Thursday, 13 August 2026

 الطريق إلى «تل الزعتر»:

خمسون عاماً على المجزرة...خمسون عاماً على أول (وآخر) ”انشقاق ثوري“ حقيقي في الجيش السوري(*)

( الوثيقة الرسمية السورية الوحيدة التي تؤكد مشاركة النظام السوري في مذبحة تل الزعتر)

 

ـ «ليسامحني الله، إني أحب هذا الرجل(حافظ الأسد) مهما سالت على يديه الدماء» (هنري كيسنجر) (**)

ـ «إن حافظ الأسد،وبخلاف العام 1958،هو الآن الأسطول السادس الأميركي في لبنان»(دين براون)(**)  

 

ـ  السفيران الإيراني والألماني يفضحان السر: 600 طن من السلاح الإسرائيلي إلى «الجبهة اللبنانية» عبر الأراضي الأردنية والسورية : «بشير الجميل» في دمشق للإشراف على نقل السلاح الإسرائيلي إلى لبنان!

 

ـ و شبيح أردني لدى «أسماء الأخرس» ينتزع من والده شهادة كاذبة وهو هلى فراش الموت لتبرئة النظام من المشاركة في المجزرة!

 

ـ هل كان الرقص على أشلاء «تل الزعتر» فوق الطاولات في منزل «عاصي الرحباني» سبباً في قرار «فيروز» الانفصال عنه!؟

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كتب «نزار» هذا التحقيق الوثائقي ونشره قبل عشر سنوات ( 2016) على موقعه الإخباري آنذاك SyriaTruthفي الذكرى الأربعين لمجزرة المخيم، وعلى حسابه في موقع «سكريبد» و «فيسبوك». هنا استعادة له مع بعض التعديلات الطفيفة التي توافق الذكرى الخمسين، وإضافة بعض الوثائق التي لم تكن في المتناول آنذاك. ولتصفح الصور والروابط الزرقاء وفق مصدرها الأصلي، يرجى النقر عليها.

(فيكتوريا)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

مقطع عشوائي من سيرة ذاتية قد لا تُكتب أبداً: «درس قشرة الموز »

   حصل ذلك أوائل صيف العام 1974، حين كان يضع يده على كتفي ويطوّقني ونحن في طريقنا إلى السوق في مدينة «مصياف» ليشتري لي بعض الكتب والمجلات من «مكتبة الجاحظ»، وبعض الهدايا التي كان وعدني بها في آخر إجازة له قبل ذلك التاريخ بحوالي عام كامل، لم يتمكن من إحضارها معه، فقد جاء الرجل الذي لم يتم عقدَه الثالث من وحدته العسكرية في سفوح «جبل الشيخ» مباشرة.

   كنت في الثانية عشرة من عمري، وكانت إجازتَه الأولى بعد انتهاء حرب تشرين/أكتوبر و«حرب الاستنزاف» وانتهاء هنري كينسجر من جولاته المكوكية التي اختُتِمت بإبرام اتفاقية «فصل القوات»، واتفاقيات أخرى بقيت «سِرِّيةَ» الورقِ والحبر، ولو أن مضمونها سيبدأ بالظهور بعد ذلك بأقل من عامين، إنما على أرض لبنان.

  قُبالة مركز البريد، عند مدخل «كراج وادي العيون»، وعلى صندوق خشبي بدا أنه صندوق خضار تالف، جلست امرأة في العقد الخامس من عمرها ترتدي زياً فلاحياً تنتظر «بوسطة» القرية لتعود بها، بينما جلس إلى جانبها طفل قدّرتُ أن عمرَه في حوالي الخامسة. على حين غفلة منها، وبينما كنا نعبر الشارع أمام مركز البريد، قفز الطفل إلى برميل قمامة على مدخل «الكراج» والتقط منه قشورَ موزةٍ كانت مما فاض على الأرض من البرميل الذي بدا أنه لم يُفرّغ منذ أيام، فقد كان الذباب يطير من حوله أسراباً. وقبل أن يعود إلى حضن المرأة التي قدّرت أنها أمُّه، أخذ يكشط بأسنانه بقايا بطانتها الداخلية من الألياف المتعفنة. غير أن متعته لم تكتمل، فقد انتبهت أمه إليه وانتزعتها من يده ورمتها بعيداً إلى مكانها السابق وهي تنهره بعصبية وتتمتم بعبارات لم أفهم منها شيئاً بسبب ضجيج محركات السيارات وصراخ الناس و أزيز جهاز اللحام الكهربائي الذي يخطف الأبصار في «ورشة بازو للحدادة» المجاورة.

    ضغطتُ بيدي اليسرى على يد الرجل التي كانت تطوقني، محاولاً أن ألفتَ انتباهَه إلى ما فعله الطفل، وموجهاً له أول «سؤال طبقي» أطرحه في حياتي: لماذا يريد أن يأكل بطانة قشور الموزة رغم أنها من الزبالة؟ ولماذا لا تشتري له أمه موزاً من الدكان القريب!؟

«قصة طويلة،حبيبي، بس نرجع للبيت بشرحلك اياها». قال الرجل وهو يسرع المشي إلى الدكان المقابل لـ«الكراج»، وكان يملكه ـ كما أذكر ـ جارنا في الحي «خليل عثمان/ أبو ابراهيم»، ليشتري منه عنقودَ موزٍ صغيراً ويعودَ مسرعاً إلى المرأة والطفل. وقبل أن يعطي الكيس للمرأة، فتحه وانتزع منه موزة وأعطاها للطفل المندهش مما يحصل، بينما كان يقبّله على رأسه ويتمتم له بعبارات لم أسمع منها شيئاً.

   حين عدنا إلى البيت شرح لي «درس قشرة الموز»، الذي كان سبباً في أول «انشقاق» لي على الدنيا والعالم والنظام المحلي والكوني، ولو أن انشقاقي الأول كان حين قررت أن أصبح «مسلماً سنياً جحشاً على منهاج النبوة، وأحاول إرغام أمي على ارتداء الحجاب» وأقرأ منشورات «الأخوان المسلمين» و «ابن تيمية» و«محمد بن عبد الوهاب»، وأُعتَقل اعتقالي الأول في العام 1979بشبهة العلاقة مع «الأخوان المسلمين»!

   قال :«أمه لم تستطع أن تشتري له موزاً، لأنها لا تملك نقوداً. وهي لا تملك النقود، لأنها فقيرة. وهي فقيرة لأن هناك أغنياءً وحكومةً يسرقون كل شيء ولا يبقون لها ما تشتري به الموز لابنها». واستفاض الرجل في شرحه، وتحدث عن أشياء لم أفهم منها إلا النذر اليسير جداً. فقد كانت أشبه بطلاسم بالنسبة لصبي في عمري. لكنني سأكتشف بعد عشرة أعوام على ذلك، أو يزيد قليلا، أن ما قاله هو روح قانون «القيمة الزائدة»، أو بالأحرى «قانون السرقة الشرعية»، الذي صرف عليه كارل ماركس زهاء ثلاثين عاماً من عمره لاكتشافه وشرحه والبرهان عليه بمعادلات رياضية تكشف بعبقرية إعجازية المنطقَ الداخلي شبه الطلسمي لعمل هذا القانون ودوره في إعادة توزيع الدخل على فئات المجتمع والمنتجين فيجعلَ أكثرَها يزداد فقراً بتناسب عكسي مع ازياد ثراء أقلية منها.

***

 ثَعلبان في حظيرة دجاج:

   عندما حصل الانقلاب «البونابرتي» الذي قاده الأسد ضد على الجناح «اليعقوبيJacobinic  » في حزبه بقيادة «روبسبير البعث» صلاح جديد، تنفيذاً للتفاهمات التي أبرمها خلال زياراته السرية الثلاث إلى بريطانيا، اعتباراً من ربيع العام 1965، ولقائه هناك مع مدير المباحث السعودية (المخابرات لاحقا) كمال أدهم،كان البرنامج السياسي الخارجي للأسد يقوم على ثلاث نقاط أساسية: 

أولا - تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة والغرب عموماً، و مع معسكرها العربي خصوصاً، لا سيما السعودية، تحت الشعار الذي اجترحه وأطلق عليه اسم «التضامن العربي» ؛ 

ثانيا ـ وضع حد نهائي للعمل الفدائي الفلسطيني انطلاقاً من الجولان، وهو العمل الذي كان مغطىً سياسياً ً من قبل صلاح جديد الذي كان يرعاه شخصياً. وكان هذا أحد جوانب الخلاف الأساسية بين تيار جديد «اليعقوبي» وتيار الأسد «البونابرتي»، على الأقل منذ المؤتمر القطري الرابع لحزب البعث في العام 1968؛ 

وثالثا ـ السيطرة على منظمة التحرير الفلسطينية وإبرام اتفاقية سلام مع إسرائيل «بشروطه وليس بشروطها»، كما ينبغي أن يقال.

   ولهذا كان أول قرار اتخذه الأسد بعد الانقلاب هو الاعتراف بإسرائيل من خلال الاعتراف بقرار مجلس الأمن 242، وإعادة العلاقات الديبلوماسية مع الولايات المتحدة (التي كان النظام السابق قطعَها على خلفية عدوان حزيران/ يونيو 1967 ورفضَ الاعتراف بالقرار المذكور كونه يتضمن اعترافا بإسرائيل)، وتطبيع العلاقات مع السعودية ودول الخليج وفتح أبواب البلاد على مصاريعها أمام طيور الظلام الوهابية لتبني بها أعشاشَها وتضعَ فيها بيوضَها التي ستفقس بعد ذلك بأربعة عقود عن جحافل من الثعابين السود لا بداية لها ولا نهاية.

  وكانت زيارة الرئيس الأميركي نيكسون إلى دمشق صيف العام 1974، رغم المطاردة الإعلامية والقضائية التي كان يتعرض لها على خلفية «فضيحة ووترغيت»، والحفاوة البالغة التي استٌقبِل بها، والتي بدت أشبه بـ«عراضة شامية» رسمية، تعبيراً مكثفاً ليس عن ذلك فقط، بل وعن مضمون التفاهمات التي أبرمها مع كيسنجر خلال «جولاته المكوكية» التي انتهت بما يسمى «فصل القوات» أو«فض الاشتباك» و«اتفاق أمني» سري لم يعلم به أحد حتى حصلت عليه من «أرشيف ماركوس فولف» بعد ثلاثين عاماً على تلك الأحداث، وإن يكن ألمح كيسنجر إليه في الجزء الثاني من مذكراته (سنوات القلاقل). وهي تفاهمات لا يزال يكتنفها الكثير من الأسرار رغم كل ما فضحه منها كيسنجر في تلك المذكرات ، ورغم كل ما نُشِر عنها من وثائق في كتب وتقارير صحفية صدرت في أوربا والولايات المتحدة خلال نصف القرن الماضي، لاسيما منها ما نشره إدوارد شيهانEdward Sheehan، الديبلوماسي والصحفي ورجل المخابرات الديبلوماسية سابقاً،الذي رافق كيسنجر في جولاته وعاش بالقرب منه سنوات طويلة لم تنته إلا بوفاته في العام 2008، وكان أول من أكد ( في نيويورك تايمز، 22 / 8 / 1971) أن محمد حسنين هيكل عميل لوكالة المخابرات المركزية منذ العام 1952 .( راجع على وجه الخصوص كتابه الريادي في هذا السياق: «العرب والإسرائيليون وكيسنجر ـ تاريخ سري للديبلوماسية الأميركية في الشرق الأوسط »:

 The Arabs, Israelis and Kissinger: A Secret History of American Diplomacy in the Middle East, Reader’s Digest Press,1976 (

     حصل قبل ذلك عدد من التطورات والوقائع التي تلقي الضوء على «البرنامج السياسي الخارجي» للأسد الأب. ففي نيسان/أبريل  من العام 1974، وحين كانت «حرب الاستنزاف» على وشك الانتهاء بفضل جولات كيسنجر، قال الأسد للزعيم الفلسطيني ياسر عرفات خلال لقاء جمعهما في دمشق«أنتم لا تمثلون فلسطين (...). لا تنسَ شيئاً مهماً: ليس هناك شعب فلسطيني ولا كيان فلسطيني، هناك سوريا فقط. أنتم جزء لا يتجزأ من الشعب السوري(...). نحن (المسؤولين السوريين)الممثلون الحقيقيون للشعب الفلسطيني»(1). وبعد أسبوعين على إبرام «اتفاقية فصل القوات» في 31 أيار/مايو ، وتحديداً في 15 حزيران/ يونيو، جاءت زيارة نيكسون «التاريخية» لدمشق، وهي أول زيارة لرئيس أميركي إلى سوريا منذ الاستقلال. وقد تمخض عن الزيارة ـ في سياق الاتفاق على تطوير العلاقات الاستراتيجية بين دمشق و واشنطن ـ إيفادُ الأسد وزيرَ خارجيته آنذاك عبد الحليم خدام إلى الولايات المتحدة في شهر آب/أغسطس، فضلاً عن استئناف تقديم المساعدات السنوية للنظام، والتي كانت توقفت منذ العام 1965، كما كشفت «نيويورك تايمز» في الأول من شباط/ فبراير 1975 . وعن هذه الزيارة يقول كيسنجر في مذكراته:«شكلت زيارة خدام إلى الولايات المتحدة، من نواح مختلفة، محطةً قوية في العلاقات الأميركية ـ السورية. ولم يتردد خدام خلالها في ممازحتي بالقول إنه سيرسل لي دعوة للمشاركة في مؤتمر القمة العربية المقبل لأن زملاءه (وزراء الخارجية العرب) يفشون لي، في جميع الأحوال، بكل ما يدور في كواليسها(...). ومن أجل معاكسة المصريين الذين يمقتهم، لم يعترض خدام على محادثات مع الأردن بشأن قسم من الضفة الغربية، مهما كانت المساحة(...). فالأسد لم يحمل أي ود في قلبه لمنظمة لتحرير الفلسطينية،لأن الدولة الفلسطينية تتعارض مع إيمانه بسوريا الكبرى. وهذه استراتيجيته على المدى البعيد. ولهذا كان يسعى دوماً لإنشاء قيادة فلسطينية جديدة تحت الوصاية السورية....»(2). وفي 10 حزيران/يونيو 1974، أجرى حافظ الأسد مقابلة مع أسبوعية «نيوزويك» أعرب خلالها عن «أمله في إبرام اتفاقية سلام مع الدولة العبرية»، معتبراً أن «اتفاقية فصل القوات تشكل خطوة على هذا الطريق»(3).  وقد مارس الإعلام السوري الرقابة على المقابلة ومنع نشرها في وسائل الإعلام السورية، كما يحصل دوماً منذ العام 1970 حين يريد النظام منع  مواطنيه السوريين من الاطلاع على تصريحات من هذا النوع تكشف نواياه الحقيقية!

 مع نهاية العام 1975، كان ما يُعرف بـ«الحركة الوطنية اللبنانية»، المتحالفة مع قوات «منظمة التحرير الفلسطينية»، قد سيطرت ـ بدعم سوفييتي ـ على 80 بالمئة من مساحة لبنان، وانحسر نفوذ خصومها المدعومين من إسرائيل (أي «الجبهة اللبنانية» بمكوناتها الأربعة المختلفة) إلى «بيروت الشرقية» وبعض الجيوب الأخرى في لبنان. وكان هذا آخر مشهد يتمنى أن يراه كيسنجر أو الأسد، فقرر هذا الأخير التدخل في لبنان للقضاء على «الحركة الوطنية» و«منظمة التحرير» بطلب من «الجبهة اللبنانية» وبالتفاهم مع الأميركيين الذين كانوا ـ طبقاً لما سيُنشر لاحقا من وثائق في الغرب ـ هم من أشعلوا فتيل الحرب الأهلية التي بدأت رسميا مع حادثة «بوسطة عين الرمانة» في 13 نيسان/أبريل 1975، وعلى نحو غير رسمي قبل ذلك بسنوات،من خلال الاعتداءات الإجرامية المتكررة التي كان يقوم بها الجيش اللبناني (المتأمرك آنذاك) وجهاز مخابراته المتأسرل، على الحركة الوطنية والمخيمات الفلسطينية، والتي كان من أبرزها اغتيال القائد الناصري المحبوب معروف سعد وهو على رأس تظاهرة للصيادين في صيدا في 26 شباط/فبراير من العام نفسه (استشهد متأثراً بجراحه في 6 آذار). وكان سبب إشعال الحرب، كما سيُجمع كُثر من المؤرخين والسياسيين الغربيين، فضلاً عن وثائق عديدة،هو تأمين الغطاء لـ«اتفاقية سيناء» على الجبهة المصرية، التي وُقّعت في أيلول/سبتمبر1975، والتي كانت بدأت المفاوضات بشأنها قبل ذلك بأشهر، قبل أن تنتهي بإعلان السادات عن استعداده لزيارة إسرائيل. وهو الإعلان الذي جاء نتيجة اتصالات سرية بين الطرفين تولاها ديكتاتور رومانيا تشاوشيسكو، الذي كانت بلادُه الدولة َ الوحيدة في أوربا الشرقية التي حافظت على علاقاتها الرسمية مع إسرائيل بعد عدوان حزيران/يونيو 1967. وفي وثيقة نادرة، يعترف روبرت موريس، العضو السابق في «مجلس الأمن القومي الأميركي» والرجل الذي عمل سنوات عديدة تحت قيادة كيسنجر، بأن «المكتب الإسرائيلي» في وكالة المخابرات المركزية الأميركية هو الجهة التي كانت تدير المعارك في لبنان بالتنسيق مع هنري كيسنجر الذي كان مستشارَ الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي، والذي كان على اتصال وتنسيق في هذا الأمر مع «الأصدقاء السوريين»(4).

تدخل سوري ... بإذن إسرائيلي خطي:

  يشير التاريخ المتداول لبدء تدخل الجيش السوري في لبنان إلى 6 حزيران/ يونيو 1976. لكن التدخل الفعلي كان حصل سراً قبل ذلك بخمسة أشهر، أي مطلع العام المذكور، حين قام الأسد الأب بإرسال أكثر من ثمانية آلاف مقاتل من عناصر «جيش التحرير الفلسطيني» (لواء اليرموك) و«قوات الصاعقة»، تسللاً إلى «البقاع» شرقاً و«عكار» في الشمال، بتاريخ 19 كانون الثاني/يناير، قبل أن يتبعها فوج من «القوات الخاصة» السورية بعد حوالي شهرين، كما سيعترف الأسد نفسه في خطابه على مدرج جامعة دمشق بتاريخ 20 تموز/ يوليو من العام المذكور، حين قال ما حرفيته :«... ومن أجل هذا قدمنا السلاح والذخائر، وقررنا أن ندخل تحت عنوان جيش التحرير الفلسطيني، وبدأ هذا الجيش بالدخول الى لبنان ولا أحد يعرف هذا أبداً، لم نأخذ رأي الأحزاب الوطنية ولا غيرها ولم نأخذ إذناً من أحد ...»! لكنه ـ في واقع الحال ـ كذب تماماً في الشق الثاني من اعترافه. فقد حصل على إذن ليس الولايات المتحدة فقط، بل إسرائيل أيضاً، كما تكشف وثائق عديدة نشرت لاحقاً.

   ففي مقابلة مع صحيفة «ها آرتس» نشرت بتاريخ 7نيسان 1995، كشف السفير الإسرائيلي في لندن جدعون رافائيلגדעון רפאל»، أن رئيس وزراء حكومته، إسحاق رابين، أعطى موافقته الخطية على التدخل السوري في لبنان في العام 1976. وقال ما حرفيته :«إن حافظ الأسد أرسل لرابين تفاصيل خطته للتدخل في لبنان عن طريق الملك الأردني حسين»، مشيراً إلى أن الملك الأردني، وخلال وجوده في زيارة لبريطانيا، طلب الاجتماع به بتاريخ 11 نيسان/أبريل 1976، وأبلغه بأنه يحمل رسالة إلى رابين مفادها أن الجيش السوري «لن ينتشر في لبنان إلى أبعد من مدينة صيدا، ولن يقترب من الحدود الإسرائيلية، وسيعمل على ضبط المجموعات الفلسطينية المسلحة التي تفكر بشن عمليات على شمال إسرائيل». وزاد رافائيل في القول:«إن الرئيس حافظ الأسد تعهد لرئيس الوزراء (إسحاق رابين) بأن العملية السورية تهدف فقط إلى ضبط منظمة التحرير الفلسطينية،وأنه سينسحب (من لبنان) فور عودة الهدوء». وختم رافائيل بالقول :«إن رابين وافق على دخول القوات السورية (إلى لبنان) من خلال رسالة وجهها إلى الأسد عبر العاهل الأردني بتاريخ 28 نيسان/أبريل 1976 لا تزال محفوظة في إرشيف رئاسة الحكومة الإسرائيلية، والإرشيف الرسمي الأردني كما أخمّن». ومنذ خمسين عاماً ، تاريخ هذا التصريح، لم يخرج أي تعليق يكذبه من دمشق!

   في الواقع لم يكن تصريح جدعون رفائيل هو الوحيدَ الذي تحدث عما سيُعرف لاحقا باسم «تفاهم الخط الأحمر» بين النظام وإسرائيل، والذي اشتُق اسمه من حقيقة أن الإذن الإسرائيلي للنظام السوري بالتدخل في لبنان كان يتضمن إشارة إلى أن أقصى نقطة يسمح للجيش السوري ببلوغها هي 10 كم جنوب طريق دمشق ـ بيروت، و جنوب ذلك هو «خط أحمر» ممنوع عليه تجاوزه. فباتريك سيل نفسه، وهو المعجب بشخصية حافظ الأسد، والذي قبض من نظامه 90 ألف دولار كمكافأة على كتابة سيرة حافظ الأسد، كما اعترف لي شخصيا في العام 2002 في باريس(5)، يشير في هذه السيرة (ص 450 إلى نهاية الفصل السابع عشر المعنون بـ«الفخ اللبناني») إلى «اتفاق الخطر الأحمر» بين النظام وإسرائيل، وإلى أن هنري كيسنجر هو الذي طلب من حافظ الأسد التدخل في لبنان لردع النفوذ السوفييتي و الحيلولة دون تحويل لبنان إلى كوبا الشرق الأوسط! كما ويشير إلى أن «اتفاق الخط الأحمر»، تضمن شروطا وضعتها إسرائيل على التدخل السوري في لبنان وردت في رسالة وزير الخارجية الإسرائيلي إيغال آلون التي نقلها هنري كيسنجر إلى النظام السوري، وأهمها عدم نشر بطاريات دفاع جوي جنوب خط دمشق ـ بيروت. هذا ولو أن باتريك سيل اعتبر ما جرى بمثابة «فخ نصبه كيسنجر وأوقع فيه الأسد حين دفعه للتدخل في لبنان»! وكذلك فعل شمعون بيريز في مذكراته الصادرة في العام 1995 تحت عنوان «الكفاح من أجل السلام Battling For Peace » (ص 196) ، والصحفي الإسرائيلي الشهيرزئيف شيف و وزير الحرب آرييل شارون الذي أشار في مذكراته إلى أن «دمشق انتهكت الإذن الذي أعطيناه لها في العام 1976 للدخول إلى لبنان حين أدخلت بطاريات دفاع جوي...». أما هنري كيسنجر نفسه، فأشار في مذكراته إلى أن إسحاق رابين، وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك، رد في 23 آذار/ مارس 1976 على أسئلة كان أرسلها له بشأن المدى الذي تسمح به إسرائيل لسوريا بالتدخل في لبنان، قائلا :«إن إسرائيل لن تقبل أي تحرك للقوات السورية ضمن نطاق يتجاوز 10 كم جنوبي طريق دمشق ـ بيروت»(6). 

  على أي حال، صباح 26 حزيران/ يونيو من العام نفسه، وبعد خمسة أيام من بدء عملية حصار «تل الزعتر» من قبل قوات «الجبهة اللبنانية»،انضمت «القوات الخاصة» السورية (الفوج 52 بقيادة العميد يونس ميلاد، وهو من بلدة «فيروزة» بحمص ، إن لم تخني ذاكرتي) إلى عملية حصار المخيم الذي كان الجيب الفلسطيني الوحيد المتبقي في ما عرف بـ«بيروت الشرقية» وضواحيها خارج عمليات التطهير الدموية التي قامت بها الكتائبيون وحلفاؤهم، إذا ما استثنينا «مخيم الضبية» الصغير جداً والأكثر بؤساً شمال شرق بيروت. ويبدو أن «مخيم الضبية»، الذي أنشىء في العام 1956، سَلِم (نسبياً) من التطهير، رغم المجازر التي طالته أيضاً، بمن في ذلك المئات من سكانه الفلسطينيين «المسيحيين» الذين كانوا طُردوا أو فروا من قراهم وبلداتهم في الجليل الفلسطيني بسبب المجازر التي طالتهم في العامين1947 ـ 1948 على أيدي العصابات الصهيونية. وكان حصار «تل الزعتر» وقصفه من قبل قوى «الجبهة اللبنانية» بقيادة كميل شمعون، فضلاً عن وحدات من الجيش اللبناني، قد بدأ عمليا في حوالي 19 أو 20 حزيران/يونيو ، تنفيذاً لخطة الحصار والاقتحام التي وضعها العقيد(آنذاك) ميشيل عون، كما يعترف هو شخصيا بزهوّ لافت في مقابلة موجودة على «يوتيوب». أما «غرفة العمليات» المركزية المسؤولة عن إدارة المذبحة فكان مقرها في «دير مار شعيا»(دير القلعة) قرب بلدة «بيت مري» اللبنانية في جبل لبنان، التي تطل على المخيم من جهة الشرق. وكان يناوب في «الغرفة» كل من العميد علي المدني واللواء ناجي جميل من سوريا، ومعهم أحيانا محمد الخولي، والعقيد جول بستاني مدير المخابرات في الجيش اللبناني(المكتب الثاني)، وصلاح خلف (أبو إياد) من فلسطين،الذي «كان يتولى تقديم المعلومات والإحداثيات الخاصة بمستودعات السلاح في المخيم لضباط الجيش السوري وشركائهم الكتائبيين من أجل استهدافها بالصواريخ والمدفعية»،كما أبلغني الرجل صاحب «درس قشر الموز» حرفياً في أول زيارة  لي إلى عالمه الجديد في «الكلية العسكرية» التابعة لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» في «مخيم برج البراجنة» ببيروت. فقد كانت قيادة «فتح» منخرطة تماماً في التآمر على المخيم لمجرد أن راية الدفاع عنه كانت معقودة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة الشهيد «أبو أمل» ـ عبد الكريم الخطيب (7). ولعل ما قاله روبرت فيسك يصب في سياق هذه الشهادة،إذ ذكر في كتابه «اشفقوا على الوطن:  لبنان في الحرب Pity the Nation : Lebanon at War» أن عرفات لم يقدم أي دعم للمخيم وتركه يلاقي مصيره بالنظر لحساباته السياسية الخاصة، الأمر الذي دفع النسوة الفلسطينيات إلى رميه بالحجارة حين زار الناجين من المذبحة». أما بعض قادة حزب «الكتائب»، مثل ميشيل سماحة و رجل المخابرات الجوية السورية المزمن كريم بقرادوني، فكانوا يجتمعون مع ضباط المخابرات السورية أمثال ضابط المخابرات الجوية ابراهيم حويجة (وليس علي دوبا كما هو شائع وكما ظنّ زياد الرحباني) في الطابق العلوي من منزل الموسيقارعاصي الرحباني في بلدة «الرابية» المطلة على المخيم من الجهة الشمالية الشرقية، وكان بعضهم «يرقص على الطاولات فرحاً حين تأتي الأخبار المطمئنة عن قرب سقوط المخيم، الذي كانت المجموعات الفاشية التابعة لهم تتسابق لرفع العلم على بعض الأماكن فيه»، وهو ما جعل زياد الرحباني يفر من منزل أبيه إلى غير رجعة احتجاجاً على ذلك، ويلتحق بالحزب الشيوعي اللبناني، بعد أن كان سجل ما دار في هذه الاجتماعات بشكل سري من خلال لاقطات صوتية وضعها سراً في المنزل(8). وربما ـ أقول ربما لأن الأمر بحاجة لتوثيق من أصحاب العلاقة ـ كانت هذه الاجتماعات في صلب أساس الخلاف الذي نشب بين السيدة فيروز والموسيقار عاصي الرحباني أواسط السبعينيات؟ 

   كانت القوات المهاجمة للمخيم تتألف، فضلاً عن «الفوج 52» في القوات الخاصة السورية وقوات الجيش اللبناني التابعة للجنرال ميشيل عون، من خمس مجموعات هي : حزب الكتائب (بزعامة بيير الجميل)، وميليشيا «النمور» التابعة لـ«حزب الوطنيين الأحرار» (بزعامة كميل شمعون)، وميليشيا «جيش تحرير زغرتا» (بزعامة طوني سليمان فرنجيه)، وميليشيا «حراس الأرز»(بزعامة العميل الإسرائيلي الشهير إتيان صقر«أبو أرز»، ومرشده الأيديولوجي، العميل الإسرائيلي القذر الشاعر سعيد عقل)،و«ميليشيا التنظيم»( بزعامة فؤاد الشمالي و جورج عدوان).

 600 طن من السلاح الإسرائيلي والأردني لعملاء إسرائيل في لبنان عبر .... الأراضي السورية:

  لم يقتصر الدور الأردني المشار إليه آنفا على لعب دور «البوسطجي» فيما بين إسرائيل والنظام السوري لترتيب عملية تدخل هذا الأخير في لبنان منذ 30 آذار/ مارس من العام 1976، حين زار الملك الأردني واشنطن «لإقناع الإدارة الأميركية [الرئيس فورد] بضرورة وجود الجيش السوري في لبنان»، كما أكد السفير رفائيل جدعون في المقابلة المشار إليها، بل وصل حدَّ إقناع حافظ الأسد بأهمية السماح بنقل السلاح الإسرائيلي والأردني عبر الأراضي السورية إلى عملاء إسرائيل في «الجبهة اللبنانية» الفاشية بهدف «منع منظمة التحرير الفلسطينية من الهيمنة على لبنان». ويعترف الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل، الذي كان أحد قادة ميليشيا «الكتائب» أواسط السبعينيات،أن الأردن«كانت له مصلحة بألا تصله العدوى الفلسطينية مرة أخرى (...) من هنا حصل لقاء مصالح بين الأردن وسوريا وإسرائيل والولايات المتحدة من أجل تطويق الهجوم الفلسطيني في لبنان». ويضيف في مقابلة أجرتها معه «الحياة» السعودية الصادرة في لندن، بتاريخ 9 نيسان/ أبريل 1995، قائلاً «إن الملك حسين شجع على حصول لقاءات بين الرئيس السوري ومسؤولين من الجبهة اللبنانية.وقد حضرتُ زيارة للرئيس [كميلشمعون والشيخ بيار الجميل و[شقيقي] بشير إلى دمشق حيث التقوا الأسد في نفس الإطار». ومن أجل طمأنة «الجبهة اللبنانية» إلى أهداف الوجود السوري في لبنان، يتابع الجميّل روايته، فقد «فسح تفاهم بين الأردن وسوريا المجال للأردن لتسليم ما مجموعه أربع وعشرون شاحنة كل واحدة منها تحمل ما يوازي 26 طنا من السلاح الثقيل. وقد أشرف العقيد محمد الخولي [رئيس فرع المخابرات الجوية السورية آنذاك] و [النائب الكتائبي] كميل مكرزل من جانب الجبهة اللبنانية على تسليم الشاحنات. ولأول مرة كانت مخازن القوات اللبنانية تمتلىء بالسلاح العربي جنبا إلى جنب مع السلاح الإسرائيلي»! وكانت شحنة السلاح هذه مما غنمه الإسرائيليون من الجيشين المصري والسوري خلال حربي 1967 و 1973، قبل أن يعيدوا تأهيله وتوريده إلى لبنان. وفي العام 2003 حصلتُ من مدير المخابرات الخارجية الألمانية/ الديمقراطية، ماركوس فولف، من بين ما حصلت عليه من أرشيفه الشخصي لتحرير مذكراته عن العالم العربي، على عدد من الوثائق ذات الصلة بلبنان، كان بينها تقرير رفعه هو شخصياً إلى الرئيس إيريش هونيكر ورئيس لجنة أمن الدولة إيريش ميلكه بتاريخ 12 تموز/ يوليو 1967 ، أي في ذروة الهجوم على المخيم. 

   في هذا التقرير(المنشور جانباً)، والذي يعتمد على مصادر استخبارات ألمانيا الشرقية في طهران ودمشق وبيروت،  إشارة إلى أن سفير إيران/ الشاه في دمشق، محمد بورسرتيب، أرسل إلى رئيسه وزير الخارجية الإيراني عباس خلعتبري تقريراً كشف فيه أن السلطات السورية سمحت بعبور مئات الأطنان (أكثر من 500 طن) من السلاح الإسرائيلي إلى الميليشيات المسيحية اليمينية اللبنانية، القادمة من إسرائيل عبر الأردن. ويشير التقرير إلى أن هذه الشحنات شملت أسلحة خفيفة ومتوسطة وثقيلة من بينها مدافع وراجمات صواريخ من نوع RPU-14. وهي أسلحة كانت غنمتها إسرائيل، كما يقول التقرير، من الدول العربية خلال حربي 1967 و1973 وأعادت تأهيلها.

ولكن لماذا جرى نقل السلاح الإسرائيلي عبر الأراضي الأردنية، وليس عن طريق البحر؟

   أغلب الظن، ولا تفسير له سوى ذلك، هو أن الإسرائيليين لم يكونوا يحبذون ظهورهم في صدارة المشهد اللبناني لئلا يجري إفساد الطبخة الثلاثية، السورية ـ الأميركية ـ الإسرائيلية. فقد كان مجرد الحديث عن وجود سلاح إسرائيلي في أيدي لبنانيين يقاتلون في خندق واحد مع النظام السوري ضد الفلسطينيين كفيلاً بتفجير فضيحة هي آخر ما كان يرغب حافظ الأسد بسماعه أو رؤيته حتى في كوابيسه، خصوصاً وأن المظاهرات كانت بدأت بالظهور في العديد من شوارع العالم وأمام العديد من السفارات السورية في أمكنة مختلفة احتجاجاً على التدخل السوري في لبنان، وتنديداً بقتال النظام إلى جانب القوى الفاشية ضد فصائل منظمة التحرير الفلسطينية. وحتى جامعة دمشق نفسها شهدت يومها تظاهرة طلابية احتجاجاً على التدخل السوري في لبنان، قبل أن تقمعها الشرطة العسكرية رغم أنف رئيس الجامعة الشهيد الدكتور محمد الفاضل، الذي اصطدم مع قائد الشرطة وطرده من حرم الجامعة بعد أن كان اتصل هاتفياً مع حافظ الأسد وهدده بالاستقالة ومغادرة سوريا نهائياً إذا لم يأمر بخروج عناصرالشرطة العسكرية من حرم الجامعة فوراً. وغني عن البيان والتذكير أن عصابة «الأخوان المسلمين» الإجرامية اغتالته مطلع العام التالي (فبراير1977) على باب مكتبه في الجامعة... ربما مكافأة له على حماية الطلاب المتظاهرين! 

   ما زاد في تعقيد المشهد بالنسبة للأسد، هو أن من كان يدافع عن مخيم «تل الزعتر» ليس «فتح عرفات»، التي تركت المخيم لمصيره وشارك صلاح خلف (أبو إياد) نفسه في التآمر عليه، بل «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، الفصيل الأنقى والأطهر في تاريخ الثورة الفلسطينية، التي كان عضو مكتبها السياسي «أبو أمل»(عبد الكريم الخطيب) هو قائد عملية الدفاع عن المخيم إلى حين استشهاده وسحله في أزقته وزواريبه! يضاف إلى ذلك أن الاتحاد السوفييتي كان اتخذ موقفاً رسمياً واضحاً وحاداً ضد التدخل السوري عبّر عنه في بيان صدر في 3 حزيران/يونيو 1976 «شجب فيه التدخل»، أتبعه برسالة حادة أرسلها برجينيف إلى الأسد بتاريخ 11 تموز/يوليو طالبه فيها حرفيا بـ«وقف هجماته ضد المقاومة الفلسطينية في تل الزعتر وغيره من المناطق اللبنانية»(9). وبالتزامن مع ذلك، أقدم على نشر تسعين قطعة بحرية خلال أسبوع واحد، بينها عشرون سفينة هجومية، شرقي البحر المتوسط وبمحاذاة الشواطىء اللبنانية. وهو على ما يبدو ما كان السبب الأساسي لتفضيل الإسرائيليين إرسال السلاح لعملائهم في لبنان عن طريق الأردن وسوريا، لئلا تكون خاضعة للرقابة السوفييتية، فضلاً عن أن عملية إرسال السلاح عبر الأردن كانت ستبدو ـ في حال انكشاف أمرها ـ كما لو أنها سلاح أردني. بتعبير آخر: كان الإسرائيليون يقومون بعملية «غسيل سلاح» وتنظيفه بالممسحة الأردنية على غرار «غسيل الأموال»! وهذا في الواقع ما يشير إليه تقرير ماركوس فولف أعلاه، إذ يشير إلى أن الاتحاد السوفييتي «نشر عشرات القطع البحرية التي تخضع السواحل اللبنانية إلى رقابة مشددة». والواقع إن أول شحنة سلاح إسرائيلية وصلت إلى «الجبهة اللبنانية» عن طريق البحر، وتحديداً «ميناء جونية»، كانت أواخر العام 1976 كما أصبح معروفاً وموثقاً حتى من قبل أصحاب العلاقة في «الكتائب»، وكما أخبرني مسؤول الأمن السابق في «القوات اللبنانية»، روبير حاتم (كوبرا)، في المقابلة المطولة التي أجريتها معه ونشرتها في أربعة أجزاء العام 2008 (متوفرة على الإنترنت على موقع «جبهة المقاومة اللبنانية» / جمول).

حقيقة المشاركة السورية في تدمير «مخيم تل الزعتر» وإشكالية توثيقها:

   ظلت قضية مشاركة النظام السوري في مذبحة «تل الزعتر» موضع تشكيك من قبل معظم القوى الوطنية والديمقراطية في عموم المنطقة العربية، انطلاقاً من غاية غير معلنة وهي تبرئة النظام السوري من واحدة من أشنع المجازر التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني منذ أن بدأت نكبته نهاية القرن التاسع عشر، بل ومنذ أن دخل الإرهابي والسفاح الكبير صلاح الدين الأيوبي مدينة القدس في القرن الثاني عشر وفتح أبواب الاستيطان اليهودي على مصراعيه من شتى أنحاء العالم (إيطاليا، إنكلترا، حوض الراين الألماني، إسبانيا ...فضلاً عن العالم الإسلامي) وتوطينهم فيها ( على غرار ما فعله «الحاخام اليهودي الخفي، منقذ اليهود، عمر بن الخطاب»، كما تصفه الأدبيات اليهودية في القرن السابع الميلادي)، بالتزامن مع إبرامه صفقة مع الفرنجة قضت بتسليمهم الساحل الفلسطيني كله تقريباً، ثم قيام شقيقه بإهدائهم القدس مرة أخرى بعد أربعين عاماً على تحريرها المزعوم! وإذا ما أجرينا جردة شاملة لمجمل ما كتب عن «تل الزعتر»، لن نعثر على توثيق واضح وقاطع وجازم لمشاركة النظام السوري في مذبحته يرقى إلى درجة التوثيق العلمي الدقيق بالمعايير المتعارف عليها في «العلوم الجنائية» و معايير التحقيقات الصحفية الرصينة. بل إن أفضل كتاب كتب عن محنة لبنان في اعتقادي، وهو كتاب «الصراع على لبنان» للباحثة الأميركية اليسارية تابيثا بيتران Tabitha Petran، المشاركة في تأسيس مجلة «مونثلي ريفيو» العريقة إلى جانب المفكرين والمناضلين العباقرة بول سويزي و بول باران وهاري ماجدوف و ليو هابرمان، لم تجد مؤلفته ما تقوله في كتابها عن مشاركة النظام السوري في مجزرة «تل الزعتر» إلا ما ورد في الصحف اللبنانية آنذاك من أخبار، مع الأخذ بعين الاعتبار محتوياتها المتضاربة والمتناقضة الخاضعة للاصطفافات والخنادق السياسية والحزبية التي تعبر عنها. وأهم ما جاء في تلك الأخبار التي نقلتها بيتران هو أن النظام السوري شارك «الجبهة اللبنانية» في معركة «تل الزعتر» من خلال «القصف المدفعي». وهذا زبدة ما قالته .

    أما المناضل الفلسطيني الراحل، الكاتب والباحث والسياسي ناجي علوش، الذي كان نائباً لمسؤول حركة «فتح» في بيروت خلال تلك الأيام، حاول من جهته أيضا تبرئة النظام السوري من المشاركة في المجزرة، فأكد في مقابلة (موجودة هنا على الإنترنت) أجراها معه ابنه الدكتور ابراهيم علوش في نيسان / أبريل 2012 ، أي قبل وفاته بفترة قصيرة في 29 تموز/ يوليو من العام نفسه، أن مشاركة النظام السوري في الجريمة أمر«غير صحيح وقد تحققت منه بنفسي» كما يقول، مشيراً ـ بشيء من السذاجة أو البساطة اللافتة ـ إلى أنه لو تأكد من مشاركة النظام، لكان ذهب إلى دمشق لمناقشة المسؤولين هناك بالأمر!! وجواباً على سؤال، يتهم صلاح خلف (أبو إياد) بالوقوف وراء نشر هذه «الإشاعة» عن مشاركة النظام السوري في المذبحة. 

    للأسف لا يمكن الأخذ بشهادة الراحل «أبو ابراهيم»، بغض النظر عن تاريخه النضالي النبيل؛ فهي غير صحيحة بالمرة، ليس لأن ذاكرته خانته بفعل مرضه وأدويته وشلله الدماغي الذي عانى منه طوال الـ14 عاما الأخيرة من حياته، ولا بفعل مرض السرطان الذي أنهى حياته، ولكن لأن الشهادة جاءت على خلفية انفجار الأزمة في سوريا، والحملة الإعلامية الشعواء على النظام الذي بدأ الجميع ـ فجأة ـ يفتحون ملفاته القديمة، سواء الحقيقية منها أم المزيفة! ويبدو أن ابنه ـ بفعل قربه من مافيات النظام السوري، فهو أشبه بـ «بزّاقة» و وثيق الصلة بضابط المخابرات المجرم ومهرّب الآثار القذر بهجت سليمان، وصبي رخيص من صبيان و مرتزقة أسماء الأسد إلى جانب المغدور ناهض حتّر، وألّف كتاباً عن «القائد القومي بشار الأسد» بتمويل من رامي مخلوف، كما فعل سامي كليب! ـ حاول استغلال الوضع الخاص لوالده من أجل انتزاع الشهادة منه قبيل وفاته، لاسيما وأن «أبو ابراهيم» كان يقف إلى جانب النظام و ضد المعارضة السورية بقوة، إلى حد أنه لم يتردد في طرد ابن أخته سلامة كيلة والبصاق بوجهه حين جاء لتحيته والسلام عليه في منزله بعمّان بعد أن أبعده النظام السوري في أيار/ مايو من العام نفسه. وكان تصرف «أبو ابراهيم»، القاسي بالمعايير العائلية والمحق بالمعايير السياسية، على خلفية علاقة ابن أخته بـ«المجلس الوطني السوري»، وبالمخابرات الأردنية، كما اتضح لاحقاً (حين تواصل معها فور وصوله إلى عمان وطرح عليها مشروعاً يتعلق باللاجئين الفلسطينيين الذين كانوا لجأوا إلى سورية في العام 1970 بعد مجازر أيلول الأسود). ومن الواضح أن تبرئة النظام السوري من المشاركة في مذبحة «تل الزعتر» كانت الغاية الوحيدة من هذه المقابلة مع رجل كان يقترب بسرعة من حافة القبر، ولا أدل على ذلك من أن المقابلة اقتصرت تقريباً على هذا الموضوع، فضلا عن اللهجة غير الواثقة التي تحدث فيها عن القضية!  

     كانت إشكالية توثيق مشاركة النظام في المذبحة نابعة دوما من حقيقة أن الجيش السوري لم يشارك في المجزرة «من داخل المخيم»، وإنما «من الخارج»، أي من خلال القصف المدفعي والصاروخي. وحين يتعرض هدف ما للقصف من أربع أو خمس جهات، وتشارك في القصف خمس أو ست مجموعات، يصبح من المتعذر وشبه المستحيل تحديد حقيقة وطبيعة مسؤولية كل طرف من الأطراف المشاركة. يضاف إلى ذلك حقيقة أن مواقع الجيش السوري التي شاركت في قصف المخيم كانت تتوضع في التلال المحيطة بالمنطقة، وتبعد عنه ما بين 2 ـ 4 كم، بخلاف قوى «الجبهة اللبنانية» وحلفائها التي كانت على بعد مئات الأمتار وحسب. وحين سقط المخيم نهار 14 آب/ أغسطس 1976، وبدأت عصابات «الجبهة اللبنانية» عملية القتل والذبح العشوائي لمن بقي في المخيم من الرجل والنساء والأطفال، فضلاً عن تقطيع أطراف العديد منهم بالبلطات، وبقْر بطون الأحياء من الحوامل بحراب البنادق، وسحل الجثث في الشوارع بواسطة السيارات،على مدى يومين متواصلين، قبل أن يجري جرف مقبرة المخيم وما بقي من بيوته المسقوفة بالصفيح بواسطة البلدوزرات والجرافات، تجنب الجيش السوري دخول المخيم واكتفى بالمراقبة و«الفرجة» من بعيد، سواء من مواقعه أو من «غرفة العمليات» في «دير القلعة» أو منزل عاصي الرحباني! وصيف العام 1989، حين كنتُ أتابع «مسألة إدارية» مع «الدائرة العسكرية» في «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» تخص الراتب المخصص لجدي وجدتي بعد استشهاد ابنهما،التقيتُ في مقر «الدائرة» المذكورة،الكائن في«حي المزرعة» بدمشق، الراحل أبو ماهر اليماني و اللواء أبو أحمد فؤاد، نائب الأمين العام للجبهة حالياً [ توفي مطلع العام الماضي] ومسؤول «الدائرة العسكرية» آنذاك. وقد كشفا و / أو صححا لي الكثير من المعلومات العامة والخاصة عن تلك الفترة، بما في ذلك «مجزرة تل الزعتر»، وتأكيدهما على مشاركة الجيش السوري في حصار المخيم. وقد استفدتُ كثيرا من شهادتيهما في هذا التحقيق. لكن، وبالنظر لحساسية وضع الجبهة في دمشق، خصوصا لجهة «أبو أحمد»، سأمتنع ـ حتى إشعار آخرـ عن تنصيص ما ذكراه لي إلا في الحدود الضرورية جداً!

     لكن الوثيقة الأكثر أهمية في هذا السياق، كونها صادرة عن جهة رسمية أمنية سورية عليا، هي التي حصلتُ عليها في العام 2003 كواحدة من مجموعة وثائق شعبة المخابرات العسكرية التي وفرها لي المقدم المغدورعلي فاضل قبل تصفيته حين كان يحاول «الفرار» من سوريا. وتتعلق هذه الوثيقة بالترتيبات والشروط الأمنية والإدارية التي فرضتها شعبة المخابرات العسكرية على تشييع الرجل «صاحب درس قشرة الموز» في نيسان/أبريل من العام 1980 بعد عملية اغتياله في 16 من الشهر نفسه، والتي سيأتي شرح ملابساتها في الفقرة القادمة.

  تشير هذه الوثيقة (المنشورة جانبا) بشكل مباشر، دون مواربة، إلى أن الرجل «فر من الجيش السوري بعد رفضه المشاركة في معركة تل الزعتر». وهذه ـ على حد علمي ـ الوثيقة الرسمية السورية الوحيدة المتاحة حول المجزرة، والتي تعترف بمشاركة الجيش السوري في حصار المخيم والمشاركة في معركة تدميره وإسقاطه.

أول وآخر «انشقاق ثوري» في الجيش السوري:

   في 26 حزيران/يونيو 1976، وهوـ يا للمصادفة! ـ اليوم الذي سيُصبح «يوم الشهيد الشيوعي في سوريا» بعد أن كرّسه «حزب العمل الشيوعي» في أدبياته باعتباره يوم تصفية القائد الشيوعي الشهيد «فرج الله الحلو»، أُعطِيتْ الأوامر لسرية المدفعية في «الفوج52» في القوات الخاصة السورية، التي كان سلاحها الأساسي راجمات صواريخ BM-14 ( 16 فوهة) وصواريخ «غراد»،  بقصف المخيم انطلاقا من مواقع تمركزها في التلال المشرفة على المخيم ( «المنصورية» و «المونتفيردي»).

  كان في «الفوج»، لاسيما السرية المذكورة، عدد من الضباط الصغار والجنود الذين لم يستسيغوا الأمر، واعتبروه «خيانة» للمبادىء التي تلقوها في كلية المدفعية والمدارس العسكرية الأخرى في الجيش السوري لجهة «عقائدية وعقيدة» الجيش وموقع القضية الفلسطينية منهما. وكان على رأس هؤلاء الرجل الذي علمني«درس قشرة الموز»، والذي كان يرتبط بعلاقة خيطية مع «الحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي» (جماعة رياض الترك)، يوم كان لم يزل حزباً وطنياً شيوعياً، قبل أن يصبح «ديمقراطياً» على طريقة «البعث العراقي» ومتمولاً من المخابرات العراقية في العام 1980 ثم الأميركية اعتبارا من العام 2005. وكان الحزب،الذي انسحب من «الجبهة الوطنية التقدمية» المتحالفة مع النظام مطلع العام المذكور، وبخلاف حزبه الأم (حزب خالد بكداش  يسمح بنسج علاقات مع الأوساط العسكرية. 

   حين وردتْ برقية العمليات التي تضمنت أوامر لـ«الفوج» بتقديم إسناد مدفعي وصاروخي لـ«الجبهة اللبنانية» نهار 26 حزيران/ يونيو، وقام قائد الفوج العميد يونس ميلاد بتوزيعها على قادة كتائبه وسراياه المعنية بالأمر، عقد عدد من الضباط وصف الضباط والجنود لقاءات جانبية «سرية» في خيمهم وناقشوا خلفية وخطورة أمر العمليات وأبعاده السياسية. فقد كانوا أشبه بـ«خلية سياسية سرية» في وحدتهم العسكرية، نظراً لما يجمعهم من أفكار ماركسية ويسارية وناصرية. وكانوا ينحدرون من أربع محافظات سورية هي اللاذقية وحلب وحماة ودرعا. وبعد اجتماع طال أكثر من أربع ساعات من مساء ذلك اليوم، قرروا رفض تنفيذ الأمر العسكري. ولأن رفض الأوامر العسكرية خلال الحرب يقود صاحبه إلى الاعتقال الفوري والمثول أمام «محكمة ميدانية»، اتفق ثلاثة منهم من أصل سبعة حضروا الاجتماع على «الانشقاق» والالتحاق بـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» في مخيم «تل الزعتر» بعد منتصف تلك الليلة، نظراً لأن القصف المدفعي والصاروخي كان مقرراً أن يبدأ صباح اليوم التالي، 27 حزيران/ يونيو. وكانت الظلمة وغياب ضوء القمر مناسبين تلك الليلة ويسمحان لهم بالتسلل عبر البرية الممتدة من مكان مرابض وحدتهم في محيط منطقة «المونتيفردي»،المطلة على المخيم من جهة الشرق، إلى المخيم الذي يبعد عنهم حوالي 4 كم.أما الآخرون، ورغم رفضهم «الانشقاق»، فقد تعهدوا بكتمان الأمر إلى حين نجاح رفاقهم بالوصول إلى المخيم.

   عند حوالي منتصف الليل، نزع الثلاثة ما تيسر لهم من قطع قماشية بيضاء متوفرة وربطوها في مقدمة مواسير بنادقهم، وأخذوا ما توفر من مؤونة غذائية ومن الماء قبل أن يكتبوا رسائلهم إلى أهاليهم ويودعوا رفاقهم في لقائهم الأخير ويتجهوا نحو المخيم عبر المنحدرات والبساتين وأحراج أشجار الصنوبر، متجنبين ما أمكنهم ذلك مواقع وحدتهم والوحدات العسكرية السورية الأخرى التي كانوا يعرفون تموضعها بوصفها «قوات صديقة». وعند حوالي الثانية بعد منتصف الليل، وبعد الوقوع في كمين لقوات «الجبهة اللبنانية» قرب «دير مار روكز» الذي لا يبعد عن المخيم سوى بضع مئات من الأمتار تخلصوا منه بالاحتيال والزعم أنهم ذاهبون في «مهمة استطلاعية»، وصلوا إلى تخوم المخيم ورفعوا الرايات البيضاء التي كانوا ربطوها على مواسير بنادقهم، و«سلموا أنفسهم»، ثم شرحوا للمقاتلين حكايتهم قبل أن يقودهم رفاقهم الجدد إلى مكتب «الجبهة الشعبية» في المخيم، حيث كان القائد الشهيد«أبو أمل»(عبد الكريم الخطيب) بانتظار الضيوف الذين كانوا مفاجأة لم ينتظرها ولم يتوقعها(10).

   يتذكر أبو ماهر اليماني في العام 1988 تلك الليلة حين اتصلوا به لإطلاعه على التحاق«عسكريين من القوات الخاصة السورية بهم ورفضهم القتال إلى جانب القوى الانعزالية» فيقول :«عرفت بأمر هؤلاء الرفاق القادمين من الجيش السوري من خلال اتصال تلقيته من رفاقنا لاستشارتنا في كيفية التصرف. وكان أمراً طبيعيا في تلك الظروف أن نحيط أمرهم بالشك والريبة. وقد طلبت من الرفاق إبداء الحيطة والحذر، دون إبداء أي تصرف يوحي لهم بأنهم مُراقبون. لكن تصرفهم سرعان ما بدد شكوكنا، فقد انخرطوا اعتباراً من نهار اليوم التالي في القتال إلى جانب رفاقنا، وفي تزويدهم بخبرات في الرمايات وبعض الأمور العسكرية الأخرى الخاصة التي كنا نفتقر إليها. لكن الموقف الذي أتذكره أكثر من غيره ، ولا يمكن أن أنساه، والذي كان من أسباب ارتيابنا بهم في البداية قبل أن يصبح سببا آخر لاحترامنا وتقديرنا لهم، هو أنهم رفضوا القتال أو إطلاق النار على الجبهة الشرقية للمخيم، التي كان يتواجد في مواجهتها رفاقهم في الجيش السوري، خشية أن يتسببوا بمقتل أو إصابة أحدهم. وكان شرطهم الوحيد هو أن يقاتلوا قوات الجبهة اللبنانية وحلفائها الإنعزاليين فقط. وقد تحقق لهم ما أرادوا»!

   تكشف هذه الواقعة عن نضج سياسي لافت، أخذاً بعين الاعتبار محدودية التجربة السياسية والعمرية لهؤلاء «المنشقين» والظروف السياسية «الملتبسة» التي أحاطت بالتدخل العسكري في لبنان. فرغم رفضهم الأوامر العسكرية في قصف مخيم فلسطيني و مواقع مقاتلين فلسطينيين، الأمر الذي يتنافى والعقيدة السياسية والعسكرية للجيش السوري، أصروا على عدم القتال في مواجهة رفاقهم في السلاح. وتبرز أهمية هذه الواقعة على نحو أعمق إذا ما قورنت بوقائع «الانشقاقات» التي حصلت في الجيش السوري اعتباراً من صيف العام 2011، والتي افتتحها المقدم المهندس حسين هرموش،الذي كان أول عمل قام به بعد «انشقاقه» هو تدبير كمين لرفاقه في الجيش (مجزرة جسر الشغور التي راح ضحيتها 120 ضابطاً وجندياً) لصالح المخابرات التركية التي باعته لاحقاً بالتواطؤ مع غزوان المصري، وهو أحد رجال الأعمال السوريين - الأتراك المنخرطين في علاقات سياسية ومالية مع المخابرات التركية و«الأخوان المسلمين» الذين رفض حسين هرموش العمل معهم رغم خلفيته الدينية. ويمكن الجزم بأنه ما من عملية «انشقاق» حصلت لاحقاً بعد هرموش إلا وكانت لسبب طائفي و/ أو مالي، وليس لأي سبب يتعلق بمواقف «وطنية» أو «ثورية». وهذا ما تؤكده تصريحاتهم وأنشطتهم اللاحقة كلها، التي انطوت على وضاعة وانحطاط سياسي وأخلاقي و وطني غير مسبوقين، ليس ثمة ما هو أكثر تعبيراً عنها من ارتماء معظمهم بأحضان إسرائيل، تمويلا ً وتسليحاً وتواطؤاً، والإعلان عنها في كثير من المناسبات بوصفها «حليفة ثورة الشعب السوري السني في مواجهة الشيعة والنصيريين الذين يبيدون أهل السنة»، كما عبّر ـ بهذه الصيغة ومشتقاتها ـ كُثرٌ من قادة مجموعات «جيشهم الحر» على الشاشات الإسرائيلية وفي العديد من صحفها! الأمر الذي يبرر وصف السلطة لوضعهم بكونهم «فارين» من الجيش. وبهذا يمكن اعتبار «الانشقاق» الذي حصل خلال معركة «تل الزعتر»أولَ وآخرَ انشقاق ثوري حقيقي في الجيش السوري طوال تاريخه كله منذ تأسيسه الأول في العام 1920! 

  هنا لا بد من توضيح واقعة تاريخية أخرى تعود إلى تلك الفترة، تتعلق بالعميد مفتخر الشرع (خال الدكتور هيثم مناع). فحين كنت أتحدث مع هذا الأخير في قضية الشباب الثلاثة «المنشقين» في العام 2001، أخبرني بأن مفتخر الشرع هو أيضا «رفض التدخل في لبنان وطلب من حافظ الأسد تسريحه من الجيش بسبب ذلك، وقد لبى الأسد طلبه، لكن دون أن يتعرض لاحقا لأية مضايقات». وقد كرر الأمر كتابة في مناسبة أخرى على ما أذكر. لكن وحين كنت أبحث مطلع هذا الشهر في الملفات والوثائق والمعلومات العسكرية والأمنية المتعلقة بالتدخل السوري في لبنان، ومنها مذكرات ضباط في الجيش اللبناني (العميد محمود مطر، مثلاً) وسياسيين لبنانيين عاصروا تلك الفترة، اكتشفتُ أن ما قاله هيثم ليس صحيحاً للأسف. فقد كان العميد مفتخر الشرع موضع ثقة من قبل النظام ومن أجهزته الأمنية والعسكرية ، ومن حافظ الأسد شخصياً، بحيث أن هذا الأخير عينه مطلع العام 1976 رئيسا لـ«لجنة الارتباط» في لبنان، التي كان مقرها «ثكنة أبلح» التابعة للجيش اللبناني، حين كان التدخل السوري لم يزل «سرياً» وقبل أن يُعلَن عنه رسمياً مطلع حزيران/يونيو من العام نفسه. وكانت «اللجنة» بمثابة «فرع المخابرات العسكرية» في لبنان قبل تشكيل هذا الأخير رسمياً في وقت لاحق برئاسة العقيد محمد غانم ثم غازي كنعان. وكان في عضوية «لجنة الارتباط» أيضاً كل من العميد في المخابرات الجوية رزق الياس والعميد فاروق نصير. كما أن الأسد أوكل للعميد مفتخر الشرع واحدة من أدق وأخطر العمليات العسكرية والأمنية السورية في لبنان آنذاك، وهي فك الحصار عن «قاعدة رياق الجوية» ثم الإشراف على حمايتها بعد أن وَضعَ بتصرفه لواء كاملاً من «جيش التحرير الفلسطيني»، إذْ كانت على وشك السقوط في أيدي «القوات المشتركة»(تحالف الحركة الوطنية اللبنانية والفصائل الفلسطينية)؛ الأمر الذي يعني أنه هو أيضا شارك في قتال «الحركة الوطنية اللبنانية».هذا بالإضافة إلى تكليفه مهمة تأمين قوافل التموين للقاعدة المذكورة و وحدات الجيش اللبناني الأخرى المحاصرة من قبل «القوات المشتركة»، وتأمين رواتب ضباط وعناصر الجيش اللبناني فيها من «مصرف سورية المركزي» كـ«دَيْن على الحكومة اللبنانية» جرت تسويته وسداده لاحقاً بعد عودة «الشرعية» إلى لبنان.

***

ليلة «الفرار» من الخندق الخلفي إلى ...الخندق الأمامي:

    في 11 آب/أغسطس 1976 (كان يوم أربعاء)، وبعد أن أيقن الجميع أن المخيم أصبح قاب ساعات أو أدنى من السقوط، تمكن الرجل صاحب «درس قشرة الموز» مع مجموعة مع رفاقه، وكانوا جميعاً مصابين بجراح متفاوتة، من التسلل عبر الأحراج المجاورة والوصول إلى مخيم «برج البراجنة» في ما يعرف الآن بـ«الضاحية الجنوبية» بعد يومين من المسير الليلي والكمون النهاري، رغم أن المسافة لا تتجاوز أربعة كيلومترات!

  لم تصل الرسالة التي كتبها إلى أهله في تلك الليلة، فقد قُدِّر لحاملها الرقيب سليم القدور، وهو من بلدة «سراقب» في ريف إدلب، وكان ذا ميول ناصرية، أن يقضي مع آخرين حين انقلبت سيارتهم العسكرية في منطقة «شتورا». ولذلك ظل الرجل صاحب «درس قشرة الموز» بحكم «المفقود» بالنسبة إلى أهله حتى صيف العام 1979 حين وصلتنا معلومات عن طريق التسلسل تفيد بأنه في «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، فتوجهتُ إلى بيروت وأنا لم أتجاوز السابعة عشرة من عمري، بصحبة شقيق زميله «المنشق» معه، وهو من «آل طالب» في مصياف، وكان في عمري أيضاً، دون أن نخبر أهلنا. وكانت مغامرة مجنونة لم نكن نقدر عواقبها في حينه. وقد توجهنا فور وصولنا إلى مقر «الجبهة الشعبية» في «مخيم شاتيلا». وبعد تحقيقات موسعة معنا، وانتظار دام يومين بفعل مراجعة السجلات الذاتية في «الجبهة»، لأنه ما من أحد كان يُعرف باسمه الحقيقي آنذاك باستثناء جهات مركزية في التنظيم، حضر الرجل «صاحب درس قشرة الموز». لكنه كان اللقاء الأول والأخير بيني وبينه. فبعد أقل من سنة على ذلك، وبعد أن كنت اتفقت وإياه لأعود إليه بعد النجاح في الثانوية العامة في العام الدراسي 1979 ـ 1980، وفي 22 نيسان/ أبريل من العام 1980، تمكن أحد عناصر المخابرات السورية، المنتدبين إلى قوات«الصاعقة»، التي كانت يومها غطاء لمئات وربما الآلاف من الضباط والعناصر الذين جرى انتدابهم إليها من المخابرات السورية و«سرايا الدفاع»، من اغتيال الرجل صاحب «درس قشرة الموز» بعد قليل على خروجه من مقره في معسكر «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» في جبال «الدامور» جنوبي شرقي العاصمة/ شمال شرق صيدا! وفي اليوم التالي جرى تشييعه من «مشفى حيفا» في «مخيم برج البراجنة» ببيروت إلى مقبرة الشهداء في «مخيم شاتيلا». إلا أن قصته لم تنتهِ هنا، فقد أصر ذووه، خصوصا والدته،لأن والده كان فقد ذاكرته تقريباً بفعل ما تركه «اختفاء» ابنه قبل أربع سنوات من أثر بالغ في نفسه ،على دفن جثمانه في قريته «بسنديانا» في ريف منطقة «جبلة» بسوريا؛ لكن النظام السوري رفض إدخال جثمانه باعتباره «فاراً من الجيش ومتمرداً على وحدته العسكرية خلال الحرب»، كما نقل العميد توفيق جلول، قائد «اللواء81» في الفرقة الثالثة يومها، عن مسؤولي النظام الأمنيين حين طلب ذووه منه التدخل في القضية بوصفه قريبا لهم.

    بعد بضعة أيام، وعن طريق الملحق العسكري في سفارة اليمن الديمقراطية في دمشق، المقدم عبد المحسن هادي، وصلت رسالة مكتوبة بلسان والدته إلى جورج حبش في بيروت تقول: «أريد أن يدفن ابني بقربي لكي أزور قبره كل يوم، فمن حقي أن أتقاسمه أنا وإياكم قسمة عادلة. أعطاكم وأعطى فلسطين روحه، أما أنا فلا أريد إلا جسده». قرأ أبو ماهر اليماني واللواء أبو أحمد فؤاد الرسالة بعد أن أحيلت لهما بوصفهما المسؤولَين العسكريين في الجبهة، فأجاب أبو ماهر الأم الثكلى عبر المراسل :«اطمئني يا خالة، لو اقتضى الأمر أن أنقل جثمانه على كتفي وأهربه إلى سوريا، لن أتأخر»! ولم يتأخر في الإيفاء بوعده للأم المفجوعة بابنها «شبه الوحيد». فخلال بضعة أيام كان القائد الشهيد عبد الفتاح اسماعيل، الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني، قد أخذ الأمر على عاتقه رغم أنه كان استقال قبل بضعة أيام وحسب من منصبه، وكان يحزم أمتعته للتوجه إلى موسكو لأسباب صحية؛ فاتصل بالملحق العسكري في سفارتهم بدمشق، المقدم عبد المحسن هادي،الذي كان من تياره ومشايعيه و«المحسوبين» عليه في مواجهة تيار المجرم علي ناصر محمد الذي خلفه في المنصب، و مكلفاً أيضا بالتواصل مع عدد من الفصائل الفلسطينية، وطلب منه التدخل في الأمر لدى النظام بالتعاون مع السفير إذا أمكن، لأن هذا الأخير لم يكن واضح الموقف فيما إذا كان يقف في صف علي ناصر محمد أم في صف خصومه علي عنتر وعلي شايع هادي و صالح مصلح، أعضاء المكتب السياسي للحزب، الذين سيصفيهم المجرم علي ناصر محمد بعد ذلك بأقل من ست سنوات فيما سيُعرف بـ«مجزرة اللجنة المركزية»( 13 يناير 1986). 

   بعد حوالي شهر على دفنه في مقبرة الشهداء في «مخيم شاتيلا»، وبعد تدخل القائد الشهيد عبد الفتاح اسماعيل ورفاقه في سفارتهم بدمشق، وبفضل الجهود المضنية التي بذلها خالدا الذكر جورج حبش وأبو ماهر اليماني، سمحت سلطات النظام السوري بإدخال جثمانه بعد أن اشترط رئيس شعبة المخابرات العسكرية، علي دوبا، كما يتضح من الوثيقة المنشورة جانباً، أن لا ترافقه سوى سيارة واحدة من «الجبهة الشعبية» يقلها أربعة عناصر على الأكثر، وأن «تمنع التجمعات والتجمهرات منعاً باتاً خلال تشيعه في كافة المناطق التي سيسلكها موكب الجنازة، باستثناء قريته»، وأن يجري التعامل معه في السجلات العسكرية الرسمية بوصفه «فاراً من الجيش، رفض الأوامر العسكرية وتمرد على وحدته العسكرية خلال معركة تل الزعتر في لبنان ضد المجموعات العرفاتية، والتحق بفصيل شيوعي مناوىء(فصيل جورج حبش)»، كما جاء في مذكرته بتاريخ 30 / 4 / 1980، التي لم ينتبه فيها إلى أنه لم يكن هناك «مجموعات عرفاتية» في «تل الزعتر»، بل رفاق وأبناء جورج حبش، وعلى رأسهم القائد الشهيد أبو أمل!

   أما أبو أحمد فؤاد، وخلال محاججاته مع أحد مسؤولي النظام، وكانت العلاقات لا تزال متوترة بين الطرفين منذ العام 1976، وتعليقاً على موقف النظام السوري وتوصيفه للرجل «صاحب درس قشرة الموز» بأنه «فار من الجيش»، فقال خلال تشييعه الأول في بيروت: «يقولون عن الرفيق الشهيد إنه فرّ من الجيش العربي السوري. هذا صحيح؛ ولكنه فر من خندق خلفي إلى خندق متقدم في مواجهة الأعداء القوميين والطبقيين الفاشيين»!

  لم يكن الرجل صاحب «درس قشرة الموز» سوى خالي شقيق أمي «شبه الوحيد»، نصر نيوف، الذي كان أول من علمني «الانشقاق» على الدنيا والعالم والنظام المحلي والكوني قبل خمسين عاماً!

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش:

 (*) ـ نشر هذا التحقيق في الأساس على صفحتي الخاصة في "فيسبوك" في الذكرى الأربعين لمجزرة «تل الزعتر» (14 / 8 / 2016). وقد كتبته بعد مراجعة آلاف الصفحات من التقارير والمذكرات الشخصية التي كتبها أشخاص شاركوا في صناعة هذه الأحداث أو كانوا شهوداً عليها، بما في ذلك الكتب الوثائقية والتقارير الصحفية القديمة ذات الصلة، بالإنكليزية والفرنسية والعبرية،لاسيما لمؤلفين كانوا على تماس مباشر مع أولئك الأشخاص أو تلك الأحداث، فضلاً عن المقابلات الشخصية التي أجريتها مع بعض المعنيين في سنوات تعود إلى فترة الثمانينيات. وهو، على أي حال، لم يهدف إلى الدخول في تفاصيل المجزرة التي أصبحت معروفة وأصبحت المعلومات عنها في متناول الجميع، وإنما البحث في الظروف و«الأسرار» السياسية التي سبقت المجزرة وقادت النظام السوري إلى التورط فيها، فضلا عن توثيق هذا التورط، الأمر لذي لم يحصل من قبل على نحو جازم وقطعي، على حد علمي وفي حدود ما اطلعت عليه من شهادات و وثائق.

(**) ـ كيسنجر مخاطباً الصحفيين في 3 تموز/ يوليو 1989 وهو يقف على درج قصر الإليزيه في باريس، رداً على استفسار بشأن موقفه من قصف الجيش السوري مناطق بيروت الواقعة تحت سيطرة الحكومة العسكرية اللبنانية برئاسة ميشيل عون (نقلاً عن الصحف الفرنسية ، 4 تموز/ يوليو 1989). أما تصريح لويس دين براون، السفير الأميركي الأسبق في الأردن والوسيط بين الملك حسين والإدارة الأميركية خلال «أيلول الأسود1970» ومبعوث كيسنجر الخاص إلى لبنان، فوَرد في سياق رده على الآباتي شربل قسيس الذي سأله في آذار/مارس 1976 عن سبب امتناع الولايات المتحدة عن مؤازرة المسيحيين في مواجهة الفلسطينيين والماركسيين [كذا!] كما فعلتْ لدعم كميل شمعون في العام 1958.

(1) ـ رواها عرفات لكمال جنبلاط الذي أوردها في كتابه «من أجل لبنان»:

Kamal Joumblat, Pour le Liban, Editions Stock, Paris 1978, P.177

 (2) - Kissinger, Les Années de Renouveau (1974-1976), Tome V, Paris, Fayard,2000, P.327.

(3)- Newsweek, An interview with Hafez Al-Assad by Arnaud de Borchgrave , 10 June1974, re-quoted  in: Henry Kissinger,  «Memoirs», Vol. 2 (Years of Upheaval), p. 1133.

 (4)- Robert Morris, Henry Kissinger and American foreign policy, Harper & Row, 1977 .

(5) ـ في العام 2002، وحين تواصلت أنا ومحاميّ الفرنسي وليم بوردون مع باتريك سيل من أجل أن يكون شاهداً في مواجهتي القضائية مع رفعت الأسد أمام محكمة المطبوعات الفرنسية (الغرفة 17) على خلفية كشفي عن قصة مذبحة سجن تدمر والمقابر الجماعية ، اعتذر عن الأمر، مشيراً إلى أنه «ليس لائقاً أن أدلي بشهادة ستطال شظاياها النظام السوري وحافظ الأسد اللذين حصلت منهما على 90 ألف دولار كلفة أتعابي على إنجاز سيرته»! وكذلك فعل الصحفي روبرت فيسك،  مع أن هذا الأخير كان كتب مقالا في «الإندبندنت»منذ إطلاق سراحي وحين كنت لم أزل في سوريا أكد أن «كل ما قاله نزار نيوف عن المذبحة والمقابر الجماعية صحيح»( الإندبندنت 9 تموز 2001):

Robert Fisk: Victims of Palmyra slaughter return to haunt Syria's new leader.

(6)- Ze'ev Schiff: Dealing with Syria, Foreign Policy 55 (1984), pp. 92-112; And: Ariel Sharon (editor: David Chanoff): Warrior, Touchstone, New York, 1989; and Kissinger: Ibid, Vol.3, pp.924-925

 كذلك الكتاب المشترك الذي أصدره زئيف شيف و إيهود إيعاري في العام 1984 عن الغزو الإسرائيلي للبنان في العام 1982 تحت عنوان «حرب الخديعة»، منشورات «شوكن» العبرية:

ـ זאב שיף & אהוד יערי : מלחמת שולל ، ניו יורק ، בשנת 1984

(7) ـ مقابلة خاصة مع نصر نيوف، الكلية العسكرية التابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين،برج البراجنة، بيروت، صيف العام 1979. 

(8) ـ شهادة لزياد الرحباني، مقابلة مع قناة «الميادين»، 28 / 9 / 2012 ( الشريط أدناه).

(9) ـ كانت صحيفة «لوموند» الفرنسية أول من سرب موضوع الرسالة ونشرت مقتطفات منها بتاريخ 20 تموز / يوليو 1976، في أوج معركة إبادة «تل الزعتر». لكني لم أستطع الدخول إلى أرشيف الصحيفة. وعلى أي حال، فقد اطلعت على نصها الكامل في «أوراق ماركوس فولف» التي وضعها صاحبها بتصرفي لكتابة مذكراته العربية. وطبقاً لما جاء فيها ، فإن بريجينيف أرسل الرسالة بتاريخ 11 تموز / يوليو إلى الأسد، وأعطت محطةKGB   في لبنان ضوءاً أخضر للحزب الشيوعي اللبناني بتسريبها إلى الصحيفة الفرنسية بهدف الضغط على الأسد وامتصاص غضب الشيوعيين حول العالم من الموقف السوفييتي إزاء المذبحة التي كانت دائرة في لبنان. وفي هذه الرسالة، طبقاً لأوراق فولف، طالب برجينيف الرئيس السوري بسحب قواته من لبنان،و اعتبر «المحنة التي تتعرض لها الحركة الوطنية اللبنانية والفلسطينية على يد الجيش السوري خدمة مجانية للإمبريالية وإسرائيل والصهيونية العالمية»؛ هذا فضلاً عن دعوتِه الأسد إلى «وقف فوري لإطلاق النار» و «استقبال ياسر عرفات وقادة الحركة الوطنية اللبنانية في دمشق بهدف إجراء مصالحة بين الطرفين». ونددت الرسالة بمنع الجيش السوري وصولَ الإمدادات الطبية والغذائية إلى المحاصرين الفلسطينيين واللبنانيين وبالحصار الذي تفرضه القوات السورية على الموانىء اللبنانية،قبل أن تتساءل: «نحن لا نفهم سلوكك ولا الأهداف التي تسعى إليها في لبنان»!وبحسب ما ورد في«أرشيف فولف»، فإن رئيس محطة KGB في بيروت، ليف ألكسيفيتش باوسين Лев Алексеевич Баусин،سلّم نسخة منقحة(غير كاملة) من الرسالة إلى عدد من قادة الحركة الوطنية اللبنانية،لاسيما كمال جنبلاط و الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني نقولا شاوي.لكن أغرب ما لجأ إليه باوسين هو استدعاؤه نديم عبد الصمد،نائب شاوي، والطلب منه تسريب خلاصة الرسالة إلى صحيفة «لوموند» الفرنسية. ويفسر فولف هذا السلوك السوفييتي النادر والغريب،وربما غير المسبوق في تاريخ مبادراته الديبلوماسية،بأن «الكريملن  كان واقعاً تحت ضغط مزدوج؛فلا هو كان قادراً على ترك الفلسطينيين وحلفائهم الوطنيين واليساريين اللبنانيين تحت الضغط الدموي الذي كانوا يتعرضون له من قبل جيش الأسد،المدعوم من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل وملك الأردن والقوات المسيحية اليمينية التي تسلحها إسرائيل،ولا هو كان قادراً على اتخاذ موقف قطعي حاسم علناً مع دمشق التي كانت وضعت إحدى قدميها في واشنطن وعلى وشك أن تضع الثانية،ولا يريد بالتالي أن يفقدها كلياً كما فقد مصر قبلها،فاختار ما رآه أهون الشرين لكبح اندفاعة الأسد الدموية ضد من كان يعتبرهم حلفاءه[حلفاء الكريملن].هذا فضلاً عن أن الكريملن كان يريد تخفيف الضغط المعنوي العلني الذي كان يتعرض له من قبل الشيوعيين وحلفائهم الوطنيين في لبنان والمنطقة وحتى في الغرب،من خلال البيانات والمظاهرات التي عمت العديد من مدن العالم ضد جرائم الجيش السوري وحلفائه من اليمين الفاشي اللبناني، والتأكيد لهؤلاء أن بريجينيف شخصياً يمارس ضغطه على الأسد لوقف مذبحته الأميركية-الإسرائيلية ضدهم». ( وثائق هذه القضية ضمّنتها في الجزء الثاني من كتاب «داخل الكريملن...»، الذي لم أنشره بعد).

(10) ـ راجع الهامش (7) ، مع التنويه إلى أن ما أورده هنا هو ما بقي في ذاكرتي من المقابلة المشار إليها، ومع زميله فهد طالب، بعد 37 عاماً. ومن أسف أنه لم يكن بالإمكان تدوينها أو تسجيلها. ولهذا ربما تتضمن بعض الأخطاء في بعض الأسماء أو بعض التفاصيل، إلا أنني مسؤول عن الخطوط العامة والأساسية لهذه السردية.

*** 

شهادة الفنان الراحل «زياد الرحباني» عمّا رآه وسمعه في منزله أهله عن مجزرة «تل الزعتر»

مقابلة مع قناة «الميادين» 28 / 9 /  2012 ، ويليه مقطوعته الموسيقية «تل الزعتر» التي صدرت في ألبوم السيدة «فيروز» : «إيه في أمل»


 


 

No comments:

Post a Comment

Note: only a member of this blog may post a comment.