هل حقاً إن الطيار الذي فرّ إلى إسرائيل هو «بسام العدل» أم أنه طيار آخر من الساحل السوري يدعى «علي أحمد صقر» (*)!؟
وثائق تنشر للمرة الأولى ترجح أن الجاسوس «علي مملوك» قتل «بسام العدل» ودفنه في مكان مجهول بسبب الخلاف على «شرموطة» وعلى عائدات«الكرخانة» التي كانا يديرانها في «حي المزرعة» بدمشق قبل أن يداهمها «علي دوبا» ويعتقل 83 ضابطاً من زبائنها الشراميط!
(تحقيق كلفني 25 عاماً من العمل في الأراشيف السورية والإسرائيلية والأجنبية)
ــــــــــــ
◄لماذا لم يُظهر الإسرائيليون أي صورة لـ «بسام العدل» المزعوم منذ فراره حتى اليوم، بخلاف جميع العسكريين العرب الآخرين الذين فروا إليها من مصر والعراق وغيرهما؟
◄ولماذا لا توجد صورة واحدة لـ «بسام العدل» المزعوم في أي مكان في العالم ( السوريون الحمير والإعلام العربي الذي تديره قطعان البقر ينشرون منذ سنوات طويلة صورة لطيار يمني شهيد على أنه ... «بسام العدل»!)
◄ولماذا لا يوجد في جميع سجلات الشرطة العسكرية و المخابرات السورية أي مذكرة تعقب واعتقال بحق «بسام العدل»!؟
◄ولماذا عمل الجاسوس «علي مملوك» على تهريب امرأة سوفييتية/أوكرانية تدعى «أفيتال غورفيتش» عبر «الخط العسكري» إلى لبنان قبيل فرار الطيار بعشر ساعات!؟
◄ولماذا أقدم الجاسوس «علي مملوك» على اعتقال العميد «عصام أبو عجيب» حتى الموت بعد أن تحدث عن القصة في اجتماع لقيادة «الفرقة 24» وحاول إسقاط الطائرة الهاربة!؟
◄ولماذا حذفت قناة «العالم» الإيرانية من أرشيفها تقريراً يؤكد أن الأحرف الأولى من اسم الطيار الفار هي « ع. أ. ص.»؟ ( التقرير موجود في الداخل).
◄وماذا قال نائب قائد القوى الجوية «محمد الخولي» والسفير الإيراني «محمد حسن أختري» لسفير ألمانيا الديمقراطية وملحقها العسكري عن القضية!؟
◄وماذا كان يفعل الطيار المزعوم أنه «بسام العدل» في منزل السفير السوري في أوستراليا «تمام سليمان» بعد فراره بأكثر من 15 عاماً، وكيف أصبح اسمه « خطار سلمان منذر»!؟
◄وهل كان التقرير الذي رفعه «آصف شوكت» إلى «بشار الأسد» عن القضية بتاريخ 5 / 7/ 2006 أحد أسباب الضغينة التي حملها له «علي مملوك» طوال سنوات ودفعه إلى تفجير مكتب الأمن القومي والتخلص منه في العام 2012!؟
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يرجى النقر على الصور والوثائق لتصفحها بحجمها الأصلي، وعلى الروابط الزرقاء للوصول إلى مصادرها الأصلية.
(فيكتوريا)
ــــــــــــــــــــــــــ
بتاريخ يوم الأربعاء 11 أكتوبر1989 ، وعند حوالي الحادية عشرة قُبيل الظهيرة، هبطت طائرة «ميغ 23» سورية، تحمل الرقم 2786، وغير المسلحة سوى بمدفعها الرشاش، في مطار «مجدّو» الزراعي شمال الضفة الغربية المحتلة، بعد حوالي 20 دقيقة على إقلاعها من «قاعدة بلَيْ» الجوية شرقي «جبل المانع» وجنوب مطار دمشق الدولي (والمعروفة أيضاً باسم «مطار مرج الرحيّل»). وهي قاعدة كانت تضم السربين 54 و 77 ( ميغ 23) والسرب 767 ( حوامات MI25 ). وفور هبوطها أُعلِن في إسرائيل أن قائد الطائرة ضابط برتبة نقيب من محافظة إدلب يدعى محمد بسام العدل، ويبلغ من العمر 34 عاماً (مواليد العام1955، وتخرج في الكلية الجوية/ دورة العام 1977). وبعد ثلاثة أيام من ادعاء النظام السوري بأن قائد الطائرة اضطر للهبوط في إسرائيل «بسبب عطل فني»،ومطالبته «اللجنة الدولية للصليب الأحمر» بالاتصال معه والعمل على إعادته مع طائرته، تراجع يوم السبت 14 أكتوبر عن روايته ليقول إن «الطيار الهارب بسام العدل باع نفسه وسلاحه للعدو بعمل تجسسي قادته الاستخبارات الإسرائيلية» (السفير، 16 أكتوبر1989).
ومنذ ذلك الحين لم تبق خرافة أو أسطورة أو شعوذة إلا وجرى ربطها بالحدث، الذي كان الأول من نوعه سورياً، لكنه الثالث من نوعه عربياً. ففي 19 كانون الثاني / يناير 1964، فر الطيار المصري، النقيب محمود عباس حلمي، بطائرة «ياك» تدريبية ، قبل أن يهبط في «قاعدة حتسور/ روش بينا» شمال غرب بحيرة طبريا ويطلب اللجوء السياسي. لكنه لم يبق في إسرائيل سوى بضعة أشهر تلقى خلالها تدريباً على قيادة الطائرات المدنية قبل أن يهاجر ليعمل في الإرجنتين. وفي 27 حزيران / يونيو، قالت صحيفة «الأهرام» إنه لجأ إلى السفارة المصرية في «بيونس آيرس» بمبادرة شخصية منه. وفي اليوم نفسه قيل إنه عُثر على جثته مقطوعة الرأس في أحد شوارع العاصمة الإرجنتينية ( دون صورة بالطبع). وبعد عامين على ذلك، أعلن الإعلام المصري الرسمي أنه حوكم ونفذ به حكم الإعدام بتاريخ 10 أيار / مايو 1966 بمصادقة الرئيس عبد الناصر! ومن الواضح أنه جرى استدراجه إلى السفارة قبل نقله إلى مصر ومحاكمته وإعدامه.
بعد قصة الطيار المصري بحوالي عامين، وبتاريخ 16 آب/أغسطس 1966،فر الطيار العراقي الكلداني/ الآشوري النقيب منير ردفا (وليس روفا، كما هو متداول في الإعلام العربي) بطائرة «ميغ 21» وهبط في مطار «حتسور/ روش بينا» نفسه. إلا أن قصته تختلف تماماً عن قصة الطيار المصري الذي فر بمبادرة ذاتية منه؛ ففرار منير ردفا جاء بناء على عملية مخابراتية دولية معقدة حملت اسم «الطائرالأزرق» وشارك فيها شخصياً الملك الأردني، الجاسوس حسين،وقائد قواته الجوية الرائد صالح الكردي (عراقي الأصل كان فر إلى الأردن عن طريق سوريا في العام 1960 خلال الوحدة السورية - المصرية). وبسبب دور الملك الأردني في هذه العملية، وعمليات أخرى، جرى ترفيعه من قبل مدير وكالة المخابرات المركزية، ريتشارد هيلمز،من رتبة «مخبر» في العام 1957 إلى رتبة «جاسوس» أو «عميل» في العام 1966،كما أخبرنا رئيس تحرير «واشنطن بوست»، بوب وودورد (1). ففي العام 1966 كانت «ميغ21» تعتبر الطائرة الأحدث في العالم، وكان العالم كله يحلم بالحصول عليها، على حد تعبير صحيفة «يديعوت أحرونوت». لكن أول من سعى للحصول عليها لم يكن سوى قائد سلاح الجو الإسرائيلي عيزر وايزمان، الذي طلب من رئيس الموساد، مئير عميت، إحضار الطائرة من أي مكان وبأي وسيلة ومهما كلف الأمر،لكي يتدرب الطيارون الإسرائيليون على ميزاتها الفنية والعملياتية. ولهذا كان من الطبيعي أن يكون أول مستقبليها وأول من صعد إليها فور وصولها! وفي نهاية الأمر لم تكلف العملية سوى 50 ألف دولار دفعها ضابط الموساد ريهافيا فاردي للطيار العراقي، وتولت امرأة أميركية تجنيده لصالح الموساد قبل تهريب عائلته عبر محطة الموساد في أربيل/ كردستان العراق بمساعدة الملا مصطفى البرزاني وابنه مسعود. وقد أحدث وصول الطائرة إلى أيدي الإسرائيليين «انقلاباً استراتيجياً في ميزان القوى العسكرية في الشرق الأوسط»، على حد تعبير «يديعوت أحرونوت»، لاسيما وأنها وصلت إليهم عشية عدوان «حزيران /يونيو1967».
كانت هذه الطائرة بالذات سبباً في انفتاح مخازن السلاح الأميركي على مصراعيها أمام إسرائيل التي كانت تعتمد حتى ذلك التاريخ على السلاح الأوربي الغربي وبقايا السلاح التشيكي،ولا تحصل على المعلومات الاستخبارية الأميركية إلا جزئياً. وبعد تلك العملية أصبحت تُعامل على قدم المساواة كما لو أنها دولة عضو في الحلف الأطلسي، ولا يُمنع عنها أي سلاح أميركي،باستثناء السلاح النووي الذي حصلت عليه قبل ذلك بجهودها الخاصة وبالاعتماد على فرنسا. فقد كانت تعلم جيداً أن الولايات المتحدة بحاجة للطائرة أكثر من إسرائيل نفسها، ولهذا سارعت إلى وضعها بتصرف الأميركيين لمعرفة خصائصها الهندسية والعملياتية.
إضافة لذلك،كانت العملية سبباً في تعامل السوفييت مع العرب منذ ذلك الحين ببالغ الحذر و عدم وضع أي تكنولوجيا عسكرية متقدمة بين أيديهم، لأنها ستنتهي بطريقة أو بأخرى إلى الأميركيين والإسرائيليين. لكن الطعنة العربية النجلاء والأكبر التي سيتلقاها السوفييت لن تحصل إلا بعد ذلك بعشر سنوات ، إنما على يد السادات شخصياً ونائبه حسني مبارك و قائد قواتهما الجوية محمود شاكر عبد المنعم، حين باع الثلاثة طائرة «ميغ 23» إلى وكالة المخابرات المركزية في سبتمبر 1977 بمبلغ مليون دولار قبل أن ترفعه «الوكالة» إلى ثلاثة ملايين، مليون لكل واحد منهم، بعد أن اختلف الثلاثة على تقاسم المبلغ! وكانت مخابرات ألمانيا الشرقية أول من تمكن من ضبط عملية البيع بالصوت والصورة أثناء عملية تفكيك الطائرة و تغليفها في «قاعدة بني سويف» الجوية قبل شحنها تحت جنح الظلام على متن طائرة نقل عسكرية إلى الولايات المتحدة. وكنت أنا أول من كشف علناً عن القصة ونشر وثائقها وصور الطائرة وهي تُفكك وتغلف تحت جنج الظلام تحت إشراف رئيس محطة وكالة المخابرات المركزية في القاهرة جيمس ريتشارد فيز، بعد أن حصلتُ على الصور والمعلومات من مدير مخابرات ألمانيا الديمقراطية ماركوس فولف (يمكن لمن يهمه الأمر مراجعة تفاصيل القضية هنا ،وصور عملية تفكيك الطائرة وتغليفها تحت إشراف فيز في الصفحة 579 من ملحق صور الكتاب نفسه). ومنذ ذلك الحين، 1977، فقدت طائرة «ميغ 23»، الأحدث من نوعها آنذاك، ميزاتها القتالية والهندسية بالنسبة للغرب وإسرائيل. ولهذا لم يكن لفرار الطيار السوري المزعوم أنه بسام العدل أي علاقة بالجانب التكنولوجي للطائرة التي كانت أصبحت معروفة منذ 12 عاماً قبل ذلك، بخلاف روايات «هبابير» ومعاتيه ومشعوذي الإعلام العربي وغيرهم ممن ربطوا قضية فرار الطيار السوري بسعي إسرائيل للحصول على الطائرة، والذين يتنطحون للحديث في قضايا لا يفهمون منها أو عنها أيما شيء، على عاداتهم المزمنة كمجتمعات من الثرثارين والعلاكين.
لكن النتائج الأكثر خطورة والكارثية التي ترتبت على بيع السادات وقادة جيشه للطائرة في العام 1977 هي مجزرة القوى الجوية والدفاع الجوي السوري في لبنان خلال الغزو الإسرائيلي في العام 1982. فخلال المجزرة دُمر لنا 83 طائرة من بينها 60 طائرة «ميغ23» تشكل جميع الطائرات التي كانت تسلمتها سوريا من هذا النوع، فضلاً عن 34 بطارية دفاع جوي بسبب إقدام السادات،في العام 1980،على بيع الأميركيين والإسرائيليين أنظمة التردد في صواريخ «كفادرات»(سام6)، بالاشتراك مع قائد الدفاع الجوي المصري،الجاسوس سيد حمدي ومدير المخابرات الحربية المصرية،العميل الأميركي العتيق عبد الحليم أبو غزالة ، الأمر الذي تسبب باستشهاد وجرح حوالي خمسة آلاف ضابط وجندي سوري خلال يومين فقط (راجع تفاصيل القضية في كتاب «داخل الكريملن» ، ص 27 و 419).
֎֎֎
ولم يشذ عن هذه المسخرة المقززة حتى موقع «التاريخ السوري المعاصر» الذي يشرف عليه، كما يقال، متخصصون في التاريخ! أما وسائل الإعلام الأخرى، ومنها مثلاً «وكالة أنباء ستيب»، التي لديها ستة ملايين مشترك، لم تتردد في نشر صورة الطيار الإسرائيلي، المقدم عوفر صفرا/ سِفرا עופר ספרא ، الذي كان أول من حلق بالطائرة بعد وصولها،كونه طياراً متخصصاً في اختبار الطائرات الشرقية، على أنه ... بسام العدل!
واليوم، بعد مرور ست سنوات على إنجازي كتاب «دمشق الصهيونية 1920-2020»، ومرور عامين على سقوط النظام، لم يظهر بسام العدل المزعوم في أي مكان من العالم. وكان من المفترض أن يظهر بعد زوال الخطر عنه، ورغم ما قيل إنه غادر إسرائيل منذ سنوات طويلة بعد أن زودته سلطات الاحتلال بجواز سفر خاص! وهذا ما يؤكد أن جميع الوثائق والمعلومات المتعلقة بالقضية، والتي ضمّنتُها الكتابَ المذكور، والتي سأنشر اليوم بعضاً منها للمرة الأولى، لا تزال تحتفظ بدقتها كما سنرى؛ علماً بأني فشلت طوال عشرين عاماً من البحث في الحصول على أي صورة أو بطاقة هوية أو بيان معلومات شخصي خاص به حتى من «إدارة شؤون الضباط» و«إدارة السجلات العسكرية» و «الشرطة العسكرية» و «إدارة المخابرات الجوية» وفرع الضباط (الفرع 293) في «شعبة المخابرات العسكرية» و «النيابة العامة العسكرية»...إلخ؛ وهذه كلها جهات عسكرية سورية معنية بأن تتضمن سجلاتها مصنفات خاصة بالضباط و/أو العسكريين لهذا السبب أو ذاك مما يتصل بطبيعة اختصاصاتها ومهماتها! ذلك مع العلم بأن خمسة على الأقل من الضباط الأصدقاء ، أمثال العميد عمر شرق والمقدم علي فاضل، كرسوا سنوات طويلة من البحث للحصول على أي أثر لـ بسام العدل في سجلات الإدارات المذكورة، ولكن عبثاً ودون جدوى! ولم يكن سبب ذلك سوى أن وزارة الدفاع عممت - كما سنرى- على جميع إداراتها أمراً يقضي بمسح أي أثر للطيار المزعوم بسام العدل من جميع السجلات العسكرية، بما في ذلك الكلية الجوية التي تخرج فيها في العام 1977! وهذا ما يفسر الغموض الذي يلف قضيته كلها، ويذكّرنا بقضية زوجة عبد الرؤوف الكسم التي كشفتُها في تحقيق صحفي نشرته قبل 37 عاماً، و قضية أنيس حاطوم، شقيق المقدم سليم حاطوم، الذي عثرت عليه بعد قرابة أربعين عاماً من البحث المتواصل ونشرت وثائق قضيته الشهر الماضي!؟ (...). ولهذا، ودون أي تواضع زائف، كان من حقي أن أحصل على 13 جائزة عالمية في مجال الصحافة، على رأسها جائزة اليونيسكو للعام 2000، وقبلها جائزة «معهد الصحافة الدولي» في فيينا وجائزة «الاتحاد العالمي لناشري الصحف ورؤساء التحرير»، قبل أن تصبح الصحافة مهنة من لا مهنة له!
البحث عن الهوية الحقيقية للطيار الهارب وقصته المجهولة
كما في قضية المقدم أنيس حاطوم،شقيق الرائد سليم حاطوم،الذي كان ضابطاً في المخابرات العسكرية الإسرائيلية تحت اسم غاريس خاتوم، قضيت زهاء ثلاثين عاماً في البحث عن الهوية الحقيقية للطيار السوري الهارب!
كانت المرة الأولى التي وضعتُ علامة استفهام كبيرة حول القصة حين التقيت العميد عصام غالب أبو عجيب في سجن صيدنايا في نيسان /أبريل 1992. ففي ذلك التاريخ، حين كنت لم أزل مع زملائي وقبل نقلي إلى سجن تدمر الصحراوي و وضعي في العزل الانفرادي حتى إطلاق سراحي في العام 2001، جاءنا العميد عصام ليلاً من أقبية فرع التحقيق التابع للمخابرات الجوية بعد أن كان مضى على اعتقاله حوالي ثلاث سنوات قضاها في العزل الانفرادي حيث خضع لعمليات تعذيب انتقامية وحشية، بأمر شخصي من رئيس الفرع المذكور،العميد علي مملوك، الذي سيصبح لاحقاً مدير إدارة المخابرات العامة ثم رئيس مكتب الأمن القومي. فقد كان مملوك يأمر زبانيته بنتف شعره، حتى في المناطق الحساسة من جسمه،بخيوط النايلون (من النوع المستخدم في صالونات الحلاقة) وبالتبول عليه من فتحة التهوية في سقف زنزانته و/أو في علبة البلاستيك المخصصة له كصحن لتناول طعامه، رغم أنه كان يحمل وسام بطل الجمهورية على خلفية أدائه الفذ خلال «حرب أكتوبر1973»، حين كان قائد كتيبة في «اللواء 77» وأسقط أكبر عدد من الطائرات في يوم واحد (16 أكتوبر)، والذي أصبح «اليوم الوطني للقوى الجوية والدفاع الجوي» في سوريا، قبل أن يلغيه الجاسوس البريطاني - الإسرائيلي «أبو محمد الجولاني»، الذي ينتحل صفة «رئيس الجمهورية»، كما ألغى بقية الأعياد الوطنية المرتبطة بمناسبات تنطوي على إهانة أو إدانة لمشغليه الإسرائيليين والسلاجقة العثمانيين.
حين اعتقل عصام أبو عجيب في العام 1989 كان أصبح منذ أواسط الثمانينيات قائد «اللواء 77» المسؤول عن الدفاع عن العاصمة ، والذي يقع مقر قيادته في أنفاق «جبل المانع» جنوبي دمشق. وفي هذا اللواء تعرفت عليه حين كنت أقضي دورة تدريبية لبضعة أشهر خلال خدمة العلم(الخدمة الإلزامية) أواسط الثمانينيات، وأصبحنا أصدقاء بعد حادثة كانت سبباً في تعارفنا، حتى رحيله المفجع عن هذا العالم في «مشفى الباسل لجراحة القلب» في آذار /مارس 2000 حين انفجر قلبه بسبب ما اقترفه علي مملوك معه خلال فترة اعتقاله (2)!
خلال حديثنا في سجن صيدنايا ربيع العام 1992، وكان معنا أيضاً العميد اسماعيل نادر، الذي كان معتقلاً بسبب فخ نصبه له السافل وليد جنبلاط في العام 1982، حين كان قائداً للقوات السورية في منطقة جبل لبنان، علمتُ منه أنه حاول إسقاط طائرة المزعوم أنه بسام العدل،حين أخبرتْه عمليات «اللواء77» أن طائرة سورية تطير منفردة، واقتربت من خط وقف إطلاق النار في الجولان المحتل بعد أن اتخذت لها مسارَ تحليق منخفضاً جداً. وكان ثمة أمر عمليات دائم (منذ سنوات طويلة) يقضي بإسقاط أي طائرة حربية سورية تقترب من الحدود مع أي دولة مجاورة مسافة تقل عن 15 كم في حالة السلم. لكن أمراً من «غرفة العمليات الجوية» منعه من ذلك، واصفاً له الطائرة بأنها «طائرة صديقة تقوم بمهمة رسمية»!
كان للعميد عصام سوابق «حنبلية» في إسقاط الطائرات «الصديقة» المشبوهة. ففي 9 آب / أغسطس 1974، وكان لم يزل قائد كتيبة في اللواء نفسه، أسقط طائرة الأمم المتحدة «بوفالو 461» الكندية فوق منطقة «الديماس/ سهل الزبداني» شمال غرب دمشق بعد أن لاحظ أنها تطير خارج «الكوريدور الجوي» المحمّل على شاشات كتيبته منذ الليلة السابقة وفق برقية العمليات الجوية التي تستند إلى برقية إحاطة من الأمم المتحدة؛ ما أسفر عن تحطمها ومقتل جميع ضباط الأمم المتحدة على متنها، والذين كانوا منقولين من منطقة «قناة السويس» في مصر لكي يشغلوا مهماتهم الجديدة في عداد «قوات حفظ السلام» في الجولان المحتل بعد توقيع «اتفاقية فصل القوات».
بالطبع، لم يكن العميد عصام يعرف هوية الطيار السوري حين حاول إسقاط طائرة «الميغ23» عند اقترابها من خط وقف إطلاق النار قبيل ظهيرة 11 أكتوبر 1989. وكل ما في الأمر أنه أراد العمل تلقائياً بالأمر الدائم المشار إليه وإسقاط الطائرة، لاسيما وأنها كانت مشبوهة تماماً، وليس ثمة شك في شبهتها، ليس لأنها اقتربت من خط وقف إطلاق فقط، ولا لأنها كانت تحلق على مستوى منخفض جداً وحسب، وتشغل نظام الحرق الإضافي Afterburner في محركها التوربيني، بل - وهو الأهم - لأنها كانت تطير منفردة وبعيدة عن أي تشكيل جوي ينفذ مهمة تدريبية أو دورية حراسة أو ما شبه ذلك. ومن المعلوم أنه ما من طائرة مقاتلة سورية تطير في تشكيل منفرد وحدها، بل ضمن سرب / تشكيل جوي يضم طائرتين على الأقل، حتى في حالة وجود دورية حراسة جوية روتينية أو حالة تدريب، لاسيما فوق المناطق المتاخمة للدول المجاورة!
رحل العميد عصام في العام 2000 قبل أن يعلم حقيقة وقصة الطيار الفار؛ لكن جملته التي تلقاها من «غرفة العمليات الجوية» صباح ذلك اليوم بقيت عالقة في رأسي حتى خروجي من السجن واستئنافي التحقيق في القضية مع جملة القضايا الأخرى التي كنت أعمل عليها قبل اعتقالي أواخر العام 1991.
֎֎֎
كان أول ما توجب عليّ القيام به هو قراءة كل ما نشر عن القضية في الإعلام الإسرائيلي، بالإنكليزية والعبرية، فضلاً عن الاستعانة بالصديقة الراحلة فيليسيا لانغر لجمع ما يتيسر من معلومات خاصة من إسرائيل ولم تجد طريقها إلى النشر في وسائل إعلامها. وقد واظبتُ على متابعة ما ينشر عن القضية بجميع اللغات الخمس التي أعرفها، ومن ضمنها العبرية، حتى ساعة نشر هذا التحقيق،أي بعد خمس سنوات على انتهائي من كتاب «دمشق الصهيونية 1920-2020» الذي يتضمن هذا التحقيق الذي أنشره اليوم.
كان أول ما لاحظتُه هو أن الإعلام الإسرائيلي لم ينشر ولا صورة واحدة للطيار المزعوم أنه بسام العدل، ولا حتى صورة عن بطاقته العسكرية و/أو لوحته المعدنية التي كان يحمل نسخة منها في عنقه ونسخة أخرى في رسغ يده عند فراره، كما يفعل أي طيار خلال أي طلعة جوية، حتى في حالة السلم! حتى أن المؤتمر الصحفي الذي عقده في «قاعدة مجدّو» بعد يومين من فراره، لم يُسمح بتصويره من قبل الصحفيين الإسرائيليين، لا بالفيديو ولا حتى بالصور الجامدة! وكما في قصة إرفاق صورة الضابط اليمني بقضية بسام العدل، وصل هبل ودجل وحماقة الإعلام العربي إلى حد نشر صورة الطيار الإسرائيلي عوفر صفرا، الذي كان أول من جرّب طائرة «ميغ 23» الهاربة على أنه ... بسام العدل أيضاً! (إعلام غبي وأحمق وجاهل تقوده قطعان من الحمير وتسير خلفه قطعان بلا حدود من البقر العرب، منذ أن وضع لبنته الأساسية النصّاب الأحمق محمد حسنين هيكل، الذي كان يتحدث عن صور أقمار عسكرية أميركية صوّرت تطور «الثغرة» خلال «حرب أكتوبر 1973» على الجبهة المصرية وأبلغت بها إسرائيل، رغم أن الأقمار الصناعية القادرة على القيام بهذه المهمة لم تولد إلا مع «مشروع لاكروس» العسكري الأميركي في العام 1988!!).
بعد ذلك بسنوات، وبموجب دفوعات مالية من مافيات النظام السوري( لاسيما رامي مخلوف و فراس طلاس، بطل عملية استيراد أربعمئة طن من لحم البقر المجنون من أوربا لتسميم السوريين به) فبرك النصاب السافل نضال معلوف، العميل المزمن لـ«الفرع 251» (الفرع الداخلي) في المخابرات العامة، خبراً مجنوناً في موقعه الإخباري «سيريا نيوز» ادعى فيه أن الطيار المزعوم أنه بسام العدل «أصبح بلا عنوان وبلا مسكن ويأكل من القمامة، وأن محكمة في حيفا حكمت عليه بالسجن 16 شهراً بسبب مخالفات جنائية،وأن الإسرائيليين رموه في المزابل بعد أن خدمهم وقدم لهم كنز الأسرار السورية ...إلخ». وذهب الأمر بهذا الأفاك إلى اختراع أسماء محامين إسرائيليين «دافعوا عن بسام العدل أمام محكمة حيفا...إلخ». ولأن الموقع المذكور لم يعد موجوداً «أونلاين» بحلته القديمة،بعد أن أصبح الوغد المذكور «ثورجياً» على مذهب «آل طلاس» الأميركي - الإسرائيلي، وجدتُ - لحسن الحظ - نص خبره المفبرك على موقع «شبكة فولتير» الفرنسية، منقولاً عنه حرفياً بتاريخ 22 حزيران / يونيو 2005 . ومن أجل الأمانة، ينبغي القول إن الخبر المفبرك صيغ و وُزع من قبل اللواء النصاب بهجت سليمان، رئيس «الفرع 251» في إدارة المخابرات العامة آنذاك، على جميع زبائنه من وسائل إعلام رسمية ورديفة كانت مُدارة من قبل فرعه، فضلاً عن زبائنه في لبنان(هذا السافل نضال معلوف، وبتوجيهات الفرع نفسه، كان أحد الذين فبركوا في العام 2008 خبر «زواجي» من الصحفية الإسرائيلية أميرة هاس، إلى جانب السافل الآخر نبيل صالح ، صاحب مزبلة «الجمل بما حمل» ، وتقاضوا مبالغ مالية كبيرة على ذلك، حتى من زعيمة مافيا القصر الرئاسي، أسماء الأخرس، وفق الوثائق التي حصلت عليها، والتي سيصار إلى نشرها حين يأتي دور قضيتها).
بعد ذلك انتشر خبر «بسام العدل الذي يأكل من القمامة» في جميع وسائل الإعلام العربية، التقليدية و الإلكترونية، دون أن يفكر أحد بالبحث ولو لبضع دقائق ليكتشف أن بسام العدل المزعوم غادر إسرائيل إلى دولة أخرى منذ سنوات طويلة جداً، بعد فترة قصيرة من وصوله إلى إسرائيل(ربما بضعة أسابيع أو بضعة أشهر على الأكثر كما سنرى)، وبعد أن منحته السلطات الإسرائيلية هوية جديدة. وسنعرف أدناه إلى أين غادر، وهوية الشخص الذي أعطاه الإسرائيليون هويته كي يغادر بها، والذي لم يكن سوى مواطن لبناني جرى اعتقال شقيقه، وهو صف ضابط في قوى الأمن الداخلي اللبنانية، عند نقطة الحدود السورية - اللبنانية في جديدة يابوس/ المصنع قبل موته المفاجىء في ظروف غامضة في «سجن عدرا»!!!
فبركة الأخبار عن الطيار المزعوم أنه بسام العدل لم تقف هنا، بل وصلت في العام 2012 إلى حد انتشار خبر في وسائل الإعلام العربية يزعم أن المخابرات السورية «حاولت اختطافه من إسرائيل من خلال مواطنين سوريين من أبناء بلدة مجدل شمس في الجولان المحتل يديرهم، من داخل سوريا، المناضل والأسير المحرر مدحت صالح» (الذي استشهد في 16 أكتوبر 2021 بنيران قناص إسرائيلي أطلق عليه النار من وراء خط وقف إطلاق النار بينما كان عائداً إلى منزله قرية «عين التينة» المتاخمة للمنطقة العازلة)! وفي الواقع لم تكن قضية «محاولة اختطاف بسام العدل» بلا أساس، لكن الإعلام السوري والعربي، إعلام الفهلوة والأونطة، فهم القصة «من طيزها»، كالعادة! ففي العام 2012 ألقت الشرطة الإسرائيلية القبض على مواطنين سوريين من أبناء الجولان المحتل بعد أن وصلتها معلومات تفيد بأنهم يخططون لاختطاف مواطن سوري مقيم في قرية «باقة الغربية» جنوب حيفا المحتلة ثم نقله إلى دمشق! وبعد التحقيق معهم وإحالتهم إلى المحكمة، تبين أن هناك التباساً في الأمر، وأن الشخص المستهدف لم يكن العدل المزعوم، بل شخصاً آخر، فضلاً عن توجيه تهم أخرى لهم من قبيل جميع المعلومات والتقاط صور لمواقع جيش الاحتلال لصالح المخابرات السورية. أما إعلام الأونطة والفهلوة العربي ، وكالعادة، لم يفكر أو يتساءل : كيف يمكن طياراً هارباً من سوريا، سواء أكان العدل أم غيره، أن يقيم في قرية عربية مثل «باقة الغربية» قد يذبحه أهلها بشفرات الحلاقة وسكاكين المطبخ مجرد أن يكتشفوا هويته!؟
في خضم تلك المعمعة الإعلامية بثت قناة «العالم» الإيرانية تقريراً عن القصة في العام 2005 ؛لكن سرعان ما جرى حذفه من موقع القناة وأرشيفها بطلب من السلطات السورية، نتيجة لتضمنه إشارات تنسف - رغم محدوديتها- الرواية الرسمية من أصلها وفصلها. فقد أشار التقرير إلى أن «الطيار (ع) هو ابن رئيس الأركان السوري. وقد طلب إذناً بتنفيذ طلعة خاصة بتلك الطائرة الحديثة في تلك الأيام تكريماً للرئيس حافظ الأسد ...إلخ». ومن سوء الحظ أني لم أتمكن من الحصول على التقرير كاملاً من المصدر، رغم محاولاتي العديدة وتواصلي مع بعض العاملين في القناة؛إلا أن أحد الأصدقاء كان صور مقطعاً منه عند بثه واحتفظ به وأرسله لي، بعد أن لفتتْ انتباهه العبارة المذكورة أعلاه.
تقرير «قناة العالم» غير الكامل
ما يُلاحظ في التقرير أن معديه حرصوا على الإشارة في هذا المقطع إلى الطيار بحرف واحد (ع). ومن المؤكد أنهم لم يقصدوا به «العدل»، لأن اسمه الكامل المتداول على أنه محمد بسام العدل كان أصبح معروفاً ومتداولاً على نطاق واسع في العالم كله منذ 16 عاماً قبل بث التقرير، ولم يكن ثمة مانع أمني أو قانوني أو مهني يمنعهم من ذكر اسمه صريحاً بسام العدل، لو أنهم قصدوا به هذا الاسم! وبحسب الصديق الذي أرسل لي المقطع في حينه، فإن ما لفت انتباهه ودفعه إلى المسارعة لتصويره، هو أن التقرير ذكر في بدايته ثلاثة أحرف من الاسم الثلاثي للطيار، وهي ( ع.أ.ص.). لكن الأكثر أهمية في التقرير هو تعريفه الطيار على أنه «ابن نائب رئيس الأركان السوري». هذا مع الإشارة إلى أن باقي الصور ومقاطع الفيديو التي دمجها معد التقرير في تقريره ليست سوى استعادة لقصة المعاتيه العرب عن «بسام العدل الذي حوكم في محكمة حيفاوية بسبب مخالفات جنائية، وأصبح يأكل من القمامة»!
رئيس الأركان السوري يومها كان العماد حكمت الشهابي، ولم يكن له سوى نائب واحد آنذاك هو العماد علي أصلان الذي لم يكن لديه سوى ابن واحد في الجيش هو أوس أصلان، ولم يكن طياراً بطبيعة الحال، بل ضابط مدرعات. إذن، ثمة خطأ في تقرير قناة «العالم» لجهة وصف الطيار بأنه «ابن نائب رئيس الأركان»، لكنه لم يأتِ من فراغ، ولم يكن دون أساس. فقد تبين لي أنهم كانوا يقصدون ضابطاً برتبة عميد يدعى أحمد صقر، من الساحل السوري ( فالكنية منتشرة في محافظتي اللاذقية وطرطوس كلتيهما وفي أكثر من مكان). وكان هذا الضابط يخدم في موقع إداري في مقر رئاسة الأركان حتى تقاعده أواسط الثمانينيات، وليس في وحدة عسكرية ميدانية. وبغض النظر عمّا إذا كان الطيار الفار هو ابنه، أم مجرد تقاطع وتشابه في الأسماء، فإن الوثائق الرسمية الأخرى لا تدع مجالاً للشك في أن الطيار الفار كان شخصاً آخر غير بسام العدل (....).
وثائق سورية - ألمانية / شرقية:
في 16 أكتوبر 1989، أي بعد فرار الطيار بخمسة أيام، جرى احتفال مركزي بمناسبة«عيد القوى الجوية والدفاع الجوي». وكما يحصل في مناسبات من هذا النوع، جرت دعوة سفراء «الدول الصديقة» والملحقين العسكريين في سفاراتها. وعلى هامش الاحتفال حصل لقاء غير رسمي بين كارل -هاينز لوغنهايم Karl-Heinz Lugenheim، سفير ألمانيا الديمقراطية/ الشرقية، واللواء محمد الخولي. وفي ذلك الوقت كانت ألمانيا الديمقراطية دخلت مرحلة انعدام الوزن بسبب صفقة غورباتشوف مع الرئيس الأميركي جورج بوش الأب ومستشار ألمانيا الغربية هيلموت كول. أما الخولي فكان أصبح يومها نائباً لقائد القوى الجوية بعد أن أبعده الأسد عن رئاسة المخابرات الجوية بضغط من رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت ثاتشر على خلفية توريطه من قبل الموساد والمخابرات الأردنية في قضية «طائرة إلعال» الإسرائيلية في 16 نيسان / أبريل 1986، أو ما يُعرف بـ«قضية نزار هنداوي»(3 ). وكان الخولي،كما هو معلوم، صديقاً لجهاز مخابرات ألمانيا الشرقية منذ أن تلقى تدريبه في «أكاديمية شتراوسبيرغ الجوية» مطلع السبعينيات.
خلال اللقاء غير الرسمي، الذي شارك فيه أيضاً الملحق العسكري، العقيد هارتموت نيفيغر Hartmut Nieweger ، وطبقاً لتقرير السفير لوغنهايم الذي أرسله في اليوم التالي ( 17 أكتوبر) إلى وزير خارجية بلاده أوسكار فيشر، ورئيس مخابرات بلاده ، فيرنر غروسمان Werner Großmann، جرى التطرق إلى قضية الطيار السوري الهارب إلى إسرائيل، التي كانت لم تزل ساخنة وحديثَ وسائل الإعلام العالمية كلها. ونظراً لأهمية ما ورد فيه، من المفيد تثبيت ترجمته الحرفية هنا بنصه الكامل (صورة عنه منشورة جانباً):
دمشق، 17 أكتوبر 1989
إلى الرفيق فيشر،
يوم أمس، 16 أكتوبر،الذي صادف «اليوم الوطني للقوى الجوية والدفاع الجوي» في الجمهورية العربية السورية، وعلى هامش الاحتفال الرسمي بالمناسبة، التقيت اللواء محمد الخولي، نائب قائد القوى الجوية، الذي حرص على توجيه دعوة خاصة لي وللرفيق الملحق العسكري، العقيد هارتموت نيفيغر، الذي شاركنا في اللقاء.
خلال اللقاء غير الرسمي تحدثنا في مواضيع مختلفة، من بينها قضية فرار طيار سوري إلى إسرائيل في 11 من هذا الشهر بطائرة ميغ 23، والتي تحولت إلى خبر رئيسي في وسائل الإعلام العالمية. وكان ملاحظاً أن اللواء الخولي ألمح إلى أن قضية فرار الطيار «مسرحية مدبرة وقفت وراءها جهة في المخابرات السوفييتية من أنصار ميخائيل غورباتشوف من أجل إحراج الحكومة السورية على خلفية الخلاف الذي حصل بين الرئيس حافظ الأسد والقيادة السوفييتية خلال زيارته الأخيرة إلى موسكو في إبريل 1987». وفق تقديرات ومعلومات اللواء الخولي، فإن إحدى الجهات العليا في لجنة أمن الدولة [السوفييتية]، والتي تدعم ميخائيل غورباتشوف، جندت الطيار السوري،بالتعاون مع الاستخبارات الإسرائيلية وسيدة سوفييتية/أوكرانية،خلال وجوده في الفوج 715 التابع لقاعدة لوغوفايا في جمهورية كازاخستان لاتباع دورة تحويل من ميغ 21 إلى ميغ 23»، وأن «هناك جهة داخل الأجهزة الأمنية السورية كانت متواطئة في عملية تهريبه». وبسبب عدم خبرتي في أمور الطيران، سألته عن السبب الذي يدفع جهة رسمية سوفييتية إلى المساعدة على وضع تكنولوجيا عسكرية في أيدي إسرائيل، وبالتالي الولايات المتحدة، فقال «الميزات التكنولوجية للطائرة فقدت قيمتها منذ أن باع المصريون طائرة ممثالة إلى وكالة المخابرات المركزية في العام 1977».
وكان ملاحظاً أن اللواء الخولي نفى أن يكون اسم الطيار المتداول في وسائل الإعلام ( بسام العدل) هو الطيار الهارب، لكنه اعتذر عن ذكر اسمه الحقيقي.
السفير لوغنهايم
نسخة إلى الرفيق غروسمان
(انتهت البرقية)
لم يكن الخولي يهرف بما لا يعرف! فهو أولاً وأخيراً ضابط مخابرات، والمؤسس الفعلي للمخابرات الجوية، فضلاً عن كونه طياراً و نائب قائد القوى الجوية آنذاك، وأحد أقرب ثلاثة إلى حافظ الأسد وصندوق أسرار البلاد والعباد. ولهذا ينبغي أخذ كلامه على محمل بالغ الجدية، خصوصاً وأنه كان أشبه بإفضاء سر إلى سفير «دولة صديقة». فقد أكد، دون مواربة، أن قصة هرب الطيار بطائرته كانت «مؤامرة سوفييتية - إسرائيلية» وقف وراءها جناح في «لجنة أمن الدولة» موالٍ لزعيم الكريملن آنذاك ميخائيل غورباتشوف من أجل «إحراج الأسد». وربط ذلك بقصة زيارة الأسد الأخيرة إلى موسكو في نيسان / أبريل 1987 ،التي كرّسها لبحث تزويد سوريا بسلاح حديث من أجل «التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل»، وهو الشعار الذي كان رفعه الأسد قبل ذلك ببضع سنوات. ويومها، كما جاء في محضر الاجتماع الذي نشرنا مقتطفات منه في «داخل الكريملن ...»، رفض غورباتشوف ذلك، وأكد لضيفه – بما معناه – أن الجمعية الخيرية السوفييتية أغلقت أبوابها وبدأت تصفي حساباتها ودفاترها القديمة، وأن صادرات السلاح السوفييتي أصبحت منذ اليوم خاضعة لمعايير تجارية ومنطق السوق، وليس للعلاقات السياسية والمعايير الأيديولوجية. ويومها، كما جاء في محضر الاجتماع، نصح ضيفَه بأن يكرّس ما تسرقه بيروقراطية النظام السوري من المال العام من أجل شراء السلاح، بدلاً من الحصول على السلاح السوفييتي بالدَّين،ويقوم في الآن نفسه بصرف مدخرات سوريا من العملات الصعبة على شراء السيارات الفارهة والرخام والسلع الفاخرة من الأسواق الإمبريالية، قبل أن يصف هذا السلوك باللاأخلاقي، لاسيما حين يحصل بين أصدقاء، ويشبّه الأسد بـ«كفّار مكة»، مستخدماً الآية القرآنية «تلك إذن قِسمةٌ ضِيزى»! ومن الواضح أن غورباتشوف وجهاز مخابراته كانا يريدان إيصال رسالة إلى الأسد بصيغة سؤال استنكاري مبطّن مفاده «كيف تطلب منا أن نزودكم بالسلاح الحديث إذا كان لديك ضباط يفرّون بطائراتهم إلى حضن العدو؟». وما لا يقل أهمية عن ذلك أن الخولي نفى للسفير الألماني أن يكون الاسم المتداول في الإعلام ( بسام العدل) هو اسم قائد الطائرة الفارّ، لكنه رفض الإفصاح عن اسمه الحقيقي، كما يقول السفير في تقريره!
بعد ذلك بحوالي شهر، وبتاريخ 23 نوفمبر 1989، اجتمع السفير الألماني نفسه، كارل - هاينز لوغنهايم، مع السفير الإيراني في دمشق محمد حسن أختري، بناء على طلب هذا الأخير،لبحث التطورات السياسية في ألمانيا الديمقراطية. وفي ذلك التاريخ كان إيغون كرينز تسلّم قيادةَ الحزب والدولة خلفاً للرئيس هونيكر الذي غادر إلى تشيلي للعيش مع ابنته المتزوجة هناك، بعد اتفاقية غورباتشوف - كول «لبيع» ألمانيا الديمقراطية إلى ألمانيا الغربية بمبلغ 4 ملايين دولار! (4). فقد كان السفير الإيراني يريد معرفة ما إذا كانت هذه التطورات ستؤثر على علاقات ألمانيا الديمقراطية مع كل من سوريا وإيران؟ وخلال الاجتماع الذي دام ساعتين، جرى التطرق أيضاً إلى قصة الطيار السوري الهارب، التي كانت لم تزل موضوعاً يتصدر اهتمامات وسائل الإعلام العالمية. وفي اليوم نفسه أرسل السفير لوغنهايم تقريراً عن اجتماعه إلى وزارة خارجية بلاده ورئيس جهاز استخباراتها فيرنر غروسمان الذي خلف ماركوس فولف بعد تقاعده في العام 1986. وهنا ترجمة حرفية للتقرير( المنشورة صفحتاه جانباً):
دمشق في: 23 نوفمبر 1989
تقرير معلومات
بناء على طلبه،استقبلت اليوم على مدى حوالي ساعتين سفير جمهورية إيران الإسلامية ، السيد محمد حسن اختري، الذي يعتبر مهندس العلاقات السياسية السورية- الإيرانية، والذي يتمتع بعلاقات قوية وعميقة مع الأجهزة الأمنية السورية، ويعتبر المرجعية العليا لأنشطة «حزب الله» اللبناني العسكرية في كفاحه ضد قوات الاحتلال الإسرائيلية.
كان من الواضح أنه يريد معرفة حقيقة التطورات السياسية في جمهورية ألمانيا الديمقراطية وبدء القوات السوفييتية سحب قواتها منها، وما إذا كانت العلاقات مع الجمهورية العربية السورية وإيران ستتأثر في ظل الرفيق إيغون كرينز؛ لكنه ركز اهتمامه بشكل أساسي حول ما أشيع عن «اتصالات غير معلنة بين حكومة بلادنا والحكومة الإسرائيلية بضغط من الاتحاد السوفييتي من أجل موافقة جمهورية ألمانيا الديمقراطية على دفع تعويضات لمواطنيها اليهود السابقين وفق معاهدة لوكسمبورغ 1952،واحتمال الاعتراف بدولة إسرائيل».
خلال عرضه موقف بلاده،الذي تجدونه في ملحق هذا التقرير،أكد لنا المعلومات التي كان أخبرني بها اللواء محمد الخولي الشهر الماضي، وأوضح أن الطيار الفار، الذي جرى تجنيده خلال اتباعه دورة تدريبية في الاتحاد السوفييتي،هو ابن أحد الضباط في هيئة الأركان العامة السورية، لكنه لا يتذكر اسمه بالضبط (*). وقال «إن الطيار كان في مهمة اختبار أجهزة إلكترونية وتعديلات جديدة أدخلها المهندسون السوريون على نظام الملاحة والاستطلاع والتسليح في الطائرة، بعد أن رفضت موسكو تزويد سوريا بأسلحة جديدة وحديثة». لكن أكثر ما يلفت الانتباه هو تأكيده أن ضابطاً في جهاز المخابرات التابع للقوى الجوية برتبة عميد،يدعى علي مملوك، هو الجهة السورية المتواطئة بشكل غير رسمي في عملية تهريب الطيار». وأكد أن لديهم معلومات مؤكدة تشير إلى أن ضابطاً كبيراً في قوات الدفاع الجوي حاول إسقاط الطائرة عند اقترابها من الحدود الإسرائيلية،لكن جرى منعه من ذلك واعتقاله من قبل الجنرال مملوك». كما أكد أن هذا الأخير «أقدم على إطلاق سراح المرأة السوفييتية-الإسرائيلية التي جندته و تهريبها إلى لبنان بسيارته الرسمية الخاصة».
(*) ـ يرجى مراجعة برقيتنا رقم 39 / 1989 .
السفير
كارل - هاينز لوغنهايم
نسخة إلى الرفيق غروسمان
(انتهى التقرير)
من الواضح أن السفير الإيراني أختري كان أكثر «كرماً» من الخولي في الإفصاح عن المعلومات المتعلقة بقضية فرار الطيار السوري. فقد أشار إلى أن علي مملوك هو من يقف وراء تدبير عملية فرار الطيار، وأن هذا الأخير هو «ابن ضابط في هيئة الأركان السورية»، وأن مملوك أقدم على تهريب المرأة السوفييتية- الأوكرانية التي جندت الطيار إلى لبنان بسيارته الرسمية الخاصة! وفي إشارة منه إلى العميد عصام أبو عجيب، قائد «اللواء 77» في الدفاع الجوي، ولكن دون أن يسميه، أكد أن «أبو عجيب» حاول إسقاط الطائرة، لكنه مُنع من ذلك وجرى اعتقاله من قبل مملوك!
اللافت أن رئيس شعبة المخابرات، اللواء علي دوبا، أو أحداً ما من ضباط مكتبه، كتب ملاحظة في أعلى التقرير تقول «لا توجد رحلات جوية في هذا اليوم من مطار بيروت»، وطلب من الفرع المذكور - لهذا السبب، وبسبب ما أثاره الأمر من شكوك لديه - بـ «التحقق من هوية هذه السيدة»! والواقع، وحين العودة إلى سجلات الحركة في مطار بيروت في تلك الفترة، يظهر أن علي دوبا وضباطه كانوا على حق في ملاحظتهم؛فالمطار كان مغلقاً بوجه الرحلات الجوية في ذلك اليوم، سواء القادمة أو المغادرة، بسبب المواجهات بين قوات الجنرال ميشيل عون و قوات الجيش السوري وحكومة الرئيس سليم الحص (ما عرف بـ «حرب التحرير»)، رغم أن المطار كان أعيد افتتاحه شكلياً في 25 أيلول / سبتمبر بعد توقف دام أكثر من ستة أشهر!
ولكن من هي هذه المرأة ، المزعوم أنها فرنسية!؟
هذا ما سيحدده تقرير رئيس«الفرع 227»، هشام الاختيار، بعد بحثٍ وتحرٍ لقرابة شهر، تنفيذاً لأوامر رئيسه علي دوبا. ففي 5 نوفمبر 1989، أرسل الاختيار تقريراً مفصلاً ( صورة عنه منشورة جانباً) يقول فيه إن التحقيق أظهر أن السيدة التي كانت مسافرة في السيارة الرسمية الخاصة برئيس فرع التحقيق في المخابرات الجوية بتاريخ 11 أكتوبر، «لم تكن فرنسية، بل أوكرانية، تحمل جواز سفرٍ سوفييتياً ساري المفعول، صادراً في كييف بتاريخ 23 أيار / مايو 1989، وقد دخلت القطر بطريقة نظامية عبر مطار دمشق الدولي بتاريخ يوم الأحد 24 أيلول / سبتمبر 1989 قادمةً على متن رحلة لشركة طيران «إيروفلوت» السوفييتية،بناء على تأشيرة سياحية (فيزا) من القنصل السوري العام في موسكو بتاريخ 13 أيلول/ سبتمبر1989». ويوضح التقرير ، استناداً إلى المعلومات التي قدمتها السفارة السوفييتية بدمشق عبر وزارة الخارجية السورية،أن اسم المرأة هو أفيتال غورفيتش Авіталь Гурвіч ، وهي من مواليد مدينة «لفيف» الأوكرانية بتاريخ8 /3 / 1947.
وطبقاً للتقرير، فإن المرأة البالغ عمرها واحداً وأربعين عاماً، أقامت في فندق الميريديان ( «داما روز» حالياً) بناء على حجز مسبق لمدة ثلاثة أسابيع، لكنها غادرت الفندق فجأة قبل انتهاء مدة الحجز بأربعة أيام بصحبة شخص سوري اسمه (علي) في أواخر العشرينيات وبداية الثلاثينيات من عمره كان يتردد عليها خلال إقامتها. وقد بررت مغادرتها المفاجئة بأن والدتها توفيت وتريد العودة إلى بلادها. ومن الملاحظ أنها غادرت الفندق عند حوالي الخامسة من مساء يوم 10 أكتوبر 1989، أي قبل عبورها إلى لبنان بسيارة فرع التحقيق في المخابرات الجوية بحوالي ثماني ساعات (كما جاء في التقرير الأول الذي رفعه «الفرع 227» بناء على برقية من مفرزته الحدودية). كما أن توقيت مغادرتها جاء قبل فرار الطيار والطائرة إلى إسرائيل بحوالي 18 ساعة، والذي حصل عند الحادية عشرة من قبل ظهر يوم 11 أكتوبر، كما بات معلوماً. وما لا يقل أهمية عن ذلك هو كذبها بشأن طبيعة عملها. فهي ذكرت لموظفي الفندق خلال دردشتها معهم أنها درست العربية في القاهرة، وأن اختصاصها هو التاريخ الفرعوني، بينما ذكرت السفارة السوفييتية في دمشق، رداً على استفسار السلطات السورية بشأنها، أنها «مهندسة تعمل في ورشة أو مصنع لإصلاح / تعمير الطائرات» في مدينة «لفيف» الأوكرانية.
يتضح من اسمها أنها من الطائفة اليهودية الأشكنازية؛ فكل من لديه معرفة مثلي بتاريخ هذه الطائفة و ثقافتها و تاريخها الأنثربولوجي في أوربا الشرقية، وباللغة العبرية واليديشية، يعرف أن اسم «أفيتال» هو اسم يكاد ينحصر استخدامه في أوساط الطائفة المذكورة (للإناث بشكل أساسي، رغم أنه اسم محايد جندرياً). وهو اسم إحدى زوجات النبي العرص داود، كما يخبرنا «العهد القديم» (سفر «صموئيل الثاني»: الإصحاح 3، الآية 4). ويعني اسم «أفيتال/أفيطال: אביטל» حرفياً «أبو الندى»، وهو مركب من مقطعين «أب/ أفيאב» و «تال/طال = ندى טל»(وهو بالمناسبة الاسم الآخر للندى أو الرذاذ المطري الصباحي الخفيف في اللغة العربية: الطل).أما الاسم الثاني للمرأة/ كنيتها )غورفيتش(، فهو أيضاً اسم مستخدم على نحو شبه حصري في أوساط اليهود الأشكناز، بلفظه متعدد الأشكال ( غورفيتش، هورفيتش، هورفيتز ..إلخ) في اللغات السلافية، والذي يعني «شبل الأسد» (الاسم العبري «غور= أسد» واللاحقة السلافية «فيتش» التي تعني «ابن»). وعليه : ليس ثمة شك في أن المرأة المذكورة منحدرة من الطائفة اليهودية الأشكنازية، وتعمل مع الإسرائيليين، وربما كانت تعيش في إسرائيل آنذاك، لكنها مزدوجة الجنسية واستخدمت جواز سفرها السوفييتي/ الأوكراني للقدوم إلى سوريا، كما يفعل معظم اليهود الذين قدموا إلى فلسطين من الغرب والشرق،والذين يستخدمهم جهاز «الموساد» في معظم عملياته السرية، لاسيما في العالم العربي، حيث يدخلون إلى البلدان العربية بجوازات سفر صادرة عن بلدانهم الأصلية قبل أن يصبحوا إسرائيليين (...).
֎֎֎
بعد حوالي ثمانية عشر عاماً على تلك الوقائع، وفي مطلع العام 2007 على وجه التحديد، ستقوم المفرزة الحدودية السورية في معبر «جديدة يابوس/ المصنع»، التابعة للمخابرات العسكرية( الفرع227) باعتقال المعاون الأول في الأمن العام اللبناني قيس سلمان منذر أثناء قدومه إلى سوريا لزيارة أقربائه في ريف دمشق وإحدى المحافظات السورية الأخرى (السويداء؟). ويبدو أنه كان يتردد منذ سنوات طويلة على سوريا للسبب العائلي نفسه. وكان توقيفه، خصوصاً وأنه موظف حكومي لبناني، موضوع أخذ ورد بين السلطات السورية واللبنانية عبر نصري خوري، أمين عام «المجلس الأعلى السوري - اللبناني» الذي كان ينسّق العلاقات السورية-اللبنانية بعد خروج القوات السورية ربيع العام 2005 وقبل إقامة علاقات ديبلوماسية بين البلدين في العام 2008. وهذا ما يتضح من خلال جواب أرسله رئيس شعبة المخابرات العسكرية، آصف شوكت، إلى «مكتب الأمن القومي» بتاريخ 5 آذار / مارس 2007 حول قضية توقيف قيس سلمان منذر. ومن الواضح أن توقيفه كان على خلفية قضية الطيار السوري الهارب إلى إسرائيل في 11 أكتوبر 1989! فما هي العلاقة بين الواقعتين؟
هذا ما سنحاول معرفته من خلال جواب رئيس شعبة المخابرات إلى مكتب الأمن القومي (المنشورة صورة عنه جانباً)، والذي جاء فيه :
5/ 3/ 2007
الرفيق رئيس مكتب الأمن القومي
تحية عربية،
جواباً على كتابكم رقم ( ١٩/ ص. أ. ق ) تاريخ ٢٧ / ٢ / ٢٠٠٧ ، المعطوف على استفسار الأستاذ (نصري خوري)، الأمين العام للجلس الأعلى السوري-اللبناني، بخصوص توقيف المعاون الأول في قوى الأمن الداخلي (قيس سلمان منذر)، نفيدكم بما يلي:
١) ـ حصل التوقيف من قبل مفرزة المركز الحدودي في نقطة الحدود (جديدة يابوس/ المصنع)، التابعة للفرع ٢٢٧ في شعبة المخابرات العسكرية.
٢) ـ استندت مذكرة التوقيف الصادرة عن (الفرع ٢٩٣) في شعبة المخابرات إلى معلومات تلقاها (الفرع ٢٢٧) من مديرية المخابرات في الجيش اللبناني و(المقدم وسام الحسن) رئيس فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي اللبناني.
٣) ـ أكدت المعلومات التي استندت إليها مذكرة التوقيف أن العدو الإسرائيلي تواصل مع الموقوف (قيس سلمان منذر) منذ أواخر العام ١٩٨٩ومطلع العام ١٩٩٠من خلال أحد أقربائه من العملاء القدامى في قرية (ضهر الأحمر) في قضاء (راشيا) وطلب منه ، بحكم عمله في قوى الأمن الداخلي، استخراج جواز سفر لبناني نظامي باسم شقيقه (خطار سلمان منذر) الفار إلى فلسطين المحتلة، بزعم أن شقيقه يريد الهجرة [من إسرائيل] إلى إحدى الدول الأوربية.
٤)ـ تبين أن جواز السفر الذي استخرجه الموقوف باسم شقيقه كان من أجل استخدامه من قبل الطيار السوري ( ع . أ. ص.) الذي فر في العام ١٩٨٩ لكي يستخدمه للخروج من فلسطين المحتلة والهجرة إلى أستراليا والعيش فيها تحت اسم مستعار. وقد تأكدت سفارتنا في أستراليا أن الطيار الفار ( ع . أ. ص.) يعيش في أستراليا فعلاً تحت اسم (خطار سلمان منذر) منذ مطلع التسعينات، وقد حصل على الجنسية الأسترالية بنفس الاسم.
٥) ـ لا يزال
الموقوف رهن التحقيق لمعرفة دقة المعلومات الجديدة وما إذا كان على علم مسبق بأن
جواز السفر الذي استخرجه باسم شقيقه سيجري استخدامه من قبل العدو، أم أنه خضع
لعملية خداع [من قبل الإسرائيليين]. وسيصار إلى إطلاق سراحه أصولاً في حال ثبت أنه لم يكن على علم مسبق
بذلك، وأنه لا يقوم بأنشطة مشبوهة داخل القطر خلال زياراته المتكررة لأقربائه في
ريف دمشق وإحدى المحافظات السورية. (انتهت مذكرة شعبة المخابرات).
ولعل المعلومة الأهم في المذكرة الجوابية هو أن شعبة المخابرات تلقت معلومات من السفارة السورية في أستراليا تفيد بأن «الطيار السوري الفار يعيش في أستراليا منذ مطلع التسعينيات تحت اسم خطّار سلمان منذر»! وهذا ما يتقاطع تماماً مع التقارير الصحفية الإسرائيلية التي أشارت إلى أن الطيار المزعوم أنه بسام العدل غادر إسرائيل للعيش في بلد آخر، دون أن تسمي هذا البلد بطبيعة الحال،بعد فترة قصيرة من فراره إلى إسرائيل (كما أوردت صحيفة ها آرتس في 6آب/أغسطس 2010، والموقع الرسمي لسلاح الجو الإسرائيلي ).
في الواقع لم يكن شوكت يتحدث من فراغ أو في الهواء حين تحدث عن أن الطيار السوري الفار يعيش في أستراليا تحت اسم خطار سلمان منذر. فقبل أكثر من عام على تقريره هذا إلى مكتب الأمن القومي، وتحديداً في 5 / 7 / 2006، كان رفع تقريراً تفصيلياً مسهباً من صفحتين إلى بشار الأسد هو الأخطر من نوعه في سياق هذه القضية (منشور جانباً). فقد كشف عن تلقي شعبة المخابرات معلومات من موظف أمني في السفارة السورية في أستراليا (يُعتقد أنه ضابط أمن السفارة؟) تفيد بأن هناك شخصاً في الأربعينيات من عمره اسمه خطار سلمان منذر، وهو صديق مقرب جداً من السفير السوري في أستراليا تمام سليمان، ويحضر جلسات اجتماعية مع السفير يشارك فيها السفير اللبناني ميشيل بيطار. وحين استفسر عنه ، عرّفوه له بأنه «مهاجر لبناني منذ سنوات وعضو في «مجموعة أصدقاء سوريا» التي أسسها السفير السوري بعد وصوله إلى أستراليا). لكن الموظف لاحظ أن خطار يتحدث باللهجة الساحلية السورية، ولا يوجد نبرة واحدة لبنانية في لهجته! وعندها سأل السفير تمام سليمان عن سر ذلك، فقال له إنه من أقربائه، وقد هاجرت عائلته إلى منطقة «جبل محسن» القريبة من طرابلس، قبل أن تهاجر مرة أخرى إلى أستراليا في بداية الحرب الأهلية حين كان خطار لا يزال مراهقاً»!
يبدو أن الموظف الأمني لم يقتنع بإجابة السفير تمام سليمان، ولذلك أقام صلة خاصة مع السفير اللبناني ميشيل بيطار من أجل الاستفسار منه عن القصة، كونه كان يحضر الجلسات الاجتماعية مع السفير السوري، فأجابه بأنه «ضابط فر من الجيش السوري خلال فترة وجوده في لبنان. ولأنه كان يواجه مشكلة في أوراقه، أمّنا له ، بمساعدنا صديقنا مدير الأمن العام اللبناني ريمون روفايل، جواز سفر لبنانياً باسم مواطن لبناني قتل خلال غارة إسرائيلية»! لكن السفير بيطار طلب من الموظف الأمني السوري «أن يحتفظ بهذه المعلومات لنفسه لأسباب إنسانية، لأن انكشافها قد يؤدي إلى تجريد خطّار من الجنسية الأسترالية وطرده من أستراليا، وربما محاكمته بتهمة استخدام أوراق غير صحيحة للحصول على الجنسية»! وليس معلوماً ما إذا كان السفير اللبناني يعرف القصة الحقيقية للمدعو خطار سلمان منذر أم أن هذا ما علمه من نظيره السوري؟ وهذا على أي حال ليس أمراً مهماً،لأن المهم في إجابة السفير ميشيل بيطار هو أنها كذّبت رواية السفير السوري و فتحت كوّة جديدة يمكن أن تؤدي إلى معرفة الحقيقة. أما التحول الأهم في موقف الموظف الأمني السوري فهو حصوله ذات مرة على معلومات تفيد بأن المدعو خطار يتردد على السفارة الإسرائيلية في «كانبيرا» و يلتقي السفير الإسرائيلي غابي ليفي. وعندها بادر إلى إبلاغ شعبة المخابرات العسكرية بالأمر( وربما رئيسها آصف شوكت شخصياً؟).
حين تلقى شوكت هذه المعلومات من الموظف الأمني في سفارتنا في أستراليا، بادر إلى إجراء تحقيق واسع في القضية، شملت السجلات العسكرية وبرقيات الفرار الصادرة عن الوحدات السورية في لبنان وعن الشرطة العسكرية منذ العام 1976...إلخ . وفي النتيجة اكتشف أن الرواية كاذبة، فلا يوجد ضابط فار من القوات السورية في لبنان يحمل هذا الاسم! لكن المحققين اكتشفوا وجود تعميم صادر عن نائب القائد وزير الدفاع في حينه، مصطفى طلاس، يحمل تاريخ 14 / 10 / 1989 (أي بعد أربعة أيام على فرار الطيار وطائرته) و يطلب «ترقين قيد» ضابطين من القوى الجوية، الأول يدعى محمد بسام العدل (من السرب 54)، والثاني علي أحمد صقر ( من السرب 77). والترقين في اللغة البيروقراطية العسكرية يعني شطب اسم العسكري من السجلات العسكرية نهائياً، حيثما وجد، لأسباب تتعلق بالموت الطبيعي أو الاستشهاد أو التقاعد أو التسريح العقابي/ الطرد أو الفرار...إلخ. والأغرب من هذا، كما يقول شوكت، إن ترقين قيد الضابطين حصل بأثر رجعي في تاريخين مختلفين، لكن لسبب واحد . فالتعميم يأمر بترقين قيد بسام العدل اعتباراً من 10/ 10/ 1989 ( أي في اليوم السابق على واقعة فرار الطائرة)، بينما ترقين قيد علي أحمد صقر اعتباراً من 11 / 10/ 1989 (أي يوم واقعة الفرار)! أما السبب فهو «حادث جوي بسبب عطل فني خلال طلعة تدريبية وهبوط اضطراري غير ناجح»!
ومع ذلك، كما يلاحظ تقرير شوكت، فإن ما لا يقل أهمية عمّا تقدم هو ورود اسم محمد بسام العدل في قائمة الضباط الـ 83 الذين جرى توقيفهم يوم داهمت الشعبة «وكر حي المزرعة» بتاريخ 10 / 10/ 1989 بطلب من رئيس الشعبة آنذاك ، علي دوبا، وموافقة حافظ الأسد. (راجع تقرير علي دوبا المنشور أعلاه عن القضية). ومع هذا فإن القنبلة الأكبر في تقرير شوكت هي تأكيده أن المدعو بسام العدل كان لا يزال موقوفاً لدى شعبة المخابرات مع زملائه الضباط الآخرين أعضاء «شبكة دعارة حي المزرعة» حين حصلت واقعة فرار الطيار والطائرة السورية إلى إسرائيل، قبل نقلهم - بناء على طلب قائد القوى الجوية محمد علي ملاحفجي - إلى سجون إدارة المخابرات الجوية لتنفيذ العقوبات الصادرة بحقهم، كونهم تابعين للقوى الجوية، باستثناء اثنين منهم يتبعان كتيبة الدفاع الجوي في «الفرقة السابعة».وهذا دليل قطعي رسمي على أن الطيار الفارّ لم يكن بسام العدل، بل طياراً آخر؟
وفي خلاصة التقرير يسجّل آصف شوكت اعتقاده بحصول «عملية خداع واحتيال وتضليل كبيرة في قضية الطيار محمد بسام العدل»، وبأن العدل «جرى التخلص منه قبل رئيس فرع التحقيق في المخابرات الجوية،بعد نقله مع زملائه من مراكز التوقيف التابعة لشعبة المخابرات، في اليوم الذي فرّ فيه الطيار الآخر إلى إسرائيل، من أجل التغطية عملية تجسس كبيرة وقفت وراءها أجهزة مخابرات العدو وجهات معينة في المخابرات السوفييتية». وبناء على ذلك يطلب من بشار الأسد، بصفته القائد العام للجيش والقوات المسلحة، الموافقة على تشكيل لجنة تحقيق مشتركة من شعبة المخابرات ومكتب الأمن القومي و إدارة القضاء العسكري والشرطة العسكرية تكون مخولة بتفتيش كافة سجلات إدارة المخابرات الجوية، وكافة المواقع المشتبه بها العائدة للقوى الجوية والدفاع الجوي، كونها ليست تابعة من الناحية الوصائية الأمنية لشعبة المخابرات العسكرية، ويحتاج تفتيشها إلى قرار خاص من القائد العام للجيش. ومن الواضح أن شوكت ، في إشارته إلى وجوب تفتيش مواقع القوى الجوية والدفاع الجوي المشتبه بها، وليس فقط السجلات، كان يضع في حسبانه البحث عن المكان الذي قد تكون دفنت فيه جثة بسام العدل، ولا معنى لطلبه هذا سوى ذلك!
لكن بشار الأسد، وبدلاً من أن يوافق على تشكيل لجنة تحقيق من هذا النوع، بعد كل ما وُضِع أمامه من معلومات وقرائن خطيرة، كَتب في أعلى تقرير آصف شوكت عبارة «للحفظ وإغلاق ملف القضية»! وهو ما يعني - كما نقول باللغة الدارجة - « سكّر ع الموضوع وانساه وما عاد تجيب سيرته»! (....).
يبدو أن شوكت لم يستجب لنصيحة بشار وتوجيهاته، ولم «يسكّر عَ الموضوع» ولم يغلق الملف، واستمر في «البحبحشة» عن أصل القضية وفصلها، وقضايا أخرى من طينتها، فكان بانتظاره كمين مكتب الأمن القومي الذي نصبه له مملوك و ماهر الأسد يوم 18 تموز/ يوليو 2012!
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش :
(*) ـ يغتنم الكاتب هذا الفرصة، كما ينبغي أن يفعل دوماً في مناسبات من هذا النوع، لتوجيه التحية إلى ذكرى الوزير الراحل وليد المعلم، وإلى المقدم المغدور علي فاضل، والعميد عمر شرق الذي أبحث عنه لمعرفة مصيره منذ سنوات طويلة، عسى أنه لا يزال على قيد الحياة ويقرأ هذه الكلمات. فلولا هؤلاء، وغيرهم ممن لا يزالون جنوداً مجهولين، لم يكن بالإمكان الوصول إلى الكثير من الوثائق السورية و/أو تدقيق وتصويب الكثير من المعلومات المصنفة سرية.
(1) ـ راجع رئيس تحرير «واشنطن بوست» ، بوب وودورد في تقريره لصحيفته بتاريخ 17 شباط/ فبراير1977، وكذلك كتابه:
Bob Woodward: Veil, The Secret Wars of the CIA 1981-1987, Simon & Schuster, 1987, PP. 218, 381.
(2) ـ اعتقل العميد عصام أبو عجيب على خلفية عدد من التهم، لعل أهمها تهمة عجائبية هي «التخطيط لعملية انقلابية لصالح إيران والحرس الثوري»! وكان المرحوم من الطائفة الإسماعيلية قبل أن يصبح «إثني عشرياً» من مقلّدي «آية الله أبو القاسم الخوئي». لكن التهمة الفعلية التي كانت سبباً لاعتقاله هي اتهامه رئيسَ فرع المخابرات الجوية علي مملوك - خلال اجتماع رسمي لقيادة الفرقة الجنوبية في الدفاع الجوي («الفرقة 24») ـ بـ «التواطؤ في قضية تهريب الطيار السوري، وإقدامه على إطلاق سراح المرأة السوفييتية/ الأوكرانية التي جندت الطيار حين كان يتبع دورة تحويل من ميغ 21 إلى ميغ 23 في الاتحاد السوفييتي»، وقوله الحرفي خلال الاجتماع: «إن الجيش الذي يدفع 14 ألف دولار ثمناً لحصان ابن قائده (المقصود باسل الأسد) لكي يمارس هواياته ونزواته، في الوقت الذي لا يجد جندي على الجبهة ما يأكله، هو جيش لا يمكن أن ينتصر في أي حرب حتى لو جاءت ملائكة الله وقاتلت في صفوفه كما قاتلت مع سيدنا محمد في معركة بدر»! (حصلتُ لاحقاً على التقرير الذي رفعه علي مملوك به إلى حافظ الأسد وتسبب باعتقاله حتى الموت بانفجار قلبه!).
(3) ـ قام نزار هنداوي ، الأردني من أصل فلسطيني، بتكليف خطيبته الإرلندية الحامل منه بنقل عبوة مفخخة مؤقتة في حقيبتها من أجل تفجير طائرة تابعة لشركة «إلعال» الإسرائيلية في مطار «هيثرو» بلندن، وأبلغ الشرطة البريطانية عنها قبيل صعودها إلى الطائرة! وبعد ذلك توجه إلى السفارة السورية لكي يوحي بأن سوريا هي من يقف وراءه، قبل أن يهرب من السفارة ويسلم نفسه للشرطة البريطانية! وبعد ذلك بأكثر من ثلاثين عاماً ، نشر عميل المخابرات العسكرية الإسرائيلية آري بن ميناشيه ، وهو تاجر سلاح من أصول عراقية وإيرانية وثيق الصلة أيضاً بتاجر السلاح السعودي عدنان خاشقجي، كتاباً اعترف فيه بأن العملية وقفت وراءها المخابرات الإسرائيلية بهدف «شرشحة» سمعة النظام السوري من خلال وصمه بالإرهاب ودفع الدول الغربية لقطع علاقتها معه، كما سيحصل بالفعل. وكان هنداوي مجنداً لصالح الاستخبارات الأردنية والإسرائيلية. راجع ميناشيه :
Ari Ben-Menashe: Profits of War: Inside the Secret U.S.-Israeli Arms Network, Trine Day 2015, PP.125-126.
في كتابه هذا يكشف أيضاً أنه هو من نصب الفخ لإيران وكان وراء قصة «إيران غيت» ( بيع سلاح أميركي - إسرائيلي من السوق السوداء إلى إيران) بالاشترك مع خاشقجي وضابط مخابرات أميركي يدعى أوليفر نورث. كما ويكشف أنه هو من اتصل مع العميل اللبناني حسن صبرا ( صاحب ورئيس تحرير مجلة «الشراع») من أجل فضح القصة و «شرشحة» إيران أمام العالم!
(4) ـ في ذلك الوقت كان الاتحاد السوفييتي منشغلاً ببيع أصوله المادية والمعنوية في كل مكان من العالم، ومن ضمنها العالم العربي، بعد أن نجح جورج بوش بإيصال غورباتشوف إلى السلطة و«إنهاء الحرب الباردة»، الأمر الذي تولى ترتيبه الإمام صدر الدين آغا خان، عميل وكالة المخابرات المركزية، منذ مطلع الثمانينيات. وفي 12 كانون الثاني/ يناير 1986، أوفدت مخابرات غورباتشوف الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي مع فواز طرابلسي،الأمين العام السابق لـ«منظمة العمل الشيوعي» في لبنان، إلى عدن بمهمة إيصال «تقرير مسموم» (معلومات كاذبة) إلى الرئيس المجرم علي ناصر محمد تحت قناع «التوسط لإجراء مصالحة بين جناحي الحزب الاشتراكي اليمني»، مفادها «إن عبد الفتاح اسماعيل ورفاقه يعدون العدة لتصفيتك مع رفاقك، ومن المفضل أن تقوموا بعمل ما وتتغدوا بهم قبل أن يتعشوا بكم، كما يقول مثل عربي»! وكان هذا العمل الخسيس بالاتفاق مع السعودية التي وعدت بتقديم قروض ميسرة إلى الاتحاد السوفييتي من صناديقها السيادية وإعادة العلاقات مع الاتحاد السوفييتي، المقطوعة منذ ثلاثينيات القرن العشرين، إذا تخلت موسكو عن «المجموعة الشيوعية» في اليمن الجنوبي( القائد الشهيد عبد الفتاح اسماعيل ورفاقه). وفي اليوم الثاني لزيارة حاوي وطرابلسي إلى عدن، دعا علي ناصر محمد إلى اجتماع طارىء للجنة المركزية للحزب. وفور اجتماعهم بادر حرسه الخاص إلى إطلاق النار على المجتمعين وقتلهم، بمن فيهم إسماعيل ورفاقه ، كما أصبح معلوماً، قبل أن يفر ويلجأ إلى سوريا! لكن تقرير محطة مخابرات ألمانية الشرقية في عدن عن المجزرة «يستبعد أن يكون طرابلسي مشاركاً في إيصال التقرير المسموم، و يتهم حاوي وحده بذلك، نظراً لارتباطه الوثيق بمجموعة غورباتشوف، وتدشينه خطوط اتصال مع السعودية من خلال رجل الأعمال السعودي - اللبناني رفيق الحريري»! (في 13 كانون الثاني/ بناير القادم، المصادف ذكرى المجزرة،واستشهاد عبد الفتاح اسماعيل، سأنشر وثائق القضية للمرة الأولى، إن كنت لم أزل على قيد الحياة، وإلا ستتولى زوجتي نشرها).
















No comments:
Post a Comment
Note: only a member of this blog may post a comment.