Tuesday, 25 August 2026

 وثيقة سياسية تنشر للمرة الأولى: رسالة مسهبة من «صلاح جديد» إلى زعيم ألمانيا الشرقية «فالتر أولبرخت» كتبها في مثل هذا اليوم من العام 1970

(الرسالة جاءت بعد أيام من زيارة سرية قام بها اثنان من قيادة «حزب الوحدة الاشتراكي الألماني» إلى دمشق تحت أسماء مستعارة وعبر قبرص )

جديد :

ـ  هذا ما جرى معي في موسكو مطلع العام 1967، ومع الدكتور «نور الدين الأتاسي» في العام 1966 وصيف العام1969.

ـ عندما طلبت من «بريجنيف» مساعدة الاتحاد السوفييتي مالياً وتقنياً لجر مياه الجولان ( التي لم تكن محتلة بعد) إلى دمشق،رفض بشكل غاضب،واعتبر الأمر تحرشاً منا بإسرائيل، وقام سفيره في تل أبيب «ديمتري تشوفاخين» بدعوتها «لتأديبنا»!

ـ خلال زيارة «الأسد» إلى موسكو بصحبة «الأتاسي» صيف العام 1969، أخذوه بذريعة إجراء جولة على القواعد الجوية، لكن المارشال «غريتشكو» واللواء «سيميون تسفيغون» ، نائب رئيس لجنة أمن الدولة، عقدا معه اجتماعاً سرياً و أوصلا له رسالة تآمرية تحريضية من «بريجينيف»!

ـ الرئيس«الأتاسي» و وزير الخارجية«ابراهيم ماخوس»أحبطا اجتماعاً بين «عبد الناصر» و رئيس الوزراء الإسرائيلي «ليفي أشكول» رتب له «برجينيف» في الكريملن في 2 حزيران/ يونيو 1967!

ـ هناك تيار في «فتح» يعمل على إقامة «وطن فلسطيني بديل» في الأردن.

ـ إذا ما أقدم النظام الأردني على فتح حرب شاملة على المقاومة الفلسطينية سنتدخل عسكرياً في الأردن ، لأننا لن نسمح بتصفية الثورة الفلسطينية مهما كانت العواقب؛ و«الأسد» أرسل «خدام» إلى السفير البريطاني في بيروت «آلان جون إيدن» وأبلغه قرارنا بالتدخل!

ـ «عبد الناصر» كان يعتبرني «علوياً» ويحرض «أمين الحافظ» على «التخلص من العلويين المحيطين به»!

ملحق:

ـ تقرير «الفرع248» إلى رئيس شعبة المخابرات «علي دوبا» حول حفري الجدار المشترك بيني وبين جناح «جديد» ورفاقه فور وصولي إلى «سجن المزة»، وما ضبطوه في زنزانتي نقلاً عن «صلاح جديد» مكتوباً على ورق سجائر بهدف تهريبه إلى الخارج!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) من أجل تصفح الصور بالجم الأصلي، والوصول إلى الروابط الزرقاء، يرجى النقر عليها. (ف.ع.) 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خلفية سياسية مختصرة لا بد منها لفهم رسالة «جديد» وظروفها وسياقها التاريخي وما جاء فيها:

    صيف العام 1970 كان الصراع بين «التيار اليعقوبي» و «التيار البونابرتي» في سوريا، كما أسميتهما لأسباب علمية محضة منذ الثمانينيات، قد وصل نقطة اللاعودة، وكان لا بد من حسمه. وكان من الطبيعي والمنطقي أن يُحسم لصالح التيار الثاني الذي كان على رأسه حافظ الأسد وتحالفه العريض الذي ضم القوى الاجتماعية والاقتصادية التقليدية والرجعية،المدنية منها والعسكرية والإسلامية،أو ما يسمى مكونات «البرجوازية التقليدية»، التي تعرضت مصالحها المختلفة للضرر بسبب السياسات الاقتصادية والاجتماعية والوطنية، الداخلية والخارجية، التي لجأ إليها تيار «اليعاقبة» بقيادة «الأتاسي» و «جديد» ورفاقهما. فقد ارتكب هذا التيار أخطاء قاتلة ليس أقلها التردد و«الجُبن السياسي»أحياناً، و «الطفولية اليسارية المتطرفة» في أحيان أخرى.وهذا بالطبع لا يقلل من الطهرانية الأخلاقية والوطنية والسياسية التي امتاز بها أعضاء هذا التيار، والتي كان حافظ الأسد نفسه يعترف بها في أحاديث خاصة مع فاروق الشرع، كما كتب هذا الأخير في الجزء الأول من مذكراته («الرواية المفقودة»، ص 42).

    كانت تلك الإجراءات لتبدو منطقية ومطلوبة لو جرت في ظروف أخرى أو بلد آخر،ولو لم تكن حصلت في دمشق التي شكّل مجتمعُها التجاري - تاريخياً - قلعة حصينة للرجعية الاقتصادية والاجتماعية كأي مدينة تجارية في العالم، و«قحبة» تحترف مهنة التعريص السياسي والنوم في حضن أي قواد أو نخاّس. فقد تعرضتْ المدينة - وفق ما تمكنتُ من إحصائه تاريخياً - إلى أكثر من سبع عشرة عملية اغتصاب كبرى منذ أن اغتصبها الامبراطور الآشوري آداد نيراري الثالث قبل ثلاثة آلاف عام ، دون أن تدافع عن نفسها ولو مرة واحدة؛ بل - وعلى العكس من ذلك - كانت تفتح قوس فخذيها دوماً للمغتصب  الأجنبي وحلفائه المحليين، وتتلذ دوماً بالاغتصاب وتتمتع به إلى أقصى حدود اللذة! أما يقوله عنها الشعراء (أمثال نزار قباني، عميل المخابرات البريطانية العتيق و صبيّ صدام حسين الخسيس) فمجرد شعر ولغو وهبل لا معنى خارج الشعر والتهويم الشعري(1) .

  لم يكن الظرف الإقليمي والدولي أقل سوءاً وعدمَ ملاءمة بالنسبة للتيار «اليعقوبي». ففي ذلك الوقت كان الاتحاد السوفييتي، أحد أبرز المتآمرين على حركات التحرر الوطني في العالم، بما في ذلك الأحزاب الشيوعية، بخلاف مزاعم أيتامه، دخل في علاقة تناكح سياسي مع الولايات المتحدة، أو ما سيُعرف بـ «سياسة الانفراج الدولي Détente» التي سيجرى تكريسها لاحقاً في نصوص وتفاهمات رسمية مكتوبة خلال القمة الأولى بين برجينيف ونيكسون (موسكو، أيار/ مايو 1972). وكان «الانفراج» يعني فيما يعنيه ليس فقط تجميد سباق التسلح،المطلوب والمُحبّذ بذاته، بل - وهذا ما يهمنا هنا - «إطفاء بؤر التوتر في العالم»، وفق المصطلح الذي أطلقه السوفييت والأميركيون على العملية. ولم يكن «الإطفاء» يعني عملياً سوى أن يوقف السوفييت دعمهم لحركات التحرر الوطني «العالمثالثية»، أو على الأقل تخفيفه لصالح التيارات اليمينية التساومية في تلك «الحركات»، والذي وصل إلى حد التآمر عليها وتمزيقها، كما فعلوا في كل مكان من العالم (أندونيسيا، اليونان، تشيلي، المنطقة العربية، كوبا التي حاولوا زرع الشقاق والفتنة فيها حتى بين كاسترو و تشي غيفارا، بل وحتى داخل بلدان أوربا الشرقية نفسها). أما ما حصلتْ عليه «طبقة النومنكلاتورا» الحاكمة في الاتحاد السوفييتي لقاء ذلك كله فلم يكن سوى بعض الفُتات من التسهيلات التجارية التي صبت في مصلحة تلك «الطبقة» التي ستأخذ على عاتقها تفكيك وتدميرالاتحاد السوفييتي ومنجزاته، وتبيع ما تحت أرضه وفوقها للشركات الغربية والإسرائيلية، وحتى لشخص مثل قدري جميل، بعد ذلك بأقل من خمس عشرة سنة! (ليس محض مصادفة أن تسعة أعشار رموز الأوليغارشيا المافيوزية التي ورثت الاتحاد السوفييتي كانوا في الأصل قادة من الصف الأول والثاني في الحزب «الشيوعي» السوفييتي، وكوادر عالية المستوى في المؤسسات الإدارية والعلمية والصناعية العملاقة التي شيدتها الشعوب السوفييتية على مدار عشرات السنين، رغم الدمار العميم الذي خرجت به من تحت ركام الحرب العالمية الثانية والبربرية النازية).

   كانت ألمانيا الديمقراطية (الشرقية) منذ تأسيسها في أكتوبر 1949، ولأسباب خاصة بها ليس هنا مجال الخوض فيها، تُعتبر حالة «نشاذ» داخل كتلة دول أوربا الشرقية. فقد وقفت - في حدود إمكانياتها ورغم القبضة السوفييتية الملتفة حول عنقها بإحكام منذ دحر النازية في العام 1945- ضد سياسة «الانفراج» تلك، دون أن يعني ذلك المواجهة الشاملة مع الغرب، وإنما عدم تقديم تنازلات مجانية له. وقد عبّرت عن ذلك عملياً من خلال استمرار دعمها لحركات التحرر الوطني «الراديكالية» في كل مكان من العالم، بما في ذلك أفريقيا وأميركا اللاتينية والعالم العربي،لاسيما ما يخص القضية الفلسطينية. ففي أميركا اللاتينية، وبالضد من التواطؤ السوفييتي - الأميركي في تشيلي، أقدمت ألمانيا الديمقراطية على تنفيذ إحدى أكبر عمليات الإنقاذ السرية في التاريخ الحديث، حين قام جهاز مخابراتها الخارجية بإنقاذ الآلاف من الشيوعيين والاشتراكيين وتهريبهم إلى الخارج براً(عبر «جبال الأنديز») وبحراً وجواً، فور انقلاب الجنرال أوغستو بينوشيه الذي دبرته وأدارته وكالة المخابرات المركزية في سبتمبر 1973 ضد نظام سلفادور أليندي المنتخب ديمقراطياً. أما من قاد العملية فلم يكن سوى اللواء هورست يينيكه Horst Jänicke، نائب مدير إدارة المخابرات الخارجية ماركوس فولف لشؤون حركات التحرر الوطني والعالم الثالث. وفي الجزائر وقفت ألمانيا الديمقراطية مع حركة الرئيس هواري بومدين في العام 1965 ضد نظام أحمد بن بيلا الرجعي الذي كان يحركه ويديره عبد الناصر بالتنسيق والتفاهم مع وكالة المخابرات المركزية في سياق التفاهم المصري/الناصري- الأميركي على تصفية النفوذ الأوربي التقليدي وطرده من المنطقة لصالح الأميركيين وفق «عقيدة إيزنهاور». وفي أفريقيا جنوب الصحراء كانت ألمانيا الديمقراطية أول من بادر إلى دعم وتسليح وتدريب «المؤتمر الوطني الأفريقي»، حزب نيلسون مانديلا، ضد نظام الفصل العنصري. وهكذا فعلت في أنغولا ( بالتنسيق مع الكوبيين)،وفي زنجبار وأثيوبيا (مع الكوبيين أيضاً) لمواجهة التدخل العسكري الأميركي-الفرنسي-السعودي-المصري- الإيراني-الإسرائيلي  بقرار من «نادي السفاري Safari Club» الاستخباري السري الذي كان يجمعهم ، والذي وقف وراء «حرب الأوغادين» في العام 1977 ضد نظام منغستو هايلا مريم اليساري الذي أطاح نظام الامبراطور هيلا سيلاسي قبل ذلك بثلاث سنوات. وكان النادي المذكور أنشىء سراً في العام 1976 من قبل الدول المذكورة، إضافة للمغرب،بهدف «مكافحة الشيوعية» في أفريقيا. وفي اليمن الجنوبي السابق وقفتْ إلى جانب القائد المغدور عبد الفتاح اسماعيل في مواجهة التخريب السوفييتي الداعم للسفاح علي ناصر محمد. وفي إيران نفسها كانت أول من تواصل مع الإمام «الخميني» في مواجهة الشاه رغم وجود علاقات ديبلوماسية مع إيران، وأرسلت مخابراتُها (بالتنسيق مع وديع حداد و جورج حبش) فريقَ حراسة سرياً لحماية «الإمام» في مقر إقامته غربي باريس بعد طرده من العراق باتفاق بين صدام حسين و وكالة المخابرات المركزية. ولم يكن ذلك إلا لأنها كانت وضعت أساساً نظرياً يقول إن «الإسلام السياسي الشيعي الفارسي يختلف عن الإسلام السياسي السني. فالأول ثوري ومعاد للإمبريالية بطبيعته، بينما الإسلام السني،ومعه بعض الشيعي العربي،لا يمكن أن يكون إلا رجعياً وأداة للإمبريالية والصهيونية العالمية»، كما كتب ماركوس فولف في تقرير إلى المكتب السياسي للحزب أواسط السبعينيات لتبرير فتح قنوات تواصل مع «الإمام» باقتراح من «وديع حداد» نقله السفير الألماني في بغداد «غونتر شورات».

   وعلى الصعيد الفلسطيني بدأت ألمانيا الديمقراطية تواصلها مع جورج حبش و وديع حداد منذ العام 1969، وكانت - بناء على اقتراح من حداد - أول من دعا ياسر عرفات في العام 1972 للقيام بزيارة رسمية إلى برلين باعتباره «ممثل حركة التحرر الفلسطينية»، في وقت كان الاتحاد السوفييتي يرفض الاعتراف حتى بوجود «شعب فلسطيني»، ويعتبر اللاجئين الفلسطينيين «مجرد مواطنين مصريين وأردنيين يمكن حل قضيتهم في إطار تسوية سلمية» لمجرد أن «قطاع غزة» كان تحت الإدارة المصرية والضفة الغربية تحت الإدارة الأردنية. أما «فلسطين 1948» فهي «أرض يزرائيل والشعب اليهودي التاريخية»، كما كانت تقول الأدبيات السياسية السوفييتية رسمياً! وكانت ألمانيا الديمقراطية،بالتعاون مع وديع حداد،الدولة الوحيدة في أوربا الشرقية التي انخرطت في عملية تدريب وتسليح «الجبهة الشعبية»، بل وفي تجنيد الشيوعيين واليساريين الأوربيين وأماكن أخرى حول العالم، نساءً ورجالاً، للقتال مع «الجبهة»! بل وكانت أول من حذر حبش و حداد من انتهازية عبد الناصر القذرة بعد أن اكتشفت (في العام 1968) أنه عيّن ياسر عرفات رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية باقتراح من المخابرات البريطانية حمله له محمد حسنين هيكل بعد زيارة سيرة له إلى لندن في ديسمبر 1967، وأنه كان يقايض ما يحصل عليه من معلومات من جهاز مخابرات ألمانيا الشرقية عن إسرائيل وأنشطة الولايات المتحدة بمعلومات من وكالة المخابرات المركزية عن أنشطة الشيوعيين العرب. وعندها اتخذت قراراً بوقف دعم عبد الناصر بالمعلومات الاستخبارية التي كان يشرف على تمريرها لوكالة المخابرات المركزية كل من عبد الناصر شخصياً و رئيس جهاز مخابراته أمين هويدي و مستشاره الأبدي السرمدي محمد حسنين هيكل، وبعد أن اكتشفتْ أن ناصر أعاد فتح مقر عمليات «الوكالة» في القاهرة، برئاسة يوجين وينفيلد ترون Eugene Winfield Trone،بعد أقل من عام على إغلاقه على أثر العدوان الإسرائيلي في العام 1967!  

   كانت سياسة ألمانيا الشرقية الخارجية كلها على النقيض من السياسة السوفييتية. لكن هذا لم يمنع وجود تيار صغير في موسكو من أنصارها وداعميها يقوده رئيس لجنة أمن الدولة يوري أندروبوف، ومدير المخابرات الخارجية ألكسندر ساخاروفسكي. ومن المفارقات المجهولة أن حركة «لاهوت التحرير» المنشقة عن الفاتيكان والكنيسة الكاثوليكية في أميركا اللاتينية ، الداعمة لكوبا و تشي غيفارا، والتي طوّبت هذا الأخير قديساً بعد اغتياله، وقف وراء تأسيسها ودعمها ورعايتها ساخاروفسكي نفسه و نظيره في ألمانيا الديمقراطية ماركوس فولف الذي كان يجوب القارة الأميركية الجنوبية والوسطى بأسمائه و وجوهه المستعارة لدعم حركات التحرر فيها،حتى الدينية الكاثوليكية منها، المتمردة على عمالة الفاتيكان وبابواته ومطارنته وشمامسته ومنظماته اليسوعية لوكالة المخابرات المركزية! ولهذا كله لُقّب ساخاروفسكي في الغرب بـ «أبو الإرهاب الدولي»!

   ويكفي في هذا السياق الإشارة إلى أن ألمانيا الديمقراطية ظلت البلد الأوربي الوحيد الذي لم يعترف بدولة إسرائيل ولو لدقيقة واحدة، ورفضت دفع ولو دولار واحد كتعويضات لليهود الألمان الذين قتلهم النظام النازي كما نصت على ذلك «اتفاقية لوكسمبورغ/ 1952» التي أقرت دفع حوالي أربعة مليارات دولار لإسرائيل باعتبارها «الوريث القانوني لليهود»! ولم يكن ذلك إلا لأن ألمانيا الديمقراطية رفضت الاعتراف بإسرائيل وبأن تكون «وريثة شرعية لليهود» (دفعت ألمانيا، بعد إعادة توحيدها في العام 1990، كل ما كانت ألمانيا الديمقراطية السابقة ترفض دفعه طوال واحد وأربعين عاماً!).

***

  كان من الطبيعي - والحال كذلك- أن تنسحب سياسة ألمانيا الديمقراطية الخارجية على الصراع داخل السلطة في سوريا، بطريقة مختلفة عن السياسة السوفييتية، وإن من خلف الكواليس وبعيداً عن الأعين السوفييتية قدر الإمكان. ولهذا وقفت مع «التيار اليعقوبي» في مواجهة في مواجهة «البونابرتيين» و وزعيمهم حافظ الأسد منذ صيف العام 1966. ويسجل لألمانيا الشرقية في هذا السياق أنها كانت، بفضل قدرتها المذهلة على خردقة جميع أجهزة الاستخبارات الغربية طولاً وعرضاً، أول من اكتشف أن للرائد سليم حاطوم شقيقاً برتبة مقدم في المخابرات العسكرية الإسرائيلية (أمان) منذ العام 1948 يحمل اسماً حركياً هو «غاريس»، وأن هذا الشقيق هو في الواقع من كان قائد «مؤامرة سليم حاطوم»  في 8 أيلول / سبتمبر 1966 وما بعد! وقد عمدت ألمانيا في حينه إلى إبلاغ «قيادة 23 شباط» (الأتاسي ، جديد ، الجندي ...إلخ) بهذه المعلومات الصاعقة. وهذا ما كان سبب إعدام سليم حاطوم وتعريضه للتعذيب من قبل عبد الكريم الجندي شخصياً قُبيل إعدامه. إلا أنهم أخفوا هذه المعلومات عن قيادة حزبهم و شعبهم لاعتبارات تتعلق بما اعتبروه «فضيحة» رغم أنهم غير مسؤولين عن القصة التي وجدت قبل مجيئهم إلى السلطة بزمن طويل، و لأنهم «لم يشاؤوا إحراج سلطان باشا الأطرش وطائفته»، فعمدوا إلى شطب اسم شقيق حاطوم من كافة سجلات النفوس في سوريا، كما أقر الدكتور نور الدين الأتاسي للقائم بأعمال ألمانيا الديمقراطية في دمشق هورست غرونرت Horst Grunert، إذ لم يكن  يوجد يومها علاقات ديبلوماسية كاملة بين البلدين. وهذه هي المرة الأولى التي يجري الكشف عن القضية في تاريخ سوريا المعاصر (2)!

   يسجل لألمانيا الديمقراطية أيضاً أنها هي من كشفت أن الأسد زار بريطانيا سراً ثلاث مرات ( خلال الفترة أيار / مايو 1965 - نوفمبر 1968) ، وليس مرة واحدة كما يعتقد أيتام «23 شباط» الدراويش بناء على رواية عميل المخابرات البريطانية والفرنسية باتريك سيل الذي أكل حلاوة بعقولهم وعقول السوريين جميعاً من خلال سطرين فقط كتبهما في سيرة صديقه القديم حافظ الأسد (الصراع على الشرق الأوسط، ص 167من الطبعة العربية). فقد كان ماركوس فولف يخترق المخابرات البريطانية في لندن ومركز التدريب التابع لها في لبنان («معهد شملان») من خلال اثنين من أكبر عملائه في تاريخ المخابرات البريطانية ( كيم فيلبي و جورج بليك). وكان هذان المنشقان البريطانيان جزءاً من الشبكة التي ستُعرف لاحقاً باسم «حلقة كيمبريدج الخماسية». وقد سبق لي أن تحدثت، بناء على وثائق القضية التي حصلت عليها من فولف،عن زيارات الأسد الثلاث في المقدمة التي كتبتها للجزء الأول من «داخل الكريملن خلال حرب أكتوبر ... ص 25 وما بعد»، وعن ملابسات اختفاء هذه الوثائق من الإرشيف الوطني البريطاني مع مئات الآلاف من الوثائق الأخرى في سياق عملية مافيوزية - مخابراتية لا تزال بريطانيا تعيش تداعيتها وعقابيلها بين حين وآخر كلما جرى اكتشاف قصة ذات صلة بها! ولولا أن كيم فيلبي و جورج بليك و البارون فيكتور روتشيلد الثالث سربوا تلك الوثائق إلى ماركوس فولف وساخاروفسكي، لما كان أحد في العالم - على الأرجح - سمع بقصة الزيارات الثلاث حتى اليوم! (التقيت جورج بليك في العام 2004 في منزل فولف في «برندن Prenden»، وكان يحمل جواز سفر سوفييتياً/ روسياً باسم آخر منذ أن هرّبه عملاء فولف من سجنه وسط لندن في أكتوبر 1966، حيث كان محكوماً بالسجن لمدة 40 عاماً بعد إدانته بالعمل منذ الحرب العالمية الثانية لصالح الاتحاد السوفييتي ثم ألمانيا الشرقية. وكان بليك و كيم فيلبي أول من كشف علاقة نزار قباني و باتريك سيل بالمخابرات البريطانية منذ الخمسينيات).

وفد ألماني في دمشق سراً لتحذير الأتاسي و جديد والاطلاع منهما على تفاصيل وخلفيات الأزمة في «الحزب»:

   على هذه الخلفية، وخلفية الأزمة في «البعث»، قرر سكرتير الحزب ورئيس مجلس الدولة في ألمانيا الديمقراطية فالتر أولبرخت إرسال اثنين من أعضاء اللجنة المركزية، بول ماركوفسكي(«رئيس مجموعة مكافحة الاستعمار في اللجنة المركزية»)(3)، واللواء هورست يينيكه ( نائب ماركوس فولف لشؤون العالم الثالث وحركات التحرر) ، إلى دمشق أواسط آب / أغسطس 1970 للاجتماع مع الرئيس الأتاسي و جديد فقط وحصراً، للوقوف على حقيقة الصراع مع الأسد وفريقه. وقد سافرا،جرياً على عادة الألمان الشرقيين في هكذا مهمات، بجوازات سفر تحمل أسماءً وصِفاتٍ وظيفيةً أخرى واستخدموا خطوطاً جوية أجنبية (رحلة الخطوط النمساوية إلى قبرص ودمشق)، إلا أنهما كانا معروفين مسبقاً من قبل الأتاسي و جديد بفضل الترتيبات التي قام السفير الدكتور ألفرد مارتر، كما أخبرني فولف في إحدى رسائله يوم كنا نحرر مذكراته عن العالم العربي (منشورة جانباً). وقد ساعدهما في ذلك أنهما لم يكونا معروفين لوسائل الإعلام المحلي أو الأجنبي، ولا تتوفر لهما أية صور شخصية! ( بول ماركوفسكي لا تتوفر له حتى الآن أي صورة رغم الطريقة التي قتل فيها في ليبيا مع رفيقه فيرنر لامبيرز Werner Lamberz ، والتي تحولت إلى قصة إخبارية في وسائل الإعلام العالمية. أما صورة يينيكه الوحيدة المتوفرة فهي التي حصلت عليها منه في العام 2005). وكانت ترتيبات مهمتهما تقضي بأن بجتمعا مع الأتاسي وجديد في منزليهما وليس في مقرات رسمية، لأن أعين الأسد وشقيقه رفعت والسفير السوفييتي نور الدين محيي الدينوف كانت منتشرة في كل مكان، على حد تعبير فولف في رسالته!).

   بعد بضعة أيام على عودتهما إلى «برلين الشرقية» وتقديمها تقريرهما إلى أولبريخت واللجنة المركزية للحزب، يبدو أن أولبريخت طلب من جديد أن يكتب رسالة تفصيلية حول «أزمة الحزب» و رؤية رفاقه للتطورات التي تشهدها سوريا. وفي 24 آب / أغسطس كتب رسالة من حوالي عشر صفحات يُعتقد أنها آخر ما كتبه من نصوص سياسية في حياته.

   للأسف لم أعثر في أرشيف ماركوس فولف و يينيكه سوى على الترجمة الألمانية الرسمية للرسالة، التي أعدتها سفارة ألمانيا الديمقراطية بدمشق في اليوم التالي لكتابتها (25 من الشهر نفسه)، كما يحصل عادة في المراسلات الديبلوماسية بين بلدين لا تجمعها لغة واحدة. وقد بحثت طوال السنوات الماضية عن الأصل العربي للرسالة في مئات الوثائق التي وضعها فولف من أرشيفه الشخصي  لكتابة «مذكراته عن العالم العربي»، لكنني لم أعثر سوى على صفحة واحدة منها (الصفحة الأولى المنشورة أدناه). ولهذا اقتضى الأمر أن أقوم بترجمة الرسالة (الواقعة في حوالي عشر صفحات) من الإنكليزية إلى العربية، بعد أن تكرمت أرملة فولف، السيدة أندريا شتنغل Andrea Stingl وابنته بالتبني، مؤرخة الفن التشكيلي الألماني كلوديا فال  Claudia Wall، وابنته الكبرى تاتيانا  فولف - تروغل   Tatjana Wolf-Trögel، بترجمتها من الألمانية (التي لا أعرفها) إلى الإنكليزية ( كما يفعلن  في مساعدتي على ترجمة ما أحتاجه من أرشيف فولف إلى الإنكليزية منذ وفاته في العام 2006. فهو كان يجيد ثلاث لغات سوى لغته الألمانية!). ولأن الرسالة وثيقة تاريخية في منتهى الأهمية والخطورة، ولأني لا أعرف أسلوب صلاح جديد في الكتابة السياسية لعدم وجود أي نص أو خطاب سياسي منشور بقلمه أو مذاع بصوته، باستثناء الصفحة الأولى من رسالته، فقد اقتضى الأمر أن أترجمها من لغة وسيطة (الإنكليزية)، وبالتالي فقدانها بعض روحها العربية الأصلية وأسلوب كاتبها، فضلاً عن استهلاك المزيد من الوقت والجهد في الترجمة (أما الترجمة الألمانية الرسمية فمنشورة صفحاتها العشرة في نهاية هذا المقال).

   هنا لا بد من الإشارة إلى أني كنت تحدثت عن هذه الرسالة في مقدمتي للجزء الأول من كتاب فيكتور إسرائيليان ( داخل الكريملن ...، الصفحة 56 وما بعد )، وقبلها بسنوات طويلة على موقعنا الإخباري السابق SyriaTruth قبل توقفه في العام 2015. كما أشرت في حينه إلى أني تحدثت مع المغدور صلاح جديد وبعض رفاقه في «سجن المزة» بعد نقلي إليه من«سجن تدمر» في 7 آب/ أغسطس 1993، وسألته عن بعض القضايا القديمة، لكن - بالطبع - لم أساله بشأن هذه الرسالة موضوع حديثي اليوم، لأني لم أكن أعلم بها بعد، ولم أعلم بها إلا بعد إطلاق سراحي في العام 2001 ومجيئي إلى فرنسا وألمانيا للعلاج حيث تعرفت على ماركوس فولف بفضل تزكية من القائد الراحل في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أبو ماهر اليماني و شقيقه ماهر. كما تحدثت عن ظروف وملابسات وفاة جديد «المشبوهة» في «مشفى تشرين العسكري» إلى الدكتور أسعد أبو خليل، الذي نشر إفادتي على موقعه الشخصي في 30 سبتمبر 2008! وقد أشرت يومها إلى أني كنت أتحدث مع المغدور قبل أقل من ساعتين على نقله إلى مشفى المزة العسكري ثم إلى مشفى تشرين. ويومها خرج عليّ شخص أحمق وأبله يدعى محمود جديد ( يقال إنه شقيق زوجة صلاح جديد، ولكني لست متأكداً، فلا معرفة لي به) ليتهمني بأني أخدم السلطة لأني لم أقل صراحة إنها هي التي قتلته، رغم أني قلت في حديثي المنشور إنه لم يكن مصاباً بمرض يفضي إلى الموت، وإني شاهدته بأم عيني،بعد حديثي معه بقليل، من نافذة زنزانتي الانفرادية المطلة على بهو السجن الداخلي،وهو يمشي على قدميه بشكل طبيعي في طريقه إلى المشفى مع دورية الشرطة العسكرية ومع مدير السجن، وإنه كان من مصلحة السلطة التخلص منه لكي تتمكن من إطلاق سراح بقية رفاقه...إلخ. كما تحدثت في إفادتي المذكورة عن تفاصيل أخرى علمت بها لاحقاً من مدير السجن، العقيد النبيل بركات العش، بعد أن أصبح هناك ثقة متبادلة بيننا.  كما أشرت إلى الثقب الذي تمكنت من فتحه من خلال الجدار المشترك بين المَرافق الصحية الخاصة بزنزانتي ومَرافق الجناح الذي كان فيه جديد وبقية رفاقه، بفضل نقطة ضعف في الجدار حيث يمر أنبوب مياه خاص بالتمديدات الصحية محاط بقطع خشبية مهترئة يمكن إزالتها! وكانت زنزانتي في الأصل غرفة صغيرة خاصة بالدكتور يوسف زعين واثنين أو ثلاثة من رفاقه قبل تحويلها إلى مستودع بطانيات وفرشات بعد إطلاق سراحه لأسباب صحية في العام 1981 ونقل من معه إلى جناح جديد ورفاقه. 

   وقلت أيضاً في إفادتي المذكورة إن طبيباً مخبرياً متخصصاً في التشريح المخبري في مشفى تشرين العسكري يدعى« أ. ج. ح.» هو من اعترف لي - حين كنت في المشفى نفسه قبل يوم واحد من إطلاق سراحي في 6 أيار/مايو2001- باحتمال تصفية جديد طبياً في المشفى نفسه!

  هذا الأحمق الأبله الجاهل والطبل الأجوف، محمود جديد، ومنذ العام 2008 حتى اليوم، لم يتوقف، بمناسبة ودون مناسبة،عن الحديث عن القصة وتكذيبي، متسائلاً: كيف يمكنه الحديث مع صلاح ورفاقه؟ وكيف يمكنه أن يفتح  ثقباً في الجدار، وكيف يمكن لطبيب في المشفى أن يقول ما قاله ... إلخ؟


    كان يمكنه أن يتصل مع العقيد بركات العش (المتقاعد منذ ربع قرن) ليسأله عن قصة «ثقب الجدار»، خصوصاً وأنها تحولت إلى قضية أمنية كبيرة في أروقة السلطة بعد أن وصلت إلى رئيس شعبة المخابرات علي دوبا. لكنه لم يفعل، لأنه يتعامل مع جديد كـ «إرث عائلي» ليس من حق أحد أن يقترب منه أو يعرف قصته أو يتحدث معه سواه، كما لو أنه قطعة أرض أو بيت  موروث أو... بقرة أو عجل سامريّ ( مع الاعتذار لروح الراحل الكبير)!

   مع ذلك،ولكي أفقأ في عينَيْ هذا الأبله حصرماً شديد الحموضة، سأنشر اليوم ( بمناسبة حديثي عن رسالة صلاح جديد إلى قيادة ألمانيا الشرقية ونشري صورة عنها للمرة الأولى) تقرير«الفرع 248» في شعبة المخابرات العسكرية، الذي فتح تحقيقاً حول قضية «ثقب الجدار» وحديثي مع صلاح جديد، بعد أن تسرب الأمر إليه من خلال أحد السجانين المخبرين، كما يقول التقرير، ومن وراء ظهر مدير السجن كما يمكنني أن أخمّن. ففي هذا التقرير(المنشور جانباً والواقع في صفحتين، والذي أنشره للمرة الأولى أيضاً) يتحدث رئيس الفرع المذكور (العميد كمال يوسف) إلى العماد علي دوبا ،رئيس الشعبة، عن تفاصيل الواقعة وملابساتها، وعن أن ضابطاً من الفرع المذكور جاء إلى السجن بتاريخ 22 / 8 / 1993 واستوضح الأمر من العقيد بركات، وحقق معي وفتش زنزانتي وعثر على أوراق سجائر مُعدَّة للتهريب تتضمن ما سمعته من صلاح جديد وبعض رفاقه بشأن عدد من الموضوعات، لاسيما الاجتماع المغلق الذي عقده رئيس الوزراء السوفييتي ألكسي كوسيغن والرئيس نور الدين الأتاسي و حافظ الأسد على هامش جنازة جمال عبد الناصر في 1 أكتوبر 1970(حصلت على محضر هذا الاجتماع لاحقاً، بعد خروجي من السجن، من أرشيف فولف الخاص،وأشرت إليه في الهامش 17،ص56،من مقدمتي لكتاب«داخل الكريملن...»، وأكده - من ناحيته - مؤلف الكتاب فيكتور إسرائيليان بتفاصيله كلها، لي وفي كتابه).  


   كما يتحدث تقرير «الفرع248» أيضاً عن أني حاولت الاتصال عبر أحد السجانين مع رئيس الأركان السابق أحمد سويداني الذي كان يقيم في مكان آخر منفصل عن زملائه، وعن أن مدير السجن عمد إلى سد الثقب بالإسمنت فور أن علم به...إلخ. وفي نهاية التقرير يطلب رئيس الفرع  من رئيس الشعبة الموافقة على إعادتي إلى سجن صيدنايا حيث يوجد زملائي الآخرون، مع إبقائي في العزل الإنفرادي المشدد، لأنني «شخص خبيث، ولا يمكن ضبطي أو مراقبتي، ولدي قدرة غير عادية على انتزاع المعلومات من الآخرين...إلخ». لكن الحاشية التي كتبها علي دوبا على رأس الصفحة الأولى من التقرير تقول «مع عدم الموافقة (على النقل) و وجوب إبقاء وضعي على ما هو عليه حتى إشعار آخر». أما الطبيب الموما إليه بالأحرف« أ. ج. ح.»، الذي كان من الطبيعي أن لا أذكر اسمه الصريح سابقاً،وأصبح بإمكاني أن أفعل ذلك الآن، بعد زوال النظام، فليس سوى المقدم الطبيب أسامة جميل حسن، الابن البِكر للواء جميل حسن، رئيس شعبة التنظيم والإدارة خلال السبعينيات والثمانينيات، وهو من جيراننا (قريته «حمام القراحلة» ملاصقة لقريتنا، ويوجد علاقة معرفة قديمة، وعلاقة قرابة ولو بعيدة، بين عائلتينا). وهو يعمل الآن في عيادته الخاصة في دمشق، ويمكنه التواصل معه وسؤاله عن القصة،إذا كان لديه من الجرأة ما يكفي لكي يتحدث، وإذا لم يكن التحق كغيره من «النصيريين» بعصابة الجولاني، لأني لم أتواصل معه ولا أعرف عنه شيئاً منذ إطلاق سراحي عبر مشفى تشرين العسكري يوم 6 أيار/ مايو2001. وكان الطبيب المذكور مكلفاً على مدى يومين من العميد جلال الحايك بإقناعي بالقبول بتلقي العلاج في المشفى نفسه وعدم الإصرار على السفر إلى الخارج حين كان البابا يوحنا الثاني في دمشق حاملاً رسالة لرأس النظام من مثقفين فرنسيين (مثل الأستاذة الجامعية والروائية نويل جوسبان - شاتليه، شقيقة رئيس الوزراء الفرنسي ليونيل جوسبان، وجورج لابيكا وإيتيان باليبار...) ومنظمات دولية تطالبه بإطلاق سراحي لأسباب صحية قبيل سفره في أول زيارة دولة رسمية له إلى فرنسا! وكان جوابي الحرفي له يومها «الحمار فقط بيقبل يتعالج بمشفى انقتل فيها صلاح جديد طبياً عن سابق إصرار وتخطيط »! وهذا ما كان سبباً في الحديث بيني وبينه عن المغدور الراحل وما جرى معه. فقد فوجىء بأني أعرف ما جرى معه خلال الأيام العشرة الأخيرة من حياته.

  كلمة أخيرة في هذا السياق إلى هذا الأبله الأحمق محمود جديد: أنا حين أتحدث عن قضية معينة بكلام جازم، فإني أتحدث عن معرفة بالوثائق،وليس على طريقة الثرثارين والعلاكين من أمثاله، الذين يجترّون قصصاً بلهاء كما «النسوان» على أبواب الأفران وكما الحلاقين في صالوناتهم. ولذلك فإن حذائي، وهو ملطخ بالوحل والخراء، أصدق منه ومن الله الذي يعبده، ومن أنبيائه جميعاً «قشة لفة» ودون أي استثناء!

عودة إلى رسالة جديد إلى رئيس مجلس الدولة في ألمانيا الشرقية

   في 24 آب/ أغسطس 1970 كتب المغدور جديد رسالته، وفي اليوم التالي تُرجمت إلى الألمانية من قبل سفارة ألمانيا الديمقراطية في عشر صفحات تقريباً. وهذا يعني أنها تقع في ست أو سبع صفحات في الأصل العربي، أو نحو ذلك، كما يمكن التخمين. وفي هذه الرسالة، التي ترجمتُها من لغة وسيطة (الإنكليزية)، يكشف الكثير من الأحداث والوقائع التي كانت تحصل في الأروقة الديبلوماسية والأمنية، لاسيما منها ما يتعلق بما جرى معه خلال زيارته إلى الاتحاد السوفييتي مطلع العام 1967، وما جرى مع الرئيس الأتاسي خلال زيارتيه إلى موسكو قبله (ربيع العام 1966) و صيف العام 1969، والضغوط التي تعرضوا لها من قبل السوفييت. لكن أخطر ما ورد فيها هو أن الرئيس الأتاسي و وزير خارجيته الدكتور ابراهيم ماخوس، أحبطا اجتماعاً بين عبد الناصر ورئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي أشكول كان مقرراً عن يُعقد سراً في الكريملن بتاريخ 2 حزيران / يونيو 1967، أي قبل العدوان الإسرائيلي على الدول العربية بثلاثة أيام، بترتيب من ليونيد برجينيف. ورغم مصداقية جديد التي لا يرقى إليها الشك، فإني تأكدت من هذه الواقعة من وثائق الأرشيف السوفييتي والألماني الشرقي حين كنت أترجم وأحرر كتاب «داخل الكريملن...» لمؤلفه نائب آخر وزير خارجية سوفييتي فيكتور إسرائيليان. فهو أيضاً كشف عن الواقعة في الكتاب بتفاصيلها المملة،وكيف أن سفراء الاتحاد في السوفييتي في دمشق والقاهرة وتل أبيب (أناتولي باركوفسكي Анатолий Барковский و دميتري بوجِدايِف Дмитрий Пожидаев و دميتري تشوفاخين Дмитрий Чувахин،على التوالي) ، لعبوا خلال الأيام الخمسة التي سبقت العدوان الإسرائيلي دوراً لا يزال أحد الأسرار التي منعت السلطات السوفييتية، ثم الروسية لاحقاً، خروج وثائقه إلى العلن حتى اليوم. أما هو فلم يتمكن من الاطلاع عليها إلا في العام 1981 بفضل وزير الخارجية السوفييتية الأسبق دميتري شبيلوف، الذي كان أصبح يومها مديراً لـ «أرشيف الدولة». وأبرز ما يذكره إسرائيليان بشأن قصة لقاء عبد الناصر – أشكول (في الجزء الثاني من كتابه الذي لم أنشره حتى اليوم) هو أن عبد الناصر رد سريعاً على دعوة برجينيف بالموافقة على لقاء أشكول، واصفاً المبادرة السوفييتية بأنها «حكيمة،لأن لقاءً من هذا النوع من شأنه أن يثْبت نوايا مصر لجهة أنها لا تخطط لمهاجمة إسرائيل،كما يزعم قادتُها،ولأن تنظيمَ هكذا لقاء من شأنه أن يرغمَها على أن تتصرف بهدوء»،كما قال للسفير بوجدايف بحضور المشير عبد الحكيم عامر.وهو ما كان عليه موقفُ أشكول و وزير خارجيته آبا إيبان أيضاً،في ردهما على الدعوة التي نقلها السفير دميتري تشوفاخين عند الثالثة من بعد منتصف ليلة 28/ 29 مايو،رغم معارضة وزير حربهما موشي دايان و رئيس أركانهما إسحاق رابين، اللذين كانا أعدّا العدة لمهاجمة مصر وسوريا والأردن في 5 يونيو.غير أن الرئيس السوري نور الدين الأتاسي،و وزير خارجيته ابراهيم ماخوس،اللذين كانا وصلا موسكو قبل بضع ساعات وحسب، ومجرد أن علما بأمر اللقاء المقترح بين ناصر وأشكول،أصيبا بحالة غضب هستيري، واتصلا بالرئيس ناصر«لتحذيره من حصول هكذا لقاء،وللتأكيد له أن سوريا ترفضه رفضاً قاطعاً وستعمد إلى فضحه».وحينها فقط تراجع الرئيس ناصر عن قراره، وأبلغ الكريملن بأنه«لا يستطيع لقاء أشكول دون موافقة سوريا». وخلال ساعتين كان السفير تشوفاخين يبلغ أشكول بأن«الدعوة ألغيت لأن الرئيس ناصر،وبضغط من السوريين الذين هددوه بفضح الأمر،تراجع عن موافقته». وغني عن البيان أن موقف الأتاسي و ماخوس،الذي أحبط لقاء ناصر مع رئيس  الوزراء الإسرائيلي،جرى تدوينه في «سِجِلّ سيّئاتهما»المتراكمة لدى الكريملن،وكان من أسباب العمل على إطاحتهما مع رفاقهما بعد ثلاث سنوات لصالح  وزير الدفاع حافظ الأسد،الذي كان موافقاً على مُقترح لقاء ناصر- أشكول ومتحمّساً له واعتبره «موقفاً حكيماً من قبل الكريملن والقاهرة على حد سواء، ومن شأنه أن يجرّد الإسرائيليين من ذرائعهم لشن عدوان جديد على الدول العربية»، كما قال للسفير السوفييتي أناتولي باركوفسكي...إلخ. أما القنصل العام لألمانيا الديمقراطية في القاهرة، الدكتور فولفغانغ كونشل Wolfgang Konschel (فلم يكن هناك علاقات ديبلوماسية كاملة بعد بين البلدين) فقد أرسل إلى بلاده تقريراً حول الواقعة لا يختلف كثيراً عن المعلومات الواردة أعلاه (حصلتُ على تقريره وعلى بعض المعلومات الأخرى ذات الصلة منه شخصياً حين التقيته في برلين في العام 2005 بتزكية من ماركوس فولف، وأدرجت صورة عن التقرير في ملحق وثائق الجزء الثاني من كتاب «داخل الكريملن .... »).  

نص رسالة جديد ( وضعتُ فيها إحالات مرجعية مرقمة و أدرجتها في الهوامش أدناه لشرح مقصده منها، فضلاً عن تزويدها ببعض الصور المتوفرة لبعض الأشخاص الذين يذكرهم في رسالته . أما ما ورد بين قوسين كبيرين في متن الرسالة [...] فمن وضعي أنا لغاية التوضيح):

دمشق فـي : 24/ 8 / 1970

الرفيـق فالتــر أولبـرخـت

سـكرتير حـزب الوحــدة الاشتراكي الألمانــي

 رئيس مجلس الدولــة

رئيس مجلس الدفــاع الوطنــي 

 جمهوريــة ألمانيــا الديمقراطيــة / برليــن

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الرفيــق العزيــز أولبرخــت،

    أود  في البداية أن أشكر لكم مبادرتكم الكريمة في إيفاد الرفيقين بول ماركوفسكي و هورست يانيكه مؤخراً للاطلاع على آخر تطورات الأزمة التي يواجهها حزبنا منذ حوالي عامين بسبب ممارسات النهج اليميني الانتهازي الذي يقوده الرفيق وزير الدفاع، حافظ الأسد، والتي ترتبط دون أدنى شك بزياراته الثلاث إلى لندن ولقاءاته هناك بمشاركة ورعاية النظام الرجعي السعودي ورئيس جهاز مخابراته كمال أدهم، المرتبط بوكالة المخابرات المركزية وصديقه القديم تسفي زامير(4)، رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي. وبهذه المناسبة أجدد شكري لكم على المعلومات المهمة التي زودتمونا بها سابقاً، وتلك الجديدة التي حملها الرفيق يانيكه، فيما يخص تلك اللقاءات التي تؤكد أن سلوك رفيقنا المذكور ومجموعته لا يمكن أن يكون منفصلاً على عن المشاريع التي تعدها لمنطقتنا قوى الإمبريالية الأميركية ـ البريطانية بالتعاون والتنسيق مع النظام الصهيوني في فلسطين المحتلة والرجعية العربية، لاسيما النظام الأردني، الذي أخذ على عاتقه مهمة تصفية القضية الفلسطينية وثورة أبناء الشعب الفلسطيني من أجل التحرر الوطني، تنفيذا لأوامر وتوجيهات أسياده في واشنطن ولندن وتل أبيب. وهذا لا ينفي ـ بالطبع ـ أن لدينا ملاحظات نقدية على سلوك وأخطاء قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وبقية فصائل المقاومة الفلسطينية، التي توفر ـ بسبب أخطائها ـ ذرائع لا حصر لها للنظام الأردني وداعميه وحلفائه من أجل تصفية القضية الفلسطينية.

    لقد استمعت بتركيز شديد إلى الأفكار والأسئلة التي حملها الرفيقان ماركوفسكي و يانيكه، وحاولت أن أجيب بأقصى درجة ممكنة من الدقة و الشفافية على أسئلتهما التي تعبر عن حرصكم النبيل على استمرار النهج التقدمي في الجمهورية العربية السورية، وعن قلقكم بشأن الأزمة التي يعيشها حزبنا و وطننا.

   أُدرِك جيداً أن الرفيقين ماركوفسكي و يانيكه نقلا لكم بأمانة ودقة النتائج التي خلصا إليها من لقاءاتهما مع الرفيق الأمين العام للحزب رئيس الدولة [ نور الدين الأتاسي] ومعي أنا شخصياً. لكني رأيت أن من واجبي أن أكتب لكم بشكل خاص في ضوء بعض التطورات والمعطيات التي استجدت بعد سفرهما. وأنا أغتنم هذه الفرصة لشكر الرفيق السفير ألفرد مارتر والرفيق الملحق العسكري، المقدم سيغفريد كان ، على نصحهما لي بكتابة هذه الرسالة وعلى ما قاما به من جهد لترجمتها وإيصالها لكم.

    إننا نفكر جدياً بعقد مؤتمر قومي استثنائي لحزب البعث العربي الاشتراكي بحلول شهر أكتوبر أو نوفمبر القادم، يكون على رأس جدول أعماله اتخاذ قرار بتشكيل جبهة وطنية تقدمية تحالفية عريضة تضم جميع القوى والشخصيات الوطنية، بما فيها الحزب الشيوعي السوري، رغم خلافنا مع هذا الحزب بسبب إعطائه أذنيه بشكل كامل للصوت السوفييتي في كل ما يتعلق بالشأن الوطني السوري والقومي العربي، ورغم الأزمة التي يعيشها هذا الحزب منذ عامين تقريباً بسبب تاريخ طويل من تدخل الرفاق السوفييت في صناعة قراراته الوطنية المصيرية. ومن المؤكد أن تجربة «الجبهة الوطنية» في جمهورية ألمانيا الديمقراطية، وغيرها من تجارب الأصدقاء في البلدان الاشتراكية الصديقة، ستكون دليل عمل لنا في تشكيل الجبهة التي نفكر بها، مع الأخذ بعين الاعتبار ظروفنا الوطنية والقومية الخاصة.

   إضافة لذلك، سيكون على رأس جدول أعمال مؤتمرنا المنتظر محاسبة الرفيق وزير الدفاع [حافظ الأسد] ومجموعته التي تمكنت خلال العامين الماضيين،بسبب عدد من الأخطاء التي ارتكبناها،الناجمة أساساً عن حسن نوايانا وصدقها، من وضع يدها على القوات المسلحة بعيداً عن سياسة الحزب وقيادته. وأعتقد أن هناك شبه إجماع في صفوف حزبنا، سواء على مستوى القطر العربي السوري أو على المستوى القومي العربي، بشأن مواقف الرفيق وزير الدفاع ومجموعته ونواياهم وأهدافهم الاستراتيجية الحقيقية، اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، والتي تصب كلها في مجرى إعادة إحياء القوى الرجعية في المجتمع السوري، وحرف سوريا عن نهجها التقدمي عربياً وعالمياً. وهنا أود اغتنام الفرصة للإشارة إلى أن التدخل السلبي الذي يقوم به الرفاق السوفييت، من خلال الرفيق السفير نور الدين محيي الدينوف والفريق سلطان محميدوف، رئيس البعثة الاستشارية العسكرية السوفييتية، لدعم المجموعة اليمينية أصبح سافراً ومكشوفاً. وقد وصل هذا التدخل إلى حد تحريض المجموعة ضد قيادة الحزب ودعوتها للتخلص ممن تسميهم

«اليساريين الماويين المغامرين الذين يريدون توريط الاتحاد السوفييتي في مواجهات وحروب وإدخال منطقة الشرق الأوسط في دوامة أزمة جديدة»

  إن الرفيقين محيي الدينوف و محميدوف، اللذين يرسلان  تقاريرهما التحريضية إلى موسكو، يعرفان جيداً أنه لا يوجد «ماويون» في حزبنا، ولكنهما يعتقدان أن مجرد الإشارة إلى وجود «الماوية» في سوريا يكفي لإصابة رؤسائهما بالذعر ودفعهم إلى اتخاذ مواقف غير مسؤولة.

     نحن ندرك أن اتهام بعض أعضاء قيادتنا بأنهم ذوو ميول «ماوية»، سببه أن الحزب توصل بعد الانتكاسة العربية في حزيران/ يونيو 1967 إلى استنتاج مفاده أن الدول العربية غير قادرة على تحرير أرضها بالطريقة التقليدية التي تعتمد على حروب الجيوش فقط، نظراً لأن النظام الصهيوني يستطيع أن يغرف من الترسانات الغربية، لاسيما الأميركية منها، كل ما يريده من أحدث أنواع الأسلحة البريطانية والألمانية الغربية والأميركية، بما في ذلك السلاح النووي الذي وقفت فرنسا وراءه قبل أن تتولى الولايات المتحدة رعايته والتستر عليه. ذلك في الوقت الذي لا نستطيع فيه الحصول على السلاح السوفييتي إلا وفق شروط سياسية مجحفة من قبيل أن لا نستخدمه إلا في حالة الدفاع عن النفس، وأن نمنع وصوله إلى طرف ثالث (المقصود بذلك فصائل المقاومة الفلسطينية). ولذلك أصبحنا مقتنعين تماماً بأن أسلوب حرب التحرير الشعبية هو الطريقة الأساسية التي تمكننا - إلى جانب جيشنا الذي نحاول إعادة بنائه وتعزيزه رغم القيود التقنية والسياسية التي يفرضها الرفاق السوفييت - من تحرير أرضنا واستعادة الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. ولهذا السبب رأينا أن نستفيد من تجارب الشعوب الصديقة في جمهورية الصين الشعبية وفيتنام، فأوفدنا بعثات عسكرية وحزبية إلى البلدين الصديقين من أجل ذلك، وأنشأنا بعض المنظمات الشعبية التي ستأخذ على عاتقها هذا الأمر، و بدأنا نعمم العقيدة العسكرية الصينية والفيتنامية على وحدات جيشنا ومنظمات حزبنا وندخلها في المناهج التثقيفية السياسية  والعسكرية. وهذا هو السبب الذي جعل الرفاق السوفييت يفقدون صوابهم ويعتقدون أننا أصبحنا ماويين! هؤلاء ينطبق عليهم المثل الشعبي العربي«لا يرحموننا ولا يريدون لرحمة الله تنزل علينا»!

   في الواقع، ورغم أن علاقتنا العسكرية بالرفاق الصينيين والفيتناميين لم تكن ذات أهمية في العام 1967، وهي لا تزال متواضعة حتى الآن في واقع الأمر مهما قيل خلاف ذلك، إلا أن الرفيق بريجينيف استغل زيارتي إلى موسكو في يناير من العام المذكور ليلعب دور الشرطي الذي يحقق مع مجرم في مخفر شرطة. فقد كرس  جزءاً كبيراً من اللقاء، الذي كان مفترضاً أن يخصص لتعزيز القدرات العسكرية لجيشنا واقتصادنا الوطني، من أجل «التحقيق معي» عن «انتشار الماوية في حزبنا وجيشنا» وعن «علاقتنا مع الصينيين والفيتناميين»! وهو لم يَكْتف بذلك، بل مارس ضغطاً كبيراً من أجل إقناعي بأن نبرم تسوية مع إسرائيل بشأن مشكلة نهر الأردن وروافده كخطوة أولى على طريق إبرام اتفاقية سلام مع إسرائيل. وقد تعهد بأن يلعب الاتحاد السوفييتي دوراً في ذلك. وحين عرضت عليه إمكانية أن يقوم الاتحاد السوفييتي بمساعدتنا مالياً وتقنياً في جر المياه السطحية والجوفية من محافظة القنيطرة ( مرتفعات الجولان التي لم تكن محتلة آنذاك) إلى دمشق وريفها الجنوبي، من أجل تلبية احتياجات النمو السكاني والصناعي خلال العقود الخمسة التالية، رفض ذلك بشكل قاطع وغاضب،واعتبرهذا المشروع «مغامرة وتحرشاً بإسرائيل واستفزازاً لها ودعوة لها لشن حرب على سوريا وإثارة أزمة جديدة في الشرق الأوسط» رغم أن المياه كلها تقع في أراضينا! وفي الحقيقة لم أكن أعرف ما إذا كان في مواقفه تلك يلعب دور الناطق باسم [رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك] ليفي أشكول و[الرئيس الأميركي آنذاك] ليندون جونسون ، وما إذا كنتُ مجتمعاً مع زعيم «البيت الأبيض» أم «زعيم البروليتاريا العالمية» و«أبو حركات التحرر الوطني» كما يحب أن يسمي نفسه!؟  وبسبب عدم موافقتي على وجهات نظره المتعلقة بالصراع العربي- الإسرائيلي خلال زيارتي التي استغرقت ستة أيام ( 20-26 يناير)، رفض الموافقة على إصدار بيان مشترك في نهاية الزيارة إلا بالصيغة التي أرادها، والتي تضمنت إشارات واضحة ومباشرة إلى «تسوية سياسية للصراع العربي الإسرائيلي وحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين» دون الإشارة إلى قرارات الأمم ذات الصلة، لاسيما القرار 194 الصادر في العام 1948. وهذا ما رفضته، لأنه ينطوي على اعتراف بدولة إسرائيل ونظامها الصهيوني وتجريد الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية وتحويل قضيته إلى مجرد قضية إنسانية تتعلق باللاجئين. ولم يصدر خبر عن الزيارة في وسائل الإعلام السوفييتية، حتى بصيغة مقتضبة، إلا بعد أسبوعين على حصولها ( 11 فبراير)، رغم أنها لم تكن زيارة سرية!

   الأكثر إثارة للمرارة من ذلك هو أن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي أعطت توجيهات للصحف السوفييتية بشن حملة تشهير ضدي وضد رفاقي باعتبارنا «مجموعة من المغامرين الذين يريدون تحويل سوريا إلى كوبا الشرق الأوسط، وتوريط الاتحاد السوفييتي في مواجهة مع الإمبريالية وإسرائيل»! وقد فعلوا الأمر نفسه عند زيارة الرفيق رئيس الدولة، الدكتور نور الدين الأتاسي ، في مايو 1966، كما فعلوا سابقاً مع المناضل الأممي المغدور تشي غيفارا وحاولوا إثارة الفتنة بينه وبين الرفيق كاسترو، كما تعلمون. وخلال اجتماع على انفراد مع الرفيق ألكسندر ساخاروفسكي، الذي يتحلى بروح أممية حقيقية وبدا أنه ضد هذا المنطق، فهمت منه أن الرفيق برجينيف هو شخصياً من وقف وراء هذه الحملة من خلال اللواء [سيميون] تسفيغون، نائب رئيس لجنة أمن الدولة و وثيق الصلة بالأوساط الصهيونية والإسرائيلية! والأمر المفجع،إذا ما صدقت تسريبات وسائل إعلام العدو الصهيوني، فإن السفير السوفييتي الأخير في إسرائيل ديمتري تشوفاخين دعا الحكومة الإسرائيلية خلال الفترة نفسها إلى «تأديب المجموعة المغامرة الحاكمة في دمشق بسبب موقفها من قضية  روافد نهر الأردن وبسبب عزمها على جر مياه مرتفعات الجولان إلى دمشق»!

   وهنا سيكون من المفيد الإشارة إلى أن موقف الرفاق السوفييت لم يكن الأول من نوعه، سواء بالنسبة للجمهورية العربية المتحدة (مصر) أو لسوريا. فعشية العدوان الأميركي- الصهيوني على الدول العربية في يونيو 1967، رتّب الرفيق بريجينيف اجتماعاً سرياً بين الرئيس جمال عبد الناصر و رئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي أشكول لكي يعقد في موسكو بتاريخ  الثاني من الشهر المذكور. وأعتقد أنكم أصبحتم على علم بأن من أحبط هذا الاجتماع،رغم موافقة الرئيس ناصر و أشكول على عقده، هو الرفيق الدكتور نور الدين الأتاسي و وزير خارجيتنا الرفيق الدكتور ابراهيم ماخوس، اللذان علما بأمر الاجتماع السري بعد ساعات قليلة من وصولهما إلى موسكو في زيارة طارئة تتعلق بالتهديدات العدوانية الإسرائيلية ، حيث بادر الرفيق الأتاسي إلى الاتصال بالرئيس ناصر وأبلغه بأن سوريا غير موافقة على هذا الاجتماع، وستكون مضطرة للكشف عنه لشعبنا وبقية الأخوة العرب. وهذا ما أثار غضب الرفيق برجينيف ليس على القيادة السورية فقط، بل على الرفيقين أندروبوف وساخاروفسكي، بعد أن اتهمهما بأنهما هما سرّبا لنا خبر القمة المصرية- الإسرائيلية المزمع عقدها! وخلال الزيارة التي قام بها الرفيق رئيس الدولة العام الماضي ( يوليو 1969) إلى موسكو لبحث تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والعسكري، ورغم الحفاوة الرسمية والشعبية الكريمة التي لقيها وفدنا الرئاسي، كرر الرفيق برجينيف هذه المواقف، لاسيما ما يتعلق بمسألة بقرار مجلس الأمن 242 الصادر في 22 نوفمبر 1967، الذي لم نوافق عليه حتى اليوم، كونه يتضمن اعترافاً بإسرائيل والتعامل مع القضية الفلسطينية على أنها «مشكلة لاجئين».  كما كرر الرفيق بريجنيف خلال محادثاته مع الرفيق رئيس الدولة الحديث عن أن أي سلاح يقدمه الاتحاد السوفييتي لنا «يجب أن يكون مخصصاً لأغراض دفاعية فقط، وعدم استخدامه في أي مبادرة إلى مهاجمة إسرائيل، وعدم تقديمه إلى طرف ثالث»، في إشارة غير مباشرة لفصائل حركة التحرر الوطني الفلسطينية. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الرفاق السوفييت لم يتوقفوا عن مطالبتنا بقبول قرار مجلس الأمن المذكور وإرسال رسائل لنا بهذا الشأن. كما كرروا مطالبتهم لنا بوقف الأعمال العسكرية التي تقوم بها هذه الفصائل ضد دولة الاحتلال الصهيونية انطلاقاً من الأراضي السورية.

  إلا أن الأكثر إثارة للانتباه خلال زيارة الرفيق رئيس الدولة المشار إليها[يوليو 1969]، هو أن الرفيق وزير الدفاع السوفييتي،المارشال أندريه غريتشكو، استأذن الرفيق رئيس الدولة [الأتاسي] لكي يأخذ رفيقنا وزير الدفاع حافظ الأسد في جولة اطلاعية إلى عدد من القواعد السوفييتية و إلى الكلية الجوية في كراسنودار قرب البحر الأسود، حيث يتدرب عدد من طيارينا. لكننا اكتشفنا لاحقاً، بفضل الرفيقين أندروبوف و ساخاروفسكي، أن الجزء الأساسي من هذه الجولة كان مخصصاً لأغراض سياسية وليست تقنية! فخلال الجولة عقد الرفيق غريتشكو جلسة سياسية خاصة مع الرفيق حافظ الأسد، بحضور اللواء سيميون تسفيغون جرى تخصيصها للخلافات في قيادة حزبنا، والتي لم تعد سراً، خصوصاً بالنسبة لأصدقائنا(5). وكان من الواضح أن السيدين غريتشكو و تسفيغون أرادا إبلاغ الرفيق حافظ الأسد رسالة من الرفيق برجينيف واللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي، خلاصتها أن القيادة السوفييتية تؤيد وتدعم وجهة نظر الرفيق حافظ الأسد بشأن القرار 242 والصراع العربي-الإسرائيلي و التضامن العربي وضرورة إجراء مصالحة وتطبيع للعلاقات بين حكومة الجمهورية العربية السورية و الحكومات الرجعية العربية التي تديرها الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوربيون. ولم يكن هناك أي معنى أو تفسير لما قام به الرفيق غريتشكو وزميله تسفيغون سوى تعزيز الشقاق في صفوف حزبنا وتأليب الرفيق حافظ الأسد وأعضاء فريقه ودفعهم إلى التمسك بموافقهم اليمينية المناوئة لقيادة الحزب، وإشعارهم بأن الاتحاد السوفييتي يقف وراءهم في أي عمل غير مسؤول قد يقومون به. وهو ما يقوم عملياً الرفيق السفير محيي الدينوف منذ وصوله إلى  دمشق في فبراير 1968 خلفاً للرفيق أناتولي باركوفسكي، الذي أُنهيتْ مهمته وأعيد إلى موسكو بسبب موقفه المتفهم لنا ولمواقفنا، وبسبب تقاريره الصادقة والأمينة التي كان يرسلها إلى رؤسائه حول الأزمة في حزبنا وأسبابها الحقيقية.

   مع ذلك كله،ورغم همومنا الحزبية والوطنية الداخلية، تبقى القضية الفلسطينية شاغلَنا الأساسي، لاسيما بعد التطورات والصدامات الأخيرة التي شهدها الأردن بين فصائل منظمة التحرير الفلسطينية و القوى الأمنية والعسكرية التابعة للنظام الرجعي في عمّان، التي تديرها وكالة المخابرات المركزية و المخابرات البريطانية، وما يمكن أن تنتهي إليه هذه الصدامات من نتائج كارثية على القضية الوطنية للشعب الفلسطيني. ومن المثير للريبة أن كلاً من الرئيس جمال عبد الناصر نفسه و النظام العراقي و النظام السعودي يلتقون جميعاً في هدف واحد، رغم ما يظهر من خلافات و تناقضات بينهم إزاء الأحداث في الأردن. فالرئيس ناصر هو شخصياً من طلب من الملك الأردني، خلال الزيارة التي قام بها الأخير إلى القاهرة في فبراير الماضي [1970]، أن يشدد الخناق  على منظمة التحرير الفلسطينية ويمنعها من استخدام الأراضي الأردنية لمهاجمة قوات الاحتلال الإسرائيلية. وفور عودته من القاهرة، وبدعم من الرئيس ناصر، أصدر الملك الأردني مرسوماً ملكياً من عشر نقاط لتقييد أنشطة منظمة التحرير الفلسطينية، الأمر الذي كان سبباً في تجدد المواجهات بين هذه الأخيرة وبين السلطة الأردنية. أما النظام العراقي فلا يعمل سوى على تأجيج نار الفتنة بين الأشقاء الفلسطينيين والأردنيين، حيث يقوم بتحريض الأخوة الفلسطينيين على إطاحة النظام الملكي، زاعماً أن قواته المرابطة في الأردن (حوالي عشرين ألفاً) هي تحت تصرف منظمة التحرير الفلسطينية. وبالنسبة لنا، ليس لدينا أي شك في أن قوات النظام العراقي المرابطة في الأردن لن تتأخر في الاصطفاف إلى جانب النظام الأردني، أو على الأقل الوقوف على الحياد، إذا ما حصلت مواجهة شاملة بين قوات النظام الأردني ومنظمة التحريرالفلسطينية (6).  ذلك لأن هناك - كما تعلمون -  تياراً في قيادة النظام العراقي على صلة مباشرة بوكالة المخابرات المركزية من خلال صدام حسين التكريتي الذي جندته «الوكالة» منذ العام 1959 على الأقل، وكانت على تواصل معه وتمنحه راتباً شهرياً عبر السفارة الأميركية في القاهرة طوال فترة وجوده فيها قبل حوالي عشر سنوات. وهذا  ما أخبرنا به الرئيس ناصر شخصياً حين كنت برفقة الرفيق رئيس الدولة [نور الدين الأتاسي] في زيارة رسمية إلى القاهرة في أيار/ مايو 1968(7).  أما نظام آل سعود، الذي حول بلاده إلى قاعدة متقدمة للإمبرياليتين الأميركية والبريطانية، فلا يخفي مطامعه في الأردن، وإن كان بعض هذه المطامع يعود إلى الجذور القديمة للصراع بين آل سعود والهاشميين. هذا فضلاً عن أن آل سعود يحاولون ، بكل ما أوتوا من نفوذ سياسي ومالي،ولخدمة أسيادهم في الغرب،وضع أيديهم على منظمة التحرير الفلسطينية وإفسادها و إبعادها عن سوريا ومصر.   

    نحن في القيادة السورية ندرك أن منظمة التحرير الفلسطينية، بفصائلها المختلفة، لاسيما حركة «فتح» وبعض فصائل اليسار المتطرف، ارتكبت أخطاء قاتلة في الأردن، لاسيما التدخل في شؤونه الداخلية، كان من شأنها توفير ذرائع للسلطة الأردنية لتضييق الحصار على الشعب الفلسطيني وحركة تحرره الوطني، ودفع قسم كبير من المواطنين الأردنيين لمؤازرة النظام في إجراءاته القمعية. وللأسف لا يمكن عزل ما جرى ويجري عن المخططات الإمبريالية – الصهيونية الهادفة لإقامة «وطن فلسطيني بديل» على الأراضي الأردنية، وعن وجود تيار داخل حركة «فتح» نفسها يؤمن بذلك ويسعى إلى إسقاط النظام الأردني ليس من أجل إقامة نظام وطني ديمقراطي يكون سنداً للشعب الفلسطيني في كفاحه التحرري، ولكن لتنفيذ المشروع المذكور. وهنا أريد أن أغتنم الفرصة مرة أخرى لشكركم وشكر قيادة جمهورية ألمانيا الديمقراطية على المعلومات الثمينة التي حملها معهما الرفيقان ماركوفسكي و يينيكه حول الاتصالات الجارية منذ بضعة أشهر بين قيادة «فتح» ورئيس محطة وكالة المخابرات المركزية في عمّان،جيمس أوكونيل (8)، وكذلك ما يتعلق بالزيارة السرية التي قام بها وزير الإعلام المصري الحالي محمد حسنين هيكل إلى لندن أواخر العام 1967 وحمل معه في نهايتها اقتراحاً من وزير الدولة جورج تومسون وصديقه ضابط المخابرات موريس أولدفيلد لتنصيب السيد ياسر عرفات على رأس منظمة التحرير الفلسطينية، خلفاً للسيد أحمد الشقيري، وبدلاً من الدكتور جورج حبش، رغم العلاقة القوية التي ربطت هذا الأخير بالرئيس ناصر والحكومة المصرية. وما يُسبّب الألم هو أن الخلفية الطائفية للدكتور جورج حبش، المنحدر من الطائفة المسيحية،  جرى استخدامها كذريعة في ذلك من قبل اللواء محمد صادق، مدير المخابرات الحربية وزميله أمين هويدي، وزير الحربية آنذاك. وهذا - للأسف - ما قيل عني أنا شخصياً وعن بعض رفاقي من قبل الرئيس ناصر خلال استقباله رفيقنا السابق أمين الحافظ في يناير 1964 على هامش مؤتمر القمة العربية الأول ، حيث «حذره من العلويين المحيطين به و دعاه إلى التخلص منهم»(9)!  كما ونشكركم على المعلومات التي حملها الرفيقان ماركوفسكي و يينيكه بشأن الرسائل التي جرى تبادلها في شباط / فبراير الماضي بين الحكومة الإسرائيلية و الملك الأردني عبر رئيس محطة وكالة المخابرات المركزية في تل أبيب جون هادن ، والتي تعهدت فيها الحكومة الإسرائيلية - بناء على طلب الملك - بعدم اغتنام الفرصة للاعتداء على الأراضي الأردنية إذا ما قرر الملك سحب قواته من المناطق الحدودية من أجل شن هجوم نهائي على قوات منظمة التحرير الفلسطينية.

   رغم ذلك كله، ورغم ما يمكن أن يترتب على تدخلنا العسكري في الأردن من تبعات أمنية وسياسية إقليمية ودولية، فإننا لن نبقى متفرجين ولن نتردد في إرسال قوات الجيش العربي السوري و «جيش التحرير الفلسطيني» إلى الأردن للدفاع عن الثورة الفلسطينية التي لن نسمح بالقضاء عليها مهم كلفنا الأمر. وهذا موضع إجماع كامل تقريباً في قيادة حزبنا، باستثناء الرفيقين وزير الدفاع [حافظ الأسد] ورئيس الأركان [مصطفى طلاس]. ذلك لأن جميع المعلومات المتوفرة لدينا، سواء تلك حملها الرفيقان ماركوفسكي ويينيكه، أو التي حصلنا عليها من مصادرنا الخاصة في الأردن،تشير إلى أن الملك الأردني قرر - بضوء أخضر من الأميركيين والبريطانيين والصهاينة - شن حملة نهائية لتدمير فصائل منظمة التحرير الفلسطينية وطرد ما يتبقى منها إلى سوريا ولبنان. وللأسف، فإن رفيقينا، وزير الدفاع ورئيس الأركان، أبلغا الملك الأردني بموقفنا هذا من خلال السفير البريطاني في بيروت آلان جون إيدن (الذي يتولى متابعة الشؤون السورية منذ أن قطعنا العلاقات مع المملكة المتحدة بسبب دعمها للعدوان الأمبريالي - الصهيوني على الدول العربية في يونيو 1967).

 الرفيق العزيز،

أعرف أني أسهبت كثيراً في الحديث عن قضايا تفصيلية خاصة؛ لكني رأيت - إضافة لما نقله لكم الرفيقان ماركوفسكي و يينكه - أنه كان لا بد من وضعكم في صورة التطورات المتسارعة التي يعيشها وطننا ومنطقتنا وما يمكن أن تتركه من تبعات سياسية وأمنية تمس بشكل أو آخر مصالح أصدقائنا المخلصين، لاسيما منهم الذين يقفون معنا في خندق واحد في مواجهة الإمبريالية وأعوانها. فنحن نعتبر جمهورية ألمانيا الديمقراطية على رأس هؤلاء الأصدقاء، والتي أثبتت دائماً أن لديها موقفاً مشرفاً يتقدم مواقف جميع الأصدقاء إزاء الصراع العربي - الصهيوني.

أخيراً،أرجو أن تتقبلوا تحياتي القلبية وتحياتي رفاقي إلى قيادة «حزب الوحدة الاشتراكي الألماني» و شعب جمهوريا ألمانيا الديمقراطية الصديقة.

صلاح جديد

الأمين العام المساعد لحزب البعث العربي الاشتراكي

 في الجمهورية العربية السورية

[نهاية الرسالة]


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

هوامش:

(1) ـ تتضمن وثائق إرشيف المخابرات البريطانية التي سربها عملاء مخابرات ألمانيا الشرقية فيها ( كيم فيلبي، جورج بليك، البارون فيكتور ريتشارد الثالث ...إلخ) تفاصيل عن علاقة نزار قباني بالمخابرات البريطانية منذ أن كان يعمل ديبلوماسياً في السفارة السورية في لندن (1952-1955) تحت إدارة السفير إدموند حمصي. وطبقاً لما جاء في المعلومات المسربة من قبل هؤلاء، وما جاء في شهاداتهم، لاسيما شهادة كيم فيلبي،فإن أول من جند قباني هو الصحفي الشهير باتريك سيل،الذي كان انضم إلى سلك المخابرات البريطانية منذ أن خدم ضابطاً فيها في منطقة «قناة السويس» أواخر الأربعينيات. وبعد ذلك بسنوات عمل قباني «مخبراً ثقافياً» لدى صدام حسين على المثقفين العراقيين في المنفى، لاسيما الشاعر عبد الوهاب البياتي الذي أطلق عليه لقب «تاجر الشنطة الدمشقي»! ومن المعلوم أن باتريك سيل تزوج في العام 1985 من ابنة أخ نزار قباني ( رنا، ابنة السفير السوري السابق في واشنطن صباح قباني خلال الفترة 1974- 1980، ومدير دائرة أميركا الشمالية بوزارة الخارجية حتى تقاعده في العام 1982).

(2) ـ في 8 أيلول/ سبتمبر القادم سأنشر للمرة الأولى تحقيقاً اشتغلت عليه على مدى ثلاثين عاماً عن قضية سليم حاطوم التي عرفتها بمحض المصادفة،والتي بقيت لغزاً وسراً منذ العام 1966، ولم ينشر عنها حرف واحد حتى اليوم، باستثناء القصة المعلوكة عنه في وسائل الإعلام .  ويتضمن التحقيق وثائق مختلفة ( من بينها وثائق إسرائيلية) تكشف  قصة  شقيق سليم حاطوم واسمه الحقيقي الكامل و وظيفته ورتبته في المخابرات العسكرية الإسرائيلية وملابسات وصوله إلى إسرائيل، والوثائق الألمانية الشرقية التي تعود إلى العامين 1966 و 1967 ، ومن بينها التقرير الذي أرسله الألمان إلى الرئيس نور الدين الأتاسي ورفاقه، والذي أخفوه عن بقية رفاقهم وعن الشعب السوري، و ما أبلغه الرئيس الأتاسي للقائم بالأعمال الألماني في دمشق عن أنهم شطبوا اسم حاطوم الأخ من سجلات النفوس السورية لكي لا يتمكن أحد من معرفة قصته...إلخ!

(3) ـ قتل الدكتور بول ماركوفسكي ، الذي كان يجيد 12 لغة أوربية وأفريقية وآسيوية ، نتيجة تحطم طائرة الهيلوكبتر التي كانت تقله في منطقة «وادي سوف الجين»  الصحراوية جنوب العاصمة الليبية طرابلس في آذار / مارس 1978، بينما كان في مهمة سرية إلى إثيوبيا مع رفيقه عضو المكتب السياسي للحزب فيرنر لامبيرز Werner Lamberz، الذي قتل معه أيضاً، فضلاً عن الطيار الليبي ومساعده التقني. وخلال التحقيقات التي أجرتها مخابرات ألمانيا الشرقية ، خفية عن «القذافي» الذي رفض السماح لها بذلك رسمياً، اكتشفتْ أن «القذافي» متورط في ترتيب حادث الطائرة التي سقطت وانفجرت بعد أقل من دقيقة واحدة على إقلاعها! لكن التحقيق أدى  بعد بضعة أشهر - وبمحض المصادفة وبسبب تقاطع المعلومات بين القضيتين - إلى اكتشاف لغز اغتيال الإمام موسى الصدر  أواخر آب /أغسطس من العام نفسه! وبعد بضعة أسابيع ( 7 أكتوبر) قام حافظ الأسد بزيارة رسمية إلى ألمانيا الديمقراطية طلب خلالها من إريش هونيكر مساعدة  جهاز مخابراته في التحقيق في مصير الإمام الصدر ورفيقيه. وبعد حوالي عام على ذلك ، أنهت مخابرات ألمانيا الشرقية تحقيقها في سبع دول ( لبنان، السعودية، فرنسا ، إيطاليا، إسرائيل ..إلخ) وتوصلت إلى حل لغز اغتيال الصدر بتفاصيله كلها. وفي أيلول / سبتمبر  1979 قام الفريق  هورست يانيكه بزيارة سرية إلى دمشق حاملاً رسالة من هونيكر إلى الأسد تتضمن خلاصة للتحقيق من خمس صفحات، بما في ذلك الطريقة التي استخدمت في قتله مع رفيقيه، واسم ضابط المخابرات الفرنسية الكبير الذي أشرف على العملية؛ لكن التحقيق لم ينشر ولم يعلن عنه أبداً،رغم أن الأسد ـ بموافقة ألمانيا الشرقية-أبلغ في وقت لاحق كلاً من نبيه بري و نائب رئيس «المجلس الشيعي الأعلى» في لبنان محمد مهدي شمس الدين بمحتوى التقرير. ومن الواضح أن هؤلاء أخفوه ولم يعلنوا عنه لأسباب دينية وسياسية مختلفة!

(4) ـ ليس عبثاً أن يشير جديد إلى كمال أدهم باعتباره «صديقاً» لرئيس الموساد آنذاك تسفي زامير. فقد أصبحا صديقين منذ أن حضرا مع آخرين من بقية أنحاء العالم دورة تدريبية مشتركة في «لانغلي» (مقر وكالة المخابرات المركزية) خريف العام 1968، بعد انتهى انتداب زامير إلى لندن كملحق عسكري في سبتمبر من ذلك العام.

(5) ـ الجنرال تسفيغون الذي يشير له جديد كان نائب أندروبوف في لجنة أمن الدولة السوفييتية، وكان عديل برجينيف ( زوجتاهما شقيقتان أو بنات عم). وقد زرعه هذا الأخير في موقعه كي يتجسس على أندروبوف ويحصي عليه أنفاسه. وقد قتل تسفيغون في العام 1982 في ظروف غامضة، إلا أن ما أصبح شبه مؤكد هو أن أندربوف وقف وراء تصفيته بعد ثبوت تورطه بعضوية عصابة المافيا التي كانت تقودها غالينا بريجينيفا ، ابنة بريجينيف  لسرقة الماس من المستودعات والمناجم السوفييتية في «إيخال» وتهريبها إلى إسرائيل!! ( راجع الصفحة 27 من كتاب «داخل الكريملن...»).

(6) ـ ثبتت توقعات صلاح جديد تماماً. فحين بدأ الملك هجومه الشامل على فصائل منظمة التحرير الفلسطينية بعد كتابة هذه الرسالة بأقل من شهر، أصدر النظام العراقي أمراً لقواته المرابطة في الأردن تعليمات ليس بعدم مؤازرة الفلسطينيين فقط، بل وإبعاد قواته من منطقة المواجهات لكي يتسنى للجيش الأردني استخدام نيرانه بحرية.

(7) ـ لم تعد قصة تجنيد صدام حسين من قبل وكالة المخابرات المركزية في العام 1959 سراً. وما ينقله صلاح جديد عن ناصر بهذا الصدد نُشرت وثائقه في الغرب بعد سقوط النظام العراقي في العام 2003 . وقبل ذلك بزمن طويل (في العام 1973)، استخدم ماركوس فولف هذه المعلومات، التي كان جهاز مخابراته يعرفها منذ سنوات طويلة، بما في ذلك قصة الرواتب، لإرغام صدام على الموافقة على إرسال قوات عراقية إلى الجبهة السورية رغم معارضته القوية لذلك نزولاً عند أوامر مشغليه الأميركيين، بخلاف الرئيس أحمد حسن البكر. ( راجع هنا في الصفحة 260 وما بعد قصة رسالة «التهديد والابتزاز» التي أرسلها فولف إلى صدام عبر وديع حداد، وصورة عنها في ملحق وثائق الكتاب).

(8) ـ بعد سنوات طويلة على هذه الرسالة وتلك الأحداث، كتب جيمس (جاك) أوكونيل مذكراته مع الملك الأردني حين كان رئيساً لمحطة وكالة المخابرات المركزية في عمان ومستشاراً للملك، ونشرها في العام 2011 تحت عنوان «مستشار الملك، مذكرات عن الحرب والتجسس والدبلوماسية في الشرق الأوسط ».

(9) ـ ما يقوله صلاح جديد حول تحريض ناصر للرئيس السوري أمين الحافظ على «العلويين المحيطين به»، ثبت وثائقياً أنه صحيح. ففي 23 نوفمير 1964 وفق«أرشيف فولف»،واستناداً إلى تقرير ضابط الاتصال الألماني الشرقي في القاهرة،الدكتور إرنست شولز Ernst Scholz ، الذي كان مستشاراً للمقاومة الفرنسية خلال الاحتلال النازي لفرنسا، فإن «ناصر،وبسبب كراهيته ومقته الشديدين للبعثيين الذين قادوا عملية تطهير ضد الضباط الناصريين السوريين،بعد فشل المحاولة الإنقلابية الفاشلة التي قام هؤلاء في يوليو من العام الماضي[حركة العقيد جاسم علوان]،أراد الإيقاع بين القادة البعثيين السوريين، فلم يجد طريقة إلا إثارة الفتنة الطائفية بينهم.وخلال استقباله رئيسَ الدولة السورية الفريق أمين الحافظ ونائبَه محمد عمران في أكتوبر السابق،حذر ضيفَه السوريَّ من العلويين المحيطين به،الذين أنشؤوا تنظيماً علوياً سرياً داخل حزب البعث،متأثراً بالأفكار الماركسية والماوية المتطرفة، للتخلص من قيادييه المسلمين السنة المحافظين الأكثر ميلاً إلى ناصر، باعتباره مناهضاً ومعادياً للشيوعية!لكن ناصر لم ينتبه إلا بعد أن زلق لسانه أن عمران ينحدر هو أيضاً من الطائفة العلوية!وحينها أطلق الحافظ ضحكة عالية للتغلب على الموقف المحرج،ونبه ناصر مازحاً وهو يشير إلى عمران غامزاً بعينه:سيادة الرئيس!انتبه! هذا واحد منهم مدسوس بيننا الآن! وحين أدرك ناصر سقطته، التفت إلى عمران وقال له ضاحكاً لتدارك فضيحته الغبية: أنت ناصري، من جماعتنا،ولست علوياً،ولولا ذلك لما كنت معنا الآن!». وبحسب شولز،الذي نقل روايته عن لسان صديقه المسؤول المصري الكبير الذي كان حاضراً الاجتماع[رئيس الحكومة علي صبري]،فإن «إثارة الفتنة الطائفية بين أعضاء القيادة السورية آنذاك كانت فكرة رئيس محطة وكالة المخابرات المركزية في القاهرة بروس تايلور أوديل Bruce Taylor Odell،الذي تولى مهمة مستشار ناصر لشؤون الدعاية ومكافحة الشيوعية بعد زميله جيمس آيكلبرغر»! (برقية إرنست شولز المشار إليها أدرجتها في ملحق  وثائق الجزء الثاني من « داخل الكريملن ...». وغني عن البيان أن بروس تيلور أوديل المذكور هو من كان يتلقى ملفات سرية من الصحفيين الجاسوسين مصطفى أمين و محمد حسنين هيكل. وقد افجرت الفضيحة بعد أن ضبطته المخابرات الحربية المصرية وهو يتسلم الوثائق!

ــــــــــــــــــــــــــــــ 

الترجمة الرسمية الألمانية لرسالة جديد ، مع ملاحظة أن الصفحة العاشرة مكررة، لأنها أخذت من مصدرين : أرشيف رئاسة الدولة في ألمانيا الشرقية، و إرشيف مدير المخابرات الخارجية ماركوس فولف . و يلاحظ أن حاشية مشاهدة أولبرخت للرسالة في 27 آب/ أغسطس 1970 تتضمن تحويل نسختين منها، واحدة لوزير الخارجية أوتو فينزر والثانية إلى فولف. أما الصفحة الأخيرة المكتوبة بالعربية في الصفحة الوحيدة التي تمكنت من العثور عليها من الأصل العربي لرسالة جديد في 24 / 8 / 1970. 

 



 


 


 


 


 


 

 



 

 



 


 

 

 
 

No comments:

Post a Comment

Note: only a member of this blog may post a comment.