذ فيزياء يشاركهم جلساتهم ويقوم بالتواصل مع روح عبد الناصر في العالم الآخر» (3)!

֎֎֎

  حين اطلعت للمرة الأولى في العام 1988 على «البيان» الملفق باسم الشيخ «الخير»، أي بعد قرابة عشرين عاماً على صدوره، لم تصدق عيناي ما رأته. فقد كان واضحاً حتى للأعمى أن علاّمةً وفقيهاً كبيراً وعاقلاً مثل الشيخ «عبد الرحمن الخير»، لا يمكن أن ينطق بمثل هذا الهراء المجنون، ولا يمكن أن يخاطب طائفته بالتعابير المستخدمة. ولم يخامرني شك منذ اللحظة الأولى في أنه كتب - اعتماداً على كتب هلوسة صفراء مثل كتاب «الأسوس»(4)- من قبل أشخاص غير علويين، بل غير سوريين أصلاً،وأن الغاية الأساسية منه هي استخدامه في حرب بروباجندية رخيصة ضد «صلاح جديد» خصوصاً و تياره عموماً. فقد وصَف «ابراهيم ماخوس» بأنه «ضابط»! ولم يكتف بذلك، بل حيثما ورد اسمه في «البيان» جرى ذكره بحرف الصاد (ابراهيم ماخوص)! وهذا كاف بذاته للتأكيد على أن من كتب «البيان» لم يكن سورياً، ولا علوياً أصلاً. فالدكتور «ابراهيم ماخوس» كان أشهر من نار على علم، وكان طبيباً، ولم يكن عسكرياً في أي يوم من الأيام، وتولى وزارة الخارجية مرتين (خلال الفترة 1965-1968). أما إيراد اسمه الثاني بحرف الصاد فيعني أن كاتبه جاهل حتى بطريقة كتابة اسمه الصحيح ( لم يكن هناك خطأ مطبعي، لأن الاسم تكرر بالصيغة نفسها أكثر من مرة في البيان نفسه!). أما «محمد نبهان» فذُكر في «البيان» على أنه «عميد»، وهذا دليل آخر أن كاتب البيان كان أحمق حقيقياً، ولا يمكن أن يكون سورياً. فمن المعلوم أن «نبهان» ، الذي كان ناصرياً من محاسيب «عبد الحميد السراج» زمن الوحدة مع مصر ، سُرح في ذلك العام حين كان لم يزل برتبة نقيب، ولم يحصل على رتبة بعدها في أي يوم من الأيام، قبل أن يذهب ليعيش في مصر والجزائر!

   ومع ذلك، فإن الألعن من هذا كله أن كاتب«البيان»، وهو جحش بامتياز دون أدنى ريب، وصف الدكتور «أحمد سليمان الأحمد» بـ «الشيخ»، لا لشيء إلا لأنه ابن العلامة العلوي الشهير الشيخ «سليمان الأحمد» (1866-1942)، وشقيق «محمد سليمان الأحمد» (العميل الفرنسي ثم السعودي «بدوي الجبل»). وغني عن التذكير بأن «أحمد سليمان الأحمد» لم يكن شيخاً ولا رجل دين في أي يوم من حياته (1926-1993). فقد كان - كما يعلم حتى بائع شاورما في شوارع اللاذقية - أكاديمياً متخصصاً في علم الاجتماع وناقداً أدبياً ويحمل شهادتي دكتوراه في علم الاجتماع وفلسفة اللغة (من باريس وموسكو)، وأستاذاً في عدد من الجامعات العربية والأجنبية، فضلاً عن جامعة دمشق، إلى حين وفاته في «صوفيا» ودفنه إلى جانب زوجته البلغارية!

  مع ذلك، أكثر ما لفتني في «البيان»هو أنه تجنب الإشارة ولو بحرف واحد إلى «حافظ الأسد» أو أي من الضباط العلويين الذين كانوا محسوبين عليه! وإذا كان مفهوماً أن لا يُشار إليه في سياق الحديث عن «مؤتمر النصيريين الأول في القرداحة / 1960»، لأن «الأسد» كان يومها ضابطاً صغيراً  يخدم في مصر (خلال الوحدة)؛ فإن عدم الإشارة إليه حين الحديث عن «مؤتمر النصيريين الثاني في حمص» ( المفترض أنه عقد بعد حركة «جاسم علوان» الانقلابية الفاشلة في تموز / يوليو 1963، كما يُفهم من «البيان») ، كافٍ وحده لرفع ألف علامة استفهام وقرينة اتهام بحق «الأسد»، لأنه كان أصبح يومها قائداً لـ «قاعدة الضمير» الجوية بعد إعادته إلى الخدمة، وواحداً من قلة قليلة من الضباط صانعي القرار، على الأقل في الجيش، فضلاً عن عضويته في «اللجنة العسكرية»!

  الانطباع الذي شكلتُه عن«البيان»،مجرد اطلاعي عليه، هو نفسه ما تشكل أيضاً لدى المؤرخ القومي- الإسلامي الشهير،الدكتور«شاكر مصطفى» (وزير الإعلام لفترة قصيرة مطلع العام 1965)، كما أخبرني خطياً في وقت لاحق. ولذلك بدأتُ رحلة تحقيق في القضية استغرقت سنوات طويلة، ما بين جمع معلومات و وثائق وشهادات، وتدقيقها ومقاطعتها فيما بينها، لاسيما بعد أن بدأتُ أحصل من «ماركوس فولف» في العام 2002 على إرشيفه الشخصي الخاص بالعالم العربي من أجل تحرير مذكراته العربية. ولم يقطع رحلة التحقيق تلك سوى فترة اعتقالي الطويلة.

  صيف العام 1988، وفي مناخات الجدل والإنقاسام بشأن «بيروسترويكا غورباتشوف»- دعاني الصديق العزيز،القاص الراحل «سعيد حورانية» (1929-1994)،أو كما يسمى «تشيخوف سوريا»، الذي كان يومها مديراً إدارياً للمركز الثقافي السوفييتي بدمشق،لإلقاء محاضرة عن «رأسمالية الدولة الوطنية وسياسة النيب اللينينية في العام 1921» (أو ما عُرف بالسياسة الاقتصادية الجديدة/نوفَيا إيكونوميتشسكايا بوليتيكا новая экономическая политика- нэп)(5). وعلى هامش المحاضرة سألني على انفراد عما إذا كنت أعرف أية أخبار عن الدكتور «عبد العزيز الخير»، الذي كان يعرفه من خلال صديقهما المشترك الشاعر «ممدوح عدوان»؛ وكان يعتقد خطأ- كآخرين غيره - أني على علاقة خيطية سرية بـ «حزب العمل الشيوعي» (6). وعندها وجدتُ الفرصة مناسبة لسؤاله عمّا إذا كان يعرف شيئاً عن مراسلات جرت بين الدكتور«شاكر مصطفى» والشيخ «عبد الرحمن الخيّر» أواسط السبعينيات حول قضايا ومسائل دينية، من بينها قصة «البيان» الذي تسبب بضجة إعلامية عند توزيعه وبثه ربيع العام 1969، رغم أنه كان لا يزال يعيش يومها في موسكو. ويومها أكد لي الراحل «حورانية» وجود هكذا مراسلات لأن الدكتور«مصطفى» كان بصدد تأليف كتاب عن تاريخ المذاهب الإسلامية أو عمل تأريخي قريب من ذلك. وقد أعطاني الراحل «حورانية» نسخة من بعض تلك المراسلات ، مؤكداً لي في الآن نفسه أنه «ليس واثقاً تماماً من صحتها، لأنه حصل عليها بطريقة غير رسمية، من غير صاحبَي العلاقة،وليست مأخوذة من كتاب يمكن الركون إليه أو من وسيلة إعلامية مطبوعة». ولهذا نصحني بالتواصل مع الدكتور«مصطفى» (رغم أنه يمقته بسبب «يمينيته ورجعتيه الإسلاموية»، كما قال) لكي أتأكد منه شخصياً بشأن صحة المراسلات وموضوعها. ولأني لم أكن أعرف إليه طريقاً، نظراً لأنه خرج من سوريا منذ العام 1966 وكان يعمل في الكويت آنذاك (أستاذاً في جامعتها، فهو أحد مؤسسيها، ثم مستشاراً لأميرها «جابر الأحمد الصباح») نصحني بالاعتماد على الدكتورة «حنان قصاب حسن»،الأستاذة في المعهد العالي للعلوم المسرحية،أو على والدها المحامي والإعلامي الشهير «نجاة قصاب حسن»، بسبب علاقات عائلية وصداقية تربطهما. وهذا ما فعلتُه، لأني كنت أريد أن أتأكد من حقيقة وجود هكذا مراسلات بينهما، وما إذا كان الشيخ «الخيّر» قال شيئاً بخصوص واقعة «البيان». ولهذا ، وبمساعدة مشكورة من الدكتورة «حنان»،كتبت له أوائل تشرين الثاني/ نوفمبر 1988 ثلاثة أسئلة  لم يتأخر كثيراً في الإجابة عليها (بتاريخ 16 من الشهر نفسه) برسالة فاكس من صفحتين أرسلها لي عبر رقم الأستاذ «حورانية» في المركز الثقافي السوفييتي(منشورة جانباً. وكانت من ضمن مصادرات «الفرع 235» في المخابرات العسكرية حين صادروا أرشيفي كله في العام 1992، قبل أن أستعيد معظمه من خلال العميد «عمر شرق» و المقدم «علي فاضل»). 

 


  أهم ما جاء في الرسالة الجوابية من الدكتور «شاكر مصطفى» (المنشورة جانباً) هو تأكيده لي أنه تراسل فعلاً مع الشيخ «الخير» مطلع العام 1976،وأن الشيخ «الخير» نفى صلته بـ«البيان» و وصفه بأوصاف مقذعة، وأنه ردَّ على «البيان» بكتيّب تحت عنوان «للحقيقة والتاريخ»(لم أستطع الحصول عليه للأسف حتى اليوم). وقد لفت انتباهي في رسالته الجوابية إلى أن «أشخاصاً لهم صفة رسمية في قطرنا تورطوا في توزيع البيان يومها»، وأن «مسؤولاً عربياً كبيراً من قطر عربي مجاور أصدر كتاباً سخيفاً في العام 1971ضمّنه نسخة حرفية من البيان المنحول باسم الشيخ عبد الرحمن الخير، رغم أنه كان مضى عامان على افتضاح أمره»! لكن الدكتور«مصطفى» - ولأسباب مفهومة - لم يُسمّ لي لا المسؤولين السوريين الذين تورطوا في القصة، ولا المسؤول العربي الكبير صاحب الكتاب السخيف الذي أشار إليه! ولهذا كان عليّ أن أبدأ رحلة بحث لم تنته إلا  بعد سنوات طويلة على ذلك.

  علمت لاحقاً أن الدكتور «شاكر مصطفى» قصد بالمسؤول الكبير في قُطر عربي مجاور رئيسَ وزراء الأردن الأسبق «سعد جمعة»؛ وهو إسلامي أخونجي ينحدر من أصول كردية سورية (من عائلة «الأيوبي» الدمشقية). كما أنه عمل سفيراً لبلاده في لندن و واشنطن وطهران في أوقات مختلفة. ولعل الأهم من ذلك كله أنه كان طائفياً مسعوراً عمل لصالح المخابرات البريطانية MI6 كمعظم الإسلاميين، وصديقاً للجنرال «نعمة الله ناصري» رئيس جهاز «السافاك» الإيراني - الشاهنشاهي، فضلاً عن علاقته الوثيقة بالملك الأردني «حسين»، الذي كان يعمل رسمياً هو بدوره لصالح وكالة المخابرات المركزية منذ العام 1957 مقابل مرتب سنوي قدره 750 ألف دولار إلى أن أوقفه الرئيس «جيمي كارتر» في العام 1977، كما كشف رئيس تحرير «واشنطن بوست»، «بوب وودورد» ، في تقرير بتاريخ  18 شباط / فبراير من ذلك العام، ثم في كتابه « Veil: The Secret Wars of the CIA » (1987).

  ففي العام 1971، وبعد ثلاث سنوات تقريباً على «البيان» المفبرك باسم الشيخ «الخير»، أصدر«سعد جمعة» كتاباً بعنوان «مجتمع الكراهية» عن «دار الكاتب العربي» اللبنانية لصاحبها الكاتب والصحفي الشهير «قدري قلعجي»، الذي بدأ حياته شيوعياً في «الحزب الشيوعي السوري-اللبناني» الموحد، وانتهى إلى حضن وكالة المخابرات المركزية التي مولت له إنشاء «دار الكاتب العربي» في بيروت، كما مولت قبل ذلك مجلة «شعر» ومؤسسيها (أدونيس، يوسف الخال، فؤاد رفقة، شوقي أبي شقرا...إلخ)،ومئات المؤسسات والمنابر والمشاريع الثقافية حول العالم(7)! وفي هذا الكتاب، وهو عبارة عن كومة من الهذيانات المغزولة على نول نظرية المؤامرة والعقل التآمري الهذياني من ألفها إلى يائها،أعاد «جمعة» نشر «البيان» المفبرك باسم الشيخ «عبد الرحمن الخيّر»، مخصصاً له الصفحات من 62 إلى 75،باعتباره«وثيقة من عقر دار النصيريين تكشف تآمرهم وتآمر ضباطهم مع إسرائيل وتخليهم لها عن الجولان...إلخ»! ولولا إعادة نشر «البيان» في هذا الكتاب، لكان مرجحاً أن لا يبقى أي شيء منه عالقاً في ذاكرات الناس، رغم ما أثاره من ضجة إعلامية إقليمية عند إصداره. والدليل على ذلك أن جميع ما قيل منذ العام 1971 حتى اليوم، حتى من قبل «مثقفين» و «مؤرخين» وسياسيين ومستشرقين عن «تغلغل النصيريين في الجيش وحزب البعث وتسللهم إليهما...إلخ»، بما في ذلك كتاب النصّاب الهولندي «نيكولاس فاندام»، إنما بني كله على ما جاء في ذلك «البيان» المعاد نشره في كتاب «سعد جمعة»، وليس على أي شيء آخر،إذا استثنينا قصص «النسوان» على نوافذ الأفران وفي أسواق الخضار وبائعي الفول والشاورما في الأسواق الشعبية،وهذيانات اليهودي-التلمودي المعتوه «ابن تيمية»! بل إن شخصاً مثل الدكتور «محيي الدين اللاذقاني»، المتزوج سابقاً من سيدة من «آل الخيّر» (السيدة «آمال الخير»، التي تمُتّ بصلة قرابة من الدرجة الأولى لإحدى زوجات «رفعت الأسد»)، والذي كان «يصلي» خلف هذا الأخير ويلعق جيوبه وحذاءه، لم يتورع عن الكتابة والحديث مراراً عن «مجلس علوي سري يدير الدولة»، ويجتر ما جاء في «البيان» المذكور! وقد فعل ذلك أمامي حين جاء لزيارتي في منزلي في منطقة «هَمَر سميث» غربي لندن حين هربت من فرنسا،فقطعت علاقتي به نهائياً( كرر القصة في العام 2012 على صفحته في «فيسبوك»). وكانت المرة الأولى والأخيرة التي ألتقيه أو أتحدث معه وجاهياً. فأنا لست مستعداً لمصادقة رجل مهبول تماماً، بالمعنى الإكلينيكي للكلمة، ويعمل خزمتشياً عند «رفعت الأسد» الذي كنتُ ربحت ضده قبل سنوات  قليلة دعوى أمام القضاء الفرنسي على خلفية مجزرة «سجن تدمر»، قبل أن يقوم المراقب العام للأخوان المسلمين «علي صدر  الدين البيانوني» بعمل قذر للحيلولة دون وصولها إلى النهاية المرجوة! فتخيلوا تاريخاً سياسياً بُني كله على أكذوبة وبيان ملفق وقفت وراءه - كما سنرى -  جهات مخابراتية دولية وإقليمية، وتورط «حافظ الأسد» نفسه وعدد من زبانيته، أمثال مدير مكتبه، الرائد «عزالدين إدريس»، و عضوي قيادة فرع دمشق لحزب «البعث»، «محمد حيدر» و «عبد الله الأحمد»، في طباعته والترويج له!!

  في الواقع لم يكن «البيان» يشذ عن مسار طويل من الهبل والدجل الإسلامي، لاسيما السنّي منه، يمتد لأكثر من أربعة عشر قرناً. فهذا التاريخ قام في تسعة أعشاره على الهذيانات والشعوذة والتلفيق، بدءاً من القرآن نفسه وقصص الجن والعفاريت وحكايات غرفة نوم نبي المسلمين - «محمد»، والمواصفات الفنية والتعبوية لأيره الذي  منحه قوة ثلاثين أو أربعين رجلاً في نيك النساء، كما لو أنه «بغل»، كما أخبرنا النصّاب والمعتوه الكبير «أنس بن مالك»، مروراً باختراع شخصيات في التاريخ لا وجود لها (مثل «عبد الله بن سبأ» الذي اختلقه «سيف بن عمر التميمي») فقط لكي ينسجوا حولها قصصهم المجنونة.

قصة «البيان»: هؤلاء هم من كتبوه و وزعوه وأذاعوه


  جميع المعلومات التي جمعتها منذ سمعت بـ«البيان» لأول مرة في العام 1988 تقاطعت في نقطة واحدة تؤكد أنه «صيغ في الأردن  ولبنان و/أو خرج منهما للمرة الأولى» في سياق الحرب التي كان يشنها التحالف الأميركي - البريطاني - الإسرائيلي وحلفاؤه، لاسيما السعودية و نظام الهاشميين الصهاينة، عرّابي جميع المؤامرات في المنطقة منذ العام 1918، لإسقاط النظام الوطني اليساري،الذي كانت تقوده ترويكا «الأتاسي - زعيّن - جديد»،على خلفية موقفه من القضية الفلسطينية وفتحه جبهة الجولان للعمل الفدائي الفلسطيني والسوري ومحاولة «صلاح جديد» (رغم التحذير والتهديد السوفييتي له خلال زيارته إلى موسكو مطلع العام 1967) جرَّ مياه ينابيع الجولان إلى دمشق لتغطية احتياجات تطورها العمراني خلال العقود الخمسة اللاحقة، وقطعه العلاقات الديبلوماسية مع واشنطن ولندن بسبب دورهما في عدوان «حزيران/ يونيو 1967»...إلخ. وكان عليّ أن أنتظر حوالي خمسة عشر عاماً لأحصل من «ماركوس فولف» على أرشيفه الخاص بالعالم العربي من أجل تحرير مذكراته العربية، ولأعثر  فيه على عدد من التقارير ذات الصلة بتلك الفترة. وكان أحدها تقريراً رفعه القنصل العام المفوض لألمانيا الديمقراطية في دمشق، «ألفرد مارتر»، في 28 فبراير1969  إلى وزير خارجية بلاده «أوتو فيزنر».(أصبح «مارتر» أول سفير لألمانيا الديمقراطية في سوريا بعد إقامة علاقات ديبلوماسية رسمية بين البلدين بعد ذلك ببضعة أشهر، وتحديداً في 23 حزيران/ يونيو 1969، حين قدم أوراق اعتماده للرئيس «نور الدين الأتاسي»).


  في هذا التقرير،المنشور جانباً، يلاحظ «مارتر» أن توتر العلاقات الأردنية - السورية «ازداد سخونة خلال الأيام الأخيرة على خلفية قضية غريبة أضيفت إلى الأسباب القائمة أصلاً، المتصلة بدعم الحكومة السورية للعمليات العسكرية التي تشنها فصائل حركة التحرر الوطني الفلسطينية ضد إسرائيل، وقضية الضابط السوري الفار إلى الأردن، سليم حاطوم، الذي أعدم في يونيو 1967 بعد ثبوت تورطه باتصالات مع المخابرات البريطانية والإسرائيلية». ويقول «مارتر» إن القضية الجديدة تتعلق بإقدام الإذاعة والتلفزيون الرسميين الأردنيين مؤخراً على بث ما وصفتاه بأنه «بيان من الزعيم الديني للطائفة العلوية في سوريا، الشيخ عبد الرحمن الخيّر، الذي انشق عن طائفته والتحق بالطائفة الشيعية الأم، وقرر فضح عقيدة طائفته وتآمرها مع الصهيونية العالمية والتخلي عن مرتفعات الجولان قبل عامين (خلال حرب يونيو 1967) من أجل الحصول على مساعدة إسرائيل لإنشاء دولة علوية في القسم الغربي من سوريا تكون عاصمتها مدينة حمص». ويلاحظ «مارتر» أن الحملة الإعلامية الأردنية «ركزت جهدها الرئيسي على السيد صلاح جديد، الذي يقود التيار الوطني اليساري في حزب البعث العربي الاشتراكي (...)، بينما تجنبت الإشارة إلى الفريق حافظ الأسد، وزير الدفاع وقائد القوى الجوية، رغم أنه ينحدر من الطائفة نفسها». وينقل «مارتر» عن الإعلام الأردني وصفه «الأسد» بأنه «الرجل العاقل الوحيد في النظام السوري» ، وبأنه «يبذل جهداً كبيراً منذ سنوات من أجل كبح جماح جنون رفاقه ورهن بلادهم للشيوعية العالمية». ويلاحظ «مارتر» أن «الصحف اللبنانية والسعودية والمصرية روجت أخباراً شبيهة بهذه» آنذاك.

 وعلى خلفية هذا التوتر الجديد،يقول «ماتر»، طلبتُ موعداً من السيد وزير الخارجية السورية ، «مصطفى السيد» يوم 15 فبراير الجاري، إلا أنه تجنب الحديث عن الأمر، وقال إنه «ليس لديه معلومات خاصة عن القضية، وإن الأمر لا يعدو أن يكون محاولة من الحكومة الأردنية لاستغلال الخلافات بين الرفاق في القطر، التي لم تعد سراً، والاصطياد في الماء العكر. لكني فهمت لاحقاً أنه من المتعاطفين مع الفريق الأسد، وأنه جيء به من قبل وزير الدفاع  بهدف إبعاد الدكتور ابراهيم ماخوس،الموالي لرئيس الدولة،الدكتور نور الدين الأتاسي ونائبه للشؤون الحزبية صلاح جديد». وهنا يقرر «مارتر» التوجه إلى «عبد الكريم الجندي»، رئيس مكتب الأمن القومي، الذي قابله يوم الخميس، 27 فبراير، لمدة ساعتين. ويلاحظ«مارتر» أن «الجندي»  كان لديه رأي آخر ومعلومات مختلفة. «فقد كشف أن جهازه الأمني ضبط كمية  كبيرة من كتيّب / بروشور  مُوقّع باسم الشيخ العلوي عبد الرحمن الخير عند محاولة إدخالها الأسبوع الماضي تهريباً من الأردن. كما أن نسخة أخرى من البروشور جرت طباعتها في مطابع الجيش العربي السوري بإشراف وزير الدفاع ومساعده، الرائد عز الدين إدريس، واثنين من أعضاء فرع حزب البعث في العاصمة أحدهما يدعى عبد الله الأحمد والآخر محمد حيدر». وينقل «مارتر» عن «الجندي» قوله إن هذين الأخيرين(«الأحمد» و«حيدر») «متورطان على الأقل في توزيع البروشور على بعض رجال الدين و رجال الأعمال في دمشق ومدن سورية أخرى». وهنا يستغرب «مارتر» ذلك لأنهما «ينحدران من الطائفة التي ينحدر منها السيد وزير الدفاع، ومن الغريب أن يتورطا في الإساءة لسمعة طائفتهما»! أما جواب «الجندي» فكان لافتاً، رغم تضمنه معنىً كوميدياً ساخراً. فقد أجابه بأن هؤلاء «ليست لهم طائفة دينية، فطائفتهم الوحيدة هي المخابرات البريطانية»!

   ويختم «مارتر» تقريره إلى وزارة خارجية بلده  بالقول«ما لفت انتباهي عند وداع [الجندي] لي قوله: قد يكون هذا اللقاء هو الأخير بيننا». وحين سأله عن قصده، وما إذا كان سيُقال من منصبه، رفض «الجندي» التعليق «ولوّح بيديه في الهواء في إشارة فهمت منها أنه لا يعلم، ولم يقل أي شيء»! [ من المعلوم أن «الجندي» انتحر بعد ذلك بثلاثة أو أربعة أيام].

   وفي نهاية التقرير يقول «مارتر» : «بعد أن خرجت من لقائي مع السيد الجندي، شعرت بأن سوريا مقبلة على حدث كبير، ليس لأنه تحدث عن أن لقاءنا يمكن أن يكون الأخير، ولكن بسبب عبارته التي وصف فيها رفاقه بأنهم ينتمون إلى طائفة المخابرات البريطانية، و اتهامه لوزير الدفاع بأنه يقف مع عدد من رفاقه وراء التحريض الطائفي حتى السيد صلاح جديد. وإذا ما صحت هذه المعلومات، يمكن التخمين بأن الشقاق بين  تياري حزب البعث قد وصل إلى نقطة اللاعودة». ( انتهى التقرير).  

   إذن، وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار ما قاله «الجندي» للقنصل العام الألماني الشرقي، لاسيما قوله إن أجهزته الأمنية ضبطت كمية كبيرة من «البيان» خلال محاولة تهريبها من الأردن إلى داخل الأراضي السورية،يمكن الجزم بأن «البيان» جرى تلفيقه من قبل المخابرات الأردنية والمخابرات البريطانية، ليس فقط لأن إعلام النظام الهاشمي هو ما كان السبّاق إلى بثه وعلكه واجتراره، ولكن أيضاً لأن «سعد جمعة» بادر إلى إدراجه في كتابه الهذياني (مجتمع الكراهية) الذي أصدره بعد ذلك بحوالي ثلاثة أعوام. ومن المرجح أنه لا توجد أية نسخة أصلية من «البيان» إلا في كتابه، فضلاً عن النسخة التي ستنشرها صحيفة «الحياة» بعد بضعة أشهر، كما سنرى. وهذا في الواقع ما سيؤكده الفريق «نذير رشيد»، مدير المخابرات الأردنية الأسبق (سبتمبر 1970- ربيع العام1973)، للسفير الألماني الشرقي في الرباط «فيلفريد كيتلر Wilfried Kittler» خلال حرب أكتوبر 1973، حين كان «رشيد» أصبح سفيراً لبلاده في المغرب. ويومها كشف للسفير الألماني الشرقي معلومات خطيرة عن دور الملك«حسين»الإجرامي خلال الحرب وقبلها. وقد استخدمتُ وثائق مخابرات الألمانيا الشرقية عن الأمر («أرشيف فولف») خلال عملي مع «فيكتور إسرائيليان» على كتاب «داخل الكريملن خلال أكتوبر»، فقد كان «رشيد» على علاقة قديمة مع استخبارات ألمانيا الشرقية منذ فترة ليست قصيرة، ولكن بصفة «صديق، ذي خلفية قومية - ناصرية منذ اشتراكه في المحاولة الانقلابين الفاشلة في العام 1957 /حركة الضباط الأردنيين الأحرار/ وليس كعميل لنا»، كما أخبرني «ماركوس فولف» في برلين لاحقاً.

في شهادته إلى السفير «كيتلر»، يؤكد «رشيد» أن من صاغ «البيان» المنسوب للشيخ «عبد الرحمن الخير» هو«سعد جمعة» شخصياً،الذي كان يومها عضواً في «مجلس الأعيان» الأردني قبيل توجهه إلى لندن كسفير لبلده. وكشف «رشيد» أن من كان وراء الفكرة أصلاً هو رئيس محطة المخابرات البريطانية في عمّان، المستعرب «بيل سبيرز» (اسمه الحقيقي «جون آلن بيل سبيرز:  John Alan Bill Speares »)، الذي كان يعمل آنذاك تحت غطاء «السكرتير الأول»في السفارة البريطانية،ومستشاراً خاصاً للملك الأردني «حسين» لـ«شؤون مكافحة الشيوعية والحركات الفلسطينية»، على غرار «جيمس آيكلبرغر Eichelberger J.»، الذي كان رئيس محطة وكالة المخابرات المركزية في القاهرة ومستشاراً خاصاً لـ«جمال عبد الناصر» لشؤون «مكافحة الشيوعية في العالم العربي وأفريقيا»، ومسؤولاً عن إنشاء وإدارة إذاعة «صوت العرب»، والكاتب الحقيقي لكتاب «فلسفة الثورة» الذي نشره «عبد الناصر» باسمه في العام 1954بعد أن ترجمه «هيكل»إلى العربية! (راجع «داخل الكريملن...»).

   لكن، والكلام للفريق «نذيررشيد»، مَن تولى العمليات اللوجستية (طباعة البروشور، و محاولة تهريبه إلى سوريا، التي أشار إليها «عبد الكريم الجندي») هو «مضر بدران»، مدير المخابرات الأردنية آنذاك. وبحسب شهادة «رشيد» لنظيره الألماني الشرقي «كيتلر»، فإن « بدران» هو من كلف ضابط مخابراته ، الرائد «عدنان أبو عودة» ( الذي أصبح وزيراً للإعلام والثقافة)، بإدارة الحملة الإعلامية ضد نظام دمشق، بما في ذلك بث «البيان» المذكور!

  ما يتقاطع مع هذه المعلومات كلها ويؤكدها  ليس فقط إقدام صحيفة «الحياة» اللبنانية ( السعودية لاحقاً) على إعادة نشر «البيان» كاملاً في 19 أيار/ مايو 1969، أي بعد فبركته بحوالي ثلاثة أشهر، بل أيضاً «المداخلات الديبلوماسية - المخابراتية السرية» التي أحاطت بظروف نشره من قبل الصحيفة.

 من المعلوم أنه، وباستثناء قناة «الجزيرة»، ما من منبر إعلامي عربي لعب دوراً في الحياة السياسية العربية، منذ أن أُنشئت أول صحيفة عربية (الوقائع المصرية) بمرسوم من «محمد علي باشا» في العام 1828، كما لعبته «الحياة». فحين انطلاقتها في العام 1946 كانت منبراً «عروبياً تحررياً»، لكنها ما لبثت بعد خمس سنوات أن تحولت، مع شقيقتها «ديلي ستار»،  إلى «لسان حال المخابرات البريطانية»والمشاريع السياسية الأميركية في العالم العربي والشرق الأوسط،بما في ذلك رعاية انقلابات ومؤامرات وإسقاط أنظمة وحكومات والترويج لمشاريع كولونيالية سافرة أو مقنّعة، نظراً لأن صاحبها ورئيس تحريرها «كامل مروّة» كان عميلاً رسمياً لجهاز MI6 البريطاني إلى حين اغتياله في أيار/ مايو 1966من قبل مجموعة لبنانية ناصرية بقيادة «ابراهيم قليلات»(خال الضابط المعروف اليوم، العميد «مصطفى حمدان») قيل إن مخابرات «عبد الناصر» هي من طلبت منها ذلك. ولاحقاً(في العام 1986) تزوجت ابنته «حياة مروة» من رجل الأعمال البريطاني اللورد«بيتر بالومبو Peter Palumbo»،عضو حزب المحافظين وأحد محاسيب رئيسة الوزراء «مارغريت ثاتشر»،و«رجل المخابرات البريطانية الذي لعب أدواراً مهمة في عدد من أنشطتها السرية في عدد من دول الشرق الأوسط خلال السبعينيات والثمانينيات تحت قناع أنشطته العقارية والثقافية»،كما تقول أوراق«أرشيف فولف». أما شقيقها «جميل» فطور علاقاته وصولاً إلى ...«محطةالموساد» في«أربيل» بإقليم كردستان العراق!وفي تقرير يتضمنه هذا «الإرشيف»، كانت أعدته محطة مخابرات ألمانيا الشرقية في بيروت صيف العام 1975، نعثر على وصف ساخر ولاذع يصف الصحيفة بأنها«أكبر ماخور استخباري في الشرق الأوسط؛وفي أفضل الأحوال شركة مساهمة مغْفلة لأجهزة المخابرات العربية والغربية، والصحيفة العربية الوحيدة التي لا يعمل فيها صحفيون،بل وكلاء أجهزة مخابرات وجواسيس يديرون في الصحيفة أسهم أكثر من خمسة أجهزة استخبارية إقليمية ودولية وينتحلون صفة صحفيين»!

  لكن ما يهمنا في قضيتنا اليوم هو أن تقريراً أرسلته محطة مخابرات ألمانيا الشرقية في بيروت عن القضية في 2 حزيران / يونيو 1969،بتوقيع الدكتور «غيرهارد هيردر Gerhard Herder » ، الذي كان يعمل ممثلاً تجارياً لبلاده بصفة «مستشار ديبلوماسي». ومن المفيد  الإشارة هنا إلى أن جميع الممثلين التجارين أو القناصل العامين الذين كانت ألمانيا الديمقراطية ترسلهم إلى البلدان التي لا توجد معهم علاقات ديبلوماسية كانوا تابعين للمخابرات الخارجية. وكانوا جميعهم تقريباً يحملون درجات دكتوراه، ولكن لم يكن أي منهم يحمل درجة علمية أقل من الشهادة الجامعية!

  يتحدث التقرير عن أن رئيس محطة المخابرات البريطانية في بيروت آنذاك، «كريستوفر كيث كورين Christopher Keith Curwen» هو من طلب من ورثة «كامل مروة» ( زوجته وابنه) أن «يولوا اهتماماً خاصاً بالقضية، سواء في تقارير الصحيفة أم مقالات الرأي التي تنشر فيها، رغم مرور حوالي ثلاثة أشهر على انفجارها». وفي 12 أيلول / سبتمبر 2004 ، حين التقيتُ « بيتر أرنولد لون  Peter Arnold Lunn»، الذي كان رئيس محطة المخابرات البريطانية في بيروت مطلع الستينيات بعد انشقاق «كيم فيلبي» إلى موسكو، وكان أصبح متقاعداً  منذ قرابة ربع قرن وفي الثمانين من عمره ( توفي في العام 2011)، أكد لي هذه الواقعة، و وصفها بأنها«كانت جزءاً من حملة العلاقات العامة التي قامت بها الحكومة البريطانية برئاسة هارولد ويلسون لتقويض النظام الراديكالي في دمشق وتمهيد الطريق للجنرال حافظ الأسد، الذي كان بدأ علاقاته معنا منذ كانون الأول / ديسمبر 1964 من خلال عميلنا القديم عبد الحليم خدام وعميلنا الآخر،الصحفي باتريك سيل، الذي كان يدرس اللغة العربية آنذاك في معهد شملان بجبل لبنان. فهما من أوصلانا منذ ديسمبر 1964 إلى حافظ الأسد»(8)....

(*) ـ كتب هذا التحقيق في  حزيران / يونيو 2011 لينشر في موقعنا  SyeiaTruth، بمناسبة مرور ربع قرن على وفاة الشيخ «عبد الرحمن الخير». لكن لم ينشر بسبب أولويات أخرى فرضتها تطورات الانتفاضة الشعبية السورية، التي كانت بدأت تتحول في ذلك الشهر إلى «ثورة وهابية- إسرائيلية» مسلحة بعد المجزرة التي ارتكبها الإرهابيون في «حماة»، حين أقدموا على ذبح عناصر شرطة «مخفر حي الحاضر» في المدينة قبل إلقائهم في «نهر العاصي» من فوق «جسر الضاهرية/ جسر كازو» بعد أن جزّوا رؤوسهم. و قد أضفت إليه بعض المعلومات والوقائع والصور الجديدة التي غابت عني يومها.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش:

(1)  ـ قريباً، ولأول مرة في تاريخ سوريا منذ حصول «مؤامرة حاطوم» صيف العام 1966، سأكشف عن أنه كان له أخ شقيق ضابط في المخابرات العسكرية الإسرائيلية منذ العام 1948، وسأنشر وثائق لم يسمع بها أحد من قبل، كنت حصلت عليها على مدار قرابة ثلاثين عاماً من التحقيق في القضية من الأراشيف الإسرائيلية والألمانية/ الشرقية والسورية، ومن بينها الوثيقة التي أخفاها الرئيس «نور الدين الأتاسي» ورفاقه في قيادة «23 شباط» عن بقية رفاقهم وعن السوريين جميعاً منذ ربيع العام 1967 حتى اليوم. فربيع ذلك العام تلقى «الأتاسي» ورفاقه أولى المعلومات والوثائق عن القضية، والتي كانت السبب الوحيد لإعدام «حاطوم» بعد شهرين (في 24 أو 26 حزيران / يونيو). ولكنها سُحبت من ملف محاكمته «درءاً للفضيحة» و« إكراماً لكرامة سلطان باشا الأطرش و طائفة الموحدين..»، كما قال الرئيس «الأتاسي» لقنصل ألمانيا الشرقية المفوض في دمشق «هورست غرونيرت Horst Grunert »(لم يكن يوجد سفير بعد). رغم أن «كل ذبيحة معلقة بكرعوبها» كما يقول المثل، ولا علاقة لطائفته به كما ينبغي القول، إلا في الثقافة الشرقية الحقيرة التي تربط المرء بقبيلته وعشيرته وطائفته، سواء أكان ما فعله بطولة أم نذالة!

(2)  ـ من المفارقات، وهذا ما علمته بمحض المصادفة من خلال مراسلاتي مع المؤرخ  الإسلامي الدكتور« شاكر مصطفى» في العام 1988،حين كان لم يزل يعمل في الكويت، أن الشيخ «الخير» هو من كان صاحب فكرة أن يقوم الإمام «موسى الصدر» بإصدار فتوى في العام 1973 تؤكد أن «العلويين مسلمون على المذهب الجعفري»، وليس «حافظ الأسد» هو من طلب منه ذلك، كما زعم النصّاب الكبير «حسن صبرا» صاحب مجلة «مجلة الشراع» اللبنانية بعد ثلاثين عاماً على تلك الواقعة ( «الشراع»، 30 / 8/ 2004)، وهي - على أي حال - الرواية الرائجة منذ ذلك الحين. كما أن «الخير»، وبحكم علاقاته الوثيقة والعميقة مع «الأزهر» في القاهرة، هو من كان طلب يومها من إمام «الأزهر»،  الشيخ «عبد الحليم محمود» ، كتابة رسالة إلى «مجلس الشعب السوري» صيف العام 1973بهذا المعنى. وقد تُليت الرسالة أمام «المجلس» يومها على خلفية ما عرف باسم «أزمة دين رئيس الجمهورية»، حين انتفض الأمويون التلموديون ضد مشروع الدستور السوري الجديد، ولأن «حافظ الأسد علوي وليس مسلماً»! لكني فشلت في الحصول على محضر  جلسة «مجلس الشعب» . كما فشلت الصديقة المصرية العزيزة «راوية سعد»، ابنة المؤرخ الشيوعي المصري الكبير «إيزيدور سلفادور» (=أحمد صادق سعد) في الحصول على نسختها الأصلية من «الأزهر»، لكأنما أخفاها «السادات» لاحقاً بعد القطيعة مع نظام «الأسد» على خلفية «اتفاقية كامب ديفيد»!؟

(3)  ـ  حول قصص المعتوهين «التهامي» و«الشاذلي»، ومؤامرة «هيكل» و رئيس محطة وكالة المخابرات المركزية «يوجين ترون» و قصة « الأشرطة وجلسات تحضير الأرواح»، راجع الجزء الأول من كتاب «داخل الكريملن خلال حرب أكتوبر وما بعدها» ( الموجود هنا أيضاً)، الذي حررته وترجمته بالتعاون مع نائب آخر وزير خارجية سوفييتي، الدكتور«فيكتور إسرائيليان»، استناداً إلى أكثر من ثلاثين ألف صفحة من الوثائق والمؤلفات والمذكرات التي قمت بمراجعتها خلال الفترة 2001- 2020، باللغات الخمس التي أجيدها أو المّ بها (الإنكليزية، الفرنسية، العبرية، الروسية، بالإضافة إلى العربية). وهو أكمل كتاب صدر في العالم عن «حرب أكتوبر» وسياقها التاريخي وأسرارها، رغم أني لم أستطع إصدار الجزء الثاني منه لأسباب صحية. وقد أكد لي «ترون» الدور الذي لعبه مع «هيكل» في تلك المؤامرة الدنيئة حين زرته صيف العام 2001 ، قبيل وفاته بشهرين، في جنوب شرق فرنسا حيث كان يقضي حياته التقاعدية في مزرعة اشتراها مع زوجته  الفنانة التشكيلية الألمانية وحولاها إلى «منتدى فني».

(4)  ـ يحصل الآن في أوساط بعض المعاتيه والنصابين «النصيريين» ( لا العلويين!) ما يشبه قصة «بيان الشيخ الخيّر»، حيث يقوم بعض هؤلاء، لاسيما منهم أيتام وشبيحة النظام البائد وأجهزته، الذين نقلوا بنادقهم «الأسدية» إلى الكتف الإسرائيلي، على غرار صبي أبله ومدّعٍ أفاك يدعى «مضر مالك حسن»، أو «مضر حسن مالك»، بالترويج لكتب «نصيرية» قديمة مليئة بالهراء والشعوذة والخراء على أنها «كتب فكرية غنوصية». ومن المفارقات ( لا المصادفات، لأن منبع هذا الخراء .. هو الطيز نفسها!) ،أنه يرّوج لكتاب «الأسوس»، الذي اعتمد عليه «سعد جمعة» في تلفيق «بيان الشيخ الخيّر»!  

(5)  ـ خلال المحاضرة ، التي وافق عليها مسبقاً الأستاذ «سعيد حورانية»، خرجتُ عن النص مراراً في محاولة إسقاط المقولات النظرية على «رأسمالية الدولة» في سوريا.  وبسبب ذلك حصلت مشكلة أمنية كادت أن تودي به هو قبلي أنا. لكن الدكتورة «نجاح العطار»، بصفتها وزيرة للثقافة، أقدمت يومها على عمل لا يقوم به إلا كل شجاع ونبيل لإنقاذنا. وأرجو أن تتاح لي فرصة قريبة للحديث عن الأمر مع نشر وثائق  رسمية ذات صلة.

(6)  ـ أواسط السبعينيات كان الدكتور المُغيّب «عبد العزيز الخير» والشاعر «ممدوح عدوان» في خلية حزبية واحدة من خلايا «حزب البعث الديمقراطي» (23 شباط) في دمشق، قبل أن ينتقل «الخير» إلى صفوف «رابطة / حزب العمل الشيوعي».

(7)  ـ  شهدت تلك الفترة واحدة من أكبر العمليات في التاريخ لشراء ذمم المؤسسات الثقافية والصحف والمثقفين عبر العالم من قبل وكالة المخابرات المركزية و«إدارة بحوث المعلومات Information Research Department-IRD» في المخابرات البريطانية MI6. وكانت الجهتان توزعان نشرة سرية عبر سفارات البلدين  على الصحفيين والمؤسسات الصحفية تتضمن أخباراً مفبركة من قبل الجهازين. وجميع الأخبار الكاذبة التي لفقها «هيكل» في كتبه ومقالاته، على سبيل المثال، مصدرها تلك النشرة، باعتباره أحد عملاء المخابرات البريطانية منذ الحرب العالمية الثانية، ثم وكالة المخابرات المركزية. وقد مولت «الوكالة» ثلاثة من كتبه على الأقل («الطريق إلى رمضان» و «قطع ذيل الأسد» و «أبو الهول والقوميسار») بهدف الترويج للأكاذيب التي اقترحها رئيس محطة «الوكالة» في القاهرة و/أو تلك التي كانت توزعها «النشرة» على عملاء MI6. وقد نص ميثاق/دليل عمل IRD البريطانية - حرفياً -«على العمل من أجل مكافحة الشيوعية ونشر الدعاية المضادة لها،واستخدام وتقديم الدعم والمعلومات للسياسيين والأكاديميين والكتاب المناهضين للشيوعية،واستخدام المعلومات المضللة والأبحاث الأكاديمية والأخبار الكاذبة لمهاجمة الاشتراكيين والحركات المناهضة للاستعمار من أجل قمع الثورات المؤيدة للاستقلال في آسيا وإفريقيا وإيرلندا والشرق الأوسط ... إلخ»! وكان من أبرز أركان إدارة هذا الجهاز عميلان شهيران للمخابرات البريطانية هما الفيلسوف «برتراند راسل» والروائي «جورج أورويل» الذي وشى لها بالعشرات من أصدقائه ومعارفه ( حوالي 134 شخصاً!) على رأسهم الفنان العبقري الأكثر شهرة،«شارلي شابلن»! وبعد أن انشق أحد ضباط المخابرات البريطانية ( غاي برجس Guy Burgess) إلى ألمانيا الشرقية وموسكو، فضح أمر هذه العملية، فقررت الحكومة البريطانية حل دائرة IRD في العام 1977، على الأقل كما هو معلن رسمياً، رغم أن هناك شكوكاً قوية في مصداقية ذلك! أما في الولايات المتحدة، فقد شكل «الكونغرس الأميركي» لجنة تحقيق في هذه القضية في العام 1975(لجنة السيناتور فرانك تشرش: Frank Church Committee) التي صدرت محاضر جلساتها وتحقيقاتها في حوالي خمسمئة صفحة.  انظر أيضاً حول هذه القضية ( فرانسيس سوندرز: من يدفع للزمار؟ وكالة المخابرات المركزية والحرب الباردة الثقافية):

F. Saunders: Who Paid the Piper? The CIA and the Cultural Cold War (Granta Books, London, 1999). 

وكذلك : «داخل الكريملن خلال حرب أكتوبر...»، ص 77 – 81.

(8)  ـ  مقابلة مسجلة في لندن مع «بيتر لون» في 12 سبتمبر 2004 . وقد وصلت إليه بمساعدة خاصة من أستاذي المؤرخ «إريك هوبسباوم» والتقيته في «نادي التزلج على جبال الإلبAlpine Ski Club» في لندن بعد عشرين عاماً على تقاعده من المخابرات البريطانية وأكثر من أربعين عاماً على ترؤسه محطتها في بيروت. وكان «بيتر لون» أصبح يومها رئيساً فخرياً للنادي المذكور الذي أسسه والده مطلع القرن العشرين. وقد ضمنت شهادته في كتابي «عشرة أيام هزت بلاد الشام..»(لا يزال مخطوطة منذ إنجازه في آذار/ مارس 2025). ومن أجل تفاصيل وثائقية حول قصة «حافظ الأسد» مع البريطانيين، واختفاء الوثائق ذات الصلة من الأرشيف الوطني البريطاني مع ملايين الوثائق الأخرى،وتسريب محتواها إلى «برلين الشرقية» وموسكو قبل اختفائها/ إخفائها ، راجع «داخل الكريملن ...».