Tuesday, 4 August 2026

 ليتها كانت وأخوها ... مثل والدهما على المستوى السياسي!

عن القطبة المخفية في حملة التشهير المتزامنة التي يديرها زبانية «عزمي بشارة» و«الإخوان المسلمون» ضد «فداء حوراني» وأبيها «أكرم الحوراني» و «اتصالاته» مع إسرائيل!!

(كم شخصاً يعلم أن «أكرم حوراني» هدد زوجته بالطلاق إن هي ذهبت لعلاج عينيها في مشفى أميركي، وغادر العراق بعد أن اكتشف دور «صدام» والمخابرات الأميركية في اغتيال «الخبراء السوفييت» في سوريا ...قبل أن تقع ابنته في «فخ حماة» الذي نصبه لها «رياض الترك» والسفير الأميركي «روبرت فورد»!؟)

 

(*) ـ لتصفح الصور والروابط بالحجم والأصل الحقيقي، يرجى النقر عليها. 

ـــــــــــــــــــــــــــــ

  دُعيت الطبيبة «فداء أكرم الحوراني» مؤخراً  إلى نشاط ثقافي في مدينة السلمية / «عاصمة» ما تبقى من الثقافة الوطنية السورية ، وحصْنها شبه الأخير،و« الطفلة التي تعثرت بطرف أوربا وهي تلهو بأقراطها الفاطمية وشعرها الذهبي»، كما وصفها «ماغوطها» الخالد.

   وما إن انتهى اللقاء ( أو حتى خلاله، فأنا لم أسمع ما قالته بحرفيته) حتى بدأت حملة شعواء عليها (على الأغلب من قبل عصابات الجاسوس «الجولاني» وزبانيته القدامى والجدد)، متهمين إياها بأنها «تحاول إعادة تدوير نفايات البعث»، وتُهم أخرى تصب في السياق نفسه!

  لا أعرف هذه السيدة إلا بالاسم، كما يعرفها معظم السوريين، ولم يحصل بيننا أي اتصال بأي شكل من الأشكال، سوى مرة واحدة حين أرسلتُ لها قبل ثلاث سنوات (2023) نسخة إلكترونية من الجزء الأول من كتاب «داخل الكريملن خلال حرب أكتوبر...»، لمجرد ورود اسم والدها في الكتاب وقصة موقفه خلال «حرب أكتوبر1973»، وصدامه مع الطاغية العراقي «صدام حسين» ، عميل وكالة المخابرات المركزية المزمن منذ العام 1959، بسبب تورطه في اغتيال الخبراء السوفييت في سوريا بطلب من  «الوكالة» مطلع الثمانينيات؛الأمر الذي كان أحد الأسباب المتراكمة التي دفعت «الحوراني» إلى مغادرة العراق نهائياً إلى فرنسا في العام 1983. وقد ردت عليّ  ببضع كلمات شكر ومجاملة تعبّر عن تهذيبها ورصانتها المعروفَين. وبطبيعة الحال، لا أعرف والدها الذي رحل عن عالمنا في العام 1996 حين كنت لم أزل في السجن، ودفن في الأردن لأن بلاده بخلت عليه حتى بقبر مساحته أقل من مترين مربعين وهو الذي منح بلده وفلاحيه كل ما ورثه عن أبيه من  عقارات زراعية! ومع هذا أستطيع الزعم بأني أعرفه أكثر من أي سوري آخر دون استثناء ... معرفةً لا علاقة بالثقافة الحكواتية التي تميز تسعة أعشار من تعاطوا ويتعاطون مع الشأن السوري وتاريخ سوريا الحديث، لاسيما موقعه الحقيقي في تاريخ الفكر السياسي المعاصر في سوريا وتاريخ الأحداث السورية بعد «الاستقلال».

  ليس معلوماً على وجه التحديد من يقود حملة التشهير السوقية الرخيصة ضدها وضد والدها؛ لكن تتبع بعض الحسابات والمواقع الإلكترونية والصحف النفطو-غازية يوحي دون أدنى ريب بأنهم الإسلاميون و«إخوانهم»من زبانية الجاسوس«الجولاني» وحتى...فلول «الشيشكلي» ومُلاّك الأراضي النخّاسين من حثالات ما قبل «الإصلاح الزراعي»، الذين يقودهم كبير دواويث وكَواويد «دار الإفتاء الجولانية»،«أسامة الرفاعي»، الذي استمرأ  لعق خصيتي «الأسد» قبل أن يحترف لاحقاً لَعْق خصيتي السفير «روبرت فورد» وسكربينة الكولونيل «تانيا مونروكTanya Murnock »، الملحقة العسكرية الأميركية في تركيا. وهي عادة الإسلاميين في تاريخهم الحديث كله منذ أن وقفت المخابرات البريطانية وراء خلق ظاهرتهم في العام 1928!

  ليس صعباً - والحال كذلك- التهكن بحقيقة الدوافع السياسية والطبقية التي تحرك هذه الحشرات القادمة من جحور القرن الهجري الأول و أوكار نخّاسي الخمسينيات ضد طبيبة محترمة، وهي التي رفض النظام البائد دفن والدها في وطنه إلا بعد أن سمع بأن صِنْوَه العراقي عرض على عائلته دفنه في العراق؛ ونهشت سجون النظام من لحمها ثلاث سنوات، وأبعدت زوجها الطبيب الفلسطيني/ الغزّاوي «غازي علياّن» إلى الأردن، وصادرت مشفاهما في حماه (حتى اليوم!) لمجرد أنها قدمت خدمات طبية إسعافية لجرحى الانتفاضة الشعبية صيف العام 2011، قبل أن تتحول إلى ثورة جواسيس وهابية - إسرائيلية. ولم يكن ينقصها سوى إدانتها الخطابَ الطائفي الذي تديره عصابة الجواسيس «الجولانية» (حتى دون أن تسميها!) والدعوة إلى«الوحدة الوطنية» و«العدالة الاجتماعية»،لكي «يكتمل النقل بالزعرور» وتصبح من «كفار جاهلية البعث»!

   ترتبط بـ «أكرم الحوراني» وإرثه السياسي والشخصي كذبتان/ أسطورتان:علاقته بحزب «البعث» و«وقوفه» وراء عدد من الانقلابات العسكرية و«عسكرة» الحياة السياسية في سوريا. ومؤخراً، بفضل أحد محاسيب الجاسوس «عزمي بشارة» (الفلسطيني / الإسرائيلي «محمود محارب»)، أضيفت كذبة ثالثة لا يمكن عزلها عن حملة تشويه وشيطنة الرجل، شخصياً وسياسياً. فقد زعم ربيب «عزمي بشارة» هذا أن «أكرم الحوراني كان على تواصل مع الإسرائيليين خلال وجوده في لبنان  بداية العام 1953، وأنه طلب منهم أن يلتقيهم في باريس برفقة كمال جنبلاط، وأنه التقى موفدة إسرائيلية في بيروت، واجتمع مع موشي ساسون،موفد رئيس الوزراء الإسرائيلي موشي شاريت،في جنيف في العام 1953، وطلب من الإسرائيليين مساعدته على إطاحة أديب الشيشكلي ...إلخ».

عن الأكذوبتين / الأسطورتين ... الأولى والثانية:

   صحيح أن «الحوراني» دمج حزبه ( العربي الاشتراكي) بـ «حزب البعث» في العام 1952 حين كان هذا الأخير تحت قيادة «ميشيل عفلق»، الذي سيصبح عميلاً رسمياًَ لوكالة المخابرات المركزية مطلع الستينيات (أو على الأقل منذ المؤتمر القومي الخامس للحزب في حمص، أيار/ مايو 1962، الذي مولّته «الوكالة» عن طريق رجال أعمال من عملائها من «آل الأتاسي»: «فرحان»  و«نادر»...إلخ)،و تحت قيادة العميل السعودي «صلاح الدين البيطار»؛ لكن الأصح هو أن «الحوراني» لم يتأخر في فك عرى هذا الزواج «المخالف للطبيعة» لأسباب عديدة ليس هنا مجال عرضها كلها. فـ «الحوراني» هو الممثل الأصيل، ولعله الوحيد (أي رائد بلا أتباع) ، لتيار «الاشتراكية الديمقراطية والبرجوازية الوطنية» في سوريا، وحامل برنامجها المفترض، لاسيما برنامج «الإصلاح الزراعي».  وبسبب ذكائه، المبني على الحدس دون أساس نظري واضح، أدرك بسليقته وفطرته استحالة وجود «برجوازية وطنية مستقلة» تقود عملية التنمية و «التحديث» في بلد متخلف مثل سوريا في عصر الإمبريالية، وأن الجيش هو البديل التاريخي الوحيد في هكذا ظروف تاريخية تقتضي «ثورة ممكنة من فوق وليس ثورة مستحيلة من تحت»، كما قلتُ قبل حوالي أربعين عاماً (في البيان التأسيس لمنظمتنا، 10 / 12 / 1989، المنشور جانباً)، لأن «التغيير من تحت» في هكذا بلدان، وسوريا منها، سيقود حتماً إلى «حرب أهلية وتدخل احتلالي دولي» كما تنبأتُ في البيان نفسه؛ الأمر الذي كررتُه ربيع العام 2011 في مقابلة مع قناة «الحوار» البريطانية لا يزال متاحاً على الإنترنت.

   لهذا كله اهتم «الحوراني» بالجيش إلى أبعد الحدود، ودافع عنه كمؤسسة أكثر من أي شخص آخر في تاريخ سوريا الحديث منذ اليوم الأول بعد «الاستقلال»، بل ومنذ فترة الاحتلال الفرنسي،بخلاف عملاء وجواسيس الحركة الصهيونية في قيادة «الكتلة الوطنية» ( «شكري القوتلي» وشركاه). ولا أعرف إن كان «الحوراني» - الذي يعرف الفرنسية  وعاش في مصر وكان نائباً لرئيس «دولة الوحدة» - قرأ كتاب المفكر الشيوعي المصري «أنور عبد الملك»(egypte:société militaire,1962)، المترجَم لاحقاً إلى العربية بعنوان تجاري : «مصر، مجتمع جديد يبنيه العسكريون»)؟ وبغض النظر عما إذا كان قرأه أم لا، فقد توصل عملياً بـ «حدسه السياسي» إلى ما كان توصل إليه «أنور عبد الملك» استناداً إلى ظاهرة «البونابرتية» التي تحدث عنها «كارل ماركس» وعن الشروط التاريخية لظهورها ودورها.وكانت مشاركته في «حرب فلسطين» دافعاً آخر مبكراً لإيلائه الجيشَ اهتمامه الخاص. فقد اكتشف خلال مشاركته التطوعية في الحرب، وهو ما تحدث عنه لاحقاً خلال أنشطته في البرلمان وفي مذكراته،عمق الاختراق الصهيوني والغربي للدولة السورية والسلطة الحاكمة آنذاك (وعلى رأسها العميل الصهيوني «شكري القوتلي» و «الكتلة الوطنية»)، بما في ذلك الارتباطات الصهيونية المشبوهة لوزير الدفاع خلال الحرب، «أحمد الشراباتي» (والد «نورا جنبلاط»، زوجة «وليد جنبلاط» الحالية)، و خضوع تلك السلطة للإملاءات الأجنبية والصهيونية في منع بناء جيش وطني على حدود الدولة الصهيونية الوليدة. وهذا لا ينفي بطبيعة الحال وجود «مطامح سياسية خاصة» له. فقد كان يحب أن يكون «صانع أباطرة» على غرار«شارل - موريس تاليران  بيريغور Charles-Maurice de Talleyrand-Périgord» بالنسبة لـ«نابليون»، أكثر من حبه لأن يكون «امبراطوراً» يحكم مباشرةً. ومن الواضح أن بروز هذا الجانب «الشخصي» في تكوينه وسيرته السياسية وعلاقاته الخاصة مع الجيش، وتضخم «أناه» إذا جاز القول، هو ما جعل الأميين في علم التاريخ، الذين لا يرون في التاريخ سوى «مؤامرات قصور» وقصص عجائز و «حكواتية» تتناسل الواحدة من الأخرى كما «سيرة بني هلال»، يخلطون بين ما هو«شخصي» في سيرة «الحوراني» وبين ما هو «ضرورة تاريخية حتمية» لا فكاك ولا مهرب منها، تفرضها الظروف التاريخية الخاصة ببلد معين في خلق شخصياته وتعبيراته الفاعلة. ولعل حقد«البعثيين»عليه وكراهيتهم له،لاسيما «العفلقيين» منهم، ومعرفتهم الخطورة التي يشكلها شخصياً وبرنامجياً على مشروعهم، هو ما دفعهم إلى وضعه على رأس قائمة العزل السياسي و التجريد من الحقوق المدنية فور حصول انقلابهم «البعثي- الناصري» في 8 آذار/ مارس 1963 وحتى مماته، وحرمانه حتى من قبر  يضم رفاته، في الوقت الذي استثنوا فيه «الأخوان المسلمين» من العزل! ومن المفارقات،وهذا مما لا يعرفه السوريون وحصلتُ على الوثائق الأجنبية المتعلقة به، أن استثناء «الأخوان المسلمين» و«الناصريين» من العزل السياسي جاء بطلب من السفيرين البريطاني (توماس برومبلي Thomas Eardley Bromley)والأميركي (ريدغوي نايت Ridgway Knight) إلى وزير الخارجية «صلاح البيطار» بعد يومين فقط من الانقلاب!!؟ وكان هذا من طبيعة الأمور، فالأخوان المسلمون صنيعة المخابرات البريطانية منذ العام 1928، بينما كان «عبد الناصر» لا يزال يعيش شهر عسله الأحلى مع الولايات المتحدة و وكالة المخابرات المركزية، ويرسل رسائل غزل إلى الرئيس الأميركي «جون كيندي» يخجل حتى رئيس جمهورية موز في أميركا اللاتينية من كتابتها. ففي 21 يونيو 1962 كتب له رسالة عبّر فيها عن «عرفانه للولايات المتحدة على مساعدتها التي من شأنها أن تزيد من سرعة التقدم الذي ينجزه شعب الجمهورية العربية المتحدة ليكون، فضلاً عن قيمته بذاته لهذا الشعب، نموذجاً بنّاءً في العمل الثوري أمام جميع الشعوب المتطلعة بحق إلى حرية الوطن وحرية الإنسان-المواطن.ومن هنا،فإن هذه المساعدات لا تخدم الأمل العربي وحده،بل وأمل الإنسان في جميع البلدان التي تتطلع إلى غد أفضل»!! وقد ظننتُ حين قرأتُ الرسالة أن «ناصر» كتبها إلى «كارل ماركس» أو «تشي غيفارا» وليس إلى الرئيس «كيندي»!

   تبقى الإشارة في سياق هذه الفقرة وفي ختامها إلى حقيقة أنه ما من سوري واحد تقريباً ولد في الخمسينيات لعائلة فلاحية أو لعائلة من الفئات الوسطى والفقيرة وأسموه أهله «أكرم»، إلا وكانت التسمية تيمناً وتبرّكاً بـ «أكرم الحوراني»، بدءاً بابن عمي«أكرم نيوف»،أستاذ الهندسة الكهربائية المتقاعد الآن من جامعة صوفيا،المولود في العام 1952،وليس انتهاء بـ«المسيحي» الغني عن التعريف «أكرم البني»، المولود في حماة في العام 1956 والمتقاعد من شيوعيته ومن «حزب العمل الشيوعي» والتائب عنهما!

عن الأكذوبة / الأسطورة الثالثة:

   جاءت حفلة «الردح» السوقي الرخيص والأبله التي طالت «فداء الحوراني» في سياق «حملة ممنهجة» بدأت منذ أن جيء بالجاسوس «الجولاني» وعصاباته السلفية والأخوانية إلى السلطة أواخر العام 2024. وكان أساس تلك الحملة شبيهاً بأساس الدعوة «المحمدية»  ضد ما سمي مجتمع «الجاهلية». فكما اخترع «محمد» و«قرآنه» وأتباعه مصفوفة أكاذيب رخيصة وغبية وحاقدة عن ذلك المجتمع (أكذوبة «وأد الإناث» وأكذوبة «الاضطهاد الديني للمؤمنين» في مكة وأكذوبة «كفر وشُرْك» المكيين...إلخ)، لجأ «الجولاني» وعصاباته ومريدوه، الذين جيء بهم على أسنة الرماح البريطانية والتركية والإسرائيلية والروسية،إلى حملة لتسويد وشيطنة كل ما عرفته سوريا من مساحات مضيئة في تاريخها الحديث،على قلتها وندرتها، والنظر - من قبل الإسلاميين- إلى عهد «البعث» والعهود الأخرى التي سبقته على أنها «العصر الجاهلي السوري». أما زبانيتهم من «الليبراليين» فضيقوا مساحة الشيطنة قليلاً بهدف تعويم حتى شخصيات عميلة للحركة الصهيونية من رموز مجتمع «ما بعد الاستقلال» أو«العهد الوطني» (1946-1963)، الذي يسمونه «العصر الذهبي» السوري، رغم أنه - مع استثناءات زمنية قصيرة جداً، واستثناءات شخصية نادرة ( من أمثال «خالد العظم» و«عبد الرحمن الشهبندر») - كان أوسخ وأقذر فترة عرفتها سوريا في تاريخها الحديث، إذا استثنينا الفترة التي تعيشها سوريا منذ العام 2011 حتى الآن. ففي تلك الفترة كان 3 بالمئة من السوريين يملكون أكثر من 70 بالمئة من إجمالي الناتج الوطني الصافي أو الثروة الوطنية إذا شئتم، الثابتة منها والمنقولة؛ وكانت نسبة الأمية الأبجدية حوالي 79 بالمئة في أوساط الذكور(ما فوق 15 عاماً) و85 بالمئة في أوساط الإناث من الفئة العمرية نفسها، وقرابة تسعين بالمئة من بيوت السوريين لا تعرف الكهرباء ولا الخدمات الصحية الأساسية ولم تسمع بها، وكانت النساء الحوامل يلدن في الحقول وهنّ يعملن في الأرض. وعلى المستوى السياسي ، كانت البلاد بقضها وقضيضها - خصوصاً قبل العام 1957 - تُقاد وتُدار في سياستها اليومية من قبل موظف من الدرجة الثانية أو الثالثة في السفارة الأميركية أو البريطانية أو الفرنسية،كما لبنان اليوم. وفي تلك الفترة (إذا أضفنا إليها فترة الاحتلال الفرنسي) باع جواسيس «الكتلة الوطنية» أراضي «لواء اسكندرون» مجاناً إلى تركيا ( قبل 60 عاماً من مصادقة «حافظ الأسد» على ذلك رسمياً وقانونياً في «اتفاق أضنة / 1998»!) لمجرد تصغير نسبة العلويين من إجمالي عدد سكان سوريا ومنع وجود أي تواصل لهم مع علويي تركيا ( رغم الاختلاف الديني بين الفئتين كلتيهما من العلويين)، وباعت الأراضي المملوكة لسوريين داخل فلسطين المحتلة، ومعظم الأراضي السورية في إقليم «باشان» الغربي / «جيدور» الواقع بين نهر اليرموك وريف دمشق الجنوبي، إلى «الوكالة اليهودية»، قبل أن يكتشف الفلاحون أن سماسرة «الكتلة الوطنية» كانوا يشترونها ليس لأنفسهم، وإنما لصالح «الوكالة» التي  كانت تبرم الصفقات في «فندق الشرق» ومنزل الشاعر «فخري البارودي» في غوطة دمشق الشرقية، ومنزل «بدر الدين الشلاح»، وبقية منازل أعضاء «الكتلة» (الأمير «عبد الرزاق الجزائري»، «جميل مردم»، «فارس الخوري»، «سعد الله الجابري»، «عدنان العلبي» / جد الجاسوس الإسرائيلي المعروف حالياً «سامي مروان مبيّض» من جهة أمه...) .

 وقد تحولت منازل هؤلاء، بالمعنى الحقيقي لا المجازي، إلى فنادق لقادة ومندوبي الحركة الصهيونية وذراعها التنفيذية «الوكالة اليهودية»؛ الأمر الذي دفع حتى شاعراً كبيراً ورصيناً مثل «عمر أبو ريشة» إلى وصف «جميل مردم» في إحدى قصائده الخالدات بأنه «ابن قحبة»:

كَيْفَ تَرْجُو أُمَّةٌ عِزَّتَهَا ... وَبِهَا شِبْهُ جَمِيلِ المَرْدَمِ

إِنَّ أَرْحَامَ البَغَايَا لَمْ تَلِدْ ... مُجْرِماً فِي شَكْلِ هَذَا المُجْرِمِ

ومن المعلوم أن هذين البيتين أسقِطا من قصيدته الشهيرة «أمتي» ، حين نشرت «دار العودة» ديوانه! ولم تكن مجرد مصادفة أن «أنطون بشارة» ( والد «عزمي بشارة») كان أحد سمسارة العصابات التي امتهنت شراء الأراضي من الفلسطينيين والسوريين وبيعها لـ «الوكالة اليهودية» بالتنسيق والتعاون مع الجاسوس الأمير«عبد الرزاق الجزائري»(حفيد الأمير «عبد القادر الجزائري») الذي كان شيوعياً سورياً «بكداشياً» قبل أن يعتنق الديانة اليهودية والعقيدة الصهيونية ويعمل مع الموساد ويسمي نفسه «دوف غولان Dov Golan» ويُدفن في إسرائيل بناء على وصيته!

الأكذوبة / الأسطورة الثالثة:

   إذا كان كل ما قيل أعلاه يجري ترديده منذ سنوات طويلة للإساءة إلى تاريخ «أكرم الحوراني» ، الشخصي والسياسي، وجرت استعادته مؤخراً في سياق حملة منظمة و ممنهجة، فإن اتهامه بالتواصل مع الإسرائيليين في هذه الحملة، من قبل زبانية «عزمي بشارة»، يُعتبر أمراً جديداً تماماً،ولم يتجرأ أحد من قبل على مجرد التفكير فيه، خصوصاً من قبل صبيان «عزمي» الذي سبق له أن أوقف وحُقق معه من قبل مخابرات ألمانيا الديمقراطية في العام 1985 ،حين كان طالب دكتوراه هناك في «جامعة هومبولت»، بتهمة العلاقة مع مسؤول «الموساد» في «ألمانيا الغربية» آنذاك، «أفيف شير-أون Aviv Shir-on»، والبحث عن «الشقق السرية التي ينزل فيها جورج حبش خلال زياراته السرية إلى ألمانيا الديمقراطية»، و«محاولة تجنيد الملحق العسكري السوري،المقدم فاروق جاويش، لصالح الموساد»! فمؤخراً زعم الفلسطيني / الإسرائيلي «محمود محارب» أن «أكرم الحوراني كان على تواصل مع الإسرائيليين خلال وجوده في لبنان  بداية العام 1953، وأنه طلب منهم أن يلتقيهم في باريس برفقة كمال جنبلاط ، وأنه التقى موفدة إسرائيلية في بيروت، واجتمع مع موشي ساسون،موفد رئيس الوزراء الإسرائيلي موشي شاريت،في جنيف في العام 1956، وطلب من الإسرائيليين مساعدته على إطاحة شكري القوتلي ...إلخ».  وكان لافتاً أن من سارع للانضمام إلى الحملة ليس سوى زلمة «الجولاني»، الصحفي «ابراهيم الجبين» (في «العربي الجديد»، 3 حزيران /يونيو 2026) . ومن المفيد الإشارة هنا إلى أن «الجبين»، وكما تقول وثائق النظام البائد، «فر من سوريا في العام 2011 على خلفية ملاحقته بتهمة التواصل - لأسباب مالية و/أو سياسية - مع جهاز الموساد الإسرائيلي للبحث عن أحد الضباط النازيين السابقين الذي كانوا يعيشون في سوريا،وعن قبر/ رفات  الجاسوس كوهين، والتواصل مع أرملته ناديا كوهين (ناديا مجلد/ ناديا ميخائيل) للغاية نفسها، بالتنسيق مع أحد الضباط العملاء في أحد الأجهزة الأمنية السورية». (حصلتُ على هذه الوثائق ، وهي صادرة عن «المخابرات العسكرية» و«مكتب الأمن القومي» و«المخابرات الجوية» منذ العام 2012، فضلاً عن رسالة إلكترونية من الصديق الراحل، المستعرب والمستشرق الألماني الدكتور «غونتر مولاك Günter Mulack»، الذي كان سفيراً لبلاده في سوريا سابقاً، وكان أول من اتصل بي وزارني بعد خروجي من السجن. ولم أنشر أي حرف من هذه الوثائق حتى اليوم لاعتبارات مختلفة، بعضها يتعلق بأني لم أكمل البحث في الملف، وبعضها الآخر يخص كرامة ومعزّة أحد الأقرباء المباشرين للصحفي المذكور، وزوجته التي تمُتُّ بصلة قرابة غير مباشرة  بالنسبة لي ، رغم أن «كل ذبيحة معلقة بكرعوبها» في نهاية الأمر، كما يقول المثل، وما من أحد يتحمل أوزار الآخرين وخطاياهم حتى وإن كانوا والديه أو أبناءه!).

   في الواقع إن أول من أشار إلى محاولة الإسرائيليين الاتصال بـ «أكرم الحوراني» هو «الحوراني» نفسه ( في مذكراته: الجزء2،  الصفحة 1523 وما بعد). فقد كشف على مساحة أربع صفحات تقريباً أن سيدة لبنانية جاءته في شباط / فبراير 1953 إلى مقر إقامته في لبنان، مبعوثة من «الموساد»، وقدمت نفسها على أنها «مدام خوري»، قبل أن تكشف عن شخصيتها الحقيقية وأنها «من الطائفة الدرزية ، وأنها أرملة كامل الحسين الذي قتله أحد عملاء حسني الزعيم...إلخ». وقد عرضت على «الحوراني» وحلفائه السياسيين التعاون مع إسرائيل لإسقاط  نظام الديكتاتور «أديب الشيشكلي». ولا داعٍ لإعادة ما ذكره «الحوراني» هنا من تفاصيل، ويمكن لمن يريد العودة إلى الصفحات المشار إليها في مذكراته.أما صدقية «الحوراني» في روايته، بخلاف رواية زبانية «عزمي بشارة»، فتكمن في أن هناك شهوداً عليها كانوا جالسين معه، وهم «شبلي العيسمي» و «ميشيل عفلق» وآخرون. أما «كمال جنبلاط» الذي أكد القصة، فإنه تلاعب فيها كما سنرى في الوثائق الإسرائيلية أدناه.هذا فضلاً عن آخرين يذكرهم «الحوراني» بالأسماء ( مثل «قدري قلعجي»). ومن سوء الحظ إن هؤلاء جميعاً - باستثناء «شبلي العيسمي» الذي اختطف في لبنان في العام 2011 واختفى أثره منذ ذلك الحين- كانوا جميعاً قد توفوا حين صدرت مذكرات «الحوراني» في العام 2000، ولم يكن بإمكانهم نفي أو تصحيح روايته، باستثناء «العيسمي» الذي لم يصدر عنه أي تعليق على ما جاء في المذكرات، خصوصاً ما يتعلق بقصة المبعوثة الإسرائيلية.

   في الحقيقة لا تكمن مصداقية رواية «الحوراني» في شهوده فقط، بل في الوثائق التي حصلت أنا عليها لاحقاً حين كنت أجمع مواد و وثائق من أجل كتاب «دمشق الصهيونية 1920 -2020: الاختراق الصهيوني والإسرائيلي للدولة السورية خلال مئة عام». ومن جملة الوثائق التي حصلت عليها من الأرشيف الشخصي الخاص بـ«ماركوس فولف» والإرشيف الديبلوماسي لجهورية ألمانيا الديمقراطية، تقرير رفعه «ألفريد غريم Alfred Grimm»، أول ممثل لجمهورية ألمانيا الديمقراطية في لبنان (1955) إلى «ماركوس فولف» عن لقاءاته مع عدد من المسؤولين السياسيين والحزبيين في لبنان، ومن بينهم القائد الشهيد «فرج الله الحلو» و «كمال جنبلاط» و مسؤول جهاز الأمن العام اللبناني «فريد شهاب»، الذي لم يعد سراً أنه كان أحد أخطر رجال المخابرات في تاريخ لبنان الحديث و وثيق الصلة بنصف دزينة على الأقل من أجهزة المخابرات الغربية، بما في ذلك الاستخبارات الإسرائيلية التي كان يتعامل معها ويجند لها العملاء اللبنايين الذين يجتمعون معها عند الحدود اللبنانية - الفلسطينية، كما تشير وثيقة إسرائيلية صادرة في 27 شباط /فبراير 1950 (منشورة جانباً). وقد تقاطعت إفادات هؤلاء جميعاً،على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم السياسية و وظائفهم، في نقطة واحدة هي أن «الإسرائيليين حاولوا الاقتراب من أكرم الحوراني والتواصل معه عبر عملاء لبنانيين لهم، بالتعاون مع «فريد شهاب» وبعض ضباط المكتب الثاني (مخابرات الجيش اللبناني)، كونه الزعيم الروحي لمعظم ضباط الجيش السوري وصاحب النفوذ الأكبر في الجيش، لكنهم فشلوا»! وهذا ما جاء بالحرفية نفسها تقريباً في مذكرة رفعها السفير السوفييتي والوزير المفوض فوق العادة في بيروت ودمشق «فاسيلي بيليايف Василий  Беляев»إلى وزير الخارجية السوفييتية، «أندريه فيشنسكي Андре́й Выши́нский»،  بتاريخ 27 شباط / فبراير 1953 حول رموز المعارضة السورية المقيمة في لبنان هرباً من حكم «الشيشكلي».  واللافت في مذكرة «بيليايف» اتهامه لـ«أكرم الحوراني» بأنه «معاد للسامية، ويدعو لإزالة إسرائيل من الوجود»؛ وهي التهمة نفسها التي وجهها أيضاً للقائد الشهيد «فرج الله الحلو» بإيحاء من المأفون «خالد بكداش»،الذي سيشارك بعد ثلاث سنوات على ذلك - بالتواطؤ مع نسيبه «عبد الحميد السراج»( 1) - في تصفية «فرج الله الحلو» وتقطيعه بالمنشار (على طريقة «محمد بن سلمان» لاحقاً) قبل تذويبه بالأسيد، وقبل أن يتولى الجاسوس الأميركي - البريطاني،النصّاب القذر «محمد حسنين هيكل»، الترويج لأكذوبة حقيرة تقول إن «الحلو قتله رفاقه في لبنان قبل موته المعلن بثلاث سنوات وأخفوا جثته، وهم الآن يتهمون عبد الناصر بالجريمة للإساءة لسمعته»! وبقي يردد هذه الكذبة الحقيرة والغبية والمجنونة طوال حياته وحتى مماته!(كان صاحب هذه الفكرة الحقيرة التي روّج لها المأفون «هيكل» هو معلمه ومشغّله «جيمس آيكلبرغر»، رئيس محطة وكالة المخابرات الأميركية في القاهرة ، و مستشار «عبد الناصر» لشؤون مكافحة الشيوعية في العالم العربي وأفريقيا، كما قرأتُ في أوراقه التي تحتفظ بها ابنته «آن تازويل- آيكلبرغر»، الناشطة البيئية المعروفة اليوم على نطاق واسع في الولايات المتحدة،التي تفضلت مشكورة بإطلاعي عليها، والتي كانت تحتقر والدها لأنه تركها مع أمها وهي طفلة ولحق عشيقته و تفرغ لأنشطة وكالة المخابرات المركزية في الشرق الأوسط وأفريقيا، ولم يتواصل معها إلا بعد أن أصبح على فراش الموت في العام 1989 بسبب التسمم الكحولي، كما أخبرتني خلال اتصالاتنا قبل أكثر من عشر سنوات!) ( 2).

   مع ذلك، يبقى ما ذكره ضابط المخابرات الإسرائيلي الشهير «رِئوفين أرليخראובן ארליך» في أطروحة الدكتوراه التي نشرها في العام 2000 في منشورات «سيمانيا» الإسرائيلية هي الفيصل الحاسم في قضية «أكرم الحوراني» ومحاولة اتصال الإسرائيليين به حين كان في لبنان. وسنلاحظ أن صبيان «عزمي بشارة» («محمود محارب» و «ابراهيم الجبين» الذي نسخ عنه هراءه ولعق خراءه) تلاعبوا على نحو خسيس ودنيء فيما ذكرته الوثائق الإسرائيلية حول القضية.

   كان «أرليخ» برتبة عقيد وشغل منصب نائب «أورلي لوبراني»، منسق الأنشطة الإسرائيلية في لبنان منذ العام 1985 وحتى اندحار جيش الاحتلال ربيع العام 2000. وكان قبل ذلك رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية في الجبهة الشمالية. وفي العام 1993 أصبح المستشار الأمني للوفد الإسرائيلي في المفاوضات مع لبنان، التي عقدت في واشنطن. حصل على الدكتوراه عن أطروحته « الأزمة اللبنانية: سياسة الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل تجاه لبنان، 1918-1958»، التي نشرت في العام 2000 تحت عنوان «بيسباخ ها ليبانون»(= « المتاهة اللبنانية 1918-1958»).

  ذكر «أرليخ» الزعيمَ السوري «أكرم الحوراني» أربع مرات في أطروحته / كتابه (الفصل 13)؛ اثنتان منها تتعلقان بفترة مشاركته كمتطوع في «جيش الإنقاذ» خلال حرب فلسطين في العام 1948،وما تركته الهزيمة العربية من أثر نفسي وسياسي كبير على تكوينه الشخصي وأفكاره؛ واثنتان تتعلقان بقصة محاولة الإسرائيليين التواصل معه ومع بقية المعارضين السوريين للديكتاتور «أديب الشيشكلي» خلال فترة لجوئهم في لبنان مطلع العام 1953. ويقول «أرليخ»، استناداً إلى وثائق الاستخبارات و إرشيف وزارة الخارجية الإسرائيلية إن قسم الأبحاث في هذه الأخيرة أوصى بأهمية الاستعلام عن «جنبلاط» ورؤيته إزاء إسرائيل، وإن «جنبلاط» كان - بدوره - «مهتماً بإيجاد علاقة مع إسرائيل».وفي 11فبراير 1953 أبلغ «رؤوفين شيلواخ/ شيلواه ראובן שילוח »،مؤسسُ جهاز «الموساد» ورئيسُه آنذاك، سفيرَ إسرائيل في إيطاليا «إلياهو ساسون» بأن «رسالة وصلت من كمال جنبلاط عبر ضابط الارتباط التابع للمخابرات العسكرية الإسرائيلية في لبنان». وتقول الرسالة إن «جنبلاط معني بلقاء ممثل إسرائيلي في أوربا». ومن الواضح، استناداً للوثائق الرسمية التي اعتمد عليها «أرليخ»، أن الرسالة كانت موقعة باسم «جنبلاط» وحده، لكنه أشار فيها إلى أن «الحوراني يشاركه هذا الاهتمام». وسنعرف أدناه أن «جنبلاط» دحش اسم «الحوراني» دحشاً في رسالته دون علمه. ويقول «أرليخ» إن «شيلواخ»، رئيس «الموساد»ومستشار رئيس الحكومة الإسرائيلية «بن غوريون» ، «لم يبد حماسة زائدة [للرسالة]، لأن «كمال جنبلاط طلب أن تتحمل إسرائيل نفقات سفره هو والحوراني إلى أوربا»، كما كتب لـ « إلياهو ساسون». وهذا ما كان كافياً بالنسبة لـ «شيلواخ» لكي يبدي شكوكه في أمر الرسالة، لأن الشخصين كليهما، «جنبلاط» و «الحوراني»، «ليسا مُعْدَمين على الإطلاق لكي يطلبا منا دفع نفقات الرحلة إلى أوربا. وهذا ما يثير التساؤل والاستغراب» حسب تعبيره! ومع ذلك، يقول «شيلواخ»، «لقد أبديت موافقتي على حصول اللقاء مع جنبلاط والحوراني، وأنا أنتظر التفاصيل حول موعد ومكان اللقاء معهما».

 من الواضح أن اللقاء، وبخلاف تدليس صبيان «عزمي بشارة»، لم يحصل في روما أو جنيف أو غيرهما، بدليل أن مبعوثاً عن «الموساد» والخارجية الإسرائيلية يدعى «تسفي دورئيل צבי דוריאל » (وله اسم آخر هو« تسفي وايزمان צבי ויצמן ») (3)، التقى «كمال جنبلاط» في لبنان بعد حوالي ثلاثة أشهر على الرسالة التي كتبها هذا الأخير إلى الإسرائيليين في 11 شباط / فبراير 1953. ومن الواضح أيضاً أن الاجتماع ضمهما وحدهما، ولم يكن معهما لا «الحوراني» ولا أي سوري آخر، كما ورد في الوثيقة رقم «67 / 3767» في أرشيف الدولة الإسرائيلية، وهي عبارة عن تقرير عن الاجتماع كتبه «شموئيل ديبون שמואל דיבון » (ضابط استخبارات عريق كان يعمل تحت غطاء ديبلوماسي في السفارة الإسرائيلية في باريس)إلى رئيسه«رؤوفين شيلواخ» و«إلياهو ساسون»!!ولو كان «الحوراني» معنياً فعلاً - كما زعم «جنبلاط» في رسالته - بالاجتماع مع الإسرائيليين، لكان شارك في هذا الاجتماع، أو لكان المبعوث الإسرائيلي «تسفي دورئيل» التقاه على انفراد خلال مهمته في لبنان، لكن هذا لم يحصل. فقد خلا تقريره المذكور من أي إشارة إلى «الحوراني»!

   لم أفاجاً بهذه المعلومات بعد مراجعتي البرقيات الإسرائيلية والسوفييتية والألمانية /الشرقية؛ فقد كان حدسي أن ما نشر من قبل صبيان «عزمي بشارة» لم يكن سوى تدليس. فالقحبة التي تمارس الشرمطة، أو القواد الذي يمارس تجارة الرقيق الأبيض، يسعيان دوماً إلى تلويث كل من يحيط بهما من المُحترمين، لكي لا يبقيا بمثابة «عورة» مكشوفة منفردة يشار إليها بالبنان! ولعل الأهم من ذلك هو ما كان أخبرني به المحامي ورجل الأعمال السوري الراحل «سركيس سركيس» (أبو فريد)، المعروف بكرمه المجنون كما جده «حاتم الطائي»، والذي كان يستضيفني - مشكوراً- في منزله بباريس خلال فترة تنقلي بين المشافي الفرنسية والألمانية للعلاج بعد إطلاق سراحي في العام 2001، وكانت زوجته ، السيدة «كلاديس ريشة»، تعتني بي كما أمي وكما لو أني أحد أولادها. فالرجل كان صديقاً عتيقاً لـ «الحوراني» منذ خمسينيات القرن الماضي وأحد قيادات حزبه «الاشتراكي العربي»، ومموله بعد أن ترك العراق وجاء إلى فرنسا. وهو- إلى ذلك - من موّل نشر مذكرات «الحوراني» بطبعة فاخرة في أربعة مجلدات أصدرتها «دار مدبولي» المصرية. قال لي «أبو فريد» ما حرفيته :« ذات مرة أصيبت السيدة نزيهة الحمصي ( زوجة أكرم الحوراني) بمرض في عينيها. ويبدو أن هناك من نصحها بالذهاب إلى مشفى محدد في الولايات المتحدة للحصول على العلاج. إلا أن زوجها رفض ذلك وهددها بالطلاق إن هي فعلت، لأنه لا فرق بين من يذهب للعلاج في الولايات المتحدة ومن يذهب للعلاج في إسرائيل»، حسب رأيه!

  بغض النظر عن «حنبليته» في هذا الموقف، وعدم صحته منطقياً، إلا أنه يكشف عن طريقة تفكيره، لاسيما الكراهية التي كان يحملها للولايات المتحدة، فكم بالأولى إسرائيل. وما يؤكد ذلك موقفان له في العراق كانا من الأسباب المتراكمة التي جعلته ينهي لجوءه في بغداد ويغادرها نهائياً إلى فرنسا: الموقف الأول خلال «حرب أكتوبر1973» حين حاول الضغط على النظام العراقي لإرسال قوات إلى الجبهة السورية، وهو ما كان يرفضه «صدام حسين» بتوجيه من مشغليه الأميركيين، بخلاف الرئيس «أحمد حسن البكر» الذي كان متحمساً للأمر؛ والموقف الثاني حين اكتشف أن النظام العراقي متورط ( عبر عصابة «الأخوان المسلمين») في اغتيال الخبراء السوفييت في سوريا  بطلب من وكالة المخابرات المركزية، وهو ما جعله يفقد صوابه، لأن هؤلاء الخبراء جاؤوا لمساعدة الجيش السوري وليس «جيش حافظ الأسد» ( 4)!

   ذلك هو «أكرم الحوراني» الذي للأسف لم تكن ابنته «فداء» على مستواه سياسياً، ربما بسبب عدم خبرتها السياسية آنذاك،حين ورطها «رياض الترك» - على الأرجح بهدف استغلال اسمها واسم والدها اللامع - في استقبال السفير الأميركي «روبرت فورد» في حماة ليقود التظاهرات انطلاقاً من ذاك البيت العريق، على الأقل كما تقول وثائق النظام السابق التي سبق ونشرتها مؤخراً؛ ولا ابنه «جهاد» الذي أنكر  - بنبرة احتقارية لا تخرج إلا من فم نخّاس - قيام عصابات الجاسوس «الجولاني» باختطاف فتيات «علويات»؛ أي الفتيات المنتميات إلى طائفة ليس فيها شخص واحد ولد في الخمسينيات اسمه أكرم إلا وسُمِّي تيمناً باسم أبيه!

ــــــــــــــــــ

(1)            ـ زوجة «عبد الحميد السراج» ، الكردية «ملك زلفو»، كانت عضواً في الحزب الشيوعي السوري وتمتُّ بصلة قرابة نسائية لـ «بكداش» وزوجته «وصال فرحة». ومن خلال تدخل «ملك زلفو» لدى زوجها «السراج»، ساعد هذا الأخير «بكداش» على الهرب من سوريا في العام 1958، وتواطأ معه في العام التالي على التخلص من «فرج الله الحلو»، الذي كان أول من وصف انقلاب «عبد الناصر»  ورفاقه في العام 1952 بأنه «ثورة وكالة المخابرات المركزية الأميركية» خلال حديث له مع السفير السوفييتي «بليايف»، وكتب مقالات انتقد فيها التدخل السوفييتي في «الحزب الشيوعي السوري - اللبناني»، ورفض الموقف السوفييتي من إسرائيل ومن تقسيم فلسطين، فدفع حياته ثمناً لذلك! ( راجع «داخل الكريملن...»، الجزء الأول، ص 86 – 87 ).

(2)            ـ راجع قصة « جيمس آيكلبرغر» و «هيكل» في الجزء الأول من «داخل الكريملن خلال حرب أكتوبر ...»، المصدر السابق،  إضافة للصفحة 356 منه ( ملحق الصور).

(3)            ـ تسفي وايزمان /تسفي دورئيل كان رجل أعمال إسرائيلياً من أصل روسي أو ليتواني يحمل دكتوراه في القانون والاقتصاد. وخلال الخمسينيات أصبح «مواطناً لبنانيا» بطريقة لا تعرفها حتى الأبالسة! وفي لبنان أنشأ مصنعاً للكبريت سرعان ما تحول إلى «غرفة عمليات» للأنشطة الإسرائيلية. وفيما بعد أصبح أول ممثل لإسرائيل في إيران الشاه.

(4)            ـ  عن موقف «الحوراني» من قضية إرسال قوات عراقية إلى «الجبهة السورية» خلال حرب أكتوبر، راجع الصفحة  287 من «داخل الكريمان خلال حرب أكتوبر...»؛ وعن موقفه من قضية اغتيال «الخبراء السوفييت»، راجع مذكراته ( الجزء 4 ، الصفحة 3509 ، وما قبلها وبعدها).

No comments:

Post a Comment

Note: only a member of this blog may post a comment.