الملف الوثائقي السري للعميل الأميركي و(الإسرائيلي؟) القذر العماد «علي حبيب» :
من أحضان الجنرال الإسرائيلي «غيورا ليف» في جنوب لبنان إلى أحضان الجنرال «نورمان شوارزكوف» و «خالد بن سلطان» في الكويت
ـ أين قضى العميد «علي حبيب»، «قائد اللواء 58» في الفرقة الأولى ثلاثة أيام غاب فيها عن السمع قبيل «معركة السلطان يعقوب» في العام 1982؟
ـ ولماذا رفض «حافظ الأسد» طلباً من «علي دوبا» بإحالته إلى القضاء بتهمة «تدمير لوائه والاتصال مع العدو خلال الحرب»!؟
ـ اثنان من ضباط «اللواء 58» في الفرقة الأولى ( الأسيران المحرران، العقيد «ميشيل شديد» والعقيد «علي بنيّات») يكذبّان خلال التحقيق إفادة «علي حبيب» عن وقوعه المزعوم في الأسر.
ـ «بشار الأسد» يرضخ لقرار «مكتب الأمن القومي» بعد مماطلة دامت أكثر من شهر ويوافق على إقالة «علي حبيب» من وزارة الدفاع صيف العام 2011 من أجل الانصراف إلى تربية ... «الكلاب السلوقية» التي أحضرها من السعودية!
ـــــــــــــــــــــ
مرت الشهر الماضي الذكرى 44 للغزو الإسرائيلي للبنان في العام 1982. وكما جرت العادة، لم يتردد كثر، ممن يعتبرون أنفسهم «محللين استراتيجيين» و «مؤرخين»، عن استعادة تلك الأحداث. لكن أحداً منهم لم يذكر واقعة شكلت اللغز الأكبر في تلك الحرب،وهو غياب قائد «اللواء 85» في الفرقة الأولى ، العميد «علي حبيب» (وزير الدفاع لاحقاً)، ثلاثة أيام عن السمع عشية «معركة السلطان يعقوب» دون أن يعرف أحد أين قضاها!؟
التحقيق أدناه يكشف، للمرة الأولى، بوثائق رسمية سورية، لغز تلك الأيام الثلاثة، وعلاقتها بالفترة التي قضاها «حبيب» على رأس القوات السورية خلال «حرب تحرير الكويت»، ثم بإقدام السفيرين الأميركي والفرنسي بقيادة مظاهرات حماة في العام 2011 باقتراح من «رياض الترك»!ومن بين الوثائق إحدى الرسائل المتبادلة بين العميل الأميركي «ميشيل كيلو» و رئيس محطة وكالة المخابرات المركزية في سوريا ولبنان «ماثيو إيروين» حول زيارة السفيرين. والتحقيق هو مقتطفات معاد تحريرها بلغة مبسطة من مخطوطة كتاب«دمشق الصهيونية 1920-2020:الاختراق الصهيوني والإسرائيلي للدولة السورية خلال مئة عام»، الذي أنهاه «نزار» منذ العام 2020.
(ف. ع.)
ــــــــــــــــــــ
(*) ـ يرجى النقر على الصور والروابط الزرقاء من أجل تصفحها وتصفح مصادرها بشكلها الأاصلي.
ـــــــــــــــ
في التاسع من شهر تموز/ يوليو من العام 2011، وبعد أن تحولت الانتفاضة الشعبية السورية إلى ثورة جواسيس ومرتزقة وهابية - إسرائيلية، وفي حمأة مسلسل ضخ الأكاذيب من قبل مئات المحطات التلفزيونية والإذاعية ومئات الصحف في المنطقة والعالم، أعلن كبار النصّابين والدجالين في «المعارضة» السورية عن «مقتل وزير الدفاع علي حبيب بعد ساعات على إقالته»، كما قال النصاب «بشار كيوان» ، صاحب جريدة «البلد» اللبنانية التي كان يملكها بالشراكة مع «مجد بهجت سليمان» في تقرير بتاريخ 9 / 8 / 2011 ، قبل أن يختلفا و تتوقف الصحيفة عن الصدور. ومثله فعلت وسائل إعلام عربية وعالمية وصلت بها الوقاحة الفاجرة إلى حد التأكيد على أنه «عثر على جثته مقتولاً في منزله»! لكن ذروة المهزلة لم تكن هنا، بل بعد ذلك بعامين (سبتمبر 2013)، حين وصل الأمر حتى بصحيفة مثل «لوفيغارو» الفرنسية إلى حد أنها نقلت عن مسؤول فرنسي كبير تأكيده لها أن «علي حبيب انشق عن النظام و وصل إلى فرنسا»، كما كتب محرر شؤون الشرق الأوسط في الصحيفة «جوروج مالبرونو» في 26 من الشهر المذكور. وعلى المنوال نفسه غزلت قناة «العربية»، مصنع الأكاذيب الأكبر والأضخم في العالم العربي، حين كررت هذه الترهات في تقرير نشرته في اليوم التالي (27 سبتمبر)، بعد أن أضافت إليه تأكيدها أنه «وصل إلى فرنسا عبر تركيا»! وحين التدقيق في تواريخ التقارير نكتشف أن أول من فبرك خبر «الانشقاق» لم يكن سوى أكبر دجال في تاريخ «المعارضة» السورية، العميل الإسرائيلي «كمال اللبواني» ، حين ورط وكالة أنباء «رويترز» (التي يقال عنها إنها «محترمة»!) في نشر خبر «الانشقاق» المزعوم قبل ذلك بثلاثة أسابيع . ففي 4 سبتمبر 2013 ، أكد «اللبواني» ، الذي كان يومها قيادياً في «مجلس الجواسيس» / «المجلس الوطني السوري»، أن «علي حبيب تمكن من الإفلات من قبضة النظام، وهو الآن في تركيا»! ولم يتأخر شيخ النصابين السوريين، المحامي «هيثم المالح»، رغم أنه كان منشغلاً بمراودة المحامية الشابة « رزان زيتونة » عن نفسها لكي ينام معها في مكتبه، رغم أنها من جيل أحفاده، عن الإدلاء بدلوه والانضمام إلى ركب الدجالين، ولكن بعد أن أضاف بصمته الخاصة إلى الخبر، زاعماً أن «بثينة شعبان» نفسها انضمت إلى «علي حبيب» في عملية «الانشقاق»، وأنها وصلت إلى الإمارات العربية، كما صرح لأكثر من محطة تلفزيونية كان يتقافز فيما بينها كما طرزان أو سعدان في الأدغال!
أما مراسلات «ميشيل كيلو» في تموز / يوليو 2011، وكان لا يزال في دمشق، مع رئيس محطة وكالة المخابرات المركزية في سوريا ولبنان آنذاك، «ماثيو(مات) إيروين Matthew/ Matt Irwin»، فيمكن أن تلقي ضوءاً ساطعاً على «الغرفة السوداء» التي كانت تطبخ فيها هذه الأكاذيب، وتكشف الغاية منها، وفي أي سياق كان يجري طبخها، كما سيمر معنا أدناه بوثائق تنشر للمرة الأولى.
باختصار، كان المشهد أشبه بأسراب من الذباب الذي يتسابق إلى كومة من البراز. ولم يكن هذا ليشذ عن المسار العام الذي سلكته الأحداث السورية منذ العام 2011 وحتى استبدال النظام بـ «جبهة النصرة» (فرع «القاعدة» السوري) في ديسمبر 2024. فما من حدث في التاريخ كله، وأزعم أني قرأت تاريخ «الثورات» كلها في العالم، بني على ترسانة لا نظير لها من الأكاذيب كما الحرب السورية.
بعد حوالي خمسة عشر عاماً على ذلك، وبعد وفاة «علي حبيب» بأكثر من ست سنوات (آذار/ مارس 2020 ، «مشفى الأسد» الجامعي بدمشق) لم يتغير الأمر، وإن تبدلت هوية الدجالين واختلفت خنادقهم قليلاً. فالآن، وفي سياق سعيهم المحموم واليائس للرد على اتهامات العصابة الطائفية - العنصرية التي تحكم دمشق، لا يدخر «النصيريون» جهداً في الاستنجاد بالتاريخ البعيد والقريب واستحضار شخصيات من «الطائفة» لتبرئة ساحتهم وردّ الاتهامات الموجهة إليهم، ولإثبات أنهم كانوا دوماً وطنيين ومن «أبناء البلد». ومثلهم يفعل «الدروز» و«الأكراد» و«المسيحيون»؛ أي أهل الذمة الدينية والقومية جميعاً. ومن بين أكبر الأكاذيب والخرافات التي يستحضرها «النصيريون» حكاية أن «علي حبيب كان ضد تدخل الجيش في قمع المظاهرات، فدفع الثمن لهذا السبب». ومن المفارقات أنه يمكن العثور على هذه الرواية الحيزبونية المجنونة حتى في بعض وسائل الإعلام العربي «السني» والسوري «المعارض»! وتذهب صحيفة «الشرق الأوسط» في هذا السياق، بكل ما أوتيت من هبل ودجل، إلى حد وصفها «علي حبيب» ـ خلال إيرادها تقريراً عن وفاته قبل ست سنوات - بأنه « قائد معركة السلطان يعقوب» في جنوب لبنان خلال الغزو الإسرائيلي، دون أن تنسى بالطبع الإشارة إلى دوره كقائد للقوات السورية خلال «حرب تحرير الكويت» في العام 1991! (...).
***
في حزيران / يونيو 1982، وبعد يومين على بدء الغزو الإسرائيلي البري للبنان على ثلاثة محاور ( المحور الغربي/ الشريط الساحلي، ومحور القطاع الأوسط/ النبطية ، والمحور الشرقي/ البقاع الغربي)، أيقن النظام في دمشق أن هدف إسرائيل على الجبهة الشرقية هو الوصول إلى طريق دمشق - بيروت وقطعه، ومحاصرة دمشق. ولذلك دفع بالفرقة الأولى في الثامن من الشهر المذكور إلى ساحة المعركة. وكان «اللواء 58» ( وهو لواء مشاة ميكانيكية في الفرقة المذكورة) رأس الحربة في التصدي للهجوم الإسرائيلي على محور« بيت لاهيا- راشيا - ضهر الأحمر». أما قائد اللواء فلم يكن سوى العميد«علي حبيب محمود».
تمكنت إسرائيل من تدمير اللواء 58 وإبادته خلال بضع ساعات، وإلحاق أضرار بالغة بالفرقة الأولى كلها، التي كان يقودها «ابراهيم صافي». لكن الأكثر إثارة فيما حصل في ذلك اليوم هو «اختفاء» قائد «اللواء 58»، العميد «علي حبيب» وانقطاعه عن السمع لمدة ثلاثة أيام. ويومها كان ثمة يقين من أنه وقع في الأسر أو استشهد، خصوصاً بعد أن تبين أن عربة قائد اللواء دُمرت، واثنين من ضباط عمليات اللواء ( العقيد «ميشيل شديد» و العقيد «علي بنياّت»)، وقعا في الأسر. ولم يكن ممكناً حسم الأمر إلا بعد حصول وقف مؤقت لإطلاق النار، أو بالأحرى بعد عامين على ذلك حين جرى تبادل الأسرى مع إسرائيل وعاد ضباطنا الأسرى من الأسر.
بالتزامن مع ذلك، تمكنت إسرائيل من تدمير «اللواء 47» في المنطقة الممتدة من «معبر جوسيه» على الحدود اللبنانية و منطقة «بعلبك / الهرمل» بعد أن عبر الحدود من حمص للدخول في المعركة وإسناد الفرقة الأولى،لاسيما وأن لديه خبرة في القتال في المناطق الوعرة، كان اكتسبها منذ أيام «حرب أكتوبر1973». وكان السبب الأول لنجاح إسرائيل في تدميره قبل أن يصل إلى ساحة المعركة هو أنه كان يتحرك محمولاً على ناقلات.
بعد تدمير اللواء 58 و تفكك الفرقة الأولى، دفع النظام بالفرقة الثالثة المتمركزة في منطقة «القطيفة» و «الرحيبة» إلى ساحة المعركة. ومن المعلوم أن هذه الفرقة هي «احتياطي القيادة العامة»، أي لا تُزج في المعركة إلا في الحالات الصعبة و «كورقة أخيرة». ويومها، وبسبب ما حصل مع «اللواء 47» قبل ذلك بأربع عشرين ساعة، قرر قائد الفرقة «شفيق فياض»، وخلافاً لرأي شعبة العمليات، نقل دبابات الفرقة من «القطيفة» إلى ساحة المعركة «على الجنازير»، أي دون ناقلات. ويتذكر كل من عاش تلك الأيام، أن الفرقة «تسللت» عبر طريق «برزة البلد - معربا / التل - الهامة» إلى لبنان، مستفيدة من أن الطريق يقع في وديان وبين جبال، ومن الصعب على الطيران المعادي العمل في هكذا ظروف جغرافية وتضاريسية. وقد تمكنت الفرقة من الوصول بأمان إلى ساحة المعركة ، رغم تمكن الطيران المعادي من ضرب مؤخرتها اللوجستية - التموينية بعد دخولها الأراضي اللبنانية. إلا أن هذا لم يمنع «اللواء 81» في الفرقة الثالثة، الذي كان يقوده «توفيق ماجد جلول»، من الدخول في المعركة التي ستُعرف لاحقاً باسم «معركة السلطان يعقوب» والتي شاركت فيها «الوحدات الخاصة» و«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامة» ، ومن دحر القوات المعادية ما بين 8 إلى 10 كم إلى الخلف واغتنام عدد من مدرعاتها التي جرى عرضها في شوارع دمشق لاحقاً. وذلك على الرغم من أن الطيران المعادي كان دمر قبل أقل من 24 ساعة جميع بطاريات الدفاع الجوي في لبنان ( 34 بطارية)، ثم - بعد أسبوعين- «لواء كفادرات / سام 6» بقيادة العميد «محمد حرفوش» الذي استشهد مع معظم ضباط وعناصر اللواء فور دخوله الأراضي اللبنانية ليلة 24 / 25 حزيران - يونيو، فضلاً عن تدمير 83 طائرة سورية في المعارك الجوية التي حصلت يومها ( بينها جميع أسراب «ميغ 23» الحديثة جداً آنذاك، أي حوالي 60 طائرة، والباقي من طرازات مختلفة)(1)(...).
***
خلال التحقيقات الأمنية والتقنية التي جرت بعد أن وضعت الحرب أوزراها، اكتشفت شعبة المخابرات أن «علي حبيب» غاب عن السمع ثلاثة أيام ( من الساعة الثالثة عصر يوم 8 يونيو 1982 إلى ليلة الجمعة / السبت 11 / 12 يونيو). وخلال الإفادة الأولى التي أدلى بها، ادعى أنه «فقد الاتصال مع وحدته ولم يتمكن من العودة إلى قيادة الفرقة بعد تعرض لوائه للتدمير والفوضى التي عمّت اللواء». لكنه ما لبث أن غير إفادته وادعى «أنه كان أسيراً لدى قوات الاحتلال خلال تلك الأيام الثلاثة، وتمكن من الهرب من الأسر بعد الهجوم المعاكس الذي شنته القوات السورية في منطقة /السلطان يعقوب/ و /كامد اللوز/ ، والذي تسبب باندحار القوات الإسرائيلية، وحصول فوضى في صفوفها. وبمساعدة المزارعين من أهالي المنطقة، تمكن من الوصول إلى أقرب وحدة للقوات العربية السورية...».
لكن «علي دوبا»، الذي كان هو شخصياً من أجرى التحقيق مع «علي حبيب»، و في التقرير الثاني الذي رفعه إلى «حافظ الأسد» بتاريخ 29 / 12 / 1982 ( منشور جانباً)، شكك في هذه الادعاءات، وقال «إنها إفادة لا يمكن الوثوق بها» لأن القوات المعادية، وكما يفعل أي جيش في الحرب، لا تترك أسرى أعدائها في قواعدها المتقدمة، بل تعمل فوراً إلى نقلهم إلى الخطوط الخلفية. وبالنسبة لـ «علي حبيب»، ولكونه قائد لواء وبرتبة عالية، كان من المنطقي أن يعمد العدو ليس فقط إلى نقله فوراً إلى داخل فلسطين المحتلة، بل وإلى إذاعة نبأ أسره كونه ضابطاً كبيراً ويُعتبر «صيداً ثميناً وإنجازاً عسكرياً كبيراً». وهذا لم يحصل. وكان كلام «علي دوبا» منطقياً إلى أبعد الحدود من الناحية الأمنية والعسكرية.
وختم «علي دوبا» تقريره باقتراح على «الأسد» ينص على كف يد العميد «علي حبيب» عن قيادة لوائه في الحال، و وضعه بتصرف القائد العام «حتى يتم التحقق بشكل قاطع من عدم حصول إي شكل من أشكال التواطؤ مع العدو خلال الأيام الثلاثة التي قضاها معه»!
***
كان على الجهات المعنية أن تنتظر قرابة عامين آخرين لحسم الأمر من خلال الاستماع إلى شهادات الأسرى؛ وتحديداً إلى 28 حزيران / يونيو 1984، حين جرى تبادل أسرى الحرب عبر «معبر القنيطرة» بإشراف الأمم المتحدة و «اللجنة الدولية للصليب الأحمر». ويومها عاد 291 أسيراً عسكرياً سورياً، وعشرين مدنياً، بالإضافة إلى جثامين سبعين شهيداً. ومن سوء حظ «علي حبيب» أنه كان بين الأسرى المحررين العائدين اثنان من كبار ضباط لوائه، وهما العقيد «ميشيل شديد» (وأظن أنه من ريف درعا) و العقيد« علي بنيّات» ( وأظن أنه من قرية «السخابة» في ريف جبلة).
وكما يحصل بشكل روتيني في جميع الجيوش، شكلت قيادة الجيش لجنة أمنية - طبية للتحقيق مع الأسرى المحررين ومعرفة ما حصل معهم طوال فترة أسْرهم. وكانت اللجنة مكونة من المخابرات العسكرية و فرع المخابرات الجوية ( لم يكن أصبح «إدارة» بعد) و الشرطة العسكرية وإدارة الخدمات الطبية العسكرية. وكان من الطبيعي أن يشمل التحقيق مع الضباط العائدين موضوع العميد «علي حبيب» وقصة «أسْره» المزعومة. وخلال التحقيق نفى العقيد «ميشيل شديد»، وكان الرتبة الأعلى بين الأسرى المحررين، أن يكون قائد لوائه «علي حبيب» قد وقع في الأسر ولو لدقيقة واحدة أو يكون شاهده في أي منطقة خاضة للاحتلال، سواء في لبنان أو داخل فلسطين المحتلة. و أكد أنه تحدث معه عند حوالي الساعة 14 من عصر يوم 8 حزيران /يونيو 1982. وقد أخبره خلال الاتصال أنه «تمكن من الإنسحاب مع عدد من الضباط والجنود إلى قرية / غزة/، وأنهم يختبئون في مسجد القرية». وقال العقيد «شديد» إنه لم يتمكن من التواصل معه بعد ذلك، لأنه اضطر إلى إتلاف جهاز الاتصال حين اقترب منه جنود العدو من ملاك «الكتيبة943» في «الفرقة90» الإسرائيلية، وأيقن أنه سيقع في الأسر. ولم تختلف إفادة العقيد «علي بنيّات» كثيراً عن إفادته زميله «ميشيل شديد». فقد أكد أنه شاهد قائد لوائه ومعه بعض الضباط والعناصر بالعين المجردة عند حوالي الساعة الواحدة ظهراً من يوم 8 حزيران / يونيو 1982 وهم ينسحبون باتجاه قرية «غزة» ، وكانوا جميعاً بعيدين عن خطر الوقوع في الأسر، لأن أقرب الوحدات المعادية إليهم كانت على الأطراف الشرقية والشمالية لقرية «جب جنين»، والتي تبعد عن مكانهم حوالي 3 كم.
وفي التقرير الذي رفعه «علي دوبا» إلى «حافظ الأسد» بتاريخ 23 / 7 / 1984 ( منشور جانباً)، والذي تضمن شهادة الأسرى العائدين، قال إن جميع الأسرى العائدين أجمعوا على أن العدو جمعهم في مكان واحد بعد انتهاء التحقيق معهم، ولم يكن بينهم العميد «علي حبيب». كما أكد هؤلاء الأسرى أن العدو،وفور وقوعهم في الأسر، كانت شرطته العسكرية ومخابرات العسكرية تنقلهم إلى الخطوط الخلفية، ثم إلى «سجن مجدو» و«سجن عتليت» داخل فلسطين المحتلة.
ويؤكد تقرير «دوبا» أيضاً أن مراجعة شعبة المخابرات للوائح وتقارير «اللجنة الدولية للصليب الأحمر» عن زيارات موظفيها للأسرى السوريين،أظهرت أنه لم يرد فيها اسم «علي حبيب» في أي مرحلة من مراحل أسر العسكريين والمدنيين السوريين. ومع ذلك، وطبقاً للتقرير، فإن «علي حبيب» تمسك بإفادته السابقة المعدلة عند مواجهته بإفادات الأسرى!
ويختم «علي دوبا» تقريره بتكرار رأي الشعبة السابق (في العام 1982) حول أن إفادة «علي حبيب» لا يمكن الوثوق بها نهائياً، وأنه يتحمل مسؤولية تدمير لوائه والخسائر الكبيرة التي لحقت بعتاده وعديده. ومع ذلك، والكلام لا يزال للتقرير، فإن «الأكثر خطورة هو موضوع الأيام الثلاثة التي غاب فيها عن السمع. فهو لم يكن أسيراً، كما أصبح واضحاً. كما أنه من المستحيل أن يبقى ثلاثة أيام لكي يتمكن من التواصل مع أقرب وحدة عسكرية سورية إليه، لاسيما بعد الهجوم المعاكس الذي شنه /اللواء 81/ في الفرقة الثالثة ، والذي أدى إلى اندحار قوات العدو عن منطقة العمليات حوالي 10 كيلومترات إلى الخلف وإلى وقف إطلاق نار مؤقت يوم 11 حزيران/يونيو» بتدخل من الولايات المتحدة. ويضيف «أكثر ما يثير قلق شعبة المخابرات هو أنه كان خلال الأيام الثلاثة التي غاب فيها عن السمع على اتصال مباشر أو غير مباشر مع قائد الفرقة 90 في جيش العدو،اللواء / غيورا ليف/، الذي كان يتخذ من قرية / كوكبا/ مقراً لقيادة فرقته، كما تشير القرائن المفصلة في محضر التحقيق مع العميد علي حبيب ومع عدد من ضباط اللواء58».
إذن، هناك اتهام واضح وقوي إلى احتمال وجود اتصال من نوع ما بينه وبين العدو. ورغم أن «حافظ الأسد» لم يأخذ بتقارير شعبة المخابرات، بدليل أن «علي حبيب» استمر على رأس عمله ، وجرت ترقيته وإسناد المزيد من المناصب القيادية العسكرية له خلال السنوات اللاحقة، فإن ما سيحصل خلال «حرب تحرير الكويت» بعد ذلك بحوالي عشر سنوات، ثم بعد اندلاع الانتفاضة الشعبية السورية وتحولها إلى ثورة وهابية - إسرائيلية، ليس من شأنه سوى تأكيد أن العدو نجح في تجنيده كعميل إسرائيلي منذ العام 1982، أو على الأقل كعميل أميركي منذ العام 1991 كما سنرى.
«علي حبيب» ... والتعريص السياسي والأمني في خيمة ضباط المخابرات الأميركية في «عرعر»
بعد أن انتهى دور العميل الأميركي المزمن والأقذر في التاريخ العربي الحديث، «صدام حسين»، الذي جندته وكالة المخابرات المركزية منذ العام 1959 بمساعدة مخابرات «عبد الناصر» ، الذي كان يعيش يومها شهر عسله الأطول مع الأميركيين في «مكافحة الشيوعية والنفوذ السوفييتي في الشرق الأوسط و أفريقيا»، قررت واشنطن التخلي عن «صدام» كورقة تواليت من خلال توريطه (عبر السفيرة «إبريل غلاسبي») في غزو الكويت. وبعد الغزو، ونظراً لأن «حافظ الأسد» كان خسر ورقة الاتحاد السوفيتي الذي توفي في ذلك العام، فقد قرر المشاركة في «حرب تحرير الكويت» من خلال إرسال حوالي عشرين ألف جندي إلى هناك للقتال تحت راية الجيش الأميركي، مقابل سماح واشنطن له بالقضاء على الحكومة العسكرية اللبنانية برئاسة «ميشيل عون» واجتياح «قصر بعبدا». وقد جرى إبرام صفقة المقايضة هذه خلال قمة «الأسد - بوش» في جنيف في 23 نوفمبر 1990. ويومها جرى تشكيل القوة من «الفرقة السابعة»، المتمركزة في «زاكية» جنوب دمشق، ومن بعض كتائب «الوحدات الخاصة». وقد وُضِع التشكيل الهجين تحت إمرة اللواء«علي حبيب» ومعاونه العميد «يحي نيوف»، التابع لـ «الوحدات الخاصة»، قبل أن تشحنهما السفن السعودية والأميركية من ميناء طرطوس إلى ميناء «ينبع».
ورغم أن القوات السورية كانت تلقت توجيهات معينة حول كيفية تصرفها خلال الحرب، إلا أن «علي حبيب» اغتنم الفرصة لفتح خطوط اتصال سرية خاصة مع وكالة المخابرات المركزية و المخابرات العسكرية الأميركية، أو إن الأميركيين هم من بادر إلى ذلك بنصيحة من الإسرائيليين!؟ وأياً يكن الأمر، «كل الدروب بتودي للطاحون»أو «كل الطرق تؤدي إلى روما»، كما يقال.
لم تتأخر أخبار لقاءاته السرية معهم في الوصول إلى دمشق. ففي 18 آذار/ مارس 1991، رفع «علي دوبا» إلى «حافظ الأسد» تقريراً أبلغه فيه بأن «علي حبيب» اجتمع أكثر من ثلاث مرات على انفراد مع قائد القوات الأميركية «نورمان شوارزكوف»، ولم يُسمح لأي ضابط أو مترجم سوري آخر بالمشاركة في الاجتماع. وإذا كان أمراً «طبيعياً» أن بجتمع قائدا القوتين «الحليفتين» خلال حرب من هذا النوع، فإن ما ليس طبيعياً هو اجتماع «حبيب» مع الجنرال «وليم ستودمان William Oliver Studeman» مدير وكالة الأمن القومي الأميركية و الجنرال «مايك ماكونيل Mike McConnell» رئيس شعبة المخابرات العسكرية الأميركية (مخابرات الدفاع) مرتين في مقر القوات السعودية في «عرعر»، أيضاً دون حضور ضابط أو مترجم سوري! (غُرف التعريص السياسي والأمني، كما غرف النوم، دائماً تكون هكذا... على انفراد).
وفي التقرير نفسه يكشف «دوبا» أن الأمير «خالد بن سلطان» ، قائد القوات السعودية يومها، ونائب وزير الدفاع والطيران لاحقاً، وزع كميات كبيرة من الأموال على الضباط السوريين المشاركين في عملية «تحرير الكويت» (كما لو أنهم مرتزقة!)، فضلاً عن سيارات خاصة جرى نقلها إلى ميناء «ينبع» السعودي، تمهيداً لنقلها إلى ميناء طرطوس. ولكن «علي حبيب» اعتذر عن قبض الأموال «كاش»،وطلب فتح حساب باسمه في «البنك السعودي - اللبناني» في بيروت وتحويل المبلغ إليه. ويقول التقرير إن «فرع الأمن والاستطلاع في القوات العربية السورية في لبنان» تأكد - بفضل مساعدة وزير المالية اللبنانية «علي الخليل»- من فتح الحساب فعلاً وتحويل ربع مليون دولار إليه ، مسحوبة على «البنك الأهلي السعودي / فرع الرياض».
لكن أكثر ما يلفت الانتباه في التقرير، من زاوية الفكاهة، هو أن «علي حبيب» طلب من السعوديين أن يخصّوه بهدية خاصة، وهي مجموعة من «الكلاب السلوقية العربية الأصيلة»، ذكوراً وإناثاً، على أن يجري تحويلها مع السيارات من خلال ميناء «ينبع»، تمهيداً لنقلها إلى سوريا. ومن المعلوم أن هذا النوع من الكلاب عاش في الجزيرة العربية منذ آلاف السنين، ويتميز برشاقته وسرعته وتخصصه في الصيد!
يختم «علي دوبا» تقريره بالإشارة إلى أن السعودية ، ومنذ سنوات طويلة، تحاول عبر سفارتها في دمشق اختراق الجيش العربي السوري من خلال استغلال مناسبات خاصة لشراء ولاء ضباط قادة وتقديم الهدايا المالية والعينية لهم من خلف ظهر القيادة السورية ودون أخذ موافقتها أو علمها مسبقاً. ويشير إلى أن هذه هي المرة الثانية التي لجأت فيها السعودية إلى هذا الأسلوب. ففي العام 1979 أقدمت على الأمر نفسه حين قدمت عطاءات مالية وعينية على شكل سيارات حديثة لعدد من ضباط وجنود «الوحدة 569»(سرايا الدفاع) الذين شاركوا في تحرير «الحرم المكي الشريف» من جماعة «جهيمان العتيبي» الإرهابية. ويقترح «دوبا» أن تقوم السلطات السورية «بتنبيه الجهات السعودية الرسمية إلى هذا الأمر بالطريقة المناسبة». كما يقترح «مصادرة الأموال والسيارات التي حصل عليها الضباط السوريون ومعاقبتهم حسب الأصول». أما بخصوص الاجتماعات السرية التي عقدها «علي حبيب» مع ضباط المخابرات الأميركيين، فيقترح أن يُطلب منه فور عودته إلى سوريا تقديم تقرير مفصل عما حصل في هذه الاجتماعات والمناقشات التي حصلت خلالها، وسبب امتناعه عن إشراك ضباط أو مترجمين سوريين فيها».
طائر الوقواق الأميركي الذي فقست بيوضه في حماة في العام 2011
من الواضح أن «حافظ الأسد» لم يتخذ أي إجراء بحق «علي حبيب». فحين ذهب جميع الضباط القادة إلى بيوتهم عشية وفاته في العام 2000، بقي «علي حبيب» وحده تقريباً من بينهم جميعاً يتدرج صعوداً على سلّم السلطة... من قائد «الوحدات الخاصة» في العام 1994 إلى رئيس الأركان في العام 2004، إلى نائب القائد العام و وزير الدفاع في العام 2009. وفي العام 2011 فقست عنه بيضة الوقواق الأميركي وخرج إلى النور مع ...«كلابه السلوقية». ولعل أول «كلبين سلوقيين سعوديين» أطلقهما للصيد من مكلبته السعودية هما «ميشيل كيلو» و «رياض الترك»! ففي تموز / يوليو من العام 2011، وكانت الانتفاضة الشعبية تحولت منذ الشهر السابق على الأقل ( بعد مجزرة جسر الشغور، ومجزرة مخفر شرطة «الحاضر» في حماة و مجزرة درعا المخفية قبلهما...)(2) إلى ثورة جواسيس إسرائيلية-وهابية، كتب رئيس محطة وكالة المخابرات المركزية في سوريا ولبنان، «ماثيو إيروين» إلى «ميشيل كيلو» يقول له :
عزيزي ميشيل،
من المهم فتح خطوط اتصال مع وزير الدفاع «علي حبيب»، فالرجل معنا، وليس معهم، بخلاف ما تعتقد. وسترى خلال الأيام القليلة القادمة برهاناً عملياً على ما أقوله لك. في الحقيقة، أنا أستغرب كيف أن السيد «رياض الترك» لم يخبرك بذلك رغم علاقتك الوثيقة به!
من المفيد جداً الآن الدفع بعدد من الضباط «العلويين» إلى الواجهة وتشجيعهم على الابتعاد عن النظام، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بضابط كبير مثل «حبيب» الذي احتفظ بعلاقات ودية معنا منذ عشرين عاماً، وكان موضع ثقتنا الدائمة؟
حسب ما أعلم، فإن «ديبورا» لفتت انتباهك خلال زيارتها الأخيرة إلى دمشق لمقابلة «عبد الله الدردري» إلى أهمية «حبيب»( أليس كذلك؟).
مع أطيب التحيات والتمنيات
مات
لم تكن «ديبورا»المذكورة هنا في رسالة «ماثيو» سوى «ديبورا عاموس Deborah Amos»، عضو «مجلس العلاقات الخارجية الأميركي» ،والصحفية الأميركية- الإسرائيلية العريقة التي كانت تعمل مع وكالة المخابرات المركزية تحت مسمى رئيسة مكتب «شبكة الإذاعة الوطنية العامة National Public Radio » (راديو الولايات المتحدة الرسمي) في لندن وعمّان خلال ثمانينيات القرن الماضي. ويومها اكتشفها عملاء مخابرات ألمانيا الشرقية داخل المخابرات البريطانية حين جندت «عبد الله الدردري» الذي كان لم يزل طالباً في «جامعة ريتشموند الأميركية» في لندن، وحصلت منه على وثائق سورية عسكرية رسمية مصدرها والده، اللواء «عبد الرزاق الدردي»، رئيس شعبة العمليات خلال حرب أكتوبر 1973 ومساعد الأمين العام لجامعة الدول العربية للشؤون العسكرية لاحقاً. ويومها أبلغ الألمان الشرقيون النظام السوري بالأمر! (حين نشر ملف «الدردري» ستتم نشر الوثائق الألمانية/ البريطانية والسورية الرسمية ذات الصلة بما في ذلك تجنيد والده مطلع الستينيات من قبل المخابرات الأردنية عن طريق أحد أقرباء زوجته الأردنية).
وكانت «ديبورا» تسللت إلى سوريا صيف العام 2011 بمساعدة رئيس فرع المعلومات في لبنان «وسام الحسن» والتقت «رياض الترك» و «ميشيل كيلو» و« عبد الله الدردري» وآخرين. وكان هذا أحد أسباب مغادرة الأخير إلى لبنان فيما يشبه «الفرار»!
أما «البرهان العملي» الذي وعد به «ماثيو» صديقه أو عميله «ميشيل كيلو» فلم يكن سوى تلك الزيارة التي رتبها «علي حبيب» للسفير الأميركي «روبرت فورد» ونظيره الفرنسي «إريك شوفالييه» إلى مدينة حماة في 7 تموز / يوليو لقيادة مظاهرات «جمعة لا للحوار» ... انطلاقاً من منزل ومشفى الطبيبة «فداء حوراني» ، ابنة الزعيم الوطني «أكرم الحوراني»، التي ورطها «رياض الترك» في هذا العمل. وكانت الطبيبة «حوراني» يومها رئيسة «المجلس الوطني لإعلان دمشق»، الذي أسسته وكالة المخابرات المركزية و «ميشيل كيلو» و «رياض الترك» في العام 2005، ودفعت له قرابة 10 ملايين دولار خلال الفترة 2006-2010، منها 6 ملايين دولار لإنشاء «قناة بردى»، كما كشفت «برقيات ويكيليكس» و «واشنطن بوست» في نيسان/ أبريل من العام 2011!
لكن هذا كله لم يكن سوى الوجه الظاهر من القصة، أما ما حصل خلف الكواليس فتكشفه تقارير شعبة المخابرات العسكرية و مكتب الأمن القومي الداخلية،استناداً إلى معلومات «الفرع 211» (الفرع التقني) في المخابرات العسكرية، الذي كان يراقب الاتصالات الأرضية والخليوية ويسجلها. و وفقاً لتقرير رئيس مكتب الأمن القومي،«هشام الاختيار»، الذي يحمل تاريخ 12 تموز/ يوليو 2011(منشور جانباً)، فإن ذهاب السفيرين إلى حماة «كان بترتيب واتفاق شخصي مع الرفيق العماد علي حبيب، نائب القائد العام وزير الدفاع،الذي أعطى أوامره لجميع الحواجز العسكرية على امتداد الطريق من دمشق إلى حماة لتسهيل مرور موكب السفير،وكذلك السفيرالفرنسي إريك شوفالييه الذي لحق به في اليوم التالي». وبحسب التقرير، فإن «الفرع211» في المخابرات العسكرية «رصد حصول اتصالات في وقت متأخر من مساء الأربعاء 6 تموز /يوليو من منزل السفير الأميركي إلى منزل الدكتورة فداء أكرم الحوراني وهاتفها الخليوي ، وإلى مشفى الحوراني الذي تملكه وتديره في حماة». ويربط التقرير بين تصرفات وزير الدفاع «علي حبيب» وبين اتصال كان تلقاه على هاتفه الخليوي الخاص من صديقه القديم الأمير «خالد بن سلطان» استغرق ربع ساعة.
ويختم التقرير بالقول إن مكتب الأمن القومي «يرى ضرورة عقد اجتماع عاجل مع الرفيق العماد لفهم دوافع تصرفاته». وينقل عن«عدد من الرفاق في قيادة الحزب» تعبيرهم عن قلقهم من أن يكون لوزير الدفاع اتصالات خارجية من خلف ظهر القيادة «بهدف استغلال الأوضاع الصعبة التي يمر بها القطر لتحقيق مكاسب شخصية، وربما خدمة مشاريع خارجية مشبوهة». كما وينقل عن آخرين في قيادة الحزب ضرورة إعفاء «علي حبيب» من منصبه، لأن ذلك «يساعد على تفويت الفرصة على بعض الجهات الخارجية، العربية والأجنبية التي ربما تكون تراهن عليه».
من الواضح أن الحالة التي كان يشكلها «علي حبيب» آنذاك، كـ «حصان طروادة» أميركي - خليجي ( وربما إسرائيلي ؟) داخل أعلى هرم النظام ، شكلت هاجساً جدياً مُمِضّاً لأركان السلطة، بدليل أنه لم يمض يومان على التقرير الأول حتى أتبعه مكتب الأمن القومي بتقرير آخر (14 تموز / يوليو 2011)، ولكن أكثر إسهاباً وحشداً للتفاصيل الأمنية، مع التشديد أيضاً على ضرورة «إعفائه» من منصبه. ففي هذا التقرير (المنشور جانباً) يكشف رئيس مكتب الأمن القومي «هشام الأختيار» أن «علي حبيب» وضع بتصرف السفير«فورد» سيارة خاصة تابعة لوزارة الدفاع ، فضلاً عن ضابط من مرافقيه الشخصيين لكي يرافقه إلى حماة ويؤمن له الطريق. كما ويكشف عن حصول مجادلة بين «حبيب» و «فورد» خلال اتصالهما الليلي في اليوم السابق، حيث نصحه «حبيب» بأن يخبر وزارة الخارجية السورية بأمر زيارته إلى حماة، عملاً بالأعراف الديبلوماسية. إلا أن «فورد» رفض ذلك، واستخدم لهجة استعلائية قائلاً «إنه لا يأخذ إذناً من أحد لِما يريد القيام به». لكنه وافق في نهاية الأمر«كرمى لوزير الدفاع» أن يخبر وزارة الخارجية السورية بالأمر. وفي اليوم التالي (الخميس 7 تموز / يوليو) اتصل موظف من السفارة الأميركية وأبلغ الوزارة برحلة السفير إلى حماة، من باب أخذ العلم فقط، وليس من باب البحث عن موافقة الوزارة. ولهذا كانت «بثينة شعبان» كاذبة تماماً حين صرحت لوسائل الإعلام يومها بأن ما قام به السفير الأميركي لم يكن بعلم السلطات السورية.
ما يلفت في التقرير أيضاً قوله إن السفير الأميركي اتصل مع «رياض الترك» الذي كان بجانبه شخص آخر يكرر على مسامعه ما يقوله السفير بسبب مشكلات مزمنة في السمع يعاني منها كما هو معلوم. ويقول التقرير «إن رياض الترك ، وكما بدا من الاتصال، هو من كان صاحب فكرة قيام السفير بزيارة حماة ، مع سفراء أوربيين إذا أمكن، لأن وجود سفراء دول كبرى في تظاهرة مدينة (حماة) سيرفع معنويات السوريين ويجعلهم يشعرون بأنهم غير متروكين، وبأن العالم يقف مع مطالبهم». كما اقترح على السفير أن «ينسق زيارته إلى حماة مع الطبيبة فداء أكرم الحوراني». وكرر التقرير في ختامه ضرورة إعفاء «علي حبيب» من منصبه. ونفهم من التقرير أن رئيس مكتب الأمن القومي أرفق به تسجيلين، أحدهما لمكالمة «علي حبيب» مع السفير الأميركي مدته 27 دقيقة و 13 ثانية، و الثاني لمكلمة «علي حبيب» مع الأمير «خالد بن سلطان» مدته 13 دقيقة و 29 ثانية!
بعد أقل من شهر على ذلك، وتحديداً في 8 آب/ أغسطس، رضخ «بشار الأسد» لمطلب «مكتب الأمن القومي» وأعفى«علي حبيب» من منصبه، وعين العماد «داود راجحة» بدلاً منه إلى حين استشهاده في تفجير مكتب الأمن القومي بعد أقل من عام ( 18 تموز/ يوليو 2012)، والذي دبره الجاسوس العتيق «علي مملوك» و شريكه «ماهر الأسد». ويومها قال الإعلام الرسمي إنه «استقال لأسباب صحية». لكنه تجنب أن يخبر الناس بتاريخه الحقيقي القذر من جنوب لبنان في العام 1982 إلى «حفر الباطن» و «عرعر» شمال السعودية في العام 1991. وبطبيعة الحال، تجنب هذا الإعلام الإشارة إلى إن وزير الدفاع سينصرف بعد إقالته إلى تربية وإكثار «كلاب الصيد السلوقية» التي أهداها له «آل سعود»!
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ـ تستند التفاصيل المتعلقة بالجانب البري من المعركة إلى تقارير جيش الاحتلال عن الحرب، ولكن بشكل خاص إلى مقابلة خاصة أجريتها بتاريخ يوم الجمعة 8 أكتوبر 1982 مع العميد «توفيق ماجد جلول» قائد «اللواء81 » يومها، بحكم وجود «قرابة» عائلية خاصة بيننا (فهو أخ أبي من الرضاعة، و والدته هي من أرضعت أبي وربته في طفولته بسبب وفاة جدتي عند الولادة). وكانت المرة الأخيرة التي ألتقيه منذ العام 1982 حتى اليوم لأسباب سياسية. فقد أصبح يعتبرني مجرد «عكروت»! وكان «اللواء 81» انتقل - بعد نهاية الحرب وخروج قواتنا من بيروت - ليتمركز في منطقة «جديدة يابوس» قرب الحدود اللبنانية. وكنت أنا خرجت من حصار بيروت بتاريخ 29 سبتمبر. أما ما يتعلق بالجانب الجوي من المعركة، فجميع المعلومات مأخوذة من التقرير التقني الذي أعده الصديق الراحل ، المقدم المهندس «جورج فاضل متى»، الذي كان يومها عضواَ عن الجانب السوري في «اللجنة التقنية السورية - السوفييتية - الألمانية الشرقية» التي تولت التحقيق التقني في أسباب الكارثة / المجزرة التي تعرضت لها قواتنا الجوية ودفاعنا الجوي.(2) ـ بخلاف التاريخ المزيف للأحدث السورية، كان «الثوار» أول من بادر إلى اقتراف المجازر منذ الأيام الأولى (آذار/ مارس 2011). ففي درعا، عمدوا قبيل مرور قافلة مبيت عسكرية إلى سكب براميل من زيوت السيارات في الطريق المنحدر الذي يفصل بين شطري درعا («درعا البلد» و «درعا المحطة») . وهذا ما أدى إلى انزلاق جميع السيارات وانقلابها في الوادي. وحينها بادر«الثوار»، الذين كانت تديرهم المخابرات الأردنية ميدانياً، إلى إطلاق النار على العسكريين الجرحى وقتلهم. لكن القصة بقيت سراً مكتوماً بين النظام و وجهاء المدينة، كل لأسبابه الخاصة، إلى أن كشفها لي أحد المهندسين من «تنسيقية درعا» قبل أن يغادر القطر نهائياً بسبب تلك الجريمة ويعلن طلاقه بالثلاث من تلك «الثورة». ويومها نشرت عنها تحقيقاً بالعربية والإنكليزية تحت عنوان «المجزرة المخفية» على موقعنا SyriaTruth، الذي لم يعد موجوداً. لكن لحسن الحظ وجدت إشارة إليه في الصفحتين 17 و 18 من كتاب أصدره الأكاديمي الأسترالي، الدكتور «تيم أندرسون»، في العام 2015 بعنوان «الحرب القذرة في سوريا ، وكذلك في تقرير نشرته لاحقاً الصحفية الأميركية «شارمين نرواني» بالعنوان نفسه «المجزرة المخفية» ، ولكن بعد أن قابلتْ وزير الخارجية «فيصل المقداد» وانتزعت منه اعترافاً بأن السلطة تواطأت مع وجهاء المحافظة على إخفاء المجزرة، كل لأسبابه الخاصة. وبعد ذلك حصلت «مجزرة جسر الشغور» المروعة (الكمين الذي نفذه العميل التركي، المقدم «حسين هرموش»، بقافلة مبيت من زملائه أسفرت عن مقتل وجرح المئات من العسكريين العزل من السلاح). وفي الفترة نفسها (حزيران / يونيو 2011) حصلت مجزرة «مخفر حي الحاضر» في حماة، حيث عمد «الثوار» إلى ذبح سبعة من عناصر الشرطة بالسواطير والشنتيانات وقطع رؤوسهم قبل إلقائهم من فوق «جسر الضاهرية/ جسر كازو» قرب معمل الحديد شمال المدينة. وبعد ثلاثة أو أربعة أيام عثر أهالي المنطقة على جثثهم التي جرفتها مياه النهر الضحلة إلى منطقة أخرى، وبعد أن كان سمك الشبوط نهش معظمها!













No comments:
Post a Comment
Note: only a member of this blog may post a comment.